- أهم المصطلحات المستخدمة في البحث
:
من الأمور التي يجب أَنْ نشير إليها، وتحثُّنا عليها طبيعة البحث العلمي ــــ تحديدُ أهم المصطلحات المستخدمة في البحث.
والمصطلح Term ـــ كما تعرفه المعاجم اللُّغَوِيَّة ـــ هو: «كلمة أو مجموعة كلمات phrase من خلالها يُعَبِّر عن شيء ثابت ومُحَدَّد») 2. ويعرفه بعض العلماء ب أَنَّه: «اللفظ أو الرمز اللغويّ الذي يستخدم للدلالة على مفهوم علمِيّ أو عَمَلِيّ أو فنِيّ أو أي موضوع ذي طبيعة خاصة») 3.
ويتفق العلماء على أهمِيَّة توحيد معني المصطلح وعلى أهمِيَّة معرفة مصطلح علم من العلوم؛ لأَنَّ ذلك من شأنه أَنْ «يُوَحِّدَ بساط البحث الذي من الممكن أَنْ يلتقي عليه العلماء, وتسهم بشكل فعَّال في التنسيق بين مختلف أبحاثهم ودراساتهم.
كما أنَّها تزيد من اتصال القارئ العادي غير المتخصص بهذا العلم أو ذاك نتيجة القضاء على الاضطراب المصطلحي؛ وبالتالي البلبلة
الفكرية») 4.
من هذا المنطلق سنحدد أهم المصطلحات التي سنتكئ عليها في بحثنا هنا، وفيما يلي أهمها:1
- المصطلح الأول ((... السِّياق)):
مصطلح السِّياق من أهم المصطلحات في بحثنا هنا، وعلى أساسه سيجري كثيرٌ من النقاش والتأسيس لبعض الجوانب العلميَّة؛ لذلك علينا أَنْ نستوفي كُلَّ الأمور المتعلقة به، ونُثْبِتُها على مُكْثٍ، ليس فقط من حيث التعريف والتحديد لمعناه، بل لا بد أَنْ نتطرق معه إلى:
أتأثير سياق الحال على اللُّغَة / الكلام.
ب اهتمام علمائنا الأقدمين بالسِّياق.
ت مكونات سياق الحال وما يشتمل عليه.
وتنبع أهمِيَّة هذا «الحديث» من أَنَّهُ سيكون «الخلفيَّة العلميَّة» التي تُعِيننا على حسن التَّهَدِّي لموضوعنا، ومنطلقا ننطلق منه ونحتكم إليه ونسير في ضوئه عند بحثنا لدور سياق الحال في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه.
• تعريف السِّياق: إذا تتبَّعنا معنى كلمة «السِّياق context» في المعاجم اللُّغَوِيَّة العامَّة نجد أنَّها تشير إلى معنيين: أمعنى عام يشمل اللُّغَة وغيرها: تقول بعض هذه المعاجم إِنَّ السِّياق هو «البيئة أو الظروف أو الحقائق والوقائع المحيطة التي تساعد على إعطاء صورة شاملة عن شيء ما» 1، أو «تؤثر على شيء ما» 2. أو إِنَّهُ: «الموقف الذي فيه يحدث شيءٌ ما أو الذي يتسبَّبُ في حدوث شيء ما» 3. ب ومعنى خاص مرتبط باللُّغَة: والمعنى الثاني الذي تعطيه المعاجم اللُّغَوِيَّة العامَّة وبعض المعاجم المتخصِّصَة هو معنى مرتبط باللُّغَة خاصة، فتقول: إِنَّهُ «سياق الكلام» 4. أو «بيئة الكلام ومحيطه وقرائنه» 5،
أو هو «الكلمات التي تأتي قبل) أو بعد (كلمة أو عبارة أو جملة، وتساعد على فهم معناها» 1. هذا السِّياق المرتبط باللُّغَة قسمه علماء اللُّغَة المتخصِّصون إلى قسمين:
- سياق لغوي Linguistic context ـــــ Verbal context.
- سياق غير لغوي contextNon-linguistic) 2. أما السِّياق اللغويّ فـ «يتمثَّلُ في الأصوات والكلمات والجمل كما تتتابع في حدث كلامِيّ معين أو نصّ لغوي» 3. فالوحدات الدِّلالِيَّة المكونة لكلام أو نصّ ما «تقع في مجاورة وحدات أخرى وإنَّ معاني هذه الوحدات لا يمكن وصفها أو تحديدها إلا بملاحظة الوحدات الأخرى التي تقع مجاورة لها» 4. أما السِّياق غير اللغويّ أو سياق الحال Context of situation فإِنَّهُ يعني «الجو الخارجيّ الذي يحيط بالكلام من ظروف وملابسات» 5. أو هو «البيئة غير اللُّغَوِيَّة لكلام ما» 6. ويُزِيد ديفيد كريستال David Crystal هذا المصطلح إيضاحا في معجمه «A Dictionary Of Linguistics And Phonetics» فيقول: «إِنَّ سياق الحال يشير إلى كُلِّ جوانب هيئة العالم الخارجيّ التي يجب أَنْ تؤخذ في الاعتبار عند تحليل «كلام ما» إلى مستوياته) الأصوات، القواعد الدِّلَالَة (لوثاقة هذه الجوانب بهذا التحليل» 7. ويقول في موضع ثان: «وفي أوسع معنى لسياق
الحال فإِنَّهُ يشمل الخلفيَّة غير اللُّغَوِيَّة لنص أو كلام ما كاملة وبكل ما فيها، ويشمل ذلك الموقف الحالي الذي يستخدم فيه النَّصّ أو الكلام، ووعي المُتَكَلِّم والسامع لما قيل قبلُ، وأَيَّة معتقدات أو افتراضات سابقة خارِجِيَّة» 1. إِنَّ سياق الحال «يمثِّله العالم الخارج عن اللُّغَة بما له من صلة بالحدث اللغويّ أو النَّصّ، ويتمثل في الظروف الاجتِماعِيَّة والنفسِيَّة والثقافيَّة للمتكلم والمشتركين في الكلام أيضا» 2. والمصطلحات التي تعبر عن السِّياق غير اللغويّ أو سياق الحال كثيرة) 3.
.................................. = لأنَّ مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إِنَّمَا هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الأفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع))، ينظر: البيان والتبيين، ت: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي القاهرة، ط 7، (1998 م)، 1/ 76)
7.... القرينة (ينظر على سبيل المثال: ابن هشام: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ص 789)
8.... القصة والحديث (وهو من المصطلحات التي ذكرها سيبويه في كتابه في المواضع التالية: 3/ 132، 3/ 139، 3/ 170 وينظر أيضا: أبو على الفارسي: التعليقة على كتاب سيبويه، 1/ 106، 107)
9.... أحوال المخلوقين وعاداتهم وموضوع جبلتهم (هذه مصطلحات إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني، وقد لفت الانتباه لهذه المصطلحات الأستاذ الدكتور: البدراوي زهران في مقاله ((من قضايا اللُّغَة: وجوب تحليل البناء اللغويّ من خلال مسرح الحدث الذي دار عليه)) مجلة مجمع اللُّغَة العَرَبِيَّة، العدد 50، القاهرة، (المحرم 1403 هـ ـــــ نوفمبر 1982 م)، ص 98)
•... مصطلحات حديثة:
1.... مصطلح السياق نفسه) في بعض الأحيان عندما يطلق مصطلح السِّياق بدون أي قيد معه فَإِنَّه قد يقصد به سياق الحال، وهذا ما أشار إليه ديفيد كريستال نفسه عند شرحه لهذا المصطلح في معجمه، يقول ديفيد كريستال: إِنَّ السِّياق في بعض معانيه ـــ المعنى الثالث ــــ ((يشير إلى الهيئات والمظاهر الخاصة بالعالم غير اللغويّ من حيث ارتباطه بوحدات لغَوِيَّة مستخدمة بطريقة منظمة))، ((3 - A term referring to the features of the non-linguistics world in relation to which linguistic units are systematically used.)) والترجمة للباحث.
يُنْظَر: A Dictionary Of Linguistics And Phonetics, P.109 وينظر أيضا: ستيفن أولمان: دور الكلمة في اللُّغَة، ترجمة: د. كمال بشر، مكتبة الشباب، القاهرة ط 1، (بدون تاريخ للطبعة)، ص 57 (.
2.... السياق غير اللغوي.
3.... سياق الموقف.
4.... السياق الاجتماعي والثقافي (يُنْظَر: د. كمال بشر: علم اللُّغَة الاجتماعِيّ، ص 44)
5.... السياق غير المباشر) يُنْظَر: د. كريم زكي حسام الدين: التحليل الدِّلَالِيّ إجراءاته ومناهجه، دار غريب، القاهرة، ط 1، ) 2000 م (، 1/ 98، ويقول سيادته: ((... وقد قسم بعض اللسانيين السِّياقات التي ترد فيها الكلمة إلى ثلاثة أنواع: السِّياق المباشر... والسِّياق غير المباشر: تستعمل فيه الكلمة للحديث عن مدلولات غير حاضرة، السِّياق المحول... أي الاستعمال المجازي للكلمات))
6.... مسرح الحدث اللغويّ Linguistic Theatre) وأول من صك هذا المصطلح أستاذنا د. كمال بشر، يُنْظَر: علم اللُّغَة الاجتماعِيّ، ص 87، ودراسات في علم اللُّغَة، دار المعارف، القاهرة، ط 9، ) 1986 م (، ص 57، وكان هذا المصطلح ضمن عنوان لمقال د. بدراوي زهران في مجلة مجمع اللُّغَة ((من قضايا اللُّغَة: وجوب تحليل البناء اللغويّ من خلال مسرح الحدث الذي دار عليه)) مجلة مجمع اللُّغَة العَرَبِيَّة، العدد 50، القاهرة، ) المحرم 1403 هـ ـــــ نوفمبر 1982 م (.
7.... ماجريات الحال (يُنْظَر: د. كمال بشر: دراسات في علم اللُّغَة، ص 100) =
ومن خلال دراسة هذا المصطلح، ودراسة كتاب سيبويه نفسه يمكن تقسيم سياق الحال من حيث «الوقتِيَّة والديمومة» إلى قسمين:
• سياق حال لحظِيّ وقتِيّ عابر.
• سياق حال شبه ثابت، يتمثل مثلا في العرف الاجتماعِيّ والعادات والتقاليد، والخلفيَّة العَقِيدِيّة.
• تأثير سياق الحال على اللُّغَة / الكلام:
من الأمور التي يجب إبرازها ومناقشتها وتسليط الضوء عليها بعد أَنْ انتهينا من تعريف سياق الحال وذكر أهم مصطلحاته ـــ تأثيرُ سياق الحال على اللُّغَة / الكلام.
وهي نقطة جوهرِيَّة في موضوع بحثنا، تستحق وقفة متأنيَّة بعض الشيء.
وقبل إبراز هذا التأثير ينبغي أولا تسليط بعض الضوء على العلاقة بين اللُّغَة والكلام، تلك الثُّنائِيَّة التي جاءت بها بعض المدارس اللُّغَوِيَّة الحديثة.
فإذا تحَدَّثنا عن تأثير سياق الحال على اللُّغَة؛ فهل يعني هذا إهمال جانب الكلام؟ وإذا تحَدَّثنا عن تأثير سياق الحال على الكلام؛ فهل يعني هذا إهمال جانب اللُّغَة؟ أم أَنَّ حديثنا عن تأثير سياق الحال يعني ضمنا الحديث عن التأثير في هذه الثُّنائِيَّة معًا؟
إنَّ مسَوِّغ هذه المناقشة أَنَّنا سنتحدث عن السِّياق ودوره في التَّقْعِيد والتوجيه النَّحْوِيّين عند سيبويه، وسيتمخض عن هذا بعض النتائج والقواعد، فهل هذه النتائج تتَعَلَّق باللُّغَة أم بالكلام؟ =
8.... لسان الحال (ينْظَر: د. كمال بشر: علم اللُّغَة الاجتماعِيّ، ص 88)
9.... ومنها أيضا هذا المصطلح الحديث نسبيا هو التداوُلِيَّة Pragmatics: وهو مصطلح يتناول بالدراسة منطقة تتنازعها علوم ثلاثة: علم الدِّلَالَة Semantics، وعلم اللُّغَة الاجتماعِيّ Sociolinguistics، وعلم سياق الحال Extralinguistic context.) ينظر David Crystal، A Dictionary Of Linguistics And Phonetics, P.379 وهو ((دراسة اللُّغَة لا بوصفها نظاما أو بنية بل على نحو ما تستعمل في المواقف الاتصالِيَّة المختلفة: واقعيَّة أو متخيلة)).) ((المقام في البلاغة العَرَبِيَّة: دراسة تداولية)): د. شكري الطوانسي، مجلة عالم الفكر، العدد 1 ــــ المجلد 42 سبتمبر 2013 م، الكويت، ص 61 (فهو بمنزلة ((علم جديد للتواصل، يدرس استعمال اللُّغَة في التواصل، وما يحكم هذا الاستعمال، أو هذا التواصل من عمليات ومعارف لسانية؛ وكل ما يتصل به: أطرافه وصيغه، وأشكاله، ومقاماته، ومراميه، وآثاره، ونجاحه وملاءمته، أوتشويشه، وإخفاقه)) السابق: ص 64
• اللُّغَة والكلام: لَعلَّ من أهم الأفكار التي أتى بها العالم اللغويّ الفذ فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure 1 فكرة التفرقة بين «اللُّغَة المُعَيَّنَة) اللسان (Le langue» و «والكلام Le parole» وحدد دي سوسير اللُّغَة المُعَيَّنَة بأنَّها «نظام من الرموز التي يستدعيها حدوث الكلام الفعلي» 2. وهي «مجموعة القواعد والضوابط اللُّغَوِيَّة المخزونة في ذهن الجماعة صاحبة اللُّغَة المُعَيَّنَة» 3، وهي «وظيفة جماهير المُتَكَلِّمين في البيئة اللُّغَوِيَّة المُعَيَّنَة» 4. أما الكلام فهو «الأحداث الفعلِيَّة المنطوقة من الفرد المُعَيَّن في موقف معين» 5. أو هو «وظيفة الفرد المُتَكَلِّم فعلا، وهو عبارة عن أحداث لغَوِيَّة يُحدثها المُتَكَلِّم وقت الكلام الفعلي» 6، وإذا كانت اللُّغَة نظاما من رموز صوتيَّة مخزونة؛ فَإِنَّ الكلام «نشاط مترجم لهذه الرموز الموجودة بالقوة إلى رموز فعلية حقيقيَّة» 7. فاللُّغَة إذن بتصوُّر سوسير ومن تبعه من علماء اللُّغَة المحدثين «ثابتة ومُستقِرَّة نسبيا إذا قورنت بالكلام، وبالرغم من خضوعها للتغيير والتطور فهي تسير في هذا الاتجاه ببطء شديد، كما أَنَّ بعض التغيرات الرئيسيَّة التي تصيب اللُّغَة قد تستغرق أجيالا بل قرونا طويلة» 8. أَمَّا الكلام «فهو عابر وزائل، وهو شيء ثانوي» 9، وأَنَّنا «يمكن أَنْ ندرس اللُّغَة دون الكلام» 10.
ولقد أخرج دي سوسير الكلام من النظر والبحث في إطار علم اللُّغَة و «انصرفت جهوده كلها إلى اللُّغَة تاركا الكلام لقوم آخرين هم علماء النفس» 1. وباستمرار الدراسة بما وضعه من منهج أصبحت اللُّغَة عنده «هيكلا أو بناء أو جهازا منعزلا عن كل ما يحيط به من ظروف وملابسات خارِجِيَّة» 2، أي أَنَّنا نستطيع أَنْ نُقَرِّر أَنَّهُ لم يكن لدى سوسير نصيب في الدرس اللغويّ الاجتماعِيّ وبعد سوسير أتى نعوم تشومسكي Noam Chomsky 3، وأظهر لنا ما سمَّاهُ بـ «البنية العميقة Deep Structure» و «البنية السطحيَّة Surface Structure»، ويقصد بهذا «أَنَّ اللُّغَة عنده جانبان: أحدهما ما سمَّاه الكفاية أو القدرة، وثانيهما: أطلق عليه الأداء، وهو في هذا التفريق يقترب مما عناه دي سوسير بالتفريق بين اللُّغَة والكلام ولكن مع فارق دقيق» 4. وأهم المعالم أو المبادئ التي تميز اتجاه تشومسكي في نظريته اللُّغَوِيَّة هو قيامها على «إنسان متكلم ـــ مستمع مثالي، تابع لبيئة لغَوِيَّة متجانسة تماما، ويعرف لغته جَيِّدا» 5.
ثُمَّ ظهرت المدرسة الاجتِماعِيَّة في دراسة اللُّغَة، التي تبحث في اللُّغَة من منظور اجتماعي، بريادة العالم اللغويّ فيرث Firth 1 الذي رأى أَنَّ موضوع علم اللُّغَة هو «اللُّغَة في موقف كلامي فِعْلِي لأَنَّ استخدام اللُّغَة ما هو إلا شكل من أشكال الحياة الإنسانيَّة» 2، و «أَنَّ دراسة الكلام دون الرجوع إلى المجتمع الذي يتحدَّث به هو استبعاد لاحتمالات وجود تفسيرات اجتماعيَّة للأبنية والصيغ المستخدمة في الكلام» 3. وأنكرت هذه المدرسة «ثنائية» دي سوسير وتشومسكي، ورأت «أَنَّ الحديث اللغويّ) كلمة أو عبارة أو جملة (وحدة متكاملة لا انفصام لجانبيها؛ ومن ثَمَّ وجب تحليلها على هذا الأساس» 4، ولم يخطر «ببال الاجتماعِيّين اللغويّين هذه الثُّنائِيَّة بوجهيها نظرا وتطبيقا» و «لم يفرقوا بين اللُّغَة والكلام» 5. وهذا المبدأ نابع من أَنَّ التفرقة بين اللُّغَة والكلام عندهم «ليس له ما يبرِّره من حيث المنطق والواقع؛ إذ هما جانبان لشيء واحد، أو هما مصطلحان يطلقان على مسمّى واحد، وكل منهما اجتماعي وفردي، كل منهما عقلي ومادي، وهما متداخلان إلى درجة يصعب التفريق بينهما فكلام الفرد ليس إلا أسلوبا أو مثلا من كلام الجماعة، وكلام الجماعة ليس إلا حصيلة كلام الأفراد» 6. والباحث يميل بعض الميل إلى المدرسة الاجتِماعِيَّة في إنكار هذه الثُّنائِيَّة، ويأخذ بمنهجها في دراسة اللُّغَة.
أمّا أَنَّنا نميل بعض الميل للمدرسة الاجتِماعِيَّة في إنكار هذه الثُّنائِيَّة فلأنَّ:
1 ــــ اللُّغَة «ظاهرة اجتماعيَّة، وهي ضرب من السلوك الاجتماعِيّ والثقافي»؛ لذلك «فاللُّغَة لا يمكننا فهمها أو درسها وتحليلها أو تعليمها وتعلمها منعزلة عن سياقها الاجتماعِيّ؛ فالمجتمع بكل ما فيه ومن فيه لا بد أَنْ يؤثِّر في اللُّغَة بكل مستوياتها أصواتا وصرفا ونحوا ودلالة وألفاظا» 1، والحق ــــ كما يقول د. محمود عياد ــ «إِنَّ أَيَّة محاولة لتفسير الظواهر اللُّغَوِيَّة المختلفة دون الرجوع إلى المجتمع ـــ وذلك ما قامت به المدرسة التوليدِيَّة التحليلِيَّة بكافة فروعها ــــ إِنَّمَا هو محاولة عبثِيَّة تنطوي على مثالِيَّة متطرفة، ولن تؤدي هذه المحاولة إلا إلى إجداب الدراسات اللُّغَوِيَّة، فاللُّغَة سلوك اجتماعي يحدده المجتمع في المقام الأول» 2.
2 ــــ وجود علاقة وثيقة بين اللُّغَة والكلام، فـ «الكلام هو ضرب من السلوك الاجتماعِيّ، ودراسته دون الرجوع إلى المجتمع الذي يستخدم فيه تُعَدُّ عملا خطيرا لعلم اللُّغَة ذاته؛ إذ إِنَّ حرمانه من النظرة الاجتِماعِيَّة يعني الحرمان من تفسيرات اجتماعيَّة للأبنية والصيغ المستخدمة فيه، وهي في نهاية الأمر ـــ بعد قبولها ــــ لا بدَّ أَنْ ترتَدّ إلى اللُّغَة وتصبح جزءا لا يتجزأ من نظامها الذي تدور حوله اهتمامات علم اللُّغَة» 3. إِنَّ من المقرر «أَنَّ الأحداث اللُّغَوِيَّة الفعلِيَّة تقع أولا وبتكرارها ووقوعها مرَّات ومرَّات في سياقاتها الاجتِماعِيَّة تحدث انطباعات لها تستقر في ذهن الجماعة أو الفرد، وتصبح بمثابة الأنماط العامة التي يمكن أَنْ تستدعى وتخرج حقيقة واقعة في التعامل في ظروفها المناسبة.
ومهما يكن الأمر فالجانبان مترابطان ومتلازمان وجودا وعدما واستقرارا وتطورا، والتجديد في الأول ـــ وهو جانب الطاقة أو القواعد والقوانين ـــ يأتي نتيجة للتعديل أو التغيير والتطور في الثاني» 4.
3 ــــ إِنَّنَا في البحوث العلميَّة «لا نُفَرِّق بين ما يسمى لغة الفرد ولغة الجماعة؛ إذ أَنَّنا نعُدّ الفرد جزءا من بيئته، وهو ممثل صحيح لها، وهو في كلامه يراعي ـــ بطريق شعوري أو لا شعوري ــــ النماذج اللُّغَوِيَّة التي تعارف عليها أعضاء المجتمع» 5.
4 ــــ إنَّ إحدى سهام النقد التي صُوبَت إلى رُوّاد المدرسة البنيوية بعد ذيوعها وانتشارها أنَّهم
«تعاملوا مع اللُّغَة كما يتعاملون مع المواد الكيمياوية التي يمكن تحليلها في المختبر بطريقة علمِيَّة موضوعية لا علاقة لها بالفكر أو المعنى، أو كما يتعاملون مع الظواهر الطبيعِيَّة أو النظريات الرياضية، وأهملوا إهمالا تاما علاقة اللُّغَة بالعقل، كما أهملوا علاقتها القوية جدا بالمجتمع») 1.
وأمَّا ميلنا للمنهج الاجتماعِيّ نفسه فلأَنَّ:
أالأخذ بالمنهج الاجتماعِيّ السِّياقي واعتناق المبادئ التي يقولها «يجعل المعنى سهل الانقياد للملاحظة والتحليل الموضوعي، كما أَنَّ الأخذ به يبعد عن فحص الحالات العقلِيَّة الداخليَّة التي تُعَدُّ لغزا» 2.
ب في مناهج هذه المدرسة «ما يكفل لنا الوصول إلى نتائج صحيحة خالية من الاضطراب والخلط» 3.
ت المدرسة التوليدِيَّة التَّحويلِيَّة تنطلق من مبدأ خيالي «هو افتراض وجود متكلم ـــ سامع مثالي غير متأثر بالتنوعات أو الفروق الكلامِيَّة في المجتمع».
ومن الجدير بالذكر أَنَّ تعديلات أُدخلت على نظَرِيَّة تشومسكي وثنائيته، وقد حاولت هذه التعديلات في نهاية المطاف «الربط بين القواعد الجراماتيكية العميقة) التي تمثل الطاقة (والعمليات الاجتِماعِيَّة، وتحققت فيما سُمِّيَ بعدُ بالطاقة الاتصالِيَّة Commutative Competence» 4.
نخلص مما سبق أَنَّ العلاقة بين اللُّغَة والكلام علاقة وثيقة، فاللُّغَة تؤثِّر في الكلام والكلام يؤثِّر في اللُّغَة، فعلاقة التأثير والتأثُّر علاقة متبادلة بين الطرفين.
وعند الحديث عن تأثير لسياق الحال على اللُّغَة يعني هذا ضمنا وجود تأثير على الكلام والعكس بالعكس.
بعد إبراز هذه العلاقة الوطيدة بين اللُّغَة والكلام، نتساءل: هل يمكن أَنْ يكون تأثير السِّياق على هذه العلاقة محل نقاش أو جدل؟ ! نقول إِنَّ تأثير سياق الحال على اللُّغَة / الكلام ليس محل نظر، فهو أمر لاجدال فيه، وهذا ما تتابعت أقوال العلماء على تأكيده على اختلاف مشاربهم واهتماماتهم وتخصصاتهم، وتلك طائفة من أقوالهم الصريحة المباشرة التي تبرز هذا التأثير:
••يقول الإمام ابن قيم الجوزية ـــ رحمه الله ـــ: «السِّياق يرشد إلى تبيين المُجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد... وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المُتَكَلِّم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته» 1. ••ويذكر ابن جني: «فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلَّف القائل ولا كلَّف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه» 2. • ويشير د. إبراهيم أنيس: «أين هذا الكلام المستقل بالفهم الذي لا نستعين فيه بكلام سبقه ولا بتجارب ماضية ولا بإشارات الأيدي وتعابير الوجوه في كثير من الأحيان؟ » 3. • ونجد قول د. كمال بشر: «الكلام منعزلا عن مسرحه أو مقامه ضرب من الضوضاء... وعزل الكلام عن هذا الموقف الحي يحيله إلى شيء مُشَوَّه ممسوخ» 4. • ويؤكد د. بدراوي زهران: «اللُّغَة تنبع من واقع حي تتفاعل معه عناصرها المختلفة؛ فتحمل من ظلال هذا الواقع وإيحاءاته عناصر كثيرة تمتزج بعناصر بنيتها الأساسيَّة... إنها تنبثق عن أحوال المخلوقين وعاداتهم وما فُطروا عليه في ظاهر أمرهم وموضوع جبلتهم» 5. • ويقول د. عبد العزيز موافي: «النَّصّ ـــ أي نصّ ـــ هو رسالة لا يمكن أَنْ تكونَ موجَّهة إلى لا أحد وإلا تحولت إلى فعل عبثي» 6.
اهتمام علمائنا الأقدمين بالسِّياق:
تجعلنا طِدَةَ العلاقةِ بين اللُّغَة والكلام، وتأكيد العلماء على تأثُّر هذه العلاقة بالسِّياق أَنْ نتساءل: ما مدى وعي علمائنا الأقدمين بتأثير السِّياق على اللُّغَة؟ هل كان وعيهم بهذا التأثير على المستوى النظري فقط أم كان وعيا نظريا وتطبيقا معا؟
ولأهمِيَّة سياق الحال وسلطانه على الكلام لا نتوقَّع أَنْ يغفل عنه علماء أمتنا، وألا تبعد خطورة هذا التأثير وهذا السلطان عن فطنتهم وإدراكهم.
وتكفي إطلالة يسيرة على تراثنا لنثبت عمق فهم علمائنا لقضية السِّياق، وإدراكهم لأثره النظري والتطبيقي، وتحكمه في تكوين الدِّلَالَة المستنبطة من النَّصّ.
ولم يكن هذا الإدراك مقصورا على فئة من العلماء دون أخرى بل شمل جُلَّ العلماء على اختلاف مشاربهم وتخصُّصاتهم.
ويأتي على رأسهم البلاغيون واللغويُّون وبعض النحاة، ومن إشاراتهم:
- نجد شيخ اللغويّين ابن جني يعقد فصلا في كتابه «الخصائص» بعنوان: «باب مراتب الأشياء، وتنزيلها تقديرا وحكما، لا زمانا ووقتا»، يتحدَّث فيه عن دور السِّياق فيقول في آخر هذا العنوان: «ومن ذلك ما أقيم من الأحوال المشاهدة مقام الأفعال الناصبة، نحو قولك إذا رأيت قادمًا: خير مقدم؛ أي قدمت خير مقدم.
فنابت الحال المشاهدة مناب الفعل الناصب.
وكذلك قولك للرجل يُهوي بالسيف ليضرب به: عمرًا، وللرامي للهدف إذا أرسل النزع فسمعت صوتًا: القرطاس والله؛ أي اضرب عمرًا، وأصاب القرطاس») 1. - ونجد ابن هشام عند حديثه عن الفعل المتعدي يقول: «كونه مذكورا هو الأصل... وقد يضمر جوازا إذا دَلَّ عليه دليل مقالي أو حالي؛ فالأول نحو: ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ النحل: 30؛ أي أنزل ربنا خيرا بدليل ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ النحل: 24، والثاني: نحو قولك لمن تأهَّب لسفر: «مَكَّةَ؟ » بإضمار «تريد»، ولمن سدَّد سهما: «القرطاسَ»؛ بإضمار تصيب») 2.
- وها هو ذا الإمام السيوطي يقول في كتابه المختصر «جمع الجوامع» عند حديثه عن أقسام «أل» وأنواعها ما نصه: «فإنْ عُهِد مصحوبها بحضور حسِّي أو علمي فعهديَّة، ويَعْرِض فيها الغَلَبة واللمح، وإلا فجنسيَّة؛ فإنْ لم يخلفها كل فلتعريف الماهيَّة، أو خلفها حقيقة فللشمول»، ثُمَّ يشرح قوله هذا في كتابه «همع الهوامع» فيقول: «أل نوعان: عهديَّة وجنسيَّة
فالأولى ما عهد مدلول مصحوبها بحضور حسي؛ بأن تقدم ذكره لفظا فأعيد مصحوبا بأل نحو: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ المزمل: 15 - 16، أو كان مشاهدا، كقولك: القرطاس لمن سدَّد سهما أو، علمي بأن لم يتقدم له ذكر ولم يكن مشاهدا حال الخطاب نحو ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ التوبة: 40») 1. فالإمام السيوطي يستعين هنا بالسِّياق لكي يحدد دلالة «أل».
- وإمام البلاغيين عبد القاهر الجرجاني إمام اللُّغَة في عصره، والنَّحْوِيّ المفتن في العربِيَّة ونحوها الذي تُشَدُّ إليه الرحال طلبا لِلُّغَة والنحو، والذي برع في مجال النحو التقليدي ومجال التفسير ـــ يرى أَنَّ «التحليل العلمي المنصف للبناء اللغويّ لا يتم إلا من خلال مسرح الحدث الذي دار عليه» 2. وأنه يجب مراعاة أحوال المخلوقين، وأنَّ «التأويلات النحوِيَّة المنبثقة عن التقديرات العقلِيَّة فقط تغفل طبيعة اللُّغَة، وتسيئ إلى فهمها إساءة شديدة» 3. وينبِّه النُّحَاة إلى أَنَّ «بعض التأويلات النحوِيَّة التي تعتمد على الجانب العقلي المحض دون تدخل في اعتبار واقع اللُّغَة وحال المخاطبين قد تقود إلى عظيم وهو الكفر» 4.
- ومن أئمة اللُّغَة والنحو والبلاغة والتفسير نجد الإمام الزَّمَخْشَرِيّ يعتبر السِّياق ويشير إليه إشارات صريحة في تفسيره؛ فيقول مثلا: «فإنْ قلت: هل يصحُّ: ربح عبدك وخسرت
جاريتك، على الإسناد المجازى؟ قلت: نعم؛ إذا دَلَّت الحال.
وكذلك الشرط في صحَّة: رأيت أسدًا، وأنت تريد المقدام إِنْ لم تقم حال دالة لم يصح») 1.
• السِّياق كقرينة:
ونجد أيضا في تراثنا النَّحْوِيّ حديثا عن السِّياق من خلال الحديث عن «القرائن»، فمن يتأمَّل تعريف القرينة يلمح ثَمَّة علاقة بينها وبين السِّياق، فالقرينة هي «الدِّلَالَة اللفظِيَّة أو المعنوِيَّة التي تُمَحِّضُ المدلولَ وتصرفه إلى المراد منه، مع منع غيره من الدخول فيه») 2. وفي تعريفات الجرجاني: «القرينة ــــ في الاصطلاح ـــــ أمر يشير إلى المطلوب، وهي إما حالِيَّة أو معنوِيَّة أو لفظِيَّة») 3.
وقد اهتَمَّ النُّحَاة وغيرهم من العلماء بالقرائن؛ وذلك لأَنَّ القرينة تعتبر «تُكَأَةً» يُتَّكَأُ عليها عند تحليل النصوص، فهي «عنصر مُهِمّ لفهم الجملة، فبها نعرف الحقيقة من المجاز، ونعرف المقصود للألفاظ المشتركة، ونعرف الذكر والحذف، وخروج الكلام عن ظاهره، وما إلى ذلك مما يحتمل أكثر من دلالة») 4؛ لذلك نجدهم يردِّدون مصطلح القرينة والقرائن في كتبهم، من ذلك مثلا:
• قال ابن مالك: «ويحذف الخبر جوازا لقرينة») 5. وقال: «ومن القرائن المُحَسِّنَةِ لحذف المبتدأ وجود فاء الجزاء داخلة على ما لا يصلح أَنْ يكون مبتدأ، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ فصلت: 46؛ أي: فصلاحه لنفسه، وإساءته عليها.
فحذف المبتدأ لهذه القرائن وأشباهها جائز») 6.
• وقال ابن يعيش: «اعلم أنّ الحال قد يُحذف عاملُه إذا كان فعلًا وفي الكلام دلالةً عليه، إمّا قرينةُ حالٍ، أو مَقالٍ») 7.
• وقال الصَّبَّان في حاشيته: «والصحيح أَنَّ الاستثناء حقيقة في المتصل مجاز في المنقطع لتبادر المتصل منه إلى الفهم عند التجَرُّد عن القرائن») 1.
وقد قام الأستاذ الدكتور تَمَّام حسان ــــ رحمه الله ــــ بوضع نظَرِيَّة للقرائن، وقام بتقسيمها إلى القرائن المَادِيَّة، والقرائن العقلِيَّة، وقرائن التعليق، وقسم هذه الأخيرة إلى: مقالِيَّة) معنوِيَّة / لفظِيَّة (وحالِيَّة 2. وفي مقال في مجلة فصول أشار د. تَمَّام إلى أصناف من القرائن، وهي:
أالقرائن اللفظِيَّة: البنية، الإعراب، الربط، الرتبة، المطابقة، التضام.
ب القرائن المعنوِيَّة: التي هي أصول الوظائف النحوِيَّة.
ت القرائن الحالِيَّة: كأنواع الانفعالات، وتقطيبات الوجه، وطريقة الأداء الصوتي والإشارات.
ث القرائن الخارِجِيَّة: وهي ما يسمونه Context of Situation أو الظروف التي صاحبت إنتاج النَّصّ، ومنها أسباب نزول الآيات القُرْآنِيَّة، وذكر الظروف التي قيلت من أجلها القصيدة) 3.
وفي أكثر من موضع أشار د. تَمَّام إلى أَنَّ قرينة السِّياق «هي كبرى القرائن اللفظِيَّة») 4؛ وذلك لأَنَّ «الكلام وهو مجلى السِّياق لا بُدَّ أَنْ يحمل من القرائن المقالِيَّة «اللفظِيَّة» والمقامية
«الحالِيَّة» ما يعيِّن معنًى واحدًا لكل كلمة.
فالمعنى بدون المقام «سواء أكان وظيفيًّا أم معجميًّا» متعدد ومحتمل؛ لأَنَّ المقام هو كبرى القرائن، ولا يتعيّن المعنى إلّا بالقرينة») 5.
وإذا نظرنا إلى علاقة القرينة بالسِّياق نجد أَنَّ مصطلح القرينة أعم والسِّياق أخصُّ، أي أَنَّ السِّياق قرينة من القرائن؛ وقد جعل د. فاضل السامرائي السِّياق القرينة الخامسة في التقسيم التفصيلي للقرائن الذي ذكره في كتابه «الجملة العربِيَّة والمعنى») 6.
تلك كانت اقتباسات من بعض اللغويّين والبلاغيين والنُّحَاة توضح أَنَّ السِّياق كان حاضرًا لديهم مطبَّقًا في إنتاجهم العلمي) 1.
إِنَّ إثبات هذا الحضور يمهِّد الطريق لبحثنا هنا وغيره من الأبحاث التي تحاول فحص العلاقة بين السِّياق واللُّغَة واستشفافها، ويعطيه مسَوِّغا ومشروعيَّة للمضي فيه.
ونحبُّ أنْ نضيف أن سياق الحال ـــ باعتباره ملمحًا اجتماعيًّا ــــ يمكن أَنْ «يُعَدُّ أصلا يضاف إلى أصول نظَرِيَّة النُّحَاة العرب، فإِنَّهُ أصل مستأنس لديهم باطراد، مستشعَر في تحليلاتهم على نحو يمثل استخراجه إحياء لأصل من أصولهم صدروا عنه، وإن لم يصرحوا به» 2. إِنَّ للنحاة واللغويّين العرب «اتجاها اجتماعيًّا في النظر اللغويّ، وأنَّ المقام) أو سياق الحال (يمثل ركنا مهمًّا من أركان هذا الاتجاه»، وأنَّهُم في جملة أعمالهم «كانوا يعتمدون على الأخذ من الكلام الحي المنطوق، والكلام بهذه الصفة لا يتصور وقوعه أو حدوثه إلا في مسرح لغوي متكامل الجوانب من مرسل ومتلق وظروف وملابسات متعلقة بموضوع الحديث» 3.
في نهاية هذا المطاف يحقُّ لنا أَنْ نقول ونقرِّر مطمئنين تلك الحقيقة ألا وهي أَنَّ السِّياق كان له من السلطة والسلطان قولا وفعلا، نظرا وتطبيقا على الكلام ونصوصه عند علمائنا؛ وهذا ما يجعلنا نقول بحق أَنَّهُ لا نصّ بدون سياق.
• مكونات سياق الحال وما يشتمل عليه:
من المنطقيّ أَنْ يتبادر إلى الذهن بعد التأكيد على أهمِيَّة السِّياق وأثره على اللُّغَة أسئلة مُهِمَّة وهي: إذا كان السِّياق بهذه الأهمِيَّة وأنَّه محيط الكلام الذي يتحكم فيه وفي عناصره ـــ كما يقول ديفيد كريستال ـــ فما مكونات هذا السِّياق؟ وما العناصر التي يشتمل عليها؟ وما طبيعتها؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة ستعيننا ولا شك في مناقشة موضوع بحثنا، وتمكننا بدقَّة من معرفة العناصر التي اعتمد عليها سيبويه في التَّقْعِيد والتوجيه النَّحْوِيّين.
بعد استقصاء مصطلح السِّياق في عدد من المصادر والمراجع يمكن القول إِنَّ أهم العناصر التي يتكون منها السِّياق هي:
1 ــــ المُتَكَلِّم: ويتعلق به:
أعاطفته ومشاعره وحالته النفسِيَّة: الحَنَق أو العقاب أو التهديد أو الغضب أو الرضا أو التشجيع أو القبول أو الدهشة 1، وبما تحدِّثُه نفسه) 2.
ب النبر وما تواكبه من تلوينات صوتيَّة.
ت درجة الصوت من ارتفاع وانخفاض وما يرتبط بهذا أو ذاك من تلوين موسيقى الكلام التنغيم 3، وإيقاعه 4، والتأفُّف والفحفحة والتأَوُّه وأصوات الشفتين المختلفة 5، وضغط المُتَكَلِّم على بعض أجزاء كلامه أو مقاطعه أو حروفه، ونوع سكتاته ووصلاته وهمساته وسرعته في الكلام أو بطئه 6، والشدة التي يركزها على هذه الكلمة أو تلك 7. ونوع الأصوات) 8.
ث كونه ذكرًا أو أنثى 9.
ج درجة انتباهه وتركيزه العقلي فيما يقول) 10. قدرته على التذكر) 11.
ح إلى من يُتَوَجَّه بالحديث إذا كان المخاطَبون كثيرين) 12.
خ توقُّع ما يرد على ذهن المخاطب) 1.
د إشارات اليدين والإيماءة وتعبيرات الملامح وغمزات العينين ورفع الحاجب وهز الرأس 2.
ذ ما يوجد في المُتَكَلِّم من عيوب وعاهات) 3.
ر العقيدة التي يؤمن بها) 4.
ز الفترة الزمنية المتاحة للمتكلم) 5.
س العلاقة بين المُتَكَلِّم والمخاطب وسبق المعرفة بينهما) 6.
2 ــــ السامع والمخاطب:
أمن يشهد الكلام والمشاهدون وأعمالهم 7، وكيفية رد المُتَكَلِّم على الخطاب 8.
ب وما يصحبهم من إشارات اليد أو النظرات ذات الدِّلَالَة بالعين أو هَزّ الكتفين أو التصفيق والغمغمة ومصِّ الشفاة 9، أو استجابة ورفض أو اشمئزار أو سخرية أو ضحكة أو غمزة ولمزة.
ت والمستوى العلمي والثقافي الذي عليه المُتَكَلِّم، فكلامنا للمتعلِّمين لن يكون بنفس الصورة للعامَّة، وكلامنا لمن هم في المراحل العمرية الأولى لن يكون بنفس أسلوب كلامنا للمراحل
المتقدِّمة، وكلامنا للمُتَخَصِّصين أو المهتمِّين بأمر ما لن يكون عين كلامنا لغير المتخصِّصِين أو غير المهتمِّين بنفس هذا الأمر) 1.
ث والعقيدة التي يعتنقها المخاطب) 2.
3 ــــ البيئة المحيطة بالكلام، وتشمل:
أالأجناس وما تتعارف عليه من نظم سياسية واجتماعيَّة وثقافيَّة وحضارِيَّة وتربوِيَّة 3.
ب الأوضاع الاجتِماعِيَّة والاقتصادية المتصلة بالحدث اللغويّ 4.
ت السِّياق الثقافيّ ومستواه والخلفيَّة المعرفيَّة Background knowledge، والمستوى الاجتماعيّ والثقافة الشعبِيَّة ونسيجها 5.
ث الاعتبارات التاريخِيَّة والجُغْرافِيَّة.
وأحوال المخلوقين وعاداتهم وظاهر أمرهم وموضوع جِبِلَّتهم.
ج عدد المشاركين، ومستوى الشكليات أو الرسميات وطبيعة الأنشطة الجارية والدائرة) 6
4 ــــ الشيء أو الموضوع المُتَحَدَّثُ عنه، فإِنَّنا «نَتَكَلَّم في العادة من أجل أَنْ نبلغ هدفا، هذا الهدف يؤثِّر لا محالة في القول الذي نقول» 1. 5 ــــ الظروف والملابسات المحيطة بالكلام) سياق الموقف (، وهذا يشمل: المكان والزمان وأسباب النزول) مع الآيات القُرْآنِيَّة (، والإيقاع 2. 6 ــــ طبيعة النَّصّ، فـ «نوع النَّصّ يؤثِّر في دلالته، فإذا كان اللفظ واردا في نصّ شرعي انصرف المعنى إلى الدِّلَالَة الشَّرْعِيَّة» 3. 7 ــــ مقدار الفترة الزَّمَنِيَّة المُخَصَّصَة للكلام) 4. 8 ــــ أثر الحدث اللغويّ في المشتركين في الكلام والحضور من حيث الإقناع، الفرح، الألم، التصديق، التكذيب 5. 9 ــــ الوظيفة الكلامِيَّة: مدح، هجاء، طلب... 6. والسِّياق العاطفي والقيمة العاطِفِيَّة 7. 10 ــــ سياق التخَصُّص والمهنة، مثل: السِّياق الموسيقيّ، السِّياق الأدبيّ.... 8.
تلك هي العناصر التي يتكون منها سياق الحال وفقا لما بحثت) 1. في ختام توضيحنا لمصطلح السِّياق نوجِّه النظر هنا بشِدَّة إلى أَنَّ تركيزنا الأساسي في هذا البحث منصبٌّ على سياق الحال، ولم نتطرق إلى السِّياق اللُّغَوِيَّ إلا في مواضع قليلة.
- المصطلح الثاني ((... التَّقْعِيدالنَّحْوِيّ)):
ننتقل إلى المصطلح الثاني من المصطلحات المستخدمة في بحثنا هنا، وهو مصطلح
«التَّقْعِيدالنَّحْوِيّ».
والتَّقْعِيد مصدر الفعل «قَعَّد»، وجاء في «معجم اللُّغَة العربِيَّة المعاصرة»: «قَعَّد اللُّغَة ونحوها: وضع لها قواعد يُعْمَل بموجبها») 2. وبناء على هذا فَإِنَّ «التَّقْعِيد» هو: «صناعة القاعدة ووضعها») 3. ويقوم التَّقْعِيد بـ «التعميم الذي يخرج بنا من الواقعة أو الواقعات المفردة إلى القانون الذي ينطبق على ما لا يحصى من النماذج والوقائع») 4.
- المصطلح الثالث ((... التوجيه الإعرابِيّ)): التوجيه يُرَادُ به في النحو: «بيان أَنَّ رواية البيت أو القراءة القُرْآنِيَّة لها وجهٌ في العربِيَّة وموافقة لضوابط النحو؛ فيقولون مثلا: وتوجيه الرواية أو البيت أو القراءة كذا وكذا») 1. والإعراب هو: «الإبانة عن المعاني باختلاف أواخر الكلم، لتعاقب العوامل في أولها») 2، ويتفق النُّحَاة على أَنَّ «الإعراب يُبِينُ عن المعاني ويكشف عنها، ولولاه لكان الكلام مبهما غير مفهوم ولا معلوم») 3، وأنَّ «القول بأن الإعراب إِنَّمَا هو للدلالة على المعاني المختلفة حقيقة لغوية ليس فيها شك») 4. وتلعب العلامة الإعرابية دورًا في تجلية المعنى وإظهار مراد المتكلم، مثال ذلك قول الأشموني: «النصب في في نحو: ((ذنوب ماءً)) و ((حُبّ عسلا)) أولى من الجر؛ لأنَّ النصب يدلُّ على أنَّ المتكلم أراد أنَّ عنده ما يملأ الوعاء المذكور من الجنس المذكور؛ وأما الجر فيحتمل أن يكون مراده ذلك وأن يكون مراده بيان أن عنده الوعاء الصالح لذلك») 5. ومصطلح الإعراب يراد به أمران في نصوص تراثنا النَّحْوِيّ: «أولهما: ما يرادف علم النحو Syntax، فهو إذا أعمُّ من العلامات الإعرابِيّة وحدها، وهو بهذا الفهم يصلح أَنْ يقال عنه إِنَّهُ يميز بين المعاني، مع مراعاة أَنَّ المقصود بالمعاني هنا المعاني الوظيفية في الجملة من فاعلية ومفعولية وغيرهما؛ لأَنَّ الإعراب إذا مجموعة القرائن التي تتضافر معا من أجل تماسك الجملة وأدائها لوظيفتها... ثانيهما: العلامات الإعرابِيّة، وهو إذا يعد قرينة واحدة من مجموعة القرائن اللفظِيَّة في الجملة») 6. وعند إطلاق مصطلح التوجيه الإعرابِيّ في هذا البحث سيقصد به المعنى الأول الأعم الذي يميز بين المعاني الوظيفية في الجملة.
ومن جميل إشارات العلماء إلى أسباب تعَدُّد الرويات إعرابيا قولهم:
«وحين لاحت ضرورة وضع قواعد نحوِيَّة لِلُّغَة العربِيَّة اتجه العلماء إلى ديوان العربِيَّة، وهو الشعر، فاستخرجوا من أنساقه قواعد التركيب، كما استخرجوا من مفرداته قواعد الصوغ القياسي، وبنوا مقاييس اللُّغَة على نسبة الشيوع، ثُمَّ جعلوا الأَقَلّ استثناء من المقياس العام.
وعلى الرغم مما لابس عَمَلِيَّة التَّقْعِيد من خلط ـــ أحيانا ـــ بين اللهجات، أو بينها وبين المستوى الفصيح ـــ فقد كان الأساس المشترك دائما هو ما روي عن الشعراء والخطباء من أقوال سارية على الألسن، فاشية في الناس.
ولقد تقَبَّل النُّحَاة ما بدا من تضارب في الشواهد المرويَّة؛ ليجعلوا في المسألة الواحدة قولين أو أكثر، دون أَنْ يجدوا في ذلك غضاضة، أو يحسوا حرجا، حتى إِنَّ النحو قد انتهى إلى الأجيال اللاحقة مطبوعا بطابع الاختلاف وتعَدُّد الأقوال، بل وربما سلك مسلك التناقض.
وما نحسب أَنْ تعَدُّد الأقوال أو تضاربها يعزى إلى اختلاف القبائل فحسب؛ أي: إلى اختلاف مصادر الرواية، بل إِنَّهُ يرجع أساسا ـــ وفي تقديرنا ـــ إلى أَنَّ مصدر التَّقْعِيد كان أدبيًّا، ومن شأن اللُّغَة الأدبِيَّة أَنْ تختلف في الجانب التركيبِيّ اختلافا بَيِّنا من فرد إلى فرد، ومن شاعر إلى شاعر، بل من شاعر في موقف معين إلى نفس الشاعر في موقف آخر؛ نتيجة اختلاف المشاعر، وتباين الأحاسيس، وتغَيُّر الظروف البيئِيَّة والنفسِيَّة، هذه حقيقة علمِيَّة مسلمة») 1.
والعلاقة بين التوجيه والتَّقْعِيد النَّحْوِيّين أَنَّ التوجيه مرحلة تالية بعد التَّقْعِيد، فمن يقوم بالتوجيه لا بد أَنْ تكون تحت يديه القواعد التي يُخَرِّجُ عليها هذا التوجيه، فالتَّقْعِيد تنظير، والتوجيه تطبيق لهذا التنظير.
- المصطلح الرابع ((... الأصل)):
هذا المصطلح من المصطلحات التي استخدمها سيبويه في الكتاب، وسَيَرِدُ هذا المصطلح في حديثنا، وسنرتب عليه بعض النتائج؛ لذلك من اللازم الوقوف عنده وإيضاح المقصود منه.
لهذا المصطلح دلالة مُعَيَّنَة على الجانب النَّحْوِيّ ودلالة أخرى على الجانب الصَّرْفِيّ، وسنبدأ بتحديد المقصود به على الجانب النَّحْوِيّ أولا.
» معنى مصطلح «الأصل» على المستوى النَّحْوِيّ:
قبل تحديد دلالة هذا المصطلح على المستوى النَّحْوِيّ عند سيبويه نُمهِّد لهذا بقولنا: كان سيبويه يقوم بتحديد المسألة النحوِيَّة التي يريد التَّقْعِيد لها، ويتَتَبَّعها في النصوص التي أمامه وبين يديه تَتَبُّعا «تزامُنِيًّا وتواقُتِيًّا» وتَتَبُّعًا «تاريخِيًّا»، أو بتعبير آخر تَتَبُّعًا رأسِيًّا وأفقِيًّا.
أما التتبُّع التزامُنِيّ التواقُتِيّ فتشي به عبارات كثيرة في الكتاب، مثل قوله: «سمعنا، سألنا، أُنشِدْنا... ».
أَمَّا التَتَبُّع التاريخي فيظهر في مواضع قليلة من الكتاب، منها مثلا الموضع الذي يناقش فيه مسألة في الممنوع من الصرف، يقرِّرُ فيها أَنَّ الأعلام التي تأتي على وزن «فَعَالِ» إذا سُمِّيَتْ بها امرأة فَإِنَّ بني تميم ترفعها وتنصبها؛ أي لا تُجَرُّ بالكسرة، على عكس الحجازيّين الذين يجرونها بالكسرة، ويستثنى من هذه الأعلام المؤنثة الأعلام المنتهية بالراء فَإِنَّها عند التميميين والحجازيين تجر بالكسرة، يقول سيبويه: «فأَمَّا ما كان آخِرُه راءً فإنَّ أهل الحجاز وبني تميم فيه مُتَّفِقون، ويختار بنو تميم فيه لغة أهل الحجاز كما اتَّفقوا في يَرَى، والحجازيَّةُ هي اللُّغَة الأولى القُدْمَى») 1.
ويهمنا في هذا النَّصّ عبارته الأخيرة التي تشير إلى البعد التاريخي الذي نقصده، وتدُلُّ على التَتَبُّع الرأسي للمسألة النحوِيَّة.
بعد هذا التَتَبُّع كان سيبويه يُخْرِج «تركيبًا أساسيًّا» للمسألة التي يناقشها ويقعد لها، ويذكر أيضا التراكيب البديلة للتركيب الأساسيّ لنفس المسألة النحوِيَّة التي يعالجها.
والتركيب الأساسي للمسألة النحوِيَّة هو التركيب الذي يحظى بأعلى نسبة تكرار في النصوص اللُّغَوِيَّة، أَمَّا التراكيب البديلة هي التراكيب الأَقَلّ تكرارا وتَرَدُّدًا من التركيب الأساسي.
بعد هذا التمهيد البسيط نقول إِنَّ مصطلح «الأصل» على المستوي النَّحْوِيّ يُقصد به عند سيبويه: «التركيب الأساسي الي يحظى بأعلى نسبة تكرار في النصوص اللُّغَوِيَّة، كما أَنَّهُ هو الذي يحظى بثبات تاريخي».
ولابد أَنْ يكون الأصل هو ما يدلُّ على الأكثر نقلا وعقلا، فأَمَّا نقلا فهو ما نلمحه في قول سيبويه: «وليس كل شيء يكثر في كلامهم يغيَّر عن الأصل، لأَنَّه ليس بالقياس عندهم، فكرهوا ترك الأصل») 2.
أَمَّا عقلا فلا يعقل أَنْ يكون الأَقَلّ هو الأصل والأساس الذي يُحْتَكَمُ إليه، ويعوَّل عليه، ويناقش في ضوئه الأكثر، خاصة إذا علمنا أَنَّ الأصل Origin ـــ كما يعرفه علماء الكلام والفلسفة ـــ هو «ما يبنى عليه الشيء أو ما يتوقَّف عليه») 1. أو هو بعبارة أخرى «ما يبنى عليه غيره») 2.
ولا يعقل أَنَّ ما يبنى عليه هو الأَقَلّ في وجود الأكثر.
» معنى مصطلح «الأصل» على المستوى الصَّرْفِيّ:
من يتَتَبَّع مصطلح «الأصل» على المستوى الصَّرْفِيّ يجد أَنَّ هذا المصطلح له عدة معاني:
- الأول: ارتباط صيغة مُعَيَّنَة بقسم معين من أقسام الكلام، مثل قوله: «ألا ترى أَنَّ: تَفْعَلُ ويَفْعَلُ في الأسماء قليل.
وكان هذا البناء إِنَّما هو في الأصل للفعل») 3. - الثاني: ارتباط صيغة مُعَيَّنَة بحالة عَدَدِيَّة مُعَيَّنَة، مثل: «واعلم أَنَّ لأدنى العدد أبنيةٌ هي مختصَّة به، وهي له في الأصل») 4.
- الثالث: الدِّلَالَة على أصول الكلمة ثلاثِيَّة أو رباعِيَّة أو خماسِيَّة سواء من حيث عددها أو من حيث ترتيبها أو من حيث الضبط، مثل: «هذا باب الإضافة إلى ما فيه الزوائد من بنات الحرفين، فإنْ شئت تركته في الإضافة على حاله قبل أَنْ يضيف، وإن شئت حذفت الزوائد ورددت ما كان له في الأصل.
وذلك: ابنٌ واسمٌ... فإذا تركته على حالة قلت: اسمىٌّ... وابنىٌّ واثنىٌّ في اثنين واثنتين») 5. ومثل: «ومثل ذلك القيسيُّ إِنَّما هي في الأصل القووس») 6. ومثل: «هذا باب ما يسكن استخفافًا وهو في الأصل متحرك») 7. - الرابع: الطريقة الثابتة في الصياغة والاشتقاق، مثل: «قلت: فما بال ياء التصغير ثانيةً في ذا حين حقرت؟ قال: هي في الأصل ثالثة») 8. ويقصد أَنَّ الأصل في التحقير أَنْ يكون بطريقة مُعَيَّنَة؛ وإذا أتى على خلاف هذه الطريقة فهو على خلاف الأصل.
وأعتقد أَنَّ مصطلح الأصل يساوي عند سيبويه ما يسميه «المطرد»، نستشف هذا من قوله: «لا ينبغي لك أَنْ تكسر الباب وهو مطرد وأنت تجد له نظائر») 1.
- المصطلحات ((... الغالب، الكثير، القليل، الضعيف، الشاذ، الردئ... )):
هذه المصطلحات من المصطلحات التي تَتَرَدَّد عند سيبويه، وهي أيضا ستتردَّد في بحثنا تباعا؛ لذلك فهي تحتاج إلى فضل توضيح وبيان.
وهذه المصطلحات ابتداء تعبِّر عن تراكيب نحوِيَّة لها ـــــ بدرجة ما ـــــ نسبةُ تكرار أو تردُّد في النصوص اللُّغَوِيَّة.
وإذا ضممنا إلى هذه المصطلحات مصطلح الأصل؛ فإِنَّنا يمكن أَنْ نرتب هذه المصطلحات ترتيبا من الأكثر إلى الأَقَلّ كما يلي: «الأصل) المطَّرد (، الغالب، الكثير) الجَيِّد (، القليل، الضعيف، الشاذ، الردئ».
وفي كتاب «الاقتراح» للسيوطي نجد نصا مهما ينقله عن غيره من العلماء يذكر فيه عددا من المصطلحات التي تدل على الترتيب ونسبة التكرار للتراكيب النحوِيَّة، يقول فيه: «وقال الشيخ جمال الدين بن هشام: اعلم أنَّهم يستعملون غالبا وكثيرا ونادرا وقليلا ومطردا.
فالمطرد لا يتخلَّف، والغالب أكثر الأشياء ولَكِنَّه يتخلف، والكثير دونه، والقليل دونه، والنادر أقل من القليل؛ فالعشرون بالنسبة بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب، والثلاثة قليل والواحد نادر فاعلم بهذا مراتب ما يقال فيه ذلك») 2. ويمكن أَنْ نجمع بين مصطلحات سيبويه ومصطلحات السيوطي في الجدول الآتي:
مصطلحات سيبويه - ملحوظات - مصطلحات السيوطي - ملحوظات 1 - الأصل قد أثبتنا أَنَّ هذه المصطلح يساوي مصطلحا آخر هو ((المطرد))، وقد يصف سيبويه هذا الأصل أحيانا بـ «الوجه، الوجه الأكثر والأعرف، حد الكلام، المستقيم الحسن») 3. المطرد
2 - الغالب - استخدم سيبويه هذا المصطلح في معظم المواضع التي وردت فيه ليصف نوعا من الأسماء أسماه ((الاسم الغالب)).
الغالب
3 - الكثير - في بعض المواضع كان سيبويه يصف الكثير بـ ((الجَيِّد والعربي والقوي والحسن)) 1. الكثير
4 - القليل - وصف سيبويه هذا المصطلح أحيانا بالردئ 2. القليل
5 - الضعيف - وقد وصف سيبويه هذا الضعيف أحيانا بـ ((القبح)) 3 وأحيانا بـ ((الخبث)) 4 6 - الشاذ - وفي بعض الأحيان استُصْحِبَ بلفظ غريب وغلط) 5. النادر - لم يرد استعمال هذا اللفظ عند سيبويه.
7 - الردئ
ومن خلال تأمل هذا الجدول السابق نلاحظ أَنَّ:
• المصطلحات الأربعة الأولى متشابهة عند سيبويه والسيوطي.
• المصطلحات الثلاث الأخيرة اختصرت لاحقا عند السيوطي تحت مصطلح «النادر».
ولم يرد عند السيوطي مصطلح الأصل، ويعتقد الباحث أَنَّ مصطلح «الأصل» هو الأولى بالاستعمال من مصطلح «المطرد»؛ لأَنَّ الأصل هو ما يبنى عليه غيره وهذا ما كان يقوم به سيبويه؛ حيث يستخدم الأكثر لبناء القاعدة) 1.
- أهمِيَّة اعتبار سياق الحال عند تحليل اللُّغَة ودراستها:
من الأسئلة المنطقية التي ثارت في ذهن الباحث، وكان لا مَعْدَى له عن الإجابة عنها السؤال التالي: ما خطورة غياب السِّياق عن تحليل اللُّغَة والتَّقْعِيد لها؟ وما تَبِعاته التي قد تنجم عن ذلك؟
كانت الإجابة عن هذا السؤال مُهِمَّة للغاية؛ فوجود بعض الخطورة يمكن أَنْ تقع عند غياب السِّياق في تحليل اللُّغَة ـــ يعني أَنَّنا لمسنا وطرا حساسا في دراستها، ويعطي مسَوِّغا لبحثنا ويمنحه بعض القيمة العلميَّة.
يمكن أَنْ نقول إِنَّ غياب سياق الحال عن تحليل اللُّغَة ودراستها يؤدي إلى:
o اضطراب القاعدة النحوِيَّة أحيانا:
غياب سياق الحال وإهماله عن التَّقْعِيد لِلُّغَة أمر خطير؛ إذ قد يؤدي إلى الاضطراب في وضع القاعدة وتضاربها في بعض الأحيان وعدم دقتها.
ومن الأمثلة التي رصدها الباحث وتدل على ذلك الأمثلة التالية:
أجموع القِلَّة والكثرة:
يقول النحاة إنَّ العربية تفرق بين الجموع؛ فتجعل من الصيغ ما يفيد القِلَّة، ومنها ما يفيد الكثرة.
قال ابنُ عقيل في شرحه على ألفية ابن مالك بعد أنْ أورد بيت ابن مالك عن جموع القِلَّة:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُم فِعْلَه... ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جموع قِلَّة
«جمع التكسير: هو ما دلَّ على أكثر من اثنين، بتغيير ظاهر...، وهو على قسمين: جمع قلة، وجمع كثرة، فجمع القِلَّة يدلُّ حقيقة على ثلاثة فما فوقها إلى العشرة، وجمع الكثرة يدلُّ على ما فوق العشرة إلى غير نهاية، ويستعمل كل منهما في موضع الآخر مجازا») 1.
ويذهبون إلى أَنَّ الجمع الصحيح مثل «مسلمين ـــ مسلمات» يفيد القِلَّة، ويعبِّر عن عدد في حدود العشرة، قال السيوطي: «ومن جموع القِلَّة جمع التصحيح قال تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ البقرة: 29، ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ﴾ يوسف: 43») 2.
وأَنَّها ــــ أي جموع القِلَّة ــــ تدل على عدد «مبهم ــــ أي لا تحديد ولا تعيين لمدلوله ــــ ولَكِنَّه لا يقل عن ثلاثة ولا يزيد على عشرة، بشرط ألا توجد قرينة تدلُّ على أَنَّ المراد الكثرة أو القِلَّة، فعند
عدم القرينة تتعيَّن القِلَّة حتمًا» 3، ويزعم النُّحَاة والبلاغيون «أَنَّ العرب كثيرا ما تستعمل جمع القِلَّة مكان جمع الكثرة أو العكس لحكمة ما» 4، وأنَّ الجموع «يقع بعضها موقع بعض؛ لاشتراكها في مطلق الجمع» 5.
ويرى د. إبراهيم أنيس عدم دِقَّة هذا الربط، ويشير إلى أَنَّ «فكرة اختصاص القِلَّة بصيغ، والكثرة بصيغ لم تكن من الظواهر الملتزمة في العربِيَّة» 6 وأنَّ قول النُّحَاة «أَنَّ العرب كثيرا ما
تستعمل جمع القِلَّة مكان جمع الكثرة أو العكس» «يحمل في ثناياه دليل ضعف الرأي الذي ذهبوا إليه» 1. ويرى د. أنيس أَنَّ الأولى بالنُّحَاة «تفسير مثل تلك الكلمات لا على أَنَّها جمع؛ بل على أَنَّ بعض الكلمات المجموعة قد تفقد فكرة الجمعيَّة على مرِّ الأيام، وتصبح لكثرة دورانها على الألسن والأسماع كَأَنَّما هي مفردة؛ فإذا أريد جمعها اتخذت أمثال تلك الصيغ» 2. ومما يؤَيِّد د. أنيس فيما ذهب إليه: • وجود النصوص الفصيحة الصحيحة التي تشير إلى خلاف ذلك، أي التي تشير إلى عدم دقة ربط أوزان مُعَيَّنَة من الأساس بدلالة جمع قِلَّة أو كثرة، ومن هذه النصوص: » قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: 37] إِنَّ «المجموع بالألف والتاء للقِلَّة؛ وغرف الجنة لا تحصى» 3. » وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: 35] » وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] » وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42] » ومثل قول حسان بن ثابت: لَنا الجَفَناتُ الغُرُّ يَلمَعنَ بِالضُحى... وَأَسيافُنا يَقطُرنَ مِن نَجدَةٍ دَما [بحر الطويل] • ونجد إشارات في كتاب سيبويه تشير إلى تردُّد هذه الجموع بين القِلَّة والكثرة، منها قوله: «واعلم أَنَّ لأدنى العدد أبنيةٌ هي مختصَّة به، وهي له في الأصل، وربَّما شركه فيه الأكثر، كما أَنَّ الأدنى ربَّما شرك الأكثر») 4، وقوله: «وربَّما عنوا ببناء أكثر العدد أدنى العدد، كما فعلوا ذلك بما ذكرنا من بنات الثلاثة، وذلك قولهم: ثلاثةُ جدرٍ») 5. • وها هو الزَّمَخْشَرِيّ يؤكد نفس الفكرة فيقول: «الجموع يتعاور بعضها موقع بعض، لالتقائهما في الجمعيَّة، كقوله ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الدخان: 25») 6.
إِنَّ سياق الحال حاضر في رأي د. أنيس في نقده لهذه القاعدة، والباحث يؤَيِّد هذا الرأي ويقول إِنَّ الحكم على دلالة جمع ما بقِلَّة أو بكثرة متروك للسياق، بدون ربط «حتمي» لأوزان مُعَيَّنَة بدلالةٍ على القِلَّة أو الكثرة كما نصّ صاحب النحو الوافي، وفيما أوردنا من أمثلة ما يؤَيِّد ذلك، ولما يقرِّرُه علمُ الدِّلَالَة من أَنَّ المفردات لا تستقرُّ على حال؛ وذلك لأَنَّ «الحياة تشجِّع على تغير المفردات؛ لأَنَّها تضاعف الأسباب التي تؤثر في الكلمات، فالعلاقات الاجتِماعِيَّة والصناعات، والعُدد المتنوعة تعمل على تغير المفردات، وتقصي الكلمات القديمة، أوتحور معناها، وتتطلب خلق كلمات جديدة» 1. ومن النُّحَاة المعاصرين الذين تناولوا هذه القضية أيضا د. فاضل السامرائي، وأشار سيادته إلى أَنَّه «قد يستغنى بجمع عن جمع؛ فيستعمل جمع القِلَّة للقِلَّة والكثرة») 2. وأضاف أَنَّه يعدل عن استعمال القِلَّة موضع الكثرة والعكس «لضرب من البلاغة») 3. أنفي النفي: تتردد في كثير من المراجع النحوِيَّة هذه المقولة: • «نفي النفي إثبات» 4، • وأحيانا ترد «نفي النفي إيجاب» 5، • وفي أحيان ثالثة ترد «نفي النفي إزالة للنفي» 6. وهذه المقولة تُورَدُ مورد الحقيقة المُسَلَّم بها، بلا نقاش وبلا جدال؛ لأَنَّها حقيقة «معروفة ولازمة ومقطوع بها» عند كثير من العلماء: • يقول ابن الحاجب: «...؛ فيؤدي إلى معنى الإثبات؛ إذ نفي النفي إثبات قطعًا») 7.
• وجاء في حاشية الصَّبَّان: «ونفي النفي يستلزم الثبوت») 1.
• ويقول الأستاذ عباس حسن: «... ومثل نفي آخر بعده يزيل أثره، ويجعل الكلام مثبتا؛ لأَنَّ نفي النفي إثبات كما هو معروف») 2.
• ومن المفسرين من قال: «ومن المعلوم أَنَّ نفي النفي إثبات») 3.
والحق أَنَّ هذه العبارة تتردِّدُ بكثرة في كثير من المصادر والمراجع.
ولَعلَّ أول من تنبَّه لعدم دِقَّة هذه المعلومة وأنَّ فيها نظرًا العلامةُ محمد محيي الدين عبد الحميد 4 ــــ طيَّب الله ثراه ــــ في كتابه «الانتصاف من الإنصاف» الذي طبع على هامش كتاب
«الإنصاف في مسائل الخلاف»، فقال ــــ رحمه الله ــــ في نقد هذه المقولة: «هذه مغالطة ظاهرة، لا يجوز أَنْ تأخذ بها، ولا أَنْ تجدها صحيحة...،
وذلك لأَنَّ النفي إذا دخل على النفي لا يكون الكلام إيجابًا على الإطلاق، وبيان هذا أَنَّ النفي الداخل على النفي يكون على أحد وجهين: الأول: أَنْ يكون المراد به نفي النفي الأول، وحينئذ يكون الكلام إثباتا وإيجابا؛ لأَنَّ نفي النفي إيجاب، والوجه الثاني: أَنْ يكون المراد بالنفي الثاني تأكيد النفي الأول، وحينئذ يكون الكلام نفيًا مؤكدًا، ولا يكون إثباتا أصلا، وذلك وارد) أي يشبه (في التوكيد اللفظي فإِنَّهُ إعادة اللفظ الأول بنفسه أو بمرادفه» 5.
وبالتأكيد لا نقول إِنَّ نفي النفي يفيد التوكيد وهو الوجه الثاني الذي أشار إليه الشيخ محيي الدين إلا بالاعتماد على سياق الحال.
وهذا ما يؤكده د. إبراهيم أنيس عند حديثه عن النفي اللغويّ
فقال إِنَّ: «المُتَكَلِّم يريد أَنْ ينفي جملة من الجمل أو معنى من المعاني وقد تدفعه حالته النفسِيَّة أو ظروف الكلام إلى تأكيد هذا النفي؛ فيكرر أداة النفي مثنى وثلاث ورباع» 1.
بل إِنَّنَا نفهم من كلام د. أنيس أَنَّهُ يكاد ينفي الوجه الأول من نفي النفي حين يقول:
«فاللغات حين تكرر الأداة في موضع ما من الجملة إِنَّمَا تهدف إلى توكيد فكرة النفي لا إلى الإثبات» 2. إِنَّ مسألة نفي النفي مثال جَيِّد على خطورة إهمال السِّياق، وأنَّ إهماله قد يجعل المستمع أو المخاطب يفهم عكس المراد تماما من النَّصّ أو الكلام) 3.
o عدم استيعاب التوجيه النَّحْوِيّ، وصيرورة اللُّغَة إلى فوضى، وإجداب الدراسات اللُّغَوِيَّة:
هذا هو الأمر الثاني من خطورة غياب السِّياق عند التَّقْعِيد.
إِنَّ كثيرا من التوجيهات النحوِيَّة والبَلاغِيَّة تعتمد على سياق الحال، ولا يمكن أَنْ يتمَّ هذا التوجيه وفهمه إلا بمعونته.
ومثال ذلك:
• كيف يتم استيعاب حذف النعت «صالحة» بعد منعوتها «سفينة» في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79] بدون فهم القصة التي قيلت فيها هذه الآية؟
ومثله قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ الأنعام: 66؛ أي: المعاندون، وقوله: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ هود: 46؛ أي: الناجين، ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ البقرة: 71؛ أي: الواضح، {تُدَمِّرُ كُلَّ
شَيْءٍ} الأحقاف: 25؛ أي: سُلِّطَت عليه، وقول النبي ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»؛ أي: لا صلاة كاملة.
• قال النُّحَاة: إذا وقع بعد جملة الجواب مضارع مقرون بالواو أو الفاء جاز فيه ثلاثة أوجه إعرابية 1.
ويعلِّق الأستاذ عباس حسن على هذه المسألة وعلى اختيار الوجه المناسب في «النحو الوافي 4/ 477»، قائلا: «يختار منها المُتَكَلِّم والمعرب ما يناسب السِّياق، ويساير التركيب».
ويضيف في الهامش الأول من نفس هذه الصفحة كلاما نفيسا ومهمًّا جدا.
يقول فيه:
«كل وجه من هذه الثلاثة يقوم على اعتبار معنوي خاص به، يخالف الآخر، وواجب المُتَكَلِّم والمعرب اختيار الوجه الإعرابِيّ الذي يقوم على الاعتبار المناسب للسياق، ولما يقتضيه المعنى.
ومن الخطأ الزعم أَنَّ هذه الأوجه الثلاثة تصلح لكل أسلوب، وتباح في كل تركيب بغير تقيد بهذا الاعتبار المُعَيَّن الخاص، وإلا صارت اللُّغَة فوضى بسبب محو القيود، أو إهمالها، وإهمال الاعتبارات التي تميز المعاني بعضها من
بعض» 2.
ويفهم من كلام أ / عباس حسن أَنَّه لا يجوز تقديم توجيهات نحوِيَّة طالما أَنَّ هناك قرينة سِيَاقِيَّة تُحَدِّد توجيها مُعَيَّنًا؛ وبمفهوم المخالفة نفهم أَنَّه في غياب القرينة المحدِّدة لمعنى معيَّن يجوز تقديم كل التوجيهات النحوِيَّة والدِّلالِيَّة؛ لأَنَّ هذا مما يثري المعنى؛ فالمُعَوَّلُ عليه القرينةُ في التوجيه فإذا كان «تعَدُّد المعنى يكشف عن عدم كفاية القرائن») 3؛ فَإِنَّ كفاية القرائن تدلُّ على تحديد المعنى
• أساليب التوكيد والحذف والنداء، لا يمكن استيعابها إلا من خلال السِّياق، فأسلوب التوكيد بأشكاله وألفاظه المختلفة وصوره المتنوعة «ذات ارتباط وثيق بالمقام»، والحذف «في كثير من حالاته يعتمد في تعيينه وفهمه وتحليله على مشاهدة الحال؛ أي المقام وما يلفُّه من ظروف وملابسات اجتماعِيَّة»، والنداء يعدُّ «كله وما حواه من أحكام وقوانين يمثل ضربا من
الخطاب الكلامي الذي لا يؤدي دوره في التواصل إلا بوصفه عنصرا من عناصر مسرح اجتماعي يضم مرسلا ومستقبلا أو مخاطبا ومتلقيا» 1.
• دلالة الأفعال على زمن معين مرتبطة بالسِّياق، فدلالة الفعل الماضي مثلا لا تخلص دائما للمضي، فـ «الماضي له أربع حالات من ناحية الزمن، تتعين كل واحدة منها عند عدم قرينة تعارضها») 2.
• وكذلك الفعل المضارع) 3.
• عمل بعض المشتقات عمل الفعل مرتبط بالزمن وبالدِّلَالَة على الحال أو الاستقبال، وهذا لا يكون إلا من خلال الوقوف على سياق الحال.
• وهناك كثير من الأمور البَلاغِيَّة التي لا يمكن أَنْ نتذوقها ونتفاعل معها بلاغيا بدون
«الخلفيَّة الثقافيَّة») العَقِيدِيّة، الاجتِماعِيَّة،... (التي نمتلكها.
من ذلك مثلا:
»
«وضع الخبر موضع الطلب» في قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]، يقول البلاغيون: «الخبر هنا للأمر» 4.
» وضع الأمر للخبر، مثل قوله تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا» [التوبة 82]
«أي: أنهم: سيضحكون قليلا ويبكون كثيرا») 5.
o تَفَكُّك أوصال النَّصّ:
إن وجود السِّياق «يسهل عَمَلِيَّة ربط الكلام وبناء النَّصّ بناء محكما في بدئه وخاتمته والحبكة بينهما» 1. وبمفهوم المخالفة فَإِنَّ عدم وجود السِّياق يؤدي إلى عكس ما سبق.
ومن الأمور التي اهتَمَّ بها علماء «نحو النَّصّ» قضيَّة «الاتساق النصي ووسائله»، واهتموا بوجه خاص بما أسموه بـ «الإحالة Reference» كإحدى الوسائل المُهِمَّة لتحقيق هذا الاتساق أو السبك Cohesion.
وأشاروا إلى عدة أنواع من الإحالة: «إحالة نصية) داخل النَّصّ (، إحالة مقامية) خارج النَّصّ (، إحالة بينية») 2.
وقالوا عن «الإحالة خارج النَّصّ»: «إِنَّنَا في بعض الأحيان نجد أَنَّ الإحالة لا تصدق على شيء داخل النَّصّ، بل تمتد إلى شيء خارج النَّصّ؛ مِمَّا يدلُّ على وجود علاقات متشابكة ومتفاعلة بين اللُّغَة والمواقف الاجتِماعِيَّة والثقافيَّة العامَّة، بل بينها وبين الخطاب بشكل عام؛ لأَنَّ الإحالة تقوم على مبدأ التفاعل بين المتلقي والنَّصّ والمواقف العامة الخارجة عن النَّصّ، وبدون هذا التفاعل يصير الانتفاع بقراءة النَّصّ شيئا غير مؤكد، أو ربما غير موجود») 3.
o الوقوع في مأزق عَقِيدِيّ خاصة عند التعامل مع الآيات القُرْآنِيَّة والأحاديث النبَوِيَّة الصحيحة:
سبق أَنْ أشرنا إلى ما قاله د. بدراوي زهران من أَنَّ عبد القاهر «انتهى إلى أَنَّ التأويلات النحوِيَّة المنبثقة عن التقديرات العقلِيَّة فقط تغفل طبيعة اللُّغَة وتسيء إلى فهمها إساءة شديدة، بل الأكثر من ذلك أَنَّها قد توقعهم في ضلالة كبيرة، وقد تقودهم إلى الكفر والعياذ بالله» 4.
إِنَّ هذه النتيجة وحدها كفيلة بأن تلفت بشِدَّة الانتباه إلى سياق الحال ومدى ما يمكن أَنْ يُقَدِّمه للنص قيد التحليل.
- النصوص المعتمد عليها في التَّقْعِيد:
من الأمور التي تستحق فضل بيان وإلقاء بعض الضوء عليها في هذا التمهيد الإشارة إلى طبيعة النصوص المعتمد عليها في التَّقْعِيد النَّحْوِيّ في العربِيَّة ونقول: إِنَّ أنماط النصوص التي اعتمد عليها النُّحَاة عند تقعيدهم هي: الآيات القُرْآنِيَّة، كلام العرب: شعره ونثره، وأحيانا الحديث النبوي للائتناس والاسترشاد.
وأول ما نَوَدّ إثباته هنا أَنَّه إذا كان الكلام العادي مرتبط بالسِّياق بطبيعته، فأنماط هذه النصوص أشد ارتباطا به.
فالقرآن الكريم ـــــ الذي يأتي على قمة اللسان العربي من حيث «انتظامه خواص العربِيَّة ومميزاتها: قواعد وتراكيب وعلم نظم وأسلوب ـــــ بُلِّغَ إلى الرسول ـــــ صلى الله عليه وسلم ـــــ منطوقا منجَّمًا بحسب الأحوال والظروف، وموزعة آياته وسوره على الزمان والمكان» 1، وهو «جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال... [و] خوطب [به العرب] بما يتعارفونه، وسلك باللطف معهم المسلك الذي يسلكونه» 2. والشعر وارتباطه بالسِّياق الذي يقال فيه لا يحتاج إلى بيان؛ فكل «شاعر أو ناثر يصدر عن ذات نفسه وفقا لثقافته وحياته الاجتِماعِيَّة، ووفقا للغرض الذي يتناوله، والمقام أو المسرح اللغويّ الاجتماعِيّ المُعَيَّن»، وأَيَّة رسالة أدبيَّة شعرِيَّة أو نثرِيَّة تفرض أَنْ «يطعم المرسِل) الناثر أو الشاعر (أو أَنْ يلون رسالته بألوان لغَوِيَّة جديدة، بوصفها أوقع في نفس المستقبل وأقرب إلى موقعه الثقافي الاجتماعِيّ، ويستوي في ذلك أَنْ تكونَ هذه الألوان صوتيَّة أو صرفِيَّة أو نحوِيَّة» 3. والحديث النبوي «كان موجَّها إلى الناس أجمعين، بكل فئاتهم وطبقاتهم وبيئاتهم الثقافيَّة والاجتِماعِيَّة... فكان من الطبيعي أَنْ تأتي كلماته وأساليبه مطابقة للظروف والحال والغرض الذي يقصد إرساله أو التعبير عنه أو توصيله إلى الناس» 4. ومن النصوص المُهِمَّة التي ذكرها العلماء عن سيبويه ما رواه البغدادِيّ في خزانة الأدب عن الأخفش الأصغر على بن سليمان إذ يقول: «وعمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها فجعل فيه بيتا مشروحا وجعل فيه مشتبها ليكون لمن استنبط ونظر فضلٌ» 5.
وتستوقف القارئ كلمة البغدادِيّ في هذا النَّصّ «وخطبها وبلاغتها»، وهي عبارة مثيرة تثير التساؤل فما المقصود بأن سيبويه عمل كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها؟
يمكن تفسير هذه اللفظة في ضوء سياقها الذي وردت فيه بأنَّ سيبويه اعتمد عند تقعيده على لغة العرب وخطبها وعلى النصوص البليغة التي يطابق فيها الكلام مقتضى الحال.
وفي هذا ولا شك إشارة للعنصر الاجتماعِيّ سياق الحال الذي اعتمد عليه سيبويه.
- القواعد العلميَّة المراعاة عند تقعيد القاعدة:
ومما أَجِدُهُ واجب الإشارة إليه في هذا التمهيد الحديث عن القواعد العلميَّة المراعاة عند تقعيد القاعدة.
والإشارة هنا إشارة معيارية؛ بمعنى أَنَّها ستكون المعيار الذي نحتكم إليه عند مناقشتنا لدور السِّياق في التَّقْعِيد والتوجيه الإعرابِيّ عند سيبويه؛ لإظهار مدى «علمِيَّة» ما نقوله.
من خلال ما سبق، وما أقرَّهُ العلماء يمكن أَنْ نضع بعض الشروط للوصول إلى قاعدة لغَوِيَّة سليمة، منها: 1 ـــ ملاحظة مسرح الحدث اللغويّ والعنصر الاجتماعِيّ: ينبغي عند التَّقْعِيد ملاحظة الجانب الاجتماعِيّ ومسرح الحدث اللغويّ؛ فإهماله يؤدي إلى اضطراب القاعدة، وإشاعة الفوضي كما بيَّنا.
كما أَنَّ اعتباره أيضا يقلِّلُ من اختلافات النُّحَاة في التوجيهات الإعرابِيّة والنحوِيَّة.
ويرسِّخ هذا المعنى علمٌ من أعلام العربِيَّة هو أبو حيان في مقابساته عند تفريقه بين النحو والمنطق، فيؤكد أَنَّ «النحو»: •• «يرتب اللفظ ترتيبًا يؤدي إلى الحق المعروف أو إلى العادة الجارية».
•• «والشهادة في النحو مأخوذة من العرف».
•• «ودليل النحو طباعي».
•• «والنحو يتبع ما في طباع العرب، وقد يعتريه الاختلاف».
•• «والنحو تحقيق المعنى باللفظ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل».
•• «والنحو يدخل المنطق، ولكن مرتبًا له، والمنطق يدخل النحو، ولكن محققًا له».
•• «والنحو أشد التحامًا بالطبع».
•• «والنحو شكل سمعي، والمنطق شكل عقلي».
•• «وشهادة النحو طباعية، وشهادة المنطق عقلية» 1. كل ما سبق من أقوال أبي حيان مُؤَدّاه أَنَّ القاعدة يجب أَنْ تؤخذ من «العرف وعادة أصحاب اللُّغَة، فما تعودوه من أساليب التعبير، وما جرت به ألسنتهم، وما ألفوه في كلامهم من طرق مُعَيَّنَة في التعبير بالألفاظ؛ كل هذا هو المصدر الوحيد لنحو كل لغة» 2. ويتأكَّد لدينا أهمية ملاحظة مسرح الحدث اللغوي والجانب الاجتماعي إذا نظرنا إلى كتب القواعد الحديثة في اللُّغَة الإنجليزية، فسنجد هذه الكتب تهتم برسم مسرح للحدث اللغويّ قبل الشروع في شرح القاعدة من خلال «الرسوم الكاريكاتورية والصور الفوتوغرافية»، وبين يدي كتابان من أشهر كتب القواعد الإنجليزية المتداولة بين المتخصصين في اللُّغَة الإنجليزية يعتمدان هذه التقنية، وهما:
- English Grammar In Use, Raymond Murphy, Cambridge University Press.
- Oxford Practice Grammar, John Eastwood, Oxford University Press.
من يتصفح هذين الكتابين يجد الرسوم والصور الفوتوغرافية مبثوثة فيهما من أول الكتابين إلى آخرهما وليُنظَر الكتاب الأول على سبيل المثال عند شرحه للأزمنة في اللُّغَة الإنجليزية.
إن استغلال الرسوم والصور في شرح القاعدة أمر يتَّجه إليه الشارحون للقواعد في مختلف اللغات؛ لأَنَّه أمر يسهل الشرح ويثبت القاعدة في الأذهان) 3. والصورة «لم تعد تساوي ألف كلمة ــــ كما جاء في القول الصيني المأثور ـــــ بل صارت بمليون كلمة، وربما أكثر.
لقد أصبحت الصور مرتبطة الآن على نحو لم يسبق له مثيل، بكل جوانب حياة الإنسان») 4. لقد «ساهمت علوم الصورة وتقنياتها وتجلياتها في عمليات التربية والتعليم من خلال الصور التوضيحية والرسوم