قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويهالمفعول المطلق

: يتصل المفعول المطلق بالجملة الفعلِيَّة من حيث ارتباطه في معظم حالاته بأحد أركانها الأساسيَّة الفعل، ويعرِّفه العلماء بأنَّه «المصدر الفضلة المؤكِّد لعامله أو المبين لنوعه أو لعدده») 5. والعامل «تارة يكون فعلا، وتارة وصفا، وتارة يكون مصدرا») 6. وتتمثل علاقة المفعول المطلق بسياق الحال من خلال وظيفته التي يؤدِّيها، وظيفة التوكيد.
تلك الوظيفة التي تدخل في تعريفه نفسه، فالعلماء اتخذوا من وظيفته محددًا ليحدوه بها.
حتى وإن أتي المفعول المطلق مبينا للنوع أو العدد؛ فلا بد في كل الحالات أَنْ يكون التوكيد حاضرًا، يقول العلماء: «إِنَّ فائدة المصدر المعنوِيَّة قد تقتصر على التوكيد وحده، ولَكِنَّها لا تقتصر على بيان النوع وحده، ولا بيان العدد وحده، ولا على هذين الأخيرين معا؛ إذ لا بد من إفادة التوكيد في كل حالة من هذه الحالات») 7.1234

لذلك اكتفى بعض العلماء في تعريف المفعول المطلق بأنَّه: «المصدر الفضلة المؤكد لعامله») 1. ولم يوضحوا علاقة هذا المعنى بالسِّياق) 2.

إذن من الطرق التي يلجأ إليها المُتَكَلِّم لإفادة التوكيد استخدام المفعول المطلق.
وقد نصَّ سيبويه على هذا قائلا: «إِنَّمَا يجئ ذلك على أَنْ تبين أي فعل فعلت أو توكيدًا») 1. وعندما يقول سيبويه إِنَّ المفعول المطلق يفيد التوكيد فهذا يستدعي الأغراض التي يأتي لها التوكيد، وهي: إزالة الشك أو تقرير المؤكَّد، أو دفع المُتَكَلِّم توهم غفلة في كلامه.
ومما يتصل بالمفعول المطلق ويرتبط بشكل أو بآخر بسياق الحال حذف عامله.
وقد أشار العلماء إلى أَنَّ عامل المصدر المبين للنوع أو للعدد يجوز حذف عامله بشرط وجود دليل مقالي) مرجعه إلى القول والكلام (أو حالي) مرجعه للمشاهدة أو نحوها مما يحيط بالشخص 2 يدل على المحذوف.
أما المصدر المؤكد لعامله فيُحذف عامله وجوبا في مواضع يوضحها ابن عقيل في شرحه قائلا: «يُحذَفُ عاملُ المصدرِ وُجُوبًا إذا ناب المصدر عن فعلٍ استند لاسمِ عينٍ ــــ أي: أُخْبِرَ به عنه ـــ وكان المصدرُ مكررًا أو محصورًا») 3. ويعلِّق الشيخ محيي الدين عبد الحميد على هذا بقوله: «يشترط لوجوب حذف العامل من هذا النوع أربعة شروط، الأول: أن يكون العامل فيه خبرا لمبتدأ أو لما أصله المبتدأ، والثاني: أنْ يكون المخبر عنه اسم عين؛ والثالث: أنْ يكون الفعل متصلا إلى وقت التكلم، لا منقطعا، ولا مستقبلا، والرابع أحد أمرين: أولهما أن يكون المصدر مكررا أو محصورا، كما مثل الشارح، أو معطوفا عليه، نحو: أنت أكلا وشربا....») 4. ويُهمُّنا هنا الشرط الثالث من كلام الشيخ محيي الدين، فهو شرط سِياقِيّ في المقام الأول.
= في إطار ما يسمى بـ ((لغة الجسد Body Language)).
[ينظر أحد المراجع المُهِمَّة في هذا الأمر: آلان وباربارا بييز: لغة الجسد، مكتبة جرير، ط 1، ) 2008 م (] ولا يقدم المُتَكَلِّم إلى تقرير المؤكد في نفس السامع إلا إذا أحس من خلال ايماءات وإشارات جسدِيَّة مثلا بهذا الشك.
وكما أنَّ للشك إيماءات وإشارات جسدِيَّة، فكذلك استيعاب المخاطب لكلام المُتَكَلِّم وفهمه له إشاراته.
بناء على هذا فَإِنَّ حالة الشك التي تتولد في السامع أو المخاطب، التي لابد أنَّها تتولد بعد بداية الكلام هي الأساس التي تجعل المُتَكَلِّم يلجأ إلى أساليب التوكيد المختلفة لإزالة هذا الشك.
ولابد أن يكون هذا في وجود سياق الحال.
وما نريده هنا هو أن نقرِّر أن سياق الحال هو المسئول ابتداء عن كافة أشكال التوكيد في اللُّغَة، فلولا وجود المُتَكَلِّم والمخاطب وحالة الشك التي ظهرت من خلال السِّياق ما لجأ المُتَكَلِّم إلى أي شكل من أشكال التوكيد.

وما سبق هي الشروط التي ذكر بعضها سيبويه في نصه) 1 التالي بعد مناقشته للأمثال التالية: » ما أنت إلا سيرًا.
» ما أنت إلا سيرًا سيرًا.
» وما أنت إلا الضرب الضرب.
» وما أنت إلا قتلا قتلا.
» زيدٌ سيرا سيرا.
» أنت الدهر سيرا سيرا.
» كان عبد الله الدهرَ سيرا سيرا.
» أنت مُذُ اليومِ سيرا سيرا.
«واعلم أَنَّ السير إذا كنت تخبر عنه في هذا الباب فَإِنَّما تخبر بسير متصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان») 2. فالمُتَكَلِّم إذا أراد أَنْ يخبر بأنَّ السير) أو أي مصدر (متصل بعضه ببعض في أيِّ الأحوال كان، وأنَّ هذا السير يحدث في وقت التكلم؛ فله أَنْ يستخدم التركيب الذي تمثِّلُه الجمل السابقة «ما أنت إلا سيرا، وما أنت إلا الضرب الضرب... »، وبعبارة أخرى: إذا أراد المُتَكَلِّم أَنْ يبرز أَنَّ هناك مخاطَبا يكثر من ذلك الفعل ويواصله؛ فله أَنْ يلجأ إلى التركيب السابق، الذي فيه يحذف الخبر عامل المصدر، ويقام المصدر مقامه.
يقول السيرافي: «إِنَّمَا يقال هذا) أي التركيب السابق (لمن يكثر منه ذلك الفعل ويواصله») 3. أما إذا لم يرد المُتَكَلِّم المعنى السابق، معنى التعبير عن الكثرة والمواصلة؛ فله أَنْ يكتفي بمجرد الإخبار.
يقول سيبويه: «وأما قولك: إِنَّمَا أنت سيرٌ؛ فَإِنَّما جعلته خبرًا لـ «أنت» ولم تضمر فعلا») 4.

وواضح أَنَّ المُتَكَلِّم وهو أحد عناصر سياق الحال، يتحكم في هذه المسألة تحكما، بدليل أَنَّهُ إذا أراد المواصلة والكثرة استخدم التركيب الأول «ما أنت إلا سيرًا»، وإذا أراد مجرد الإخبار استخدم التركيب الثاني «إِنَّمَا أنت سيرٌ».
ومن المواضع التي يحذف فيها عامل المصدر أَنْ يكون التركيب في أسلوب إنشائي طلبي.
ويراد بالأساليب الإنشائِيِّة الطلبية هنا «ما يكون فيها المصدر المؤكِّد النائب دالا على أمر، أو نهي، أو دعاء، أو توبيخ، والكثير أَنْ يكون التوبيخ مقرونا بالاستفهام») 1. وذكر سيبويه مثالا في حال الاستفهام فقال: «وأما ما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب فقولك: أقيامًا يا فلان والناس قعود، وأجلوسا والناس يفرون.
لا يريد) المُتَكَلِّم (أَنْ يخبر أَنَّهُ يجلس ولا أَنَّهُ قد جلس وانقضى جلوسه؛ ولَكِنَّه يخبر أَنَّهُ في تلك الحال في جلوس وقيام») 2. وذلك على سبيل التوبيخ والإنكار، قال المبرد: «قولك: أقياما وقد قعد الناس لم تقل هذا سائلا، ولكن قلته موبِّخا منكرا لما هو عليه، ولولا دلالة الحال على ذلك لم يجز الإضمار؛ لأنَّ الفعل إنَّما يضمر إذا دلَّ عليه دال؛ كما أنَّ الاسم لا يضمر حتى يذكر، وإنَّما رأيته فى حال قيام فى وقت يجب فيه غيره فقلت له منكرا») 3. والجزء الأخير من كلام سيبويه في نصه السابق يربط فيه هذا التركيب بسياق حال مُعَيَّن هو ما سماه العلماء فيما بعد بـ «الاستفهام التوبيخي».
وسيبويه لم يصرح بوضوح ـــ في كلامه هذا ــــ الربط بهذا السِّياق المُعَيَّن، ولكن السيرافي ـــــ أفضل من شرحوا الكتاب ـــ ربط هذا التركيب بهذا السِّياق بوضوح قائلا: «وهذا الكلام يقوله الإنسان عند فعل يشاهده مما ينكر عليه من أجل شيء آخر») 4. ومما يشبه المصدر في الاستفهام التوبيخي في هذا التركيب قول سيبويه في اسم الفاعل: «أقائما وقد قعد الناس، وأقاعدًا وقد سار الركب») 5.

جارٍ التحميل