قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويهالسِّياق والابتداء بالمعرفة:

قبل دراسة كتاب سيبويه توقَّع الباحث تأثيرًا محدودًا لسياق الحال على الجملة الاسمِيَّة، تأثيرٌ قد يوجد مثلا في تقديم الخبر على المبتدأ، أو في حذف أحد ركنيها.
ولكن ما لم يتوقَّعه الباحث أَنْ يصل تأثير سياق الحال على الجملة الاسمِيَّة برمتها وجودًا وعدمًا، وأنَّه يتحكَّم في وجودها وكينونتها وذاتها.
هذا ما تقوله نصوص سيبويه، وما أدَّى إليه تحليل هذه النصوص.
ففي أحد النصوص الخطيرة والمُهِمَّة لسيبويه يقول: «واعلم أَنَّهُ إذا وقع في هذا البابِ نكرةٌ ومعرفةٌ فالذي تَشْغَلُ به كان المعرفةُ؛ لأنَّهُ حدُّ الكلام؛ لأَنَّهما شيء واحد، وليس بمنزلة قولك: ضرب رجل زيدًا لأَنَّهما شيئان مختلفانِ، وهما في كان بمنزلتهما في الابتداء إذا قلت: عبد الله منطلق، تبتدئ بالأعرف ثُمَّ تَذكر الخبرَ») 1. وقد وقفتُ أمام جملة سيبويه المُهِمَّة «تبتدئ بالأعرف ثُمَّ تذكر الخبر»، وأثارت عندي عدة أسئلة: » من الذي يبتدئ بالأعرف؟ » والأعرف لمَنْ؟ » وألا تقتضي هذه الجملة أَنْ يكون هناك «شيء معروف» بين طرفين.
» ولماذا استخدم صيغة التفضيل «الأعرف».
والإجابة المنطقية العقلِيَّة البديهيَّة لهذه الأسئلة أَنَّ الذي يبتدئ بالأعرف هو المُتَكَلِّم، وأَنْ يتَّجه بكلامه إلى مخاطَب، وأنَّ المُتَكَلِّم إذا أراد أَنْ يبدأ حديثًا مع المخاطب لا بد أَنْ يبدأ بشيء

«معروف» بينهما لكي يستطيع أَنْ «يبني» عليه الكلام، وينبغي أَنْ يتحرى المُتَكَلِّم أَنْ يبتدئ بأعرف الأشياء بينه وبين المخاطب قدر استطاعته.
ومعنى هذا أَنَّ بداية الجملة الاسمِيَّة مرتبطة بالمُتَكَلِّم وإرادته، وهو الذي يكسبها مشروعيَّة وجودها بأن يبدأها بـ «شيء معروف» بينه وبين المخاطب.
ويعني هذا أيضا أَنَّ صحَّة الجملة الاسمِيَّة مشروطة بأن يكون «مبتدؤها» معروفًا بين المُتَكَلِّم والمخاطب، أي أَنَّ الجملة الاسمِيَّة لكي تقع صحيحة يجب أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم بما هو معروف بينه وبين المخاطب، ولا بد أَنْ تكونَ هناك نقطة لقاء معرفية بين المُتَكَلِّم والمخاطب لكي يمتدَّ الكلامُ وتتكوَّن الجمل التالية) 1. وهنا سؤال مُهِمّ هو: ألا يتدخَّل سياقُ الحال في هذه المعرفة بين المُتَكَلِّم والمخاطب؟ ! وهل يُعقَلُ أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم كلاما بـ «شيء معروف» يعرفه المُتَكَلِّم والمخاطب بدون أَنْ يكون هناك «رابط سِياقِيّ ما» يربط المُتَكَلِّم بالمخاطب سلفا؟ ! وهل يُعقَل على سبيل المثال أَنْ يُوقف أحدُ الأشخاص شخصا في الطريق لا يعرفه ولا توجد بينهما سابق معرفة، ولم ير الأول الثاني قط، ثُمَّ يقول الأول للثاني: «عبد الله نجح»، أو «الطعام لذيذ»؟ ! إِنَّ هذا لا يُعقل، وسيظنّ الشخص الثاني أَنَّ الأول صاحب السؤال مجنونا يهذي.
إن المُتَكَلِّم الذي يريد أَنْ يُنْشِئ «اتصالا» بينه وبين المخاطب لا بدَّ أَنْ تكونَ لديه «الإرادة والدافع» لإنشاء هذا الاتصال، ولكي ينجح هذا الاتصال يجب أَنْ يبدأ المُتَكَلِّم بنقطة لقاء معرفية بينه وبين المخاطب، ونقطة اللقاء المعرفيَّة هذه يتدخل السِّياق في تحديدها؛ فمثلا عندما يضم «مسجدٌ» مجموعة من روّاده لا يعرف بعضهم بعضا لحضور «محاضرة علمِيَّة» لأحد العلماء، وبعد انتهاء المحاضرة قال أحد الحاضرين لباقي المجموعة: «المحاضرة جَيِّدة».
فكون هذه المجموعة في «مسجد» يتلقَّون «محاضرة» يمثل هذا كله سياقا يُمَكِّنُ أحدَهم من أَنْ يختار «مبتدأ» يشترك الجميع في معرفته، هو «المحاضرة» ويخبر عنه بخبر هو «جَيِّد»، وتتقبَّل باقي المجموعة هذا الخبر، ويجعله السِّياق مستساغا مقبولا.
ولو قام نفس الشخص قائل العبارة بقول نفس العبارة خارج المسجد لأحد الأشخاص لاستنكرت عليه هذه الجملة.
ولَعلَّ هذا ما يجعل كاتب المقال الصحفي، أو من يكتب كتابا يضع له عنوانا، يكون بمثابة نقطة اللقاء المعرفيَّة المشتركة بين كاتب المقال أو الكتاب وقارئه، ويكون المقال ذاته أو الكتاب عينه بمثابة الخبر لهذا المبتدأ.

إننا نعتقد أَنَّ سياق الحال حاضر في بداية تكوين الجملة الاسمِيَّة متمثِّلا في المُتَكَلِّم وإرادته الواعية التي تختار ما يبدأ به كلاما مفهوما يتواصل به مع المخاطب، ومتمثِّلا أيضا في تهيئته لقدر من المعرفة مشترك بين المُتَكَلِّم والمخاطب.
ولا يقتصر الأمر على مجرد تهيئة هذا القدر من المعرفة، بل لا بدَّ أَنْ يكون هذا القدر من المعرفة هو «الأعرف» بين المُتَكَلِّم والمخاطب؛ فكلمة «الأعرف» التي أتت في نصّ سيبويه السابق توحي بأنه يجب على المُتَكَلِّم أَنْ يجتهد في الابتداء بما هو «أعرف» بينه وبين المخاطب، وأن يتحرَّى ذلك، ولا يكون على صواب إذا بدأ بما هو «معروف» وترك «الأعرف»؛ لأَنَّ هذا ينعكس سلبا على وضوح الجملة.
ومما يؤكد أيضا أَنَّ الكلام يجب أَنْ يبنى على ما هو معروف بين المُتَكَلِّم والمخاطب أَنَّنا لا يجوز أَنْ نستخدم الضمائر في المرحلة الأولى من الكلام؛ لأَنَّ الإضمار يأتي بعد ذكر.
ومما يدعم هذه النتيجة وهي أَنَّ سياق الحال يتدخَّل في اختيار المبتدأ وبداية تكوين الجملة الاسمِيَّة هذا النَّصّ المهم الذي ذكره سيبويه في باب النداء: «وإِنَّمَا فعلوا هذا بالنداء لكثرته في كلامهم؛ ولأَنَّ أول الكلام أبدًا النداء؛ إلا أَنْ تدعه استغناءً بإقبال المخاطب عليك، فهو أول كل كلام لك به تعطف المُكَلَّم عليك، فلمّا كثر وكان الأول في كل موضع؛ حذفوا منه تخفيفا؛ لأنَّهم ممَّا يُغَيِّرون الأكثر في كلامهم») 1. إن أول الكلام أبدًا النداء، والنداء يتطلب متكلِّما ومخاطَبا، وحتما يجب أَنْ يكون هناك موقف يقال فيه النداء.
وبالنداء يعطف المُتَكَلِّم المخاطب عليه؛ أي يطلب منه الانتباه لما سيقوله وقد يستغنى عن النداء إذا كان المخاطب مقبلا على المُتَكَلِّم وتخفيفا في الكلام.
ثُمَّ بعد ذلك يبدأ المُتَكَلِّم في إنشاء الكلام الذي يكون في الغالب جملة اسمية) 2. إِنَّ هذا النَّصّ هو الآخر يثبت بما لا يدع مجالا للشك أَنَّ لسياق الحال تأثيرا واضحا على الجملة الاسمِيَّة.

وعَلَّمَنا سيبويه في نصوص كثيرة أَنَّ حالة الرفع ترتبط بما هو ثابت ومستقر في نفس المُتَكَلِّم؛ فقال في أحد هذه النصوص: «فإذا رفعت) على الابتداء (فالذي في نفسك ما أظهرت») 1. ويذكر في نصّ ثان عند مناقشته للجمل: «سلامٌ عليك، وخيرٌ بين يديك، وويلٌ لك، وويسٌ لك، وويلةٌ لك، وعولةٌ لك... » أَنَّ المصادر والأسماء في بداية هذه الجمل مبتدأ، مبني عليها ما بعدها، والسبب أَنَّ «المعنى فيهن أَنَّكَ ابتدأت شيئا قد ثبت عندك، ولست في حالة حديثك تعمل في إثباتها وتزجيتها») 2؛ أي أَنَّ ما سوغ مجئ المبتدأ نكرة ورفعه في الجمل السابقة أَنَّ المُتَكَلِّم ابتدأ شيئا «قد ثبت عنده»؛ أي شيء معروف عنده، وتتجه إرادة المُتَكَلِّم إلى أَنْ يبني عليه خبرا يتَّجه به إلى المخاطب، ولكي ينجح في هذا يجب أَنْ يكون ما يعرفه معروفا عند المخاطب أيضا.
إذن فحالة الرفع عامة ـــ كما لاحظ سيبويه من خلال استقرائه وتتَبُّعه للتراكيب اللُّغَوِيَّة في السِّياقات المختلفة ــــ مرتبطة بما يدور في نفس المُتَكَلِّم، وما هو ثابت فيها.
وكون المبتدأ مرفوع؛ فهو يدخل ضمن هذه القاعدة، وهذا دليل آخر على تأثير سياق الحال على الجملة الاسمِيَّة من أساسها.
ومن لطيف إشارات العلماء إشارتهم إلى الفرق بين النصب والرفع، ففي «النصب إشعارًا بالفعل، وفي صيغة الفعل إشعار بالتجدد والطرو، ولا كذلك الرفع، فإِنَّهُ إِنَّمَا يستدعى اسما: ذلك الاسم صفة ثابتة») 3. ويظهر هنا سؤال مُهِمّ آخر: ماذا يحدث لو بدأ المُتَكَلِّم بما هو «ليس معروفًا عند المخاطب»؟ والسؤال بطريقة أخرى: ما الذي يترتب على بدء الجملة الاسمِيَّة بـ «نكرة»؟ الإجابة عن هذا السؤال تقول: إِنَّ البدء بما ليس معروفا أو البدء بنكرة سيؤدي إلى «اللَّبس» وعدم تَحَصُّل الفائدة من الكلام.
وهذا ما يبينه سيبويه في نصّ واضح وصريح يقول فيه: «فإنْ قلتَ كان حليم أو رجلٌ فقد بدأْتَ بنكرةٍ، ولا يستقيم أَنْ تُخبِرَ المخاطَبَ عن المنكور، وليس هذا بالذي يَنْزِلُ به المخاطَبُ منزلتَك في المعرفة، فكرهوا أَنْ يَقْرَبوا بابَ لبْسِ») 4.

ويعلق السيرافي بكلام مُهِمّ على هذا النَّصّ قائلا: «إِنَّ ابتداءك بالنكرة لتحدث عنها غير مستقيم؛ لأَنَّ المخاطب ليس ينزل منزلتك في معرفتها.
وحكم الخطاب المفهوم أَنْ يساوِي المخاطب المُتَكَلِّم في معرفة ما خبره به، فإذا قال: كان زيدٌ عالمًا؛ فقد كان المخاطب عالمًا بزيد من قبل، وقد عرف علمه الآن؛ لإخبار المُتَكَلِّم إياه، فقد ساواه في الأمرين جميعًا، وإذا قال: كان عالمٌ زيد؛ فعالم منكور لا يعرفه المخاطب، ولم يجعله خبرا فيقيده، وقد قدمنا أَنَّ الأسماء لا تستفاد، فمعرفة المخاطب بعالم غير واقعة، فلم يساو المخاطبُ المُتَكَلِّم إذن؛ لأَنَّ المنكور في الإخبار ما لا يعرفه المخاطب، وإن كان المُتَكَلِّم قد رآه وعرَّفه») 1. إن البدء بنكرة يعني عدم تحديد نقطة معرفية تصلح لبناء الكلام عليها، وما يأتي بعد هذه النكرة لغو لا فائدة فيه للمخاطب.
إِنَّ الهدف من الجملة الاسمِيَّة وخبرها أَنَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ ينقل «فائدة» عن «شيء مُحَدَّد ومعروف» للمخاطب، وأنَّ المُتَكَلِّم يريد أَنْ يساوي بينه وبين المخاطب في الفائدة التي يعرفها عن هذا الشيء المُحَدَّد، فإذا بدأ المُتَكَلِّم بنكرة؛ ضاعت هذه الفائدة، ولم يستطع المخاطب أَنْ يضعها في موضعها المناسب ولا أَنْ يستفيد بها.
فما الفائدة التي تعود على المخاطب عندما نبدأ بكلمة «رجلٌ» النكرة في قولنا: «رجلٌ يأكل»، فمن الطبيعي والمنطقي أَنَّ أي رجل يأكل، فهذه الجملة وأشباهها لا تحمل أَيَّة فائدة للمخاطب؛ لأَنَّ الاسم النكرة كلمة تطلق على جنس يشمل أفرادًا كثيرين، فأي منهم ستُناطُ به الفائدة التي سيقولها المُتَكَلِّم.
يقول سيبويه: «ولا يبدأ بما يكون فيه اللَّبس، وهو النكرة.
أَلا ترى أنَّك لو قلت: كان إنسانٌ حليمًا أو كان رجل منطلقًا، كنتَ تُلْبسُ؛ لأنَّهُ لا يُستنكَرُ أَنْ يكون في الدنيا إنسانٌ هكذا، فكرهوا أَنْ يَبْدَءوا بما فيه اللَّبس ويَجعلوا المعرفة خبرًا لما يكون فيه هذا اللَّبس») 2. إذن فالأساس الذي عليه تبنى الجملة الاسمِيَّة هو ألا تُبدأ بنكرة بحال من الأحوال، إلا إذا تم «تضييق دائرة التنكير والعمومية» التي تكون في النكرة، و «تقع الفائدة للمخاطب») 3. ومن الحالات التي تضيق فيها دائرة التنكير والعمومية، أَنْ تقع النكرة في سياق نفي، كما يشير إلى ذلك سيبويه

في باب «تخبر فيه عن النّكرِة بنكرة» قائلا: «وإنّما حَسُنَ الإخبارُ ههنا عن النكرة حيث أردت أَنْ تَنفِىَ أَنْ يكون في مثل حاله شئٌ أو فوقه، ولأَنَّ المخاطَبَ قد يحتاج إلى أَنْ تُعْلِمهَ مثلَ هذا») 1. ومما هو جدير بالذكر هنا أَنَّ النُّحَاة بعد سيبويه أوصلوا مواضع النكرة المفيدة حين تقع مبتدأ إلى نحو أربعين موضعًا.
تلك المواضع المتعددة جعلت بعض النحاة يضع ضابطا كليا لها.
نقل الصبَّان في حاشيته القول في ذلك فذكر: «لم يعتنوا بتعديد الأماكن التي يسوغ الابتداء فيها بالنكرة، وإنما ذكروا ضابطًا كليًا وهو أنَّه متى حصلت الفائدة جاز الإخبار عن النكرة») 2. ويعلق الأستاذ عباس حسن على هذا العدد الكبير من المواضع بقوله: «ولا حاجة بنا إلى احتمال العناء في سردها، واستقصاء مواضعها، ما دام الأساس الذي تقوم عليه هو «الإفادة»، فعلى هذا الأساس وحده يرجع الحكم على صحة الابتداء بالنكرة أو عدم صحته، من غير داع لحصر المواضع أو عدها») 3. ثُمَّ أضاف ــــ رحمه الله ــــ كلاما نفيسا في الحاشية ذات الرقْم 1 من 1/ 486 حيث قال: «وكذلك فعل سيبويه والمتقدمون؛ ولهذا يرى بعض النُّحَاة ـــ بحق ـــ أَنَّهُ لا داعي لهذا الشرط) شرط الإفادة (؛ لأنَّهُ مفهوم بداهة؛ إذ لا يتكلم عاقل بغير ما يفيد وإلا عرض نفسه وكلامه للحكم عليه بما لا يرضاه.
أَمَّا المتأخرون فتوقعوا أَنْ يخطئ كثيرٌ مواضع الإفادة؛ فحاولوا أَنْ يدلوهم عليها؛ بحصر مواضعها».
إن كلام الأستاذ عباس حسن هنا يؤكد وجهة النظر التي ذُكِرت سلفا وهي أَنَّ سياق الحال يسيطر على الجملة الاسمِيَّة من أساسها، ويؤثِّر فيها بشِدَّة.
فالمُتَكَلِّم العاقل يجب أَنْ يحدد مبتدأ معرفة يُنيط به الفائدة التي يريد أَنْ ينقلها إلى المخاطب.
ولا ننسى ونحن في غمرة حديثنا عن المبتدأ وعلاقة سياق الحال به أَنْ نتحدَّث عن الجزء المتمِّم له ونقصد به الخبر.
فمن الأمور التي حرص سيبويه على إيضاحها وتأكيدها علاقة التلازم بينهما، وإشارته إلى أَنَّهُ لا وجود لأحدهما بدون الآخر، وأنَّه لا يستغني أحدهما عن الآخر.
قال سيبويه في باب «المسند والمسند إليه»: «وهما ما لا يَغْنَى) أو يستغني (واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المُتَكَلِّم منه بدًّا، فمن ذلك الاسم والمبني عليه») 4.

هذا التلازم بينهما ضروري لكليهما؛ فالمبتدأ لا يكون مبتدأ إلا إذا وُجِد ما يبنى عليه، والخبر لا يكون حتى يعتمد على المبتدأ، يقول:

  • «إنك إذا ابتدأت الاسم فَإِنَّما تبتدئه لما بعده، فإذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدأ لا بد منه؛ وإلا فسد الكلام ولم يسغ لك») 1.
  • «فالمبتدأ كل اسم ابتدئ؛ ليبنى عليه كلامٌ، والمبتدأ والمبني عليه رفع.
    فالابتداء لا يكون إلا بمبني عليه») 2.
  • «الابتداء إِنَّمَا هو خبر») 3.
  • «ألا ترى أَنَّ «مِنْ زيدٍ» لا يكون كلامًا حتى يكون معتمدًا على غيره») 4.
  • «وإذا جعلت «هذا زيدٌ» اسم رجل فهو يحتاج في الابتداء وغيره إلى ما يحتاج إليه زيد ويستغني كما يستغني») 5. ومن أقوال السيرافي التي ذكرها في بعض مواضع شرحه مبينا أهمِيَّة الخبر للمبتدأ قوله: «فائدة الإفادة من المُتَكَلِّم للمخاطب في الخبر.
    ولو جُعِلَ الاسم نكرة والخبر معرفة والاسم لا يستفيده المخاطب لم يصر المخاطب بمنزلة المُتَكَلِّم في معرفة ما أفاده») 6. من خلال هذه النصوص يؤكد سيبويه على أَنَّ المبتدأ يستمد شرعية وجوده من وجود الخبر، فلا بدَّ من وجوده لكي يوجد.
    ويُغري المقام هنا ببعض الاستطراد المهم والمفيد الذي يُزيد الصورة إيضاحًا وعمقًا قبل الاستمرار في الحديث عن الخبر.
    في استطرادنا هنا نشير إلى أَنَّ فكرة الابتداء بالمعرفة و«وجوبيّة» ارتباطه بـ «الخبر» لكي تكتمل «الجملة» ليست فكرة مقصورة على اللُّغَة العربِيَّة وحدها بل نعتقد أنَّها موجودة في كثير من اللغات إِنْ لم تكن جميعها.

فمثلا تحدِّثنا كتب قواعد اللُّغَة الإنجليزية عن «الجملة Sentence» ومكوناتها، فتذكر أنَّها ــــ أي الجملة ــــ هي التي تعبِّر عن «فكرة مكتملة A complete thought») 1. ومن البديهيّ أَنَّ الفكرة المكتملة لكي يفهمها المخاطب أو السامع يجب على المُتَكَلِّم أَنْ يبدأ بـ ((شيء)) معروف بينه وبين السامع أو المخاطب ضربة لازب.
وتضيف كتب قواعد الإنجليزية أَنَّه لكي يتمَّ التعبير عن ((فكرة مكتملة)) فلزاما أَنْ تكون الجملة مكونة من عنصرين: الأول: «Subject) 2 الموضوع أو المسند إليه» مدار الكلام أو الحديث وهو «الذي يخبرنا ما أو لمن يتحدَّث المُتَكَلِّم».
والثاني: «Predicate المحمول أو المسند أو الخبر»، وهو «جزء الجملة الذي يصنع تعبيرا أو بيانا عن المسند إليه The predicate is the part of the sentence that makes a statement about the subject») 3. إن التلازم بين المبتدأ والخبر لكي تتكون الجملة موجود في اللغتين على الرغم من اختلاف العائلة اللغوية التي تنتمي إليها كلتا اللغتين، فالعربية تنتمي إلى مجموعة اللغات السامية واللغة الإنجليزية تنتمي إلى مجموعة اللغات الهندية الأوربية INDO- EUROPEAN.
ووجود فكرة الابتداء والخبرِيِّة في كلتا اللغتين العربِيَّة والإنجليزية ـــــ وهي ولا بدّ موجودة في كثير من اللغات إِنْ لم تكن فيها كلِّها ـــــ قد تدعم بشكل ما فكرة «النحو العالمي Universal Grammar» التي نادى به العالم اللغويّ تشومسكي.
نعود إلى الخبر في العربِيَّة ونكمل تجلية بقية الحقائق عنه من خلال نصوص عبقري اللُّغَة سيبويه.
نقول إِنَّ سياق الحال يتدخل من خلال أحد عناصره: المخاطب في تحديد الخبر.
فمن خلال إمكانيَّة سكوت المخاطب نعلم أَنَّ الخبر قد ظهر في الجملة وأنَّه ارتبط بالمبتدأ وحمل الفائدة التي وصلت إلى المخاطب وفهمها فسكت.
فإذا لم يصح سكوت المخاطب كان هذا إيذانًا بعدم ظهور الخبر وهذا يعني عدم وصول الفائدة للمخاطب، ويعني أيضًا أَنَّ المبتدأ لم يكتمل وجوده.
يقول:

«ألا ترى أنَّك تقول سبحان الله، من هو وما هو! فهذا استفهام فيه معنى التعجب.
ولو كان خبرًا لم يجز ذلك؛ لأنَّهُ لا يجوز في الخبر أَنْ تقول: من هو، وتسكت») 1. وقد يصح سكوت المُتَكَلِّم بدون وجود خبر في الجملة وذلك لأَنَّ سياق الحال يتكفل بتحديد هذا الخبر للمخاطب، أي أَنَّ المُتَكَلِّم لم يذكر الخبر لعلمه أَنَّ سياق الحال سيُمَكِّنُ المخاطبَ من تحديده، يقول سيبويه في: «هذا باب ما يَحسن عليه السكوتُ في هذه الأحرف الخمسة) إِنَّ وأخواتها (»: «... ويقول الرجل للرجل: هل لكم أحدٌ إِنَّ الناس ألْبٌ عليكم، فيقول: إِنَّ زيدا، وإنَّ عمرا؛ أي: إِنَّ لنا») 2. إن سكوت المُتَكَلِّم دليل على وصول فائدة إليه، فائدة لم تكن معلومة لديه من قبل.
ولَعلَّ هذا يرتبط بإشارة سيبويه إلى الجملة الاسمِيَّة بأنَّها «جملة واجبة») 3، التي تعني عنده أنَّها «جملة خبرِيِّة تحتمل الصدق والكذب») 4. وفي بعض الأحيان تتضافر بقية مكونات سياق الحال مع المُتَكَلِّم والمخاطب في تحديد الخبر وتحديد دلالته الخبرِيِّة، وفي أَنَّهُ يحمل فائدة للمخاطب.
يقول سيبويه: «وتقول: «قد جربتك؛ فوجدتُك أنت أنت».
فأنت الأولى مبتدأة والثانية مبنية عليها، كَأَنَّك قلت: فوجدتك وجهُك طليقٌ.
والمعنى أَنَّكَ أردت أَنْ تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف.
ومثل ذلك: أنت أنت، وإن فعلت هذا فأنت أنت، أي فأنت الذي أعرف... كما تقول: الناس الناس؛ أي: الناس بكل مكان وعلى كل حال كما تعرف») 5. إن الكلمتين «أنت أنت» قد تكونان في سياق آخر مجرد توكيد لفظي، ولَكِنَّهما في سياق ما مع حسن سكوت المُتَكَلِّم قد تكونان جملة مفيدة تحمل فائدة للمخاطب.

في ختام هذه الجزئيَّة نشير إلى أمر مثير للانتباه هنا ويستحق التسجيل وهو أَنَّهُ من الألفاظ أو المصطلحات التي ذكرها سيبويه في وصفه العلاقة بين المبتدأ والخبر مصطلح «البناء»، فكثيرا ما أشار إلى أَنَّ الخبر «يُبْنَى» أو «مبنيٌّ» على المبتدأ، فقال مثلا في عنوان أحد أبوابه «هذا باب ما يرتفع فيه الخبر لأنَّهُ مبنىٌّ على مبتدأ») 1، وهذا المصطلح الذي تكرر عدة مرَّات له دلالته عند صاحب الكتاب وله مغزاه، ولم يكن اختياره له اعتباطيا ولا خبط عشواء، تلك الدِّلَالَة وهذا المغزى يتمثل في:

  • أن البناء لا يكون دفعة واحدة، بل يبدأ بلبنة وبعدها لبنة إلى أَنْ يكتمل البناء، وكذلك الجملة.
  • كما أَنَّ البناء لا بد أَنْ يكون ثابتا على أرض محدَّدة وذي شكل مُحَدَّد وكذلك الجملة تتطلَّب قدرا مُحَدَّدا من المعرفة تنطلق منه.
    فالبناء لا يكون في فراغ، ولا على مساحة لا متناهية من الأرض، بل يحتاج البناء إلى مساحة محدَّدة للبناء عليها، والمبتدأ يحتاج إلى أَنْ يكون محددا وليس مطلقا مبهما حتى يتمكَّن المُتَكَلِّم من البناء عليه.
  • ويتطلب البناء أيضا إرادة واعية حتى تضع تصاميمه وتخرجه بشكل منتظم جميل يسرُّ الناظرين، وكذلك الجملة.
  • كما أَنَّ الباني لا يبني شيئا بلا هدف ولا غاية وكذلك الجملة يهدف بها المُتَكَلِّم شيئا يبغي تحقيقه) 2.
  • والبناء قد يكون طابقا وقد يكون عدة طوابق، ولا يمكن الوصول للطوابق العليا بدون الطوابق السفلى، وكذلك الجملة في معانيها المختلفة؛ فلكي نمر بتلك المعاني العليا السِّياقِيَّة للجملة لابد أَنْ نمرَّ أولا بالمعاني السفلى: معاني الألفاظ المفردة، معاني الأوزان الصَّرْفِيَّة، المعاني النحوِيَّة) 3.

جارٍ التحميل