2 ــــ أسلوب النفي
:
لن يدور الحديث هنا عن أسلوب النفي إلا فيما يخص علاقته بسياق الحال من خلال نصوص سيبويه.
ولم نتمكن من الوقوف على هذه العلاقة إلا من خلال حديث سيبويه عن النكرة التي تأتي في أسلوب نفي.
فهذا هو الموضع الوحيد التي يمكن من خلاله ــــ فيما أعتقد ـــ رصد علاقة لسياق الحال بهذا الأسلوب.
وبداية وقبل إيضاح هذا الموضع نذكر أَنَّهُ من القواعد التي يُقرُّها علم أصول الفقه: أنَّ النكرة في سياق نفي تفيد العموم، قال الرازي) 606 هـ (: «الفصل الرابع في أن النكرة في سياق النفي تعمُّ وذلك لوجهين... ») 4، ويقول الآمديُّ) 631 هـ (: «الصنف السادس في المطلق والمقيد.
أما المطلق فعبارة عن النكرة في سياق الإثبات.
فقولنا: ((نكرة)) احتراز عن أسماء المعارف وما مدلوله واحد معين أو عام مستغرق.
وقولنا: ((في سياق الإثبات)) احتراز عن النكرة في سياق النفي، فإنَّها تعم جميع ما هو من جنسها») 5.123
فعند قولنا: «لا رجلَ في الدار، وما رأيت رجلا في الدار»؛ فَإِنَّ «الصورتين [تثبتان] العموم للنكرة «رجل»؛ وذلك ضرورة واقتضاء، لا لمعنى في نفس الصيغة؛ إذ إِنَّ النكرة في الإثبات والنفي أو النهي لا تتناول إلا واحدا») 1. «إِنَّ النكرة المنفية بـ «لم، لا، ليس، لن» تفيد العموم سواء دخل حرف النفي على فعل، نحو: «ما رأيت رجلا»، أو على اسم، نحو: «لا رجل في الدار»، ونحو: «ما أحد قائما، أو ما قام أحد»... ») 2.
ولكن يبدو أَنَّ هذا الأمر ليس على إطلاقه، وأنَّ لسياق الحال دخلا في هذه القاعدة، هذا ما نفهمه من نصٍ لسيبويه، لا يُسَلِّمُ من يفهمه بالقاعدة الأصولية السابقة.
يقول سيبويه: «ولا يجوز
لـ «أحدٍ» أَنْ تَضعه في موضعِ واجبٍ، لو قلتَ: كان أحد من آل فلان لم يجز؛ لأنَّهُ إِنَّمَا وقع في كلامهم نفْيًا عامًا.
يقول الرجلُ: أتاني رجلٌ، يريد واحدًا في العدد لا اثنين؛ فيقال: ما أتاك رجلٌ؛ أي أتاك أكثرُ من ذلك، أو يقول أتاني رجلٌ لا امرأةٌ فيقال: ما أتاك رجل؛ أي امرأة أتتْك.
ويقول: أتاني اليومَ رجلٌ؛ أي في قوّته ونفاذه، فتقُول: ما أتاك رجلٌ؛ أي أتاك الضُّعفاءُ.
فإذا
قال: ما أتاك أحدٌ صار نفيًا عامّا لهذا كلَّه، فَإِنَّما مجراه في الكلام هذا») 3.
إن معنى كلمة «رجل» في مثال سيبويه «ما أتاك رجل» تحتمل المعاني الآتية:
- ما أتاك رجل، أي: أكثر من رجل واحد.
- ما أتاك رجل، أي: امرأة أتتك.
- ما أتاك رجل، أي: رجل ضعيف ليس بالقوي.
هذه المعاني المستنبطة لا بدَّ أَنْ يكون لسياق الحال دخل في استنباطها، حتى وإن لم ينص سيبويه على ذلك.
إن نصّ سيبويه السابق يُلزم القاعدة الأصولية السابقة التي تقول «النكرة في سياق النفي تفيد العموم» بوضع قيد إليها، ويعاد صياغتها كما يلي: «النكرة في سياق النفي تفيد العموم إذا لم يتعارض هذا مع السِّياق».
ونص سيبويه هنا يشير أيضا إلى أهمِيَّة السِّياق في التحديد الدِّلَالِيّ الدقيق للاسم النكرة عموما.
وقد تنبَّه بعض متأخري الأصوليين لهذا الأمر، فنجد الإمام القَرافي
(684 هـ) مثلا يقول: «وأما النكرة في سياق النفي فهي من العجائب في إطلاق العلماء من النحاة والأصوليين يقولون النكرة في سياق النفي تعم، وأكثر هذا الإطلاق باطل») (1).