أ - سياق الحال والدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة للفعل:
عند حديث سيبويه عن الفعل في بداية الكتاب ذكر النَّصّ التالي: «وأمَّا الفعل فأمثلة أُخذتْ من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيتْ لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينَقطع.
فأمَّا بناء ما مضى فذَهَبَ وسَمِعِ ومَكُث وحُمِدَ.
وأمَّا بناء ما لم يقع فإِنَّهُ قولك آمِرًا: اذهَب واقتُلْ واضرِبْ، ومخبرًا: يَقْتُلُ ويَذهَبُ ويَضرِبُ ويُقْتَلُ ويُضرَبُ.
وكذلك بناء ما لم يَنقطع وهو كائن إذا أخبرتَ») 1.
إذا حللنا هذا النَّصّ نجد أَنَّ سيبويه يقسِّم الزمن إلى ثلاثة أقسام:
1 ــــ الزمن الماضي.
2 ــــ الزمن الكائن الذي لم ينقطع (الحال ــ المضارع).
3 ــــ ما يكون ولم يقع (المستقبل).
ويخصِّص للقسم الثالث الأمثلة التالية:
» أفعال الأمر: «اذهب، اقتل، اضرب».
» والأفعال: «يقتل، يذهب، يضرب».
أما القسم الثاني (الكائن الذي لم ينقطع)، فيفهم من الكلام أَنَّهُ يخصص له نفس الأمثلة
«يقتل، يذهب، يضرب»؛ أي أَنَّ هذه الأفعال عينها تعبِّر عن قسمين من أقسام الفعل: المضارع أو الحال والمستقبل، فالفعل المضارع في الجملة الآتية: «يضرب محمدٌ عليًّا» له دلالتان
زمنيّتان: الحال والاستقبال.
ونحن بالطبع لا نستطيع أَنْ نحدِّد الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة المقصودة للفعل بدون سياق الحال.
إن نصّ سيبويه يتضمن إشارة ضمنية إلى السِّياق وأهميته في تحديد الدِّلَالَة الزَّمَنِيَّة للفعل.
وتلك الإشارة المبكرة في بدايات الكتاب أشارت إلى أمر منهجي عند سيبويه، وهو أَنَّهُ لن يقر قاعدة ما إلا من خلال استقرائها في النصوص المختلفة، واستحضار السِّياق في هذا الاستقراء، وإثبات ما يدل عليه من دلالات.
وإذا استغللنا هذه الإشارة المنهجية وطبَّقناها وفعَّلناها في دراستنا للدلالة الزمنية لفعل «الأمر» مثلا يمكن أن نخرج ببعض النتائج، التي منها أنَّ فعل الأمر: أ - قد يكون «دالا على الحال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ الدخان: 48 - 49، فزمن الذوق مصاحب لصبِّ الحميم» 1. ب - دلالة الأمر على الماضي، «وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ يوسف: 99، فقوله: «ادخلوا مصر» كان بعد دخولهم إياها؛ فهو أمر يفيد المضي») 2. ومثل قول النبيِّ ــــ صلى الله عليه وسلم ـــ للرجل الذي أتاه في الحجِّ فقال: «يا رسول الله، ذبحْتُ قبل أنْ أرمِيَ ــــ أي: ذبحت أولا ثم رمَيْتُ ثانيا ــــ فقال ــــ صلى الله عليه وسلم ـــ: ارمِ ولا حرَج») 3. قال ابن هشام: «ارمِ ولا حرج: فإنَّهُ بمعنى رَمَيْت والحالة هذه، وإلَّا لكان أمرًا له بتجديد الرمي، وليس كذلك») 4. ت - الأمر المستمر: «وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ البقرة: 83») 5. ث - وربما كان فعل الأمر مطلقا غير مقيد بزمن لكونه دالا على الحقيقة، أو لكونه دالا على التوجيه والحكم أو لغير ذلك) 6، وذلك كقول الشاعر: كُنِ ابنَ مَن شِئتَ واِكتَسِب أَدَبًا... يُغنيكَ مَحمُودُهُ عَنِ النَسَبِ [بحر المنسرح] وقبل الانتقال إلى جزئية جديدة من بحثنا ننقل هنا تعليق عالمين جليلين على مقولة سيبويه السابقة عن ((تعريف الفعل)).
التعليق الأول لعبد القاهر الجرجاني، يقول فيه: «لا نعلم أحدا أتى في معنى هذا الكلام بما يوازنه أو يدانيه، ولا يقع في الوهم أيضا أَنَّ ذلك يُستطاع.
ألا ترى أَنَّه إِنَّمَا جاء في معناه قولهم: والفعل ينقسم بأقسام الزمان: ماضٍ، وحاضر، ومستقبل، وليس يخفى ضَعْفُ هذا في جنبه، وقصوره عنه») (1).
والتعليق الثاني لشيخنا محمود شاكر يشرح عبارة سيبويه ويشفعه بالثناء والمدح قائلا:
«فأنت تراه عيانا الآن أَنَّ سيبويه قد استطاع في جملة واحدة قصيرة لا تتجاوز سطرا واحدا، استطاع أَنْ يُلم بجميع الأزمنة المقترنة بأمثلة الفعل، دون أَنْ يُخل بشيء منها فهي جملة محكمة شديدة الإحكام عجز النُّحَاة من بعده أَنْ يلموا بها في حدودهم التي كتبوها عن الفعل، فأي رجل مُبينٍ كان سيبويه؟ ! ») (2).
إن ختام التعليقين السابقين من هذين العَلَمَين الجليلين يؤدي إلى نتيجة مُهِمَّة، هي أَنَّ النُّحَاة من بعد سيبويه لم يحيطوا علما بكل ما في كتابه من فوائد علمِيَّة قيمة، وأنَّ الكتاب ــــ على الرَّغْم من كثرة شروحاته التي تنقلها كتب التراجم ــــ لم يلق العناية الكافية من الدراسة والبحث، وأنَّه ما زالت توجد الكثير من عبارات سيبويه التي تحتاج إلى فضل تأمل ونظر) (3).