قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه8 ــــ النصب على التعظيم أو الذم

: من المواضع التي ينصب فيها الاسم «النصب على التعظيم أو الشتم»، نصّ على ذلك سيبويه في بعض المواضع، منها الموضع التالي:1234

«واعلم أَنَّهُ ليس كلُّ موضع يجوز فيه التعظيمُ، ولا كلُّ صفة يحسن أَنْ يعظَّم بها.
لو قلت: مررت بعبد الله أخيك صاحبَ الثياب أو البزّاز، لم يكن هذا مما يعظَّم به الرجل عند الناس ولا يفخَّم به.
وأما الموضع الذي لا يجوز فيه التعظيم فأن تذكر رجلاً ليس بنبيهٍ عند الناس، ولا معروفٍ بالتعظيم ثُمَّ تعظمه كما تعظم النبيه.
وذلك قولك: مررت بعبد الله الصالح.
فإنْ قلت مررت بقومك الكرام الصالحين ثُمَّ قلت المُطعِمين في المَحْل) المَحْلُ: الجَدبُ، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلاء (، جاز لأنَّهُ إذا وصفهم صاروا بمنزلة من قد عُرف منهم ذلك، وجاز له أَنْ يجعلهم كَأَنَّه قد عُلموا.
فاستحسن من هذا ما استحسن العربُ، وأجِزْه كما أجازته») 1. ومن خلال تأمل نصّ سيبويه هنا نضع أيدينا على الحقائق التالية: أالتعظيم يرتبط بمواقف سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة ومخصوصة.
ب يحتاج النصب على التعظيم إلى صفات مُعَيَّنَة «تعارف» الناس فيما بينهم على أنَّها صفات «عظيمة» يُفَخَّمُ ويُبَجَّلُ ويُكَبَّرُ صاحبُها، مثل ــ كما ذكر سيبويه في نصه ـــ: «النباهة»، «والإطعام وقت المَحْل»، «والصلاح».
ويجب أَنْ يُعْرَف ما من الصفات يميل بها العُرْفُ إلى استخدامها مع البشر، وما يميل بها العُرْفُ إلى ستخدامه التعظيم «الذات الإلهية».
ت وأنْ يكون صاحب الصفة «معروفا» عند الناس.
ث وأنْ تكون الصفة محل التعظيم «متأصِّلة» في صاحبها.
أي أَنَّنا لكي «ننصب على التعظيم» يجب أَنْ نوفر الشروط الآتية: وجود سياق تعظيمي مُعَيَّن، صفة من الصفات التي يتعارف الناس فيما بينهم على التعظيم بها، وأنْ يُعْرَفَ صاحبُها، وأَنْ تكون هذه الصفة متأصِّلة فيه، ويعرف كونها خاصة بالبشر أم خاصة بالذات الإلهية.
وينبغي أَنْ نشير هنا أَنَّ أحد أسرار النصب على التعظيم ــــ كما يفهم من كلام سيبويه ـــ «العُرْف»، وما «يتعارف» عليه الناس من صفات التعظيم.
وقد يرد على الذهن سؤال هو: هل هناك فرق بين قولنا «نصب على التعظيم» و «نصب على المدح»؟ أقول إنّ هناك فرقا دقيقا بين قولنا «نصب على التعظيم» وقولنا «نصب على المدح»، وقد كان سيبويه ـــ شيخ العربِيَّة ـــ على وعي بهذا الفرق، ولم يضطرب في استخدام المصطلحين.

ولكي نظهر هذا الفرق الدقيق بين استخدام مصطلحي: المدح والتعظيم، يجب أولا الوقوف على «الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية لكلمة المدح».
في هذا الشأن تحدثنا معاجم الفروق اللُّغَوِيَّة أَنَّ كلمة «المدح» لها الخصائص الدِّلالِيَّة التكوينية الاستعمالية الآتية: 1 ـــ المدح يكون للحي وغير الحي كاللؤلؤ واليواقيت الثمينة.
2 ـــ يكون قبل الإحسان وبعده.
3 ـــ وأنَّه قد يكون منهيًّا عنه شرعا.
4 ـــ أنَّه قد يكون بأقوال تدلُّ على أَنَّ صاحبها مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره.
5 ـــ أنَّه يكون بالفعل والصفة؛ وذلك أَنْ يمدح الرجل بإحسانه إلى نفسه وإلى غيره وأَنْ يمدحه بحسن وجهه، وطول قامته، ويمدحه بصفات التعظيم من نحو قادر، وحكيم) 1. ونخرج من هذه الملامح بأمرين: » أن التعظيم أخص من المدح؛ فليس كل مدح تعظيما.
» وواضح من هذه الصفات والملامح الدِّلالِيَّة أَنَّ العرف يتدخل بطريق غير مباشر في تحديدها، فليس من العرف أَنْ يمدح اللؤلؤ والياقوت، وليس من العرف أَنْ يمدح المحسن قبل إحسانه، وليس من العرف المبالغة والإكثار من المدح مما يستوجب نهي الشارع، وليس من العرف المدح بجمال الوجه وطول القامة.
أي أَنَّ العرف يفرق بين ما قد يكون مدحا وبين ما قد يكون تعظيما.
فعندما أقول: «مررت بعبد الله جميلَ الوجه»؛ و «وسلمت على محمدٍ طويلَ القامة» فَإِنَّ الكلمتين «جميل، طويل» قد تنصبان ويكون النصب على المدح؛ أي بتقدير أمدح، ولا يصح النصب على التعظيم؛ لأَنَّ جمال الوجه وطول القامة ليسا من الصفات «المتعارف عليها بين الناس بالتعظيم والتفخيم والتبجيل والتكبير».
وعندما نقول: «مررت بعبد الله الصالحَ»، إذا أردنا النصب فَإِنَّ الأفضل والأحسن ــــ إذا عُرف عن عبد الله صفة الصلاح وتهيَّأت ظروف سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة ـــــ أَنْ نقول إِنَّ كلمة «الصالحَ» منصوبة على التعظيم.
إنَّ الفرق بين التعظيم والمدح كان واضحا في ذهن سيبويه، لذلك كان في منتهى الدقة عند استعماله لمصطلح التعظيم.

ولا شك أَنَّ تلك الشروط التي استنبطناها من نصّ سيبويه للنصب على التعظيم هي شروط سِيَاقِيَّة بامتياز، فالنصب على التعظيم يحتاج إلى موقف له خصوصية سِيَاقِيَّة مُعَيَّنَة، وهي في الغالب مواقف المدح والثناء، والعرف يتدخل في تحديد الصفة التي يعظم بها، والصفات التي يُعَظَّم بها تختلف من جماعة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر، والشخص المعظم يجب أَنْ يكون معروفا بين جماعته اللُّغَوِيَّة بهذه الصفات؛ لهذا قال السيرافي: «يحتاج التعظيم إلى اجتماع معنيين في المعظم: أحدهما أَنْ يكون الذي عُظِّم به فيه مدح وثناء ورفعة.
والآخر: أَنْ يكون المعظم قد عرفه المخاطب وشهر عنده بما عظم به، أو يتقدَّم من كلام المُتَكَلِّم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدح وثناء وتشريف في المذكور يصح أَنْ يورد بعدها التعظيم») 1. وما يصحُّ للتعظيم لذات الله ـــ عز وجل ــــ قد لا يصح للبشر، والعكس بالعكس، فـ «ليس كل شيء من الكلام يكون تعظيما لله عز وجل يكون تعظيما لغيره من المخلوقين: لو قلت: الحمدُ لزيد تريد العظمةَ لم يجز، وكان عظيمًا)؛ أي كان أمرا عظيما غير مغتفر (») 2. ومن خلال السِّياق نُفَرِّق بين النصب على التعظيم أو الشتم وبين النصب على أساس أي معني آخر، فمثلا:

  • قول الشاعر: لا عَيبَ بِالقَومِ مِن طولٍ وَلا عِظَمٍ... جِسمُ البِغالِ وَأَحلامُ العَصافير [بحر البسيط] «فلم يردْ أَنْ يجعله شتما، ولَكِنَّه أراد أَنْ يعدد صفاتهم ويفسرها، فكأَنَّه قال: أَمَّا أجسامهم فكذا وأمَّا أحلامهم فكذا») 3.
  • وقول الشاعر: وما غرّني حوزُ الرِّزاميّ مِحصَنًا... عَواشِيَها بالجَوّ وهو خصيبُ [بحر الطويل] «ومِحصن: اسم الرزامى، فنصبه على أعني، وهو فعل يظهر، لأنَّهُ لم يرد أكثر من أَنْ يعرفه بعينه، ولم يرد افتخارا ولا مدحا ولا ذما») 4.

ومن خلال السِّياق أيضا نُفَرِّق بين ما هو «للتعظيم»، وما هو «للترحُّم»، فـ «مذهب الترحم على غير منهاج التعظيم والشتم... [فـ] الترحم إِنَّمَا هو رقة وتحنن، يلحق الذاكر على المذكور في حال ذكره إياه رقة عليه وتحننا») (1). يقول سيبويه: «ومن هذا الترحم، والترحم يكون بالمسكين والبائس ونحوه، ولا يكون كل صفة ولا كل اسم، ولكن ترحم بما ترحم به العرب») (2).

جارٍ التحميل