الحمد لله كثيرا، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت.
اللهم إنِّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبيِّنا ومصطفانا محمدٍ ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ في الأوَّلين والآخرين، وصلِّ اللهم عليه في كل وقت وحين.
يُعَدُّ علم النحو من أهم العلوم اللُّغَوِيَّة في العربِيَّة، فهو عَصَبُها، وركنها الرَّكين، وله في خدمة العربِيَّة القِدْحُ المُعَلَّى، والقدمُ الأولى، وهو من الفضل عليها بأعلى مناط العِقدِ.
وقد كان على مرِّ الأزمان أحد خطوط الدفاع الأولى التي حَمَتِ العربِيَّة، وحافظت عليها على مدار الأعوام والسنين؛ فَسَلِمَت الأجيالُ للإعراب، وتَقَوَّمَت الألسن من هُجْنَة اللحن وخطأ القول.
إِنَّه العلم الذي زاد عن حياضِ العربية الجهلاءَ أعداءَ اللهِ والدِّين؛ فكانت به عزيزة الجانب، منيعة الحَوْزَة حصينة الناحية.
وقد أحببنا علم النحو، وأحببنا دراسته، وأخذ الشغفُ به بمجامع قلوبنا، منذ أَنْ قَدَّرَ الله أَنْ نلتقي بأساتذة أجلَّاء غرسوا فينا هذا الحبَّ، وكشفوا لنا عن علاقته بكتاب الله وسُنَّةِ نبِيِّه ــــ صلى الله عليه وسلم ـــ. وزاد هذا الحبُّ وتعمَّق فينا أكثر وأكثر عندما أوقفنا أسلافُ أُمَّتِنا على فضله، فقالوا:
- قال الخليل: «النحو للسان بمنزلة الطعام للأبدان») 1.
- وقال الزُّهْرِيُّ: «ما أحدث الناسُ مروءةً أحبَّ إليَّ من طلب النحو») 2.
- وقال حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ: «من يطلب الحديث ولا يعرف النحو، مثل الحمار عليه مخلاة ليس فيها شعير») 3.
- وروي عن الأصمعيِّ أنَّه قال: «أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أَنْ يَدخُلَ في جُمْلةِ قولِ النبي ــــــ صلى الله عليه وسلم ــــ: ((منْ كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار)) 1؛ لأَنَّه [صلى الله عليه وسلم] لم يكن يلحن، فمهما رَوَيْتَ عنه ولحنت فقد كذبت عليه» 2.
- ومن نفائس أقوال الإمام الشافعي ـــ رحمه الله ــــ عن هذا العلم الجليل قوله: «من تبحّر في النحو اهتدى إلى جميع العلوم»، وقوله: «لا أُسْأَلُ عن مسألة في الفقه إلّا أجبت عنها من قواعد النحو» 3.
ويضيق المقام بتتَبُّع هذه الأقوال، فهي أكثر من تحصى، أو يأتي عليها العد.
وجميعها توضح أهمِيَّة هذا العلم الجليل.
وإبَّانُ الدراسة الجامعية وجَّه نظرَنا أستاذُنا الدكتور كمال بشر إلى علم مُهِمّ من العلوم اللُّغَوِيَّة الحديثة التي تدرس اللُّغَة، ذاك هو علم اللُّغَة الاجتماعِيّ، ونبَّهنا سيادته إلى أهمِيَّة هذا العلم وأهمِيَّة البعد الاجتماعِيّ والسِّياقي في دراسة اللُّغَة، وأظهر لنا العلاقة الوثيقة بين المجتمع واللُّغَة، وأنَّه من الخطأ البَيِّنِ إهمال هذا البعد الاجتماعِيّ في دراسة اللُّغَة.
كان من نتيجة هذه الدراسة لعلم اللُّغَة الاجتماعِيّ مع أستاذنا د. كمال بشر أَنْ وَقَر في الذهن أهمِيَّة هذا الربط؛ ومدى الفوائد القيِّمة التي تعود على اللُّغَة من ذلك؛ فتولدت الأمنيةُ والرغبةُ الشديدةُ لدي الباحث في متابعة الدراسة في هذا المجال، مجال ربط السِّياق بدراسة اللُّغَة وبخاصة قواعدها؛ وقَطَعَ الباحثُ بينه وبين نفسه العزمَ على المضي قُدُما في استكناه هذه العلاقة، وأمضى النيَّة أَنْ يكون هذا مجال بحثه.
وسعينا راجين من الله التوفيق.
ولما كانت الدوريات والمجلات اللُّغَوِيَّة والأدبيَّة مظانَّ لأفكار كثيرة يكتبها المتخصِّصون في مختلف الفروع اللُّغَوِيَّة فقد اتجه الباحث إلى هذه الدوريَّات، وبالأخص منها مجلة مجمع اللُّغَة العربِيَّة بالقاهرة، عساه أَنْ يجد فكرة هنا أو هناك في مقال من مقالاتها القيِّمة ترضي الرغبة في دراسة علاقة السِّياق بالقواعد النحوِيَّة.
وكان من فضل الله أَنْ عثرنا على مقال بعنوان ((الجملة في كتاب سيبويه)) للأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح، ووقفنا فيها على بعض العبارات المُهِمَّة لسيادته عن كتاب سيبويه قال
فيها:
«... الملاحظات كثيرة جدا في الكتاب، وهي تخص أحوال الخطاب مقترنا بأحوال المخاطب: علم المخاطب وجهله واستحالة الإخبار عن منكور، اللهم إلا إذا احتاج المخاطب إلى تحديد هذا المنكور بأنْ يعين حلية خاصة به تميزه عن غيره.
ويمكن بالدراسة المتعمقة لهذه الملاحظات أَنْ تُسْتَخرج قوانينُ التخاطب الحقيقيَّة») 1.
ويشير في موضع ثانٍ من مقالته:
«... ولا بد أَنْ نُنَبِّه القارئ الكريم أَنَّ مثل هذا الكلام عن ((علم المخاطب)) وسائر أحواله لا يمكن أَنْ نعثر عليه في كتب الآخرين؛ فالقواعد الجامدة الخاطئة أحيانا قد حلت محل الملاحظات العلميَّة، (تكلموا مثلا عن شروط الابتداء بالنكرة فقط وبدون أَنْ يفسروا ظواهر الخطاب بالكيفية العلميَّة الوصفيَّة والتعليليِّة معا)» 2.
كانت جملة د. عبد الرحمن الحاج صالح في نصه السابق: «الملاحظات كثيرة جدا في الكتاب، وهي تخص أحوال الخطاب مقترنا بأحوال المخاطب: علم المخاطب وجهله واستحالة الإخبار عن منكور» باعثة على التفكير والتأَمُّل، ودفعت في ذهن الباحث بالسؤال الآتي: أليست أحوال الخطاب المقترنة بأحوال المخاطب ــــ على حد تعبير د. عبد الرحمن ــــ تدلُّ على وقوف سيبويه على علاقة ما بين السِّياق والقاعدة النحوِيَّة التي يقعد لها؟ والإجابة بعد تحليل عبارة د. عبد الرحمن: بلى، إِنَّ كلامه يشير إلى وجود تلك العلاقة، ويشير كلامه أيضا أَنَّ النُّحَاة من بعد سيبويه لم يلتفتوا إلى تلك العلاقة.
هنا عثر الباحث على طِلْبَته التي كان يبحث عنها، ووضع يده على ما يحقق رغبته العلميَّة وبعد تفكير ليس بالطويل ظهر موضوع البحث، وهو: «قرينة السِّياق ودورها في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ في كتاب سيبويه».
كان هذا هو الموضوع الذي أمُلت أَنْ أقع على مثله بحثا ودراسة، وأَنْ أقضي فيه بعضا من وقتِيّ مشبعا لرغبتي في بحث العلاقة بين السِّياق والقواعد النحوِيَّة.
وعند الشروع في الدراسة، ومرور الوقت، والتعمُّق في هذا الموضوع ازداد التعلُّق به، وانكشفت للباحث جوانب مُهِمَّة عن أهمِّيَّته دَلَّت على توفيق الله لنا ــــ وله الحمد والشكر ــــ في اختياره موضوعا للبحث والدراسة.
ومن جوانب الأهمية التي بدَتْ للباحث قبل الشروع في دراسة الموضوع:
1 ـــ الحقيقة النحوِيَّة ـــ كأَيَّة حقيقة أخرى ـــ لها أبعاد مختلفة، وجوانب متعددة، منها الجانب الاجتماعِيّ، وليس من الموضوعية في شيء أَنْ يُنْظَر إلى الصورة من زاوية واحدة وتُتْرَك بقية الزوايا.
2 ـــ التعمُّق في هذا الموضوع يضع أيدينا على قوانين التخاطب الحقيقيَّة، ويُوقِفُنَا على بعض القواعد الجامدة الخاطئة التي حلَّت محل الملحوظات العلمية كما أشار د. عبد الرحمن صالح في مقالته السابقة.
3 ـــ أن البحث سيكون مع عَلَم من أعلام النحو العربي وإمام من أئمتهم، وكتابه «أصل الكتب المُصَنَّفَة في النحو واللغة» كما يقول السيوطي في الاقتراح، وإثبات وجود علاقة بين السِّياق والقاعدة النحوِيَّة عند هذا العَلَم أمرٌ سيثير سؤلا مهمًّا هو: لماذا لم يهتم النحاة بهذا الجانب الاجتماعي بشكل أوضح في مؤلفاتهم؟ ولماذا كان الاهتمام منصبًّا على نظرية العامل؟
4 ـــ دراسة هذا الموضوع ستضع أيدينا على كيفية استغلال السياق في الجوانب التعليميَّة
والأدبيَّة.
وبعد الاستقرار على عنوان هذا البحث بدأ الباحثُ رحلة القراءة في كتاب سيبويه، وأخذ الباحث على نفسه أَنْ يُدارس الكتاب في وَنَاءٍ وعلى مَهَلٍ مدارسةً متقنةً جادّةً غير هازلة، مشحوذةً بالتنبُّه، مصقولةً بحسن التمييز والتدبُّر، قدر استطاعته وقدر ما وسعه الجُهْد.
ويعلم الله كم كانت هذه الرحلة وهذه القراءة شاقَّة وعسيرة، وكم من الصعوبات التي لقيها الباحث في أثناء تتَبُّعه لعبارات الكتاب محاولا فك معاقدها ومطاويها! وما زال الباحث يذكر كيف كان يقضي سحابة نهاره واقفا أمام نصّ واحد من نصوص الكتاب يحاول فهم ما يريده سيبويه.
لقد حاول الباحث على مُكْثٍ تحليل نصوص الكتاب تحليلا متأنِّيًا، محاولا أَنْ يسوس عبارات الكتاب حتى تُفضي إليه بذات معناها، وتمنحه بعض إِتَائِها، وما تحتقِبُه من دلالات، لقد قرأ الباحث نصوص الكتاب متأمِّلا ومقلبا لها يمنة ويسرة؛ فيخرجُ وقد نجح حينا، أو يخرجُ خاوي الوفاض أحيانا أخرى، وفي أثناء هذه الوقفات فهم الباحث بشكل أعمق وأثبتَ الأمرَ عن معاينة: لماذا كان العلماء يَعُدُّون من مناقبهم قراءتَهم لكتاب سيبويه، أو شرحهم له؟
وبعد قراءتي لكتاب سيبويه أعتقد أَنَّه ما زال ثَرِيًّا بالأفكار، وأنَّ تلك الأفكار تنتظر من يُخرجها.