قرينة السياق ودورها في التقعيد النحوي والتوجيه الإعرابي في كتاب سيبويهأهم خصائص النظَرِيَّةالعلميَّة:

o تعريف مصطلح النظَرِيَّة: من الأهمِيَّة بمكان أَنْ نقف على معنى كلمة «نظَرِيَّة» لغة أولا، واصطلاحا ثانيا.
وسيكون هذا الوقوف مدخلا مهمًا لحديثنا عن «نظَرِيَّة نحوِيَّة سِيَاقِيَّة».
بداية نُقَرِّر أَنَّ مصطلح «نظَرِيَّة Theory» هو مصطلح «إنجليزي الأصل نشأ في جامعة أوكسفورد البريطانية في القرن الثامن عشر») 1؛ وبحكم هذه النشأة فَإِنَّ المعاجم الإنجليزية هي أقدر من غيرها على تحديد مدلول هذا المصطلح.
وهذه نقطة مُهِمَّة يجب أَنْ نجعلها منا على ذُكْرٍ دوما.
فإذا لجأنا إلى معجم «Webster» ـــ وهو من أهم المعاجم الإنجليزية ـــ نجده يوضح معنى كلمة «نظَرِيَّة Theory» كما يلي: «أـ ترتيب مُنَظَّمٌ لـ ((حقائق))... فيما يتعلق ببعض قوانين واقعيَّة أو افتراضية.
ب ــ تفسير افتراضي لظاهرة ما.
ج ـــ فرض لم يُتَأَكَّدْ منه بالتجربة العَمَلِيَّة ليصبح قانونا، ولَكِنَّه يُقبَل كأساس للتجريب.
د ــ شرح لمبادئ عامة ومُجَرَّدة لأيِّ علم) طبيعي أو إنساني (، تلك المبادئ التي اسْتُخْلِصَتْ واستُنْبِطَت من الممارسة والتطبيق.
هـ ــ خطة أو نظام مقترح كمنهج لحدث أو فعل مُعَيَّنين.
وـ اعتقاد أو مخطط لأشياء باقية تحت تفكر أو تأمل أو افتراض أو حدْس... ) 2.

ويقول نفس هذا المعجم في طبعة أخرى عن نفس المادة: «أـ كيان منظم من أفكار تتَعَلَّق بحقيقة شيء ما، وعادة ما يكون هذا الكيان ناتج عن دراسة عدد من الحقائق متعلقة به، وهو ـــ أي هذا الكيان ـــ أحيانا ما يكون بكامله نتيجة إعمال خيال متأمل.
ب ــ معرفة خاصة بعلم أو فن منبثقة من دراسة وتأمل) 1. تلك أهم المعاني اللُّغَوِيَّة لكلمة «نظَرِيَّة theory».
ويمكن أَنْ نختصرها لمعنيين رئيسيين: 1 ـــ تصوُّر عقلي لأمر ما ما زال في طور التأَمُّل والبحث ولم يثبت بعد.
2 ـــ تصور عقلي لأمر ما تمَّ الانتهاءُ من تأمُّله وبحثه وتجربته وتطبيقه واستخلاصه من حقائقه الذاتية.
وسنتشبَّث هنا بهذا المعنى الثاني، وسنتمسك بشِدَّة بقول المعجم أَنَّ النظَرِيَّة «عادةً تنتج من دراسة عدد من الحقائق المتعلقة بها usually derived from the study of a number of facts relating to it»؛ أي أَنَّ النظَرِيَّة يجب أَنْ تقوم على أسس من داخلها.
تلك هي المعاني التي تقولها المعاجم اللُّغَوِيَّة العامة، فماذا تقول المعاجم المتخصِّصَة عن مصطلح «النظَرِيَّة»؟ بما أَنَّ الحديث عن مصطلح الـ «نظَرِيَّة» ما هو إلا حديث عن «ثمَرة تأمُّل عقلي»؛ فَإِنَّ أحقَّ المعاجم المتخصِّصَة التي يمكن أَنْ نلجأ إليها لتوضيح هذا المصطلح هي المعاجم «الفلسفِيَّة».
فماذا يقول المعجم الفلسفي عن هذا المصطلح؟ يقول معجم «A DICTIONARY OF PHILOSOPHY» عن مصطلح «نظَرِيَّة Theory»: «نظام لمعرفة وتفسير مُعَمَّمَين لجوانب مختلفة من الواقع... والنظَرِيَّة تختلف عن الممارسة والتطبيق؛ لأنَّها ـــ عقليا ـــ تعكس وتُعِيدُ إنتاج الواقع.
والنظَرِيَّة في نفس الوقت تتصل

بشكل لا انفصام له بالممارسة والتطبيق، وهي تضع نصب عينها المشاكل الملحّة وتعمل على حلِّها؛ لذلك السبب يُعدُّ التطبيق جزء وقسم أصيل من كل نظَرِيَّة) 1. ويسترعي انتباهنا هنا عبارة المعجم أَنَّ النظَرِيَّة Theory: «تعكس وتُعِيدُ إنتاج الواقع It spiritually or mentally reflects and reproduces reality.»، وهذه عبارة جد خطيرة سنعتمد عليها لاحقا.
ومن المثير أَنَّ المعجم السابق يختم حديثه عن مصطلح «النظَرِيَّة» بربطها بمصطلح آخر أسماه «معيار الحقيقة Criterion of Truth».
فيقول في آخر حديثه عن مصطلح «النظَرِيَّة»: «قيمة معيار الحقيقة للنظَرِيَّة) يكمن في (الممارسة The criterion of truth value of theory is practice»؛ يقصد أَنَّ نجاح النظَرِيَّة في التطبيق والممارسة وتفسيرها لأهم القضايا التي تواجهها هو جزء من معيار حقيقتها.
وعندما أردنا الاستيضاح أكثر عن مصطلح «معيار الحقيقة Criterion of Truth» هذا وعلاقته بمصطلح النظَرِيَّة وجدنا هذا المعجم يقول عن هذا المصطلح: «معيار الحقيقة هو أَيَّة وسائل تتيح لنا الحكم على فرضية أو توكيد أو مقترح نظري... بكونها حقيقة أو زيفًا.
إِنَّ معيار الحقيقة هو خبرة اجتماعِيَّة.
والإثبات الحاسم للنظريات العلميَّة يؤسس على التطبيق، والاستخدام الناجح لنظَرِيَّة مُعَيَّنَة ما في التطبيق والممارسة دليلٌ على صحتها... [و] الإثبات بالتطبيق للنظريات العلميَّة لا يحولها بذلك إلى حقائق مطلقة، فالنظريات تستمر في التطور والاختصاب، وتكسب ـــ بمرور الوقت ـــ مدًى أوسع ودقة أشد.
وكثير من الفروض والمقترحات في تلك النظريات تسقط لصالح مقترحات وافتراضات جديدة، وهذا يرجع إلى حقيقة أَنَّ الممارسة والتطبيق الاجتماعيّين للنظَرِيَّة يجتازان ويمران بصفة مستمَرَّة بعَمَلِيَّة من التطور المستمر؛ لذلك فَإِنَّ هذه النظريات تأخذ طريقها ـــ من خلال مقارنتها بالواقع ـــ إلى الاكتمال والتمام.
إن التطور اليومي للتطبيق والتجرية الذي يقوم به المجتمع للنظَرِيَّة هو القادر على ((التأكيد)) أو ((الدحض الكامل)) للأفكار التي يولدها الإنسان») 2.

وقد اعتمد العلماء في مختلف تخصصاتهم هذا الإطار النظري لـ «مصطلح النظَرِيَّة العلميَّة» وأكدوا «أَنَّ النظَرِيَّة هي وحسب نموذج للكون أو لجزء مُحَدَّد منه، ومجموعة من القواعد التي تربط الكميات التي في النموذج بالمشاهدات التي نجرِّبُها، وهي لا تتواجد إلا في عقولنا، وليس أي واقع آخر.
والنظَرِيَّة تكون نظَرِيَّة جَيِّدة إذا كانت تفي بمطلبين: فهي يجب أَنْ تصف توصيفا مضبوطا طائفة كثيرة من المشاهدات على أساس من نموذج يحوي عناصر تعسفية معدودة، ويجب أَنْ تصنع تنبؤات محددة عن نتائج المشاهدات في المستقبل») (1). وأشد النظريات علمِيَّةً وماديةً هي دائما نظَرِيَّة مؤقتة Provisional، يقول ستيفن هوكنج: «إِنَّ أَيَّة نظَرِيَّة فيزيائية هي دائمة نظَرِيَّة مؤقتة، بمعنى أنَّها مجرد فرض Any physical theory is always provisional, in the sense that it is only a hypothesis») (2). فإذا كانت أشد النظريات علمِيَّةً وماديةً هي نظريات مؤقتة؛ أي قابلة للتعديل والتغيير فمن باب أولى أَنْ تكون غيرها من النظريات الفلسفِيَّة والاجتِماعِيَّة واللُّغَوِيَّة أكثر قابلية للتعديل والتغيير والتبديل.

o أهم خصائص النظَرِيَّة العلميَّة: من خلال ما تجمَّع لدينا من حقائق في الجزئيَّة السابقة يمكن أَنْ نُقَرِّر أَن

جارٍ التحميل