2 ــــ الإحصاء العددي للتراكيب النَّمَطِيَّة:
أصبح الإحصاء «من أهم وسائل وأدوات البحث العلمي في العلوم التجريبيَّة أو التطبيقيَّة؛ وذلك بهدف تعميم النتائج التي يحصل عليها الباحث») 1. وأصبح علما مستقلا بذاته، له مناهجه وأصوله وقواعده.
ولقيمته العلميَّة في كافَّة المجالات دعا إلى تطبيقه في مجال الدراسة الأدبيَّة والنقد الأدبي بعض أساتذتنا) 2.
وأزعم هنا أنَّ سيبويه كان سبَّاقا في استخدام الإحصاء كأداة منهجِيَّة في عمله، فقد كان يقوم بعَمَلِيَّة إِحْصَائِيَّة للتركيب النَّمَطِيّ المُعَيَّن الذي «يترسَّب لديه من خلال دراسته النصوص المنطوقة والمنشدة أمامه» وأنَّه كان يقوم ــــ للحصول على نتائجه التي يريدها ـــــ بما يسميه علماء الإحصاء
«الإحصاء الوصفي Descriptive statistics») 3، أو «أسلوب المسح Surveying») 4.
ولا أدعي هنا أنَّ سيبويه قد استخدم هذا الأسلوب باحترافيَّة في استخلاص نتائجه، ولَكِنَّه على الأَقَلّ لجأ إليه بدرجة ما.
ودعوانا هذه التي ادّعيناها على صاحب الكتاب تحتاج إلى دليل وبيِّنة، وها هي ذي الأدِلَّة على وجود هذا الاتجاه:
1 ــــ يذكر سيبويه في أحد مواضع الكتاب علاقة «كأين) بمعنى كم (» بـ «مِنْ الجارة» فيقول: «إلا أنَّ أكثر العرب إِنَّمَا يتكلمون بها) كأين (مع مِن») 5.
2 ــــ «وثُمَّ بمنزلة الفاء، تقول: ثُمَّ صاعدا، إلا أنَّ الفاء أكثر في كلامهم») 1. 3 ــــ «والرفع أجود وأكثر في ما أنت وزيدٌ») 2. 4 ــــ «فهذا ضعيف، والوجه الأكثر النصب») 3. 5 ــــ «فأما الأصل الأكثر الذي جرى مجرى الفعل من الأسماء ففاعل») 4. 6 ــــ «وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم؛ والأكثر في كلامهم: أعطاه إياه») 5. 7 ــــ «وقد زعم بعضهم أنَّ «ليس» تجعل «كما»، وذلك قليل لا يكاد يعرف») 6. 8 ــــ «وزعموا أنَّ ناسا يقولون: كيف أنت وزيدًا، وما أنت وزيدًا، وهذا قليل في كلام العرب» 7 9 ــــ «...؛ لأَنَّ حسبتنيه وحسبتكه قليل في كلامهم») 8. 10 ــــ «... وقد جاء رفعه على شيء هو قليل في الكلام») 9. 11 ــــ «وقد بلغنا أَنَّ قوما من أهل الحجاز من أهل التحقيق يحقِّقون نبيءٌ وبريئةٌ؛ وذلك قليل ردئ») 10. 12 ــــ «... ولكن كثر النصب في كلامهم») 11. 13 ــــ «... وهذا لا يكاد يعرف») 12. 14 ــــ «... وهذا النحو في الكلام كثير») 13.
15 ــــ «... فهذا ضعيف، والوجه الأكثر الأعرف النصب») 1.
ومن الواضح من هذه الأمثلة أَنَّ سيبويه استخدم ألفاظا معياريَّة مثل: «كثير» و «كَثُرَ»
و«الأكثر» و «قليل»... ولم يستخدم إِحْصَائِيّات صريحة، وهذا ما سبق وبدأنا به كلامنا قبل ذكر الأمثلة.
إِنَّ غاية ما نريد إثباته هنا أَنْ نشير إلى استخدام سيبويه لهذا الاتجاه بدرجة ما.
ولعله ممَّا يدعم كلامنا هنا عن اتخاذ سيبويه لهذا الاتجاه الإحصائي ما قاله البغدادي: «حدثنا على بن سليمان قال: حدثنا محمد بن يزيد: أَنَّ المفتشين من أهل العربية ومن له المعرفة باللغة تتبَّعوا على سيبويه الأمثلة، فلم يجدوه ترك من كلام العرب إلا ثلاثة أمثلة: منها الهُندلِع وهي بقلة، والدُّرْداقِس وهو عظم في القفا، وشَمَنْصير وهو اسم أرض، وقد فسر الأصمعي حروفا من اللغة التي في كتابه، وفسر الجرمي الأبنية، وفسرها أبو حاتم وأحمد بن يحيى.
وكلُّ واحد منهم يقول ما عنده فيما يعلمه، ويقف عما لا علم له به، ولا يطعن على ما لا يعرفه، ويعترف لسيبويه في اللغة بالثقة وأنَّه علم ما لم يعلموا وروى ما لم يرووا») 2.
وفي تتَبُّعنا لتلك الأقوال الدالة على المنهج الإِحْصَائِيّ عند سيبويه يمكن أَنْ نقول بعض الملحوظات المُهِمَّة التالية:
» الملحوظة الأولى: من خلال وقوفنا على الجانب الإحصائي النسبي عند سيبويه يمكن أَنْ نقول إِنَّ التركيب الأساسي للقاعدة النحوِيَّة التي يُقعِّد لها سيبويه هو الأكثر تَرَدُّدًا في النصوص المستخلص منها القاعدة.
وهنا نوجه النظر إلى أَنَّ سيبويه كان يستخلص هذا التركيب الأساسي بناء على «نوع مُعَيَّن من القياس» كان يقوم به.
ولتحديد هذا النوع من القياس نقول ابتداء إنَّه من الخطأ أَنْ نتصور أَنَّ مصطلح القياس «لا يتغير من عصر إلى عصر، ولا يتفاوت مضمونه من مدرسة إلى أخرى، بل [إِنَّهُ من الخطأ أَنْ نتصور] أَنَّه لا يختلف عن القياس المنطقي بما يتطلبه من قضايا، ويفترضه من مقدمات، ويستلزمه من شروط») 3. وإِنَّنَا بعد التحليل العلمي لاصطلاح القياس يمكن أَنْ نميز «بين مدلولين يختلفان تمام الاختلاف، أَمَّا أولهما فيرتكز على مدى اطراد الظاهرة في النصوص اللُّغَوِيَّة مروية أو مسموعة، واعتبار ما يطرد من هذه الظواهر قواعد ينبغي الالتزام بها، وتقويم ما يشذُّ من نصوص
اللُّغَة عنها، ومن ثمَّ فإِنَّهُ يرفض الأخذ بالظواهر الشاذة، ويرد هذه الظواهر، كما يرفض الأخذ بالنصوص التي تحملها مهما كان مصدر هذه النصوص.، وأما المدلول الثاني للقياس فهو أَنَّه عَمَلِيَّة شكلية يتم فيها إلحاق أمر ما بآخر لما بينهما من شبه أو علة؛ فيعطي الملحق حكم ما ألحق به.
ومن ثَمَّ فَإِنَّ لهذه العَمَلِيَّة أطرافا أربعة: المقيس، والمقيس عليه، والجامع بينهما، والحكم.
والمدلول الأول للقياس هو الشائع في البحث النَّحْوِيّ طوال القرون الثلاثة الأولى منه؛ أي حتى ابن السراج وتلميذه الفارسي وتلميذه ابن جني») 1.
وقد استعمل سيبويه القياس بمدلوله الأول، ويدلُّ على ذلك من نصوصه قولُه:
• «وقد جاء ((فُعْلان)) نحو: الشكران والغفران، وقالوا: الشُّكُور، كما قالوا: الجُحُود.
فإِنَّما هذا الأَقَلّ نوادر، تحفظ عن العرب، ولايقاس عليها، ولكن الأكثر يقاس عليه») 2.
• ((وإن أضفت إلى عباديد قلت: عباديديٌّ؛ لأنَّهُ ليس له واحد؛ وواحده يكون على فُعْلولٍ أو فِعْليلٍ أو فِعلال؛ فإذا لم يكن واحدٌ لم تجاوزه حتَّى تعلم؛ فهذا أقوى من أَنْ أحدث شيئًا لم تتكلَّم به العرب») 3.
إِنَّنَا بعد أَنْ نقرأ هذه النصوص نشعر أَنَّ سيبويه بعد استخلاصه للتركيب الأساسي للقاعدة يريد أَنْ يقول «هذا هو التركيب الذي وجدته أكثر شيوعا في نصوص اللُّغَة».
ولقد كان هذا التركيب الأساسي المستخلص «مسحا لنصوص اللُّغَة» هو «المعيار» الذي يحتكم إليه لإبراز مدى درجة «التراكيب البديلة بالنسبة للتركيب الأساسي» من حيث الكثرة، أو القِلَّة أو الشذوذ.
وأود هنا بعد قولي السابق أنْ أتجرأ قليلا وأعبِّر عن رأي قد يخالف كلاما لأستاذنا شوقي ضيف في كتابه «المدراس النحوِيَّة» عن سيبويه، حيث يقول سيادته:
• «وعلى هذا النحو كان سيبويه يعرض سماعه على المقاييس النحوِيَّة، أو بعبارة أدق: كان يتخذ هذه المقاييس مما دار على ألسنة العرب كثيرا، وما خالفه ينحى عليه بكلمات تدلُّ على مخالفته للذائع المشهور الذي استنبطت منه القواعد، وينعته بالغلط، يريد أَنْ يثبت عليهم التوَهُّم فيه» 4
فقول سيادته «وينعته بالغلط» أمر مثير للانتباه، فكلمة «غلط» لم ترد في كتاب سيبويه ـــ حسبما وقفت ــــ إلا أربع مرَّات:
» منها مَرَّة لم تستخدم في وصف تركيب نحوي بل لشرح استخدام للحرف بل 1
» ومرتان لتوضيح مسألتين صرفِيَّتَيْن 2،
» والمَرَّة الرابعة يوضح مسألة صوتيَّة 3.
فلم تأت كلمة «غلط» لوصف تركيب نحوي ما، كما قال د. ضيف.
وأما ما أثبته سيبويه من توهم في بعض أبوابه فليس على العرب بل على النُّحَاة الذين سبقوه.
• ويقول في موضع ثان: «وكان موقفه من العرب دائما أَنْ يسجل الصورة الشائعة على ألسنتهم في التعبير معتمدا عليها في تقرير قواعده.
ولم يكن يسجلها وحدها، بل كان يسجل دائما ما جاء شذوذا على ألسنتهم، وهو ينعته تارة بالضعف وتارة بالشذوذ أو القبح أو الغلط، يقصد بذلك إلى أَنَّه يخالف القياس الذي ينبغي اتباعه») 4.
وهذا النَّصّ قد يشوبه شيءٌ من عدم الدقة ونقص استقصاء من الدكتور ضيف؛ لأَنَّنا وجدنا سيبويه يصف بعض التراكيب البديلة بـ ((الجَيِّدة))، وبعضها بـ ((الكثير))، وبعضها بـ ((الجَيِّد الكثير)) أيضا، فليست كل البدائل بالقبيحة ولا الغلط ولا الشاذة.
والتراكيب الشاذة عند سيبويه هي التراكيب الأَقَلّ تَرَدُّدًا من التركيب الأصلي المولودة منه والناشئة عنه.
وإذا عدنا للقياس عند سيبويه مَرَّة أخرى نقول: إِنَّ سيبويه كان يقوم بقياسه «على الأكثر» المأخوذ بدوره من «الواقع اللغويّ الذي تقوله العرب»، ولشَدَّ ما أكَّد مرارا وتكرارا في مواضع من كتابه على أهمِيَّة الرجوع إلى هذا الواقع اللغويّ الذي أخذ منه «قياسه على الأكثر»، يقول:
- «... إِنَّمَا تجري ذا كما أجرت العرب») 5.
- «... فاستعمل من هذا ما استعملت العرب، وأجز منه ما أجازوا») 1.
- «... فأجره كما كما أجرت العرب واستحسنت») 2.
- «... ولم يؤخَذْ ذلك إلاّ من العرب») 3.
وكان الواقع اللغويّ الحيّ والقياس الأكثري ـــ إِنْ صح التعبير ـــ النابع من هذا الواقع الحي
«أداتَيْنِ» معياريَّتين «يُعَايرُ» بهما كلَّ الأقوال التي ترد إليه، فنراه مثلا يقول: «وزعم الخليل رحمه الله أَنَّ قولهم: رَبِحتُ الدرهمَ درهمًا، محالٌ، حتَّى تقول: فى الدرهمِ وللدّرهمِ.
وكذلك وجدنا العربَ تقول») 4. وعبارة سيبويه الأخيرة في النَّصّ السابق مُهِمَّة؛ فهو لم يأخذ نصّ الخليل مُسلَّمًا به بل قارنه بـ «الواقع اللغويّ» وما «تقوله العرب»؛ فوجد أَنَّ ما قاله الخليل موافق لهذا الواقع.
ومن النصوص المُهِمَّة أيضا التي نري أَنَّها تدلُّ على اهتمام سيبويه بالواقع اللغويّ بشكل كبير نصه الذي يقول فيه: «واعلم أنَّه ليس كلُّ حرف يَظْهَرُ بعده الفعلُ يُحْذفُ فيه الفعلُ، ولكنّك تُضمِر بعد ما أَضمرتْ فيه العربُ من الحروف والمَواضِعِ، وتُظهِرُ ما أظهروا، وتُجْرِى هذه الأشياءَ التى هى على ما يَستخفون بمنزلة ما يَحذفون من نفس الكلام ومما هو في الكلام على ما أَجرَوْا فليس كل حرفٍ يحذف منه شيء ويُثْبَتُ فيه، نحوُ: يَكُ ويَكُنْ، ولم أُبَلْ وأُبالِ، لم يَحملهم ذاك على أَنْ يَفعلوه بِمثله، ولا يحملهم إذا كانوا يُثْبِتون فيقولون: في مر أومر، أَنْ يقولوا: فى خُذْ أُوخُذْ، وفى كُلْ أوكل.
فقف على هذه الأشياء حيث وقَفوا ثُمَّ فَسِّرْ») 5. إن سيبويه في هذا النَّصّ يكشف عن جانب من جوانب منهجه في كتابه، وهو أَنَّه يهتم بوصف الواقع اللغويّ كما هو، وكما وقف عليه، ثُمَّ تأتي مرحلة تالية يقوم بها هي مرحلة تفسير هذا الواقع، فهو «يصفُ» أولا، ثُمَّ «يفسِّرُ» ثانيا، ولا يتدخل بتعليقٍ على أَنَّه ينبغي أَنْ يكون تركيب ما بشكل ما، بدليل أقواله: «إِنَّمَا تجري ذا كما أجرت العرب، فأجره كما كما أجرت العرب فاستعمل من هذا ما استعملت العرب، وأجز منه ما أجازوا» التي أثبتناها آنفا.
ولا بدَّ أَنْ تعقُب هاتين المرحلتين عنده مرحلتان تاليتان هما مرحلة «الفرز والتصنيف»، فرز وتصنيف ما هو «أكثر، وما هو كثير، وما هو قليل وما هو شاذ»؛ ثُمَّ مرحلة «وضع القاعدة على الأكثر».
والنص المذهل الذي قاله سيبويه في الاقتباس السابق هو قمة ما وصل إليه علماء اللُّغَة المعاصرون، فكلامه فيه يكاد يتطابق مع ما يقوله العالم اللغويّ المعاصر ديفيد كريستال David Crystal، بل أكاد أقول إِنَّ نصّ ديفيد كريستال التالي هو ترجمة لمنهج سيبويه ولجملته في النَّصّ السابق «فقف على هذه الأشياء حيث وقَفوا ثُمَّ فسِّرْ»، يقول هذا العالم اللغويّ عند شرحه لمصطلح
«علم اللُّغَة الوصفي Description»:
" The aim of descriptive linguisticsis to describe the facts of linguistic usage as they are, and not how they ought tobe, with reference to some imagined ideal state.
The emphasis on a given timeplaces it in contrast with historical linguistics, where the aim is to demonstratelinguistic change: descriptive linguistics aims to describe a language synchronically, at a particular time (not necessarily the present - one can describe thelinguistic patterns of any period).
"
«إِنَّ هدف علم اللُّغَة الوصفي أَنْ يصف حقائق الاستخدام اللغويّ كما هي، لا كيف ينبغي أَنْ تكون مع الإشارة لبعض الحالات المثالِيَّة.
إِنَّ تأكيد [علم اللُّغَة الوصفي أَنَّه يعمل] على فترة زمَنِيَّة محدّدة يضعه في تباين مع علم اللُّغَة التاريخي الذي يهدف إلى أَنْ يشرح) وبتعبير سيبويه: يفسر (التغير اللغويّ.
إِنَّ علم اللُّغَة الوصفي يهدف إلى أَنْ يصف اللُّغَة بطريقة تزامُنية تواقُتية، في وقت مُحَدَّد، ليس بالضرورة في الوقت الحاضر، ففي مُكْنة عالم اللُّغَة أَنْ يصف نماذج اللُّغَة في أَيَّة فترة
زمَنِيَّة») 1. وفي إشارة ديفيد كريستال David Crystal في نصه السابق: «with reference to some imagined ideal state» إشارة تشبه بدرجة كبيرة عبارة لسيبويه كان يكرِّرها كثيرا عندما يتعرض لأقوال النُّحَاة المصنوعة المثالِيَّة، وهي: «وهذا تمثيل ولم يُتَكَلَّمْ به») 2.
وفي مرحلة التفسير تَأَثَّرَ سيبويه بالبيئة الفلسفِيَّة في البصرة، تلك البيئة التي تغذَّت علميا بكتب الفلسفة التي ترجمها المترجمون، وخاصة الكتب التي احتوت منطق أرسطو.
وإذا كان الواقع اللغويّ لا يعطي عددا كبيرا من الأمثلة «يسمح» باستخلاص «قياس أكثري» توقف عن تعميم القياس للتركيب المستخلص من هذه الأمثلة القليلة، وطالب أَنْ يظل هذا التركيب مقصورا على الأمثلة التي أتى فيها.
في ضوء ذلك نفهم قول سيبويه:
- «ولو قالت العرب: ((اضرب أيٌّ أفضل)) لقلته، ولم يكن بد من متابعتهم، ولا ينبغي لك أَنْ تقيس على الشاذ المنكر في القياس») 1.
- وقوله: «هو مني منزلة الشغاف، وهو مني منزلة الولد، هو مني معقد الإزار، هو مني درج السيل»، ثُمَّ يفسر معنى هذه الظروف أَنَّ قائليها أرادوا القرب الشديد، ثُمَّ يقول بعد هذا التوضيح: «وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو منّى مَجْلِسَكَ أو مُتَّكأَ زيدٍ، أو مَربِطَ الفرسِ، لم يجز.
فاستَعملْ من هذا ما استَعملتِ العربُ، وأَجِزْ منه ما أجازوا») 2. - «ودُونَك لم يؤْخَذ من فعلٍ، ولا عندك، فَإِنَّما يُنتَهَى فيها حيث انتهتِ العربُ») 3.
» الملحوظة الثانية: أَنَّهُ يبدو أنَّ هذا الاتجاه الإِحْصَائِيّ أخذه سيبويه عن أستاذه الخليل لقوله:
«وزعم الخليل ــ رحمه الله ـــ أَنَّهُ سمع أعرابيا يقول: ما أنا بالذي قائل لك شيئا.
وهذه قليلة... وقلَّ من يتكلم بذلك») 4. » الملحوظة الثالثة: تمكن سيبويه من خلال هذا الاتجاه الإِحْصَائِيّ أَنْ يفسر بعض المسائل النحوِيَّة، مثل قوله: «وإذا كان الاسم على بناء فَعَالِ: حَذَامِ ورَقَاش، لا تدري ما أصله، أمعدول أم غير معدول، أم مؤنث أم مذكر؛ فالقياس فيه أَنْ تصرفه؛ لأَنَّ الأكثر من هذا البناء مصروف غير معدول، مثل: الذهاب، والصلاح») 5.
أي أَنَّهُ إذا كان الاسم على وزن «فَعَالِ»، ولم ندرِ أمعدول) 1 هو أم لا، فسيبويه يصرفه استنادا على الجانب الإِحْصَائِيّ الذي قام به لهذا الوزن، والذي قال إِنَّ معظم حالات هذا الوزن يكون فيها مصروفا.
» الملحوظة الرابعة: أنَّ الاتجاه الإِحْصَائِيّ ليس مقصورا فقط على التراكيب النحوِيَّة بل يمتد أيضا إلى الأبنية الصَّرْفِيَّة، مثل:
• «... وفَعِلٌ أقل من فَعِيل بكثير») 2.
• «ألا ترى أَنَّ تَفْعَلُ ويَفْعَلُ في الأسماء قليل») 3.
• «ومع ذا أنَّ فَعاعِيل وفَعاعل أكثر وأعرف من فعالل وفعاليل») 4.
• «ليس في الكلام مثل: سَرْداحٍ ولا فَعْلالٌ إلا مُضعَّفًا») 5.
• «ألا ترى أنَّه ليس في الكلام سِفْعَال») 6.
» الملحوظة الخامسة: أنَّ سيبويه في إحصائه الوصفي المسحي يحدد البيئة اللُّغَوِيَّة) المجتمع (التي يستقي منها مادته، ويعتمد الأسئلة المباشرة، ولا يخلط ما تَتَمَيَّز به بيئة لغَوِيَّة عن بيئة أخرى، فهو يحفظ لكل بيئة لغَوِيَّة خصوصيَّتها اللُّغَوِيَّة: النحوِيَّة والصَّرْفِيَّة، وكثيرا ما ردَّدَ سيبويه قوله «ومن العرب... »، تلك المقولة التي ترددت أكثر من مَرَّة، وبلغ عدد المرَّات التي أحصيتُها لهذه المقولة مائتين وتسعة) 209 (مَرَّة.
ومن الأمثلة التي تؤيد هذه الملحوظة أقواله:
• «وسألنا العُلْويين والتميميين... ») 7.
• «وسألنا من يرفع في قوله: سرتُ حتى أدخلها... ») 8.
• «وناس من العرب يقولون: بُشْرَيَّ... ») 1.
• «... وإنْ شئت قلت: إذا كان غدًا فأتي، وهي لغة بني تميم») 2.
• «ومن العرب من ينصب بالألف واللام، من ذلك قولك: الحمدَ لله، فينصبها عامة بني تميم وناس من العرب كثير») 3.
• «... وهذه كلمة تَكَلَّم بها العرب في حال اليمين، وليس كل العرب تتكلم بها، تقول: لَهِنَّكَ لَرجلُ صدق») 4.
• «والذي ذكرت لك قول الخليل، ورأينا العرب توافقه بعد ما سمعناه منه») 5.
• «كما تخرج هند في التحقير إذا قلت: هنيدة إلى ما لا ينصرف في جميع اللغات») 6.
• «واعلم أَنَّ ناسا كثيرا من العرب يقولون: عِلياوان وحِرباوان») 7.
وسيبويه لا يُقصر بحثه الميداني على النواحي النحوِيَّة والصَّرْفِيَّة، بل إِنَّ بحثه الميداني يشمل الدراسة الصَّوْتِيَّة لما تَتَمَيَّز به كل قبيلة على حدى.
يقول مثلا: «واعلم أنَّ ناسًا من العرب كثيرًا ما يلقون على الساكن الذي قبل الهمزة حركة الهمزة، سمعنا ذلك من تميم وأسدٍ، يريدون بذلك بيان الهمزة، وهو أبين لها إذا وليت صوتًا») 8.
وعبارات سيبويه في النصوص السابقة «وسألنا، وسألنا من يرفع، وناس من العرب، وهي لغة، ومن العرب من، وهذه كلمة تَكَلَّم بها العرب في حال، ورأينا العرب، جميع اللغات، واعلم أنَّ ناسا كثيرا من العرب... » تذكرنا بالطريقة التي كان علماء اللُّغَة المعاصرون يتبعونها في دارسة
«علم اللهجات Dialectology» تلك الطريقة التي عُرفت باسم «الاستبيانات Questionnaire».
التي
كانت تُدرَس من خلالها لهجة مكان ما من خلال أسئلة توجه إليهم.
وكانت هذه طريقة متبعة في الماضي واستُعِيض عنها الآن بالتقنيات الحديثة) (1).
» الملحوظة السادسة: أَنَّهُ من الفوائد العَمَلِيَّة لهذا العنصر من عناصر المنهج عنده تقوية توجيه نحوي على آخر) (2).
» الملحوظة السابعة: إِنَّهُ لأهمِيَّة الجانب الإِحْصَائِيّ في دراسة اللُّغَة ــــ كما فعل عبقري العربِيَّة سيبويه ــــ ظهرت في علم اللُّغَة الحديث أفرعٌ مختلفة تدرس هذا الجانب، منها ما يسمى:
- علم اللُّغَة الإِحْصَائِيّ Statistical Linguistics.
- علم الأسلوب الإِحْصَائِيّ Stylostatistics.
- علم اللُّغَة الكمي Quantitative Linguistics.
والدراسة في علم اللُّغَة الإِحْصَائِيّ تشمل في بعض جوانبها «تحليل تردّد أو توزيع وحدات لغَوِيَّة في تصور ما بهدف التعرف على السمات الحاسمة أو الخاصة لمتحدث أو كاتب ما») (3).