قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويه1 ــــ تصنيف اللُّغَة إلى تراكيب نمطِيَّة مُجَرَّدة:

في بداية الكتاب يعقد سيبويه بابا بعنوان «هذا باب مجاري أواخر الكلم من العربِيَّة» يورد فيه النَّصّ الآتي: «ويُبَيِّنُ لك أَنَّها) يعني الأفعال المضارعة (ليست بأسماء أَنَّكَ لو وضعتها مواضع الأسماء لم يجز ذلك؛ ألا ترى أَنَّكَ لو قلت: إنَّ يضرب يأتينا، وأشباه هذا لم يكن كلاما» 2. واستوقفت الباحث هذه الجملةُ: «أَنَّكَ لو وضعتها مواضع الأسماء لم يجز ذلك»؛ وأثارت عندي ملحوظتين:1

أإنَّ هذه الجملة تعني أَنَّ للأسماء «مواضع» وأنَّ للأفعال «مواضع».
ووضع الشيء وموقعه لا يتحدَّدَان إلّا من خلال موضع شيء آخر وموقعه) 1؛ وهذا يستلزم تركيبا ما، وفي مقامنا هذا لابدَّ أَنْ يكون هذا التركيب لغويًّا.
ب وتعني هذه الجملة أيضا أَنَّ قائلها قام بعَمَلِيَّة مسح شامل لِلُّغَة أو معظمها لكي يحدِّد هذه المواضع.
كانت هاتان الملحوظتان بمثابة الحافز الذي قادني إلى الفكرة التالية: «إِنَّهُ لا حديث عن موقع قسم من أقسام الكلم) الاسم أو الفعل أو الحرف (إلا إذا كان صاحب الكتاب يُصنِّف اللُّغَة إلى تراكيب نمطِيَّة مجرَّدة يستخلصها من النصوص الحَيَّة المنطوقة التي تحَدَّثنا عنها في الفصل السابق» فبعد أَنْ صَنَّفَ الكلم إلى ثلاثة أقسام درس «موضع» كل قسم بالنسبة للآخر، وكَوَّن في نهاية المطاف تراكيب نمطِيَّة لِلُّغَة بعد مسح شامل لها.
كانت هذه هي الفكرة التي استنبطتُها من النَّصّ السابق، وكانت بحاجة إلى دعم من نصوص أخرى لكي تقوى وتستوي على سوقها، وقد استطعتُ ــــ بفضل الله ـــ أَنْ أعثر على مجموعة من النصوص التي ترسي هذه الفكرة، منها: 1 ــــ حديث سيبويه عن الحرفين «قد ــــ سوف» يقول: «ولو قلت: سوف زيدًا أضرب لم يحسن، أو قد زيدًا لقيت لم يحسن؛ لأَنَّها) أي: قد وسوف (إِنَّمَا وضعت للأفعال) أي أَنَّ قد وسوف لا يليها إلا الأفعال (») 2. أي أَنَّ التركيب النَّمَطِيّ الذي يأتي مع هذين الحرفين هو: •• «قد + فعل مضارع أو ماض + فاعل....». •• «سوف + فعل مضارع + فاعل... ». وهذا تركيب ثابت استخلصه من خلال مسح شامل لِلُّغَة، ولو أخل بهذا التركيب بأن أصبح هكذا: «قد + اسم + فعل» لم يحسن.
2 ــــ الأدوات التي تنصب الفعل المضارع يأتي بعدها الفعل ولا يفصل بينهما، يقول: «ألا ترى أَنَّكَ لا تقول: جئتك كي زيد يقولَ ذاك، ولا خفتُ أَنَّ زيدٌ يقول ذاك.
فلا يجوز أَنْ تفصل بين الفعل والعامل فيه بالاسم، كما لا يجوز أَنْ تفصل بين الاسم وبين إِنَّ وأخواتها بفعل.
وممَّا لا تقدم فيه الأسماء الفعل الحروف العوامل في الأفعال الجازمة، وتلك: لم، ولما، ولا التي تجزم الفعل في

النهي واللام التي تجزم في الأمر.
ألا ترى أَنّهُ لا يجوز أَنْ تقول: لم زيدٌ يأتك، فلا يجوز أَنْ تفصل بينها وبين الفعل بشيء، كما لم يجز أَنْ تفصل بين الحروف التي تجرُّ وبين الأسماء بالأفعال؛ لأَنَّ الجزم نظير الجرّ») 1. يُفهم من هذا النَّصّ أَنَّ التركيب النَّمَطِيّ المجرَّد للأدوات التي تنصب الفعل المضارع هي: «أداة نصب الفعل المضارع + فعل مضارع + اسم) فاعل (» ويُنْقَضُ هذا التركيب ويقبُح إِنْ أتى على الصورة: «أداة نصب الفعل المضارع + اسم) فاعل (+ فعل مضارع»، ويقبح أيضا أَنْ يأتي التركيب: «حرف جزم + اسم) فاعل (+ فعل مضارع»، و «حرف جر + فعل»؛ أي تقبح الكلمة إذا لم تأتِ في موقعها في التركيب المُعَيَّن.
3 ــــ الحرف «لو» له في اللُّغَة استعمالات متعددة) 2، منها «لو التي تفيد العرض»، يقول سيبويه عنها: «ولو بمنزلة لولا، ولا يُبتَدأُ بعدها الأسماء سوى أَنَّ، نحو: لو أَنَّكَ ذاهبٌ») 3. أي أَنَّ التركيب النَّمَطِيّ مع «لو التي تفيد العرض» هو: «لو + فعل + فاعل... » أو «لو + أَنَّ + اسم أَنَّ + خبرها» 4 ــــ اللام الجارة تكون مكسورة مع الاسم الظاهر إلا مع المستغاث فمفتوحة؛ وإِنَّمَا كُسِرت مع الاسم الظاهر لكي يفرقوا بينهما وبين لام الابتداء، ويوضح سيبويه السبب في أَنَّها) أي اللام الجارة (فُتِحت مع المستغاث؛ «لأَنَّهم قد علموا أَنَّ تلك اللام) لام الابتداء (لاتدخل ها هنا) أي أسلوب الاستغاثة (») 4. ويفهم من النَّصّ أَنَّ لام الابتداء لها مواضع تأتي فيها، ليس من بينها أسلوب الاستغاثة، وأنَّ لام الجر لها مواضع منها أسلوب الاستغاثة.
5 ــــ وفي موضع آخر يقول: «وزعم ناس أَنَّ الياء في لولاي وعساني في موضع رفع، جعلوا «لولاي»... موافقة للجرِّ، و «ني» موافقة للنصب، كما اتفق الجر والنصب في الهاء والكاف.

وهذا وجه ردئ لما ذكرت لك؛ ولأنَّك لا ينبغي لك أَنْ تكسر الباب وهو مطرد وأنت تجد له نظائر») 1. يفهم من كلامه هنا أَنَّ هناك قواعد) تراكيب لغَوِيَّة مجرَّدة (مطَّردة في كل باب من أبواب النحو لا ينبغي الخروج عليها لعدم وجود نصوص لغَوِيَّة تدعم هذا الخروج، ويفهم منه أيضا أَنَّ مصطلح «ردئ» يعني عنده الخروج على التركيب الأصلي.
6 ــــ ويقول: «ألا ترى أَنَّ الفعل لابد له من الاسم وإلا لم يكن كلامًا، والاسم قد يستغني عن الفعل، تقول: الله إلهنا») 2. أي أَنَّ أي فعل لابد أَنْ يأتي بعده اسم) فاعل (ملازم له وإلا لم يكن كلاما كما قال سيبويه، والاسم قد يأتي بعده فعل، وقد يأتي بعده اسم آخر.
تلك بعض الأمثلة التي تؤكد على «تنميط سيبويه لِلُّغَة إلى تراكيب»، استخلصها من النصوص اللُّغَوِيَّة المختلفة.
وليُعلمْ أَنَّ هذا «التنميط» لِلُّغَة لا يوجد عنده للتراكيب فقط، بل نجده أيضا على المستوى الصَّرْفِيّ؛ في مثل أقواله: 1 ــــ «وأمَّا صادُ) اسم السورة القُرْآنِيَّة (فلا تحتاج إلى أنْ تجعله اسما أعجميًّا؛ لأَنَّ هذا البناء والوزن من كلامهم») 3. 2 ــــ «وفاعِل بناء ينصرف في الكلام معرفة ونكرة، وفَواعِل بناء لا ينصرف») 4. 3 ــــ «كلّ أفْعَل يكون وصفا لا تصرفه في معرفة ولا نكرة، وكل أفعل يكون اسما تصرفه في النكرة») 5. ومما يؤكد اهتمام سيبويه بتنميط اللُّغَة إلى تراكيب نمطِيَّة استخدامه لمصطلح تردَّد كثيرا في الكتاب وهذا المصطلح هو مصطلح «الأصل»، فكثيرًا ما أشار لهذا المصطلح عند مناقشته لتركيبٍ أو بنية صرفِيَّة ما) 6، وبلغ عدد المرَّات التي أحصيتُها لهذا المصطلح أكثر من 250 مَرَّة.

وتردُّد مصطلح الأصل في الكتاب كُلّ هذا التردُّد يوحي ببعد تاريخي يقوم به سيبويه للتركيب الذي يدرسه ويقعِّد له.
وقد سبق لنا إعطاء معنى مُحَدَّد لمصطلح الأصل عند سيبويه في التمهيد عند الحديث عن أهم المصطلحات.
ويمكن أَنْ نعتبر أنَّ عناوين أبواب سيبويه تمثل التركيب النَّحْوِيّ الذي يدرسه، وبداخل هذا الباب الأمثلة التي تؤيد هذا التركيب؛ فكأنَّ التركيب جنس والأمثلة هي «ما صدق» هذا الجنس.
إن فكرة تقسيم اللُّغَة إلى أنماط تجريدية فكرة واضحة لا مرية فيها يمكن أَنْ ندعمها بعشرات الأمثلة، وليعلمْ مَن أراد إحصاء النصوص التي يُفهَم منها فكرة الموقعيَّة والنَّمَطِيَّة للتراكيب اللُّغَوِيَّة أَنّهُ يمكنه أَنْ يحصر ما يزيد على أربعمائة) 400 (موضعا.
وفكرة النَّمَطِيَّة هذه تذكرنا بفكرة مماثلة عند العالم اللغويّ المعاصر دي سوسير وتفريقه بين اللُّغَة والكلام، ولولا الخوف من الزلل، وألّا تصيب عبارة الباحث مرماها، وأَنْ يكون قد فاته شيء لم ينتبه إليه لقال: إِنَّ سيبويه قد سبق علماء اللُّغَة المحدثين وعلى رأسهم دي سوسير الرائد الأول للمدرسة البنيوية، سبقهم بالأفكار التي قال فيها بوجود فرق بين اللُّغَة والكلام، وسبقهم بفكرة ((تنميط قواعد اللُّغَة))، حيث كان البنيويُّون «يجمعون المادة اللُّغَوِيَّة من أفواه الناس ويسجِّلونها، ثُمَّ يبدؤون بتقسيمها إلى جمل، فأشباه جمل، فكلمات، فأجزاء الكلمات إلى أَنْ يصلوا إلى الأصوات، أو اللبنات الأولى، التي تتألَّفُ منها اللُّغَة جميعها.
ثُمَّ يستخدمون الأسلوب العلمي الدقيق في اكتشاف الطرائق التي تتجمع بها الأصوات لتؤلف الكلمات، والكلمات لتؤلِّف الجمل؛ أي لتؤلف النماذج أو الأنماط التي تنتج عن كل عَمَلِيَّة من تلك العمليات») 1. على أَنَّ هناك فرقا بين الرجلين في تنميطهما التركيبي لِلُّغَة، فبينما كان اهتمام دي سوسير منصبًّا على وصف اللُّغَة، أيَّ لغة، «من داخلها وبالاعتماد على المعايير اللُّغَوِيَّة دون سواها سعيًا وراء التوصُّل إلى وصف دقيق علمي شامل لتركيب أو بنية اللُّغَة الأساسيَّة... [و] دون الإشارة إلى المعاني، أو إلى واقع العالم الذي تعيش فيه») 2 ـــ نجد سيبويه يربط النمط اللغويّ بالسِّياق الذي يقال

فيه، ويلازم بين هذا النمط والدِّلَالَة السِّياقِيَّة كما سنرى تباعا.
والأمثلة التي ذكرناها هنا تدلُّ أيضا على سبق سيبويه لـ «دي سوسير» في اهتمامه بالتتَبُّع الرأسي والأفقي للظاهرة اللُّغَوِيَّة.

جارٍ التحميل