لعلَّه من المفيد لبحثنا تتَبُّع البيئة) أو البيئات (العلميَّة التي نشأ فيها سيبويه، وتردَّد عليها فلا شك أَنَّ البيئة العلميَّة بما فيها من خلفيَّات ثقافيَّة وفكرية تؤثِّر في مَنْ يحيا بها، وتؤثر بالضرورة في إنتاجه العلمي، وكما يقول الفلاسفة: «إِنَّهُ لا سبيل لنا إلى فهم تاريخ الأعمال إِنْ لم نرجع أولا وقبل كل شيء إلى تاريخ الأفكار» 3.
تشير كتب التراجم إلى ثلاثة أماكن تردَّدَ بينها سيبويه ولم تذكر سواها، وهي:
1 ــــ البيضاء من قرى شِيراز من عَمَل فارس.
وتلك القرية شهدت مولده وفترة قصيرة من صباه، وشهدت أيضا ختام حياته ووفاته.
2 ــــ البصرة، وهي المدينة التي «قدِم إليها وهو غلام، وبها أكمل دراساته وأتمَّ كتابه» 4، فالبصرة هي المدينة التي «نشأ بها» 5، وقضى بها جلَّ عمره؛ بل إِنَّ القِفْطِي نقل عن أحد العلماء قوله أَنَّهُ «من أهل البصرة» 6؛ وهذا يعني أَنَّ تكوينه العلميّ والثقافيّ اكتمل واختمر بالبصرة.
وقد تميزت البصرة بخصوصية جغرافية أدَّت إلى «تَفَرُّدِها» بطابع ثقافيّ مُعَيَّن؛ فقد «أفاد نحاة البصرة من موقع مدينتهم أعظم إفادة؛ فكانوا يرحلون إلى البادية تارة، ويستقبلون الأعراب القادمين من البادية إلى مدينتهم تارة أخرى... أَمَّا قدوم الأعراب من البادية إلى البصرة فقد ظهر في صور متعددة، فمنهم من كان يمكث فترة قصيرة، ومنهم من كان يمكث فترة طويلة، ثُمَّ يعود إلى باديته، ومنهم من كان يطيب له المقام فلا يعود، وكان طلاب اللُّغَة وآدابها يُقْبلون على هؤلاء الأعراب للاستماع إليهم، وأخذ اللُّغَة عنهم» 7.12
وكانت البصرة «مرفأ تجاريًّا للعراق على الخليج العربي؛ فنزلتها عناصر أجنبيَّة كثيرة، ساعدت على اتصالها بالثقافات الأجنبية، وبفلسفة اليونان، وما وضعه أرسططاليس من المنطق وحدوده وأقيسته...؛ وعلى ذلك كان طبيعِيًّا أَنْ تختلط الدراسات اللُّغَوِيَّة بمباحث الفلسفة، وأَنْ يهتمَّ النَّحْوِيّون بالجانب الفلسفي المنطقي في وضع قواعدهم») (1).
ولأمر ما «سُمِّيَ نحاةُ البصرة بأهل المنطق، ولهذه التسمية ما لها من دلالة») (2). ويقرِّرُ الأستاذ أحمد أمين أَنَّ العراقيين ــ بوجه عام ـــ «بزُّوا الحجازيِّين في الرأي وهو ما يسمى القياس») (3)، وأنَّ القياس قد لعب «دورا كبيرا في العصر العباسيّ، وشغل حيزا كبير من العلوم؛ فالقياس في أصول الفقه، وفي فقه اللُّغَة وفي النحو وفي المنطق»، كما توسعوا في «التعليل العقلي والتوسع في الاستنباط، والدِّقَّة في استخراج وجوه الشبه ووجوه الفروق») (4). وقد ظهر تأثيرٌ واضحٌ وجليٌّ لبيئة البصرة على سيبويه، تأثيرٌ له أماراته الجليَّة وآياته الظاهرة وشواهده الصادقة لمن تأمَّلَ ودقَّقَ في الكتاب.
3 ــــ بغداد، وكانت زيارته لها زيارة عابرة؛ إذ وفدها «يطلب الشهرة في دار الخلافة؛ فناظره الكسائي مؤدِّب الأمين بن الرشيد في مسألة الزنبور وغلبه الكسائي؛ فعاد إلى وطنه فارس ومات
هناك» (5).
o