(د) منهج التحقيق
من أجل الوصول إلى نسخة صحيحة - ما أمكن - من كتاب الأفعال لأبى عثمان المعافرى، وحتى يظهر الكتاب فى صورة تتفق هى ومكانة هذا العالم العامل المجاهد سرت فى منهج التحقيق على النحو الآتى:
1
بحثت ما وسعنى البحث عن نسخ الأفعال فى مكتباتنا العربية، ومكتبات العالم مستعينا بفهارس الكتب، وكتب التراجم، وجمعت النسختين اللتين عثرت عليهما من الكتاب، وأرجح أنهما النسختان الوحيدتان الباقيتان حتى الآن من هذا الأثر النفيس، ونسخت النسخة التى اخترتها أصلا - بنفسى - وعارضتها بعد النسخ معارضة دقيقة بالنسخة المصورة التى نقلت منها، حتى أطمئن إلى عدم وجود سقط أو إضافة عند النسخ.
ثم عارضت هذه النسخة بالنسخة المصورة الأخرى التى عثرت عليها معارضة غاية فى الدقة، وسجلت الفروق بين النسختين تسجيلا دقيقا وافيا أملا فى قرب النسخة المحققة ما أمكن من الكمال، وتصوير النسختين كان سببا فى الحد من ظاهرة السقط والإضافة التى يسببها فعل النقلة الذين يتداولون نسخ الكتاب.
2
استعنت بكتاب الأفعال لأبى بكر محمد بن عمر بن القوطية؛ لأنه الأصل الذى اتخذه «المعافرى» أساسا لكتابه، وكذلك بكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر السعدى المعروف بابن القطاع؛ لأنه أيضا جعل كتاب ابن القوطية أساسا لكتابه، وجعلت الكتابين أصلين مساعدين فى التحقيق ورمزت لكتاب ابن القوطية بالرمز «ق»
ولكتاب ابن القطاع بالرمز «ع» واستعنت كذلك بالمصادر التى اعتمد عليها، «المعافرى» فى جمع مادة كتابه ورجعت إليها فى مظانها، وسجلت فى حواشى التحقيق ما وجدت حول هذه المصادر من ملاحظات لها أو عليها.
3
عنيت بضبط النسخة، وتخليصها من أخطاء النسخ، كما عنيت عناية تامة بعلامات الترقيم التى تبرز صحة النسخة، وتعين القارئ على توضيح المعنى، وصححت ما لحقه التحريف من رواية الأفعال، ومشتقاتها، وأشرت إلى ذلك فى حواشى التحقيق.
4
بذلت فى شواهد الشعر ما أمكن بذله من جهد متواضع، ورجعت إلى هذه الشواهد فى مظان وجودها، من الدواوين، وأمهات الكتب باذلا أقصى الجهد فى ضبطها، وتصحيح روايتها، ونسبة كثير مما أغفل نسبته منها، وشرحت غامض الشّواهد، وبينت مكانها من الدواوين وأمهات كتب اللغة والنحو والأدب، وصححت ما لحقه التحريف من هذه الشواهد.
وكذلك خرجت شواهد القرآن والحديث والأمثال، وحددت أصحاب القراءات، وشرحت غريب الألفاظ، وبينت مكان الشاهد من القرآن وكتب الحديث وكتب الأمثال، وصححت ما وقع فيها من خطأ بفعل النقلة.
5
شرحت - فى حدود قواعد التحقيق وأصوله - غوامض الكتاب، وعلقت كثيرا على القضايا التى جاءت به فى حواشى التحقيق معتمدا فى ذلك على مصادر الكتاب، وغيرها من كتب ثقات علماء اللغة والنحو قبل وبعد «أبى عثمان المعافرى» على
نحو جعله حافلا بكثير من التفاصيل والآراء التى تكثر حاجة الدارسين إليها، وعرفت بأعلام العلماء، وبمن يحتاج من الشعراء، وصححت ما وقع من تحريف فى أسماء بعض الشعراء، وعرفت كذلك بالأماكن وأيام العرب.
6
عنيت فى التحقيق بذكر ما ندّ عن «أبى عثمان» من كلام شيخه، ونبهت إلى مواطن أضافها «المعافرى» إلى نفسه - سهوا - وهى من كلام شيخه، وسجلت كل هذا فى حواشى التحقيق.
(7)
سجلت فى حواشى التحقيق ما وجدت من تعارض بين أقواله وأقوال غيره من العلماء، وعنيت فى التحقيق ببيان صلة كتاب «أبى عثمان» بكتب الأفعال الأخرى وبخاصة كتاب الأفعال لأبى بكر بن القوطية، وكتاب الأفعال لأبى القاسم على بن جعفر المعروف بابن القطاع.
والله أسأل لصاحب الكتاب رحمة، وللكتاب شهرة، وللباحث فيه نقعا، ولكل من عاوننى فيه أجرا، ولى عفوا وسترا لما أسأت إلى الكتاب فى شئ، فقد بذلت واجتهدت.
ربنا «سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»
حسين محمد محمد شرف
اللوحة الأولى من النسخة (ا)
اللوحة الثانية من النسخة (ا)
اللوحة الأخيرة من النسخة (ا)
اللوحة الأولى من الجزء الاول (النسخة ب)
اللوحة الثانية من الجزء الأول (النسخة ب)
اللوحة الأخيرة من الجزء الأول (النسخة ب.)
اللوحة الاولى من الجزء الثانى (النسخة ب)
اللوحة الثانية من الجزء الثانى (النسخة ب)
اللوحة الأخيرة من الجزء الثانى (النسخة ب)
الأفعال لأبى عثمان سعيد بن محمد المعافرى القرطبى ثم السرقسطى المنبوز بالحمار
مقدمة المؤلف
[2/ 1] بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (1) الحمد لله بجميع محامده، وصلّى الله على محمد خاتم أنبيائه، وأمينه على وحيه وسلم تسليما.
ثم أما بعد حمد الله، والصلاة على نبيه، فإنى رأيت أحسن ما يقتنيه المقتنى العاقل، ويشرّفه ذو الشرف الفاضل العلم الذى به عرف الرب الخالق وبه استقرّت (فى) (2) سجايا المخلوقين طاعته، وعذبت فى قلوب العلماء عبادته، وبه فهم عن الله، وعرف تأويل ما أتى به من (3) الوحى على لسان نبيه المصطفى، وخير (4) خلقه المرتضى.
وأنّ أشرف ما عنى به الطالب بعد كتاب الله - عز وجل - لغات العرب وآدابها، وطرائف حكمها؛ لأن الله تبارك وتعالى: اختارها بين اللغات لخير عترة (5) وأشرف أمة، ثم جعلها لغة [أهل] (6) دار المقامة فى جواره ومحل كرامته، فهى أفصح اللغات لسانا، وأوضحها بيانا، وأقومها مناهج، وأثقفها أبنية، وأحسنها بحسن الاختصار تألّفا، وأكثرها بقياس أفعالها تصرّفا.
وأول ما يجب للناظر فى كلام العرب بعد إحكام قياس حركات الإعراب أن يحكم تثقيف الأفعال، لما يدخلها من القياس بالتصرف، ليتصل له قياس التصرف فى الأفعال بقياس تصرف الإعراب فى الأسماء.
وأيضا فإن أكثر الكلام مشتق منها 1، وأكثر ما تسأل 2 الطلبة، والقراء، والفقهاء 3 فعن التصريف والاشتقاق فى القرآن والسنة وكلام العرب.
وإنى تأملت ما ألفه فى ذلك من عنى بلغات العرب [من العلماء المتقدمين] 4 كالزجاج 5، وأبى حاتم 6، وقطرب 7، وغيرهم من أهل العناية والعلم، فرأيت تواليفهم فى الأفعال غير موعبة 8، ولا مقتضية لإتقان ما قصدوه بزعمهم حتى تلافأ 9 ذلك، وتولاه: محمد بن عمر بن القوطية 10 - رحمه الله - فألف فى الأفعال كتابا حاز به قصب السبق، واستولى به على أمد الغاية، لم يتقدمه إلى مثله فى هذا الفن أحد من العلماء الماضين.
ولكنه - رحمه الله - قصد فى هذا الكتاب مقصد الغاية فى الاختصار، حتى أخل ذلك بتبيّن 1 كثير مما جلب من الأفعال.
ونجتلب من 2 ذلك مثالا مما وقع فى الكتاب نحو قوله:
عقل الرجل عقلا: راجعه عقله بعد شئ أذهبه، والصبىّ عقلا: ذكا بعد الصبا، والبعير: شددته بالعقال، والظلّ: إذا قام قائم الظهيرة، والشئ عقلة: حبسته 3، والرجل عقلة: شغزبيّة 4 فصرعته، والأوعال والوحوش:
صارت فى معاقل الجبال، والقتيل عقلا غرمت ديته، [وعن القاتل: غرمت عنه الدية، والرجل أعقله: صرت أعقل منه] 5، والرجل على القوم:
سعى فى صدقاتهم، والطعام البطن: أمسكه، والبطن: استمسك.
والكتاب 6 كله مبنى على هذه الرتبة فتعسّر من هذه الجهة على الطالب وصعب على الدارس إلا من أفرغ فيه تدبيره، وأجهد فكرته، وأتعب استطاعته، فأعمل الفكرة 7 مع كل لفظ فى الرجوع إلى الأصل الأول 8، فصار الكتاب بذلك مخالفا لما بين أيدينا من كتب اللغة، وما عهدناه من التواليف القديمة.
وأيضا فإنه إنما كان غرضه - رحمه الله - فى هذا الكتاب: فعلت وأفعلت خاصة، وترك ما جاوز ذلك من الأفعال الرباعية الأصلية مثل: دحرج، وسلهب 9
وما جاوزها بالزيادة مثل: اقشعرّ، واحرنجم 1، ومثل: احمارّ، واشهابّ.
فلما رأيت الكتاب قد اختل من هذه الجهة مع ما رأيت من فضله، وأنه قد بذّ فيه الأولين والآخرين.
أفردت له عنايتى، وجعلت له حظا من نظرى بعد تصحيح روايتى إياه على مؤلفه - رحمه الله - 2 فتلافيت ما اختل منه بإلحاقه، وترداد ذكره، وبسط تفسيره، وألحقت فيه الأفعال التى ترك ذكرها من الرباعية، وما جاوزها بالزيادة 3، وألحقت فى كل باب منه ما لم يذكره، إذ الإحاطة ممتنعة على البشر، ولخّصت 4 ما وقع منها فى غير موضعه بنقله إلى الموضع الذى هو أحق به؛ ليخف على الدارس، ويسهل فيه وجدان لفظه على الطالب، وليكون الكتاب كاملا مقتضيا للمعنى الذى قصد 5 به إليه.
ورتبته على مخارج الحروف على ما اجتلب ذكرها «سيبويه «»» - رحمه الله - 6
وكان الذى دعانا إلى العناية بهذا الكتاب ما علمته من الحاجب المنصور أبى عامر محمد بن أبى عامر - وفقه الله 1 - من حسن اهتباله 2 بالعلم والأدب ورسوخه فيه، وبحثه عن غوامضه، وتقديمه أهله، وتشريفه حامليه، وأهل العناية (به) 3، فاعتمدته - أبقاه الله - 4، بعنايتى تزلفا إليه، وتقمّما 5 لمسرته؛ لعلمى أن الأدب أشرف البضائع عنده، وأقرب الوسائل لديه، أبقاه الله عزيزا مكرما مصونا، مسلما، وبالله [العون] 6 والتوفيق.
وصلّى الله على محمد نبى الرحمة، وإمام الهدى، وسلم تسليما.
هذا باب علم الأفعال وتلخيص أبنيتها، وقياس تصرفها
اعلم أن الأفعال 7 تنقسم قسمين: سالم، ومعتل 8 وأقل أصولها ثلاثة أحرف، وما جاء منها على أقل من ثلاثة فلعلة دخلت الفعل أوجبت الحذف من الأصل، أو لتضعيف دخله 9 فصار لفظه ثنائيا.
وأقصى ما ينتهى إليه الفعل أصليا أربعة أحرف نحو: دحرج، وسلهب ولا يتجاوز هذا العدد إلا مزيدا فيه، وأقصى ما ينتهى إليه بالزيادة ستة أحرف ثلاثيا كان، أو رباعيا.
فالثلاثى نحو: احمارّ، واشهابّ، واستكبر.
والرباعى نحو: اقشعرّ، واقمطرّ، ونحو: احرنجم، واعلنكس.
والزيادة فيه تكون من وجهين:
تكون من الحروف [2 - ب] الزوائد العشرة المعروفة 1 التى يجمعها قولك:
«اليوم تنساه» وذلك نحو: استفعل، وافتعل، وانفعل 2، وما أشبه ذلك مما أصله الثلاثة.
وافعنلل نحو: احرنجم، واصعنفر 3.
وتكون من نفس الحرف فيلحقه التضعيف نحو: اشهابّ، واقشعرّ 4.
والثلاثية منها على ثلاثة أبنية: فعل، وفعل، وفعل نحو: ضرب، وسمع، وظرف.
فأما فعل وفعل، فقد يكونان لما يتعدى، ولما لا يتعدى
فأما فعل، فلا يكون لما يتعدى فى حال ألبتّة.
فمن الثلاثية ما لحقه التضعيف، فصار ثنائيا فى اللفظ نحو: رد، وكرّ 5، وما أشبه ذلك.
وهذا المضاعف يأتى على وجهين: «فعل وفعل» لا غير، ولم يأت منه على فعل إلا حرف واحد شاذ رواه يونس «» وهو: لببت تلبّ لبّابة ولبّا، وأجود اللغتين: لببت تلب 1.
والضم يستثقل فى الفعل الماضى من المضاعف، لثقل التضعيف، وثقل الضم، فلما اجتمعا فروا منهما.
وما كان من هذا النحو المضاعف متعديا 2، فإن مستقبله يأتى على يفعل بالضم فى قول «الخليل « »» غير
أفعال يسيرة جاءت باللغتين وهى: علّه بالشراب يعلّه، ويعلّه، ونمّ الحديث ينمه وينمه، وهرّه يهره ويهره: كرهه 3، وشدّه يشدّه ويشدّه، وصدّ عنى يصدّ ويصدّ 4.
وقد جاء من ذلك حرف 5 شاذ بالكسر خاصة، وهو حببته أحبه، قال الشاعر:
1 - أحب أبا مروان من حب تمره … وأعلم أنّ الرّفق بالجار أرفق 6
وينشد أيضا «إحب أبا مروان» بكسر الهمزة.
أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب، أخذ الأدب عن أبى عمرو بن العلاء، وحماد بن سلمة، وكان النحو أغلب عليه، توفى سنة اثنتين وثمانين ومائة، وفيات الأعيان 6 - 242. الخليل بن أحمد الفراهيدى، صاحب كتاب «العين» وواضع علم العروض، توفى سنة سبعين ومائة.
له ترجمة فى وفيات الأعيان 2 - 15، ومعجم الأدباء 11 - 72، ومراتب النحويين 27.
وأما ما كان منه غير متعد، فإن مستقبله ياتى على «يفغل» بالكسر غير أفعال [أيضا] 1 أتت باللغتين، وهى:
شج يشج ويشج، وجدّ فى الأمر يجد ويجد، وجمّ الفرس يجم ويجم، وشبّ يشب ويشب، وفحّت الأفعى تفح وتفح، وترّت يده تتر وتتر 2، وطرّت تطرّ وتطرّ، وحدّت المرأة تحد وتحد، وشذّ الشئ يشذ ويشذ، ونسّ الشئ ينسّ وينس، إذا يبس، وشطّت الدّار تشط وتشط، ودرّت الناقة وغيرها تدر وتدر.
وقد شذ منه حرف واحد أتى بالضم خاصة، وهو: ألّ الشئ يؤل: إذا 3 برق، وألّ الرجل يؤلّ: رفع صوته ضارعا، وأما قولهم: ذرّت الشمس تذر، وهبّت الريح تهب، فزعم الفراء «» أن الضم إنما جاء فيهما على القياس؛ لأن فيهما معنى التعدى 4
وهذا الفصل الذى ذكرناه من أمر المضاعف هكذا رواه «يعقوب» « » عن الفراء، وهكذا أيضا نقله «ابن قتيبة « »» الفراء: أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، وقيل له الفراء، لأنه كان يفرى الكلام، والفراء أعلم الكوفيين بالنحو واللغة، أخذ النحو عن الكسائى: توفى سنة 207 هـ وفيات الأعيان 5 - 225. ابن السكيت أبو يوسف يعقوب بن إسحاق، روى عن الأصمعى، وأبى عبيدة، والفراء، توفى سنة 244 هـ وفيات الأعيان 5 - 438، وانظر فى هذا الفصل إصلاح المنطق 240 - 241. ابن قتيبة: أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينورى أخذ عن أبى حاتم السجستانى، وكان إماما فى اللغة والأدب، والأخبار وأيام الناس توفى سنة 286 هـ، وفيات الأعيان 2 - 246. وانظر هذا الفصل فى أدب الكاتب 170 ط القاهرة 1328 هـ.
وقال الفراء «فإن جاء غير ما ذكرنا من الشواذ فقليل.
وهذا مذهب الكوفيين.
فأما أهل البصرة: «سيبويه 1» وأصحابه، فإنهم إنما ذكروا ما ذكرناه من أمر المضاعف فى باب الخصال خاصة 2.
فقال «سيبويه»: واعلم أن ما كان من التضعيف فى هذه الأفعال التى ليست بأعمال تعداك إلى غيرك، فإنه لا يكاد يكون فيه «فعل، وفعلت» يعنى من أفعال الخصال خاصة؛ لأنهم يستثقلون الضم والتضعيف، فلما اجتمعا حادوا عنهما 3».
والباب يجئ على جلس يجلس نحو: ذلّ يذل.
وقد قالوا أيضا: شححت: أشح، كما قالوا بخلت أبخل؛ لأن الكسرة أخف عليهم من الضمة، ألا ترى أن فعل أكثر فى كلامهم من فعل، والياء أخف من الواو وأكثر «3»، فدل بكلامه على أنه عدل «بفعل يفعل» فى هذه الخصال خاصة من المضاعف إلى «فعل يفعل»، وقد ردوها أيضا فى القليل إلى «فعل يفعل» مثل: شححت تشح، وبخلت تبخل، فرارا من الضم إلى الفتح والكسر، من نحو ما ذكره «يونس» 4 من لببت تلبّ على أصل الباب مثل:
ظرف يظرف، وحسن يحسن.
وقول أهل البصرة أثقف، لأنه لا يكاد يوجد غير ما ذكروا 1، والذى حده أيضا أهل الكوفة قليل، ولو وجد منه مائة كلمة.
وقياس ما كان من جميع الثلاثية على «فعل» فمستقبله 2 يأتى تارة بالضم، وتارة بالكسر نحو: ضرب يضرب، ودخل يدخل 3.
وقد قال «أبو زيد» «»: إذا جاوزت المشاهير من الأفعال نحو: دخل، وضرب 4، وما أشبه ذلك من مشهور الكلام، فقل إن شئت: «يفعل»، وإن شئت «يفعل» إلا ما كانت عينه أو لامه من حروف الحلق، فإنه يأتى على «فعل يفعل» وربما جاء على «يفعل ويفعل 5».
وما كان على «فعل» فمستقبله على يفعل، إلا أفعالا يسيرة شذت عن الباب وهى:
حسب يحسب، ونعم ينعم، ويئس ييئس، ويبس ييبس، والفتح فيها 6 جيد، وهو أقيس.
أبو زيد: سعيد بن أوس الأنصارى أحد كبار أئمة اللغة، وإياه يعنى سيبويه حين يقول: «حدثنى الثقة» توفى سنة 215 وفيات الأعيان 2 - 120. وقد نقل عنه أبو عثمان كثيرا فى كتاب الأفعال.
وقد جاء منه أيضا على «فعل يفعل، وذلك قليل نحو:
فضل يفضل، ونعم ينعم فى بعض اللغات؛ وذلك أنهم يقولون: فضل وفضل، فاستغنوا بمستقبل فضل عن مستقبل فضل.
وقد زعم «يعقوب»: أن من العرب من يقول: فضل يفضل، مثل: حذر يحذر.
قال: وزعم بعض النحويين أن من العرب من يقول: حضر القاضى فلان ثم يقولون: يحضر 1، وأنشد الفراء:
2 - مامن جفانا إذا حاجاتنا حضرت … كمن لنا عنده التّكريم واللّطف 2
وقد جاء من المعتل مثله، قالوا: متّ تموت، ودمت تدوم مكسور العين فى الماضى، ومضموم فى المستقبل، والأجود مت تموت ودمت تدوم بالضم.
وقد روى عن العرب أيضا: يمات، ويدام.
وقد جاء أقل من هذا، وأكثره شذوذا فى قولهم: كدت تكاد، والأعم كدت تكاد.
وأما المعتل فقد يجئ منه كثير على «فعل يفعل» نحو: ورم يرم، وولى يلى، وما أشبه ذلك 3
وأما مصادر 1 الثلاثية [3/ 1] فغير محظور عليها بقياس، إنما ينتهى فيها إلى السماع 2.
وكذلك ما بنى من مصادرها بالميم 3 من السالمة والمعتلة.
فمنها ما يقاس 4، وكثير منها يشذ عن القياس.
وسترى كل نوع منها مع فعله على ما أتت به الرواية عن العرب إن شاء الله [تعالى] 5 وأما [أسماء] 6 فاعليها فكثيرة الشذوذ أيضا، ولكنا نذكر منها ما يستدل به على الأكثر من قياسها إن شاء الله.
فأما ما كان منها متعدّيا، فإن الفاعل منه على بناء «فاعل» نحو 7: ضرب يضرب، وقتل يقتل 8، وشرب يشرب، فهو فاعل فى كل ذلك، وقد جاء منه على «فعيل» كأنهم أرادوا به الصفة اللازمة؛ لما فيه من معنى التكثير، والنسب،
شبّهوه بظريف ونحوه، وذلك قولهم: هو ضريب قداح، وصريم للصارم، وأنشد «سيبويه» لطريف بن تميم العنبرى:
3 - أو كلّما وردت عكاظ قبيلة … بعثوا إلىّ عريفهم يتوسّم 1
يريد: عارفهم.
وعلى «فعول» يقال: هو ضروب رؤوس الأعاجم، قال:
4 - ضروب بنصل السّيف سوق سمانها … إذا عدموا زادا فإنك عاقر 2
وأما ما لا يتعدى إلى مفعول، فما كان منه على «فعل» فاسم الفاعل منه:
فاعل أيضا نحو: قعد، وثبت، وسكت، فهو فاعل فى كل ذلك.
وما كان منها على «فعل»، فإن الفاعل منه على بناء «فعل»؛ لأنه إنما يكون ذلك فى الأدواء وما أشبهها مما يقع فى الهاجس نحو: وجع، وحبط، وسبق 3 وغرض، وقنع، وبطن، وتبن 4، فهو «فعل» فى كل ذلك، وهو كثير، إنما ذكرنا منه شيئا يستدل به 5
وقد يأتى منه أيضا على «فاعل»، ولكنه فى الأقل نحو: زهد، فهو زاهد، وقنع، فهو قانع.
وقد يأتى أيضا على «فعيل» وهو أخو «فعل» نحو: مريض، وبطين 6
وقد يأتى أيضا على «أفعل» نحو: وجل فهو أوجل، ووجر فهو أوجر، وشعث فهو شعث وأشعث، وحدب فهو أحدب، وجرب فهو أجرب.
وقد يأتى أيضا على «فعلان» نحو: هيمان، وعطشان، وشبعان، وريان.
يبنون هذه الأشياء بناء أضدادها؛ لأنها كلّها واقعة فى القلب، أو فى البدن من 1 حسن أو قبيح 2، أو فرح، أو حزن.
وما كان منها على «فعل» فاسم فاعله على «فعيل» نحو: كرم فهو كريم، وجمل فهو جميل، ووسم فهو وسيم، وقبح فهو قبيح 3، وقد يأتى منه أيضا على «فعل» نحو: حسن، بطل، ورجل قدم، وامرأة قدمة 4 يريد: أن لهما قدما
فى الخير.
وقد يأتى منه أيضا على «فعل» ساكن العين قالوا: رجل ضخم، وفخم، وجعد، ومكان سهل.
وقد يأتى منه أيضا على «أفعل» قالوا: شنع 5 الشئ فهو أشنع.
وقد يأتى منه أيضا على «فاعل» نحو: طهر فهو طاهر، ومكث فهو ماكث، وقد جاء منه على «فعال» قالوا: شجاع، وسراع 6، وفعال 7 أخو «فعيل» وعلى «فعال» نحو: جبان.
وعلى «فعول» نحو: وقور 8.
فهذا ما يحتاج إليه الناظر فى الأفعال.
ونسأل الله توفيقا مبلّغا إلى رضاه، موجبا للمزيد من فضله، وصلّى الله على محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وسلم تسليما.
الهمزة