المبحث السادس: سياق الحال والتنوين والتنكير والتعريف
:
أشار سيبويه إلى علاقة سياق الحال بالتنوين والتنكير والتعريف في بعض النصوص.
وقبل إيضاح هذه العلاقة نبدأ ببيان مصطلح التنوين أولا.
التنوين ـــ اصطلاحا ـــ: «نون ساكنة زائدة تلحق آخر الاسم لفظا وتسقط خطًا لغير التوكيد») 1. والاسم المنون قد يحذف منه تنوينه لسببين أحدهما أَنْ يكون علما وصف «بلفظ ابن لا الإخبار به، وذلك نحو: محمد بن عبد الله خاتم المرسلين») 2.
وهو «سبيل منع اللَّبس في تعبيرات متعددة») 3.
يقول سيبويه: «وتقول: مررت بزيدٍ ابنِ عمروٍ، إذا لم تجعل الابن وصفًا، ولكنَّك تجعله بدلاً أو تكريرا كأجمعين») 4.
يفهم من نصّ سيبويه أَنَّ الجملة «مررت بزيد بن عمرو» تقال بطريقتين:
• الأولى: «مررت بزيدِ بنِ عمرو»، بحذف التنوين، وتكون كلمة «ابن» وصفا.
• الثانية: «مررت بزيدٍ ابن عمرو»، بذكر التنوين، وتكون كلمة «ابن» بدلا أو توكيدًا.
وهذا يعني أَنَّ التنوين ـــ وجودا أو عدما ـــ مرتبط بالسِّياق الذي تقال فيه الجملة، فهل المُتَكَلِّم يريد وصفا ثابتا للمنعوت، أم يريد توكيدًا؟
ويورد سيبويه هذا البيت للأخطل:
فَإِن تبخل سَدوسُ دِرهَمَيها... فَإِنَّ الريحَ طَيِّبَةٌ قَبولُ [بحر الوافر]
يورد كلمة «سدوس» ـــ علم قبيلة ـــ بالرفع بدون تنوين، ويقول المحقق الأستاذ عبد السلام هارون إِنَّ رواية الديوان «بالصرف») 5؛ أي: بالتنوين؛ أي أَنَّ التنوين وجوده وعدمه لا يؤثِّر في وزن البيت.
وكما يفهم من كلام سيبويه فَإِنَّ الرواية بالمنع من الصرف يجعل معنى «سدوس» اسم القبيلة، وبالصرف يجعل معناها «الحي».
والشاعر الذي ينشد بيتا في موقف لابدّ أَنَّهُ يقوله على وجه واحد؛ وهذا يعنى أَنَّ المفسِّر أو الشارح كان في مكنته أَنْ يعرف الضبط الصحيح للكلمة إذا وقف على السِّياق الذي قيل فيه النَّصّ.
وعندما نقرأ العَلَم «ثمود» بدون صرف في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا﴾ [الإسراء: 59]؛ فَإِنَّ الذهن ينصرف إلى معنى القبيلة.
وعندما نقرأ قوله: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ [هود: 68]، وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ [العنكبوت: 38] بالتنوين فَإِنَّ الذهن يتَّجه إلى معنى الحي) 1.
ولكي نفهم الفرق الدلالي بين كلمة «القبيلة» و «الحي» يجب أنْ نقف على المعنى اللغوي
لكلٍ.
يقول الكَفَويُّ: «الشَّعْب: كل جماعة كثيرة من الناس يرجعون إلى أب مشهور، بأمر زائد فهو شَعْب كعدنان، ودونه القبيلة، وهي ما انقسمت فيها أنساب الشعب، كربيعة ومضر، ثم العمارة: وهي ما انقسمت فيها أنساب القبيلة كقريش وكنانة، ثم البطن: وهي ما انقسمت فيها أنساب العمارة كبني عبد مناف، وبني مخزوم، ثم الفخذ: وهي ما انقسمت فيها أنساب البطن كبني هاشم وبني أمية، ثم العشيرة: وهي ما انقسمت فيها أنساب الفخذ كبني العباس وبني أبي طالب، والحَيُّ يصدق على الكل، لأنَّه للجماعة المتنازلين بمَرْبَع منهم، وكلما تباعدت الأنساب ارتفعت المراتب») 2.
إذن كلمة «الحي» عامة، وكلمة «القبيلة» أخص منها؛ فإذا صُرِفَت كلمة «سدوس» أو كلمة
«ثمود» انصرفت دلالة الكلمتين إلى المعنى العام، وإذا مُنِعَتا من الصرف انصرفت دلالة الكلمتين إلى المعنى الخاص.
وهذا يعني أن للتنوين وظيفة دلالية، وأنَّنا يمكن أنْ نميِّز به بين النكرة والمعرفة.
يقول د. فاضل السامرائي عن الفوائد التي يمكن أن يقدمها التنوين:
«أنَّه يميز بين المعرفة والنكرة، فإنَّه إذا لحق علما حقه ألا ينون أفاد أنَّه نكرة، نحو: «رأيت إسماعيلا»؛ والمعنى: رأيت شخصًا ما اسمه إسماعيل، بخلاف قولك: «رأيت إسماعيل»، فإنَّه يعني شخصا معلومًا») 3.
مما سبق يفهم أَنَّ التنوين قد يرتبط بالدِّلَالَة مع بعض الأعلام، وهذه الدِّلَالَة يحددها سياق الحال.
ويؤكد ارتباط التنوين بدلالة ما حديث سيبويه عن الظرف «غُدْوة، وبكرة».
يقول: «وزعم يُونُس عن أبي عمرو، وهو قوله أيضًا وهو القياس، أنَّكَ إذا قلت: لقيته العام الأول، أو يومًا من الأيام، ثم قلت: غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون») 1.
ولكي نفهم مقصود سيبويه في النَّصّ السابق نُنَبِّه إلى أَنَّ صفة ((العلميَّة)) أو ((الأعلام)) أكثر وقوعها في كلام العرب على «الأعيان دون المعاني، الأعيان هي الأشخاص، نحو: زيد وجعفر... وكما جاءت الأعلام في الأعيان، فكذلك أيضًا قد جاءت في المعاني») 2. وإِنَّمَا كثر تعلق الأعلام بالأعيان دون المعاني؛ لأَنَّ «الغرض منها التعريفُ، والأعيانُ أقعدُ في التعريف من المعاني؛ وذلك لأَنَّ العِيان يتناولها لظهورها له، وليس كذلك المعاني؛ لأَنَّها تثبت بالنظر والاستدلال، وفرقٌ ما بين علم الضرورة بالمشاهدة وبين علم الاستدلال بيّنٌ») 3.
ومن المعاني التي تتَعَلَّق بها العلميَّة «غُدْوة، وبكرة، وسحر»؛ فهي «عَلَمٌ للوقت») 4. وعندما تذكر هذه الظرف كأعلام تمنع من الصرف، ويقصد بها وقت مُحَدَّد من يوم بعينه، يقول ابن يعيش: «من الأسماء المعلَّقة على المعاني: غُدْوَةُ، وبُكْرَةُ، وسَحَرُ، إذا أردت ذلك من يوم بعينه، فهي معارفُ، فغدوةُ وبكرةُ لا ينصرفان للتعريف والتأنيث، كأنّهما جُعلا عَلَمًا على هذا المعنى.
وهو من قبيل التعريف اللفظيّ،... وأمّا سَحَرُ فمعرفةٌ إذا أردت سحرَ يوم بعينه، لا ينصرف للتعريف والعدلِ عن الألف واللام؛ فإنْ أردت التنكير، صرفته») 5.
وهذا ما يقصده سيبويه من قوله: «غدوة أو بكرة وأنت تريد المعرفة لم تنون».
وإذا لم يرد المُتَكَلِّم تحديد وقت بعينه نون هذه الظروف.
وهذا يعني أَنَّ التنوين يرتبط بإرادة المُتَكَلِّم المرتبطة بدورها بسياق.
وقد يستخدم التنوين كـ «منبِّه» لتنبيه المخاطب على أَنَّ العلم لا يجري على طبيعته، وأنَّ هناك شيئا ليس طبيعِيًّا في هذا العلم ينبغي الالتفات إليه.
يقول سيبويه: «وسألت الخليل فقلت:
أرأيت من قال: هذه قباءُ يا هذا، كيف ينبغي له أَنْ يقول إذا سمَّى به رجلاً؟ قال: يصرفه، وغير الصرف خطأٌ، لأنَّهُ ليس بمؤنَّث معروف في الكلام، ولَكِنَّه مشتق») 1.
إن كلمة «قباء» إذا سمي بها رجل نونت ـــ كما قال الخليل ـــ، وتعليله «لأنَّهُ ليس بمؤنث معروف في الكلام»؛ أي أَنَّ الاسم المؤنث الممنوع من الصرف إذا انتقل إلى أَنْ يكون علما لمذكر وليس هذا العلم المؤنث مشهورا في الكلام يجب صرفه.
لكي يكون صرفه منبِّهًا للمخاطب على هذا التحول من علم المؤنث إلى علم المذكر.
أَمَّا إذا كان العلم المؤنث مشهورا فقد يمنع من
الصرف.
ويفهم من كلام الخليل أَنَّهُ يعتمد على السِّياق في هذه المسألة، فشهرة الاسم العلم أو عدم شهرته مرتبط بالسِّياق.
وقد يكون التنوين أيضا منبِّهًا إلى حذف المضاف مع أسماء القبائل.
فـ «أسماءُ القبائل مؤنثة ولك فيها وجهانِ منعُها من الصرف، باعتبار أنَّها أعلام لمؤنثات نحو: رأيتُ تميمَ، تعني القبيلةَ، ولك صرفها، باعتبار أَنَّ هناك مضافًا محذوفًا، نحو: رأيت تَميمًا، تعني بني تميم.
فحذفتَ المضافَ وأقمتَ المضافَ إليه مُقامَهُ فإنْ قلتَ: جاءَ بنو تميمٍ؛ صرفتَ تميمًا قولًا واحدًا؛ لأَنَّكَ تعني بتميم أبا القبيلةِ لا القبيلةَ نفسها») 2.
يقول سيبويه: «... فلمَّا حذفت المضاف وقع على المضاف إليه ما يقع على المضاف؛ لأنَّهُ صار في مكانه فجرى مجراه.
وصرفت تميمًا وأسدًا؛ لأَنَّكَ لم تجعل واحدًا منهما اسمًا للقبيلة؛ فصارا في الانصراف على حالهما قبل أَنْ تحذف المضاف») 3.
أي أَنَّ التنوين له دلالة، فعدم وجوده يعني أَنَّ المُتَكَلِّم يريد اسم القبيلة العلم المؤنث، ووجوده يعني إرادة المُتَكَلِّم تتجه لأبناء القبيلة أو أبيها.
ولا شك أَنَّ الذي يحدِّد المقصود من إرادة المُتَكَلِّم هو سياق الحال.
وإذا أتينا إلى التنكير قلنا إِنَّهُ «هو جعل المعرفة نكرة؛ أي جلب الشيوع للاسم بعد
تعيينه») 4. ويذكر العلماء بعض حالات يتحقق فيها التنكير للاسم وذلك مثلا «بإبطال ندائه إذا كان منادى، نحو: يا رجل، أو بقطعه عن الإضافة كقطع كلمة كتاب عن قولنا: كتاب محمد.
ويتحقق التنكير كذلك بالجمع أو التثنية، فكلمة محمد علم معرفة؛ فإذا ثني أو جمع شاع وتنكر وجاز دخول أل عليه؛ فيقال: المحمدان والمحمدون») 1.
ونضيف هنا موضعا آخر من المواضع التي يُجْلَبُ فيها التنكير إلى المعرفة وذلك بأن تأتي المعرفة) العلم (في سياق نفي لـ «لا» النافية للجنس اعتمادا على «علم المخاطب».
يقول سيبويه: «واعلم أَنَّ المعارف لا تجرى مجرى النكرة في هذا الباب؛ لأَنَّ ((لا)) لا تعمل في معرفة أبدا.
فأما قول الشاعر:
لا هيثَمَ الليلةَ للمَطيّ
فإِنَّهُ جعله نكرة كَأَنَّه قال: لا هيثمَ من الهيثمَين.
ومثل ذلك: لا بصرةَ لكم... وتقول: قضية ولا أبا حسن، تجعله نكرة.
قلت: فكيف يكون هذا وإِنَّمَا أراد عليا رضى الله عنه فقال) 2: لأنَّهُ لا يجوز لك أَنْ تُعمِل لا في معرفة، وإِنَّمَا تعملها في النكرة فإذا جعلت أبا حسنٍ نكرة حسن لك أَنْ تعمِل لا، وعلم المخاطَب أَنَّهُ قد دخل في هؤلاء المنكورين عليٌّ، وأنه قد غُيِّب عنها») 3.
من هذا النَّصّ نفهم:
- أنَّ من خصائص لا النافية للجنس أَنْ يكون اسمها نكرة.
- وأنَّه في بعض الأحيان قد يأتي المُتَكَلِّم باسمها معرفة علما، وأنَّ العلم في هذه الحالة يفيد التنكير؛ أي أَنَّ العلم في هذه الحالة «علم في اللفظ والشكل»، «نكرة في الدِّلَالَة».
وهنا نلاحظ أَنَّ الأعلام المستخدمة في هذه الحالة التي أتى بها المُتَكَلِّم التي تعبر عن نكرة هي أعلام لابدَّ أَنْ تكون لها خصائص سِيَاقِيَّة اجتماعِيَّة مُعَيَّنَة، فهي أعلام معروفة للناس ومشهورة بأمور مُعَيَّنَة تخصُّها: » أبو الحسن على بن أبي طالب... الفطنة والذكاء والعبقرية والفصل في القضايا.
» البصرة... الناحية الثقافيَّة والعلميَّة والاقتصادية.
» هيثم... حُدَاء المطي.
وعندما نستدعي هذه الأعلام مع «لا» النافية للجنس فإِنَّنَا نستدعي معها هذه الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة؛ لأَنَّنا نقصد هذه الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة، ونريد توظيفها سياقيًّا لأمر ما.
ولكي يتفاعل المخاطب مع هذه الجمل ويتقبل معناها يجب أَنْ يعلم مسبقا هذه الخصوصية الاجتِماعِيَّة لهذه
الأعلام؛ أي أَنَّ الخلفيَّة الاجتِماعِيَّة هنا ومدى إلمام المخاطب بها تتحكمان في صحة هذا التركيب وتؤثِّران عليه، والدليل على صحة هذا التأثير أَنَّنا لو ترجمنا هذه الجمل ترجمة حرفية إلى لغة أخرى غير العربِيَّة كالإنجليزية أو الفرنسية لما فهم صاحب هذه اللُّغَة شيئا من هذه العبارة؛ لعدم إلمامه بالخلفيَّةالاجتِماعِيَّة السِّياقِيَّة لها.
أي أَنَّ ما يبرر تنكير المعرفة في هذا الأسلوب علم المخاطب والخلفيَّة الاجتِماعِيَّة لهذه الأعلام) 1.
ويدعو الأستاذ عباس حسن إلى عدم التوسُّع في هذا الأسلوب؛ أي: عدم التوسع في مجيء اسم لا النافية للجنس معرفة، وعدم القياس عليه.
يقول: «علينا أَنْ نتقبَّل تلك النصوص بحالها الظاهر دون محاكاتها، ونقتصر فى استعمالنا على اللُّغَة الشائعة المشهورة التى تشترط الشروط التى
عرفناها؛ توحيدًا لأداة التفاهم، ومنعًا للتشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة») 2.
ونقدم هنا رأيا قد يخالف معلمنا الأستاذ عباس حسن، هذا الرأي يقول إنَّه لا مشكلة في التوسُّع في مثل هذا الأسلوب، وأَنْ نأتي باسم لا النافية للجنس معرفة بشرطين:
• أَنْ يكون عَلَمًا.
• وأَنْ يكون هذا العلم مشهورا ومعروفا عند عامة الناس.
والشرط الثاني هنا يساوي ما قالة الخليل في النَّصّ السابق «وعلم المخاطَب أَنَّهُ قد دخل... ». فنحن يمكن مثلا أنْ نقول:
» معركة حربية ولا خالد بن الوليد لها.
» مشكلة سياسية ولا عمر لها.
» لغز علمي ولا زويل له.
» معادلة رياضية ولا أينشتاين لها... وهكذا.
وما أشار إليه الأستاذ عباس من خطورة هذا على «توحيد أداة التفاهم»، وأنَّ هذا يؤدي إلى
«التشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة» هو ـــ كما نظن ــــ ليس في محله، وأمر مبالغ فيه، وأنَّ سياق الحال يضمن عدم الوقوع في هذا.
ويحدثنا النُّحَاة عن التعريف، ويقولون عنه أَنَّهُ هو: «تحويل النكرة إلى معرفة») 1. ويحدثوننا عن أنواعه، فيذكرون أَنَّهُ نوعان: أحدهما ذاتي، والآخر عارض مجلوب.
ويقصدون بالتعريف الذاتي الذي «يتحقق للضمائر والأعلام وأسماء الإشارة والأسماء الموصولة.
وأما التعريف المجلوب فيتحقق لفظا أو معنى للمجرد من أل بإدخال أل عليه، وللمضاف بإضافته إلى المعرفة، وللمنادى بالإقبال عليه بالنداء») 2.
لكن هل يوجد «تنكير مجلوب» للمعرفة كما وجد «تعرف مجلوب» للنكرة؟ أشار سيبويه إلى هذا في موضعين من كتابه:
- الموضع الأول:
ذكره عند حديثه عن الاسم العلم الممنوع من الصرف الذي يصرف.
وقبل ذكر هذا الموضع نقدم بين يديه بقولنا إِنَّ النُّحَاة قالوا في الممنوع من الصرف الذي يصرف أَنَّهُ ينوَّن عند الحاجة، وقالوا إِنَّ هذه الحاجة تتحقق في النثر والشعر.
«في النثر: لإرادة التناسب، وذلك أَنْ تكونَ بعض الكلمات منونة والأخرى غير منونة فتنون الأخيرة لتناسب ما جاءت معه من الكلمات المنونة ومن ذلك: جاء في القرآن: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾، فكلمة سلاسل ممنوعة من الصرف، وكلمة أغلالا مصروفة، وقد قرئت الآية بتنوين الكلمة الأولى لتناسب الثانية، وجاءت القراءة: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ لقصد التناسب.
[و] في الشعر: للضرورة، والمقصود بذلك ضرورة موسيقى الشعر ونغمه التي تتمثل في أوزانه وقوافيه، فإذا لم تستقم هذه الموسيقى إلا بتنوين الاسم الممنوع من الصرف، كانت تلك ضرورة تبيح للشعراء هذا التنوين») 3.
لكن يبدو من الموضع الذي معنا من نصّ سيبويه أَنَّه يضيف موضعا آخر من المواضع التي يمكن فيها صرف الممنوع من الصرف في النثر لغير التناسب مرتبطا بسياف الحال.
يقول في هذا الموضع: «فإنْ قلت: عمرٌ آخر صرفته؛ لأنَّهُ نكرة؛ فتحول عن موضع عامر معرفة») 1.
لم يشر سيبويه في النَّصّ إلى أي «تناسب» يبرِّر صرف كلمة عمر، ولا يمكن فهم صرف عمر في الجملة السابقة إلا في ضوء سياق الحال.
فيمكن أَنْ نتخيل سياقا يضم متكلما يتحدَّث إلى مخاطب «ضرب من قبل شخص يسمى عمر»، فيقول المُتَكَلِّم للمخاطب ـــ مشيرا إلى صورة
مثلا ـــ: أهذا عمرُ الذي ضربك؟، فيقول: لا، بل عمرٌ آخر.
إنه السِّياق الذي نقل العلم من التعريف إلى التنكير بلا شك؛ وسمح بتنكير كلمة عمر، كما أشار سيبويه في نصه السابق، وهو وإن لم يشر إلى ذلك إلا أَنَّهُ ينبغى أَنْ يكون كذلك) 2.
- الموضع الثاني:
وهو موضع بعيد عن سياق الحال نسبيا، ولكنا نقوله زيادة للفائدة وهو إضافة المعرفة إلى
النكرة.
يقول: «ألا ترى أنَّك لو قلت: هذا زيدُ رجلٍ صار نكرةً، فليس بالعلم الغالب؛ لأَنَّ ما بعده غيَّره، وصار يكون معرفةً ونكرةً به») 3. أي أَنَّ المعرف «إذا أضيف إلى النكرة فهو نكرةٌ») 4.
الفصل الرابع سياق الحال والقواعد الصَّرْفِيَّة ويشمل المبحثين التاليين:
- المبحث الأول: سياق الحال ودلالة الفعل والمصادر والمشتقات.
- المبحث الثاني: سياق الحال ومعاني الأوزان الصَّرْفِيَّة.