قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويهشيوخه

: لا تضم قائمة أسماء شيوخ سيبويه كثيرا من الأسماء، وتحدثنا كتب التراجم أَنَّ منهم: «حَمَّادَ بنَ سَلَمَة، يُونُس بن حبيب، أبا الخطاب الأخفش الكبير، عيسى بن عمر الثَّقَفِي») 6.12345

ويمكن أَنْ نفسر اقتصار كتب التراجم على ذكر هؤلاء العلماء كشيوخ لسيبويه بسببين:

  • إمَّا لقِلَّة أسفار سيبويه العلميَّة، ومحدوديَّة تنقلاته كما أسلفنا.
  • وإمَّا أَنَّ هؤلاء العلماء والأشياخ هم أكثر من لازمهم سيبويه، وأكثر من جلس إليهم، وهذا هو الراجح؛ إذ المادة العلميَّة التي في الكتاب مادة ضخمة ناضجة، تحتاج إلى جهد عدد كبير من العلماء؛ فلا بدَّ من أَنَّه قد جالس غيرهم.
    على أَنَّ أعظم شيوخه قاطبةً الخليل بن أحمد الفُرهودي، فيلسوف دولة الإسلام كما قال ياقوت 1. وتُحدِّثُنا كتب التراجم أَنَّ العلاقة توثَّقَت بين الرجلين، وكان سيبويه أحبَّ تلاميذه إليه، يحسن استقباله قائلا: «مرحبًا بزائر لا يُمَلُّ» 2، لا يقولها إلا إليه.
    وسمح هذا الحبُّ أَنْ يلازم سيبويهُ الخليلَ، وأن «يصنِّف كتابا من ألف ورقة من علم الخليل» 3، وأَنْ يكون «أثبت من حمل عن الخليل بن أحمد» 4، بل أَنْ يكون أبرع تلامذة الخليل في النحو 5. وكان تأثير الخليل على سيبويه وكتابه عظيما، ولقد نقل العلماء جانبا من هذا التأثير فقالوا: 1 ــــ «سيبويه حامل علم الخليل وأوثق الناس في الحكاية عنه» 6. 2 ــــ «عامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل» 7. 3 ــــ «كان سيبويه الفارسي أشهر تلاميذ الخليل، ومصنِّف أول كتاب جمع ما ابتكره الخليل إلى محصول الباحثين السابقين» 8.

4 ــــ «... زعموا أَنَّ للخليل ثلاثة أياد عند العرب كبار لم يسدِ مثلها إليهم عربيٌّ منهم: أحدها ما نهج لتلميذه سيبويه من التأتي لتأليف كتابه حتى علّمه كيف يفرّق جمهور النحو أبوابا، وتُجَنَّسُ الأبوابُ أجناسا، ثُمَّ تنوع الأجناس أنواعا حتى أخرجه معجز التأليف؛ فَقَيَّدَ به على العرب منطقهم؛ حتى سلم أعقابهم للإعراب وتقويم اللسان من هُجْنَة اللحن وخطأ القول» (1). 5 ــــ «اجتمع على صنعة

كتاب سيبويه

اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل» (2). ومجموع هذه النقول وخاصة الأخير منها يُعَبِّر عن «حقيقة علمِيَّة حتمية، وهي أَنَّ كتاب سيبويه إِنَّمَا هو لقاح جهود النُّحَاة الذين سبقوه؛ إذ لا يعقل أَنْ يبدع سيبويه هذا العلم المتكامل دون أَنْ يفيد من تلك الجهود الأصيلة التي رسمت كثيرا من أصول النحو ومسائله ومقاييسه وعلله» (3). وقد سجل سيبويه بنفسه بعض الحوارات التي دارت بينه وبين الخليل، فكان سيبويه يسأل والخليل يجيب، ولعل أطول هذه الحوارات الحوار الذي دار في الكتاب في باب النداء) (4). وإثبات العلماء لهذا التأثير ونصِّهم عليه أمر له تَبِعاته العلميَّة، فما يُسْتخلَص من نتائج في هذا البحث لن يكون خالصا لسيبويه من دون الخليل، والمقولة الخطيرة التي أوردها ياقوت في نصه السابق من نهج الخليل الطريق لكتاب سيبويه تؤكد على أحقيته في هذه النتائج، وأنَّه سبب فيها.

o

جارٍ التحميل