حاشية ابن قائد على منتهى الإراداتصفحات 330-369

الوقف: تَحْبِيسُ مَالِكٍ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ مَالَهُ الْمُنْتَفَعَ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ تَصَرُّفِهِ وَغَيْرُهُ فِي رَقَبَتِهِ يَصْرِفُ رِيعَهُ إلَى جِهَةِ بِرٍّ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كتاب الوقف مصدر وقف الإنسان الشيء، يقفه بمعنى: حبسه وأحسبه، ولا يقال: أوقفه، إلا في لغة شاذة، عكس أحبسه وأعتقه.
فائدة: قال الإمام الشافعي، رحمه الله: لم يحسن أهل الجاهلية، وإنما حبَّس أهلُ الإسلام.
انتهى.
وأركان الوقف أربعة: الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، والصيغة التي ينعقد بها.
قوله: (تحبيس مالك) بنفسه أو وكيله، ولو قال: تحبيس جائر التصرف، لكان أوضح وأخصر، لإغناء قوله: (ماله) عن (مالكٍ).
قوله: (مطلق التصرف) وهو المكلف الحر الرشيد.
قوله: (ماله) أي: لا نحو كلب وخمر.
قوله: (مع بقاء عينه) يعني: لا نحو مطعوم غير ما يأتي.
قوله: (في رقبته) أي: لا في منفعته، فيبطل شرط بيعه، كما سيجيء.
قوله: (ريعه) أي: المال.
قوله: (إلى جهة بر) يعينها واقفه، وهذا معنى قولهم: وتسبيل المنفعة، أي: إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلة وثمرة وغيرها للجهة المعيَّنة.
قوله: (تقربا) حال.
قوله: (إلى الله تعالى) بأن ينوي به القربة، وهذا الحد لصاحب «المطلع»، وتبعه المنقح، وتبعهما المصنف، واستظهر في «شرحه» أن قوله:

وَيَحْصُلُ بِفِعْلٍ مَعَ دَالٍّ عَلَيْهِ عُرْفًا كَأَنْ يَبْنِي بُنْيَانًا عَلَى هَيْئَةِ مَسْجِدٍ وَيَأْذَنَ إذْنًا عَامًّا فِي الصَّلَاةِ فِيهِ حَتَّى لَوْ كَانَ سُفْلَ بَيْتِهِ أَوْ عُلْوَهُ أَوْ وَسَطَهُ وَيَسْتَطْرِقُ (تقرباً إلى الله تعالى) إنما هو في وقف يترتب عليه الثواب، فإن الإنسان قد يقف على غيره تودُّدًا، أو على ولده خشية بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه، أو خشية أن يحجر عليه ويباع في دينِه، أو رياء ونحوه، وهو وقف لازم لا ثواب فيه؛ لأنه لا يبتغي به وجه الله تعالى.
انتهى.
قال منصور البهوتي: قلت: ويمكن أن يكون القصد به بيان أصل مشروعيته والحكمة فيه، فلا يضر ما يطرأ عليه، ولا يكون للاحتراز.
انتهى.
قوله: (ويحصل... إلخ) أي: الوقف حكماً.
اعلم: أن الوقف له صيغتان: فعلية وقولية، وقد ذكرهما المصنف، رحمه الله تعالى.
قوله: (عرفاً) كالقول؛ لاشتراكهما في الدلالة عليه.
قوله: (في الصلاة) ولو بفتح الأبواب، أو التأذين، أو كتابته لوحًا بلا إذن، أو الوقف، أو نوى خلافه.
قوله: (حتى لو كان) أي: ذلك المذكور.
قوله: (أو وسطه) ولو لم يذكر استطراقاً إلى ما جعله مسجدًا، صلح الوقف.
قوله: (ويستطرق) إليه كما لو باع أو آجر بيتاً من داره، ولم يذكر له استطراقاً، فإنه يصح البيع والإجارة، ويستطرق إليه على العادة.

أَوْ بَيْتًا لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ تَطَهُّرٍ وَيَشْرَعُهُ أَوْ يَجْعَلُ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنُ إذْنًا عَامًّا بِالدَّفْنِ فِيهَا وقَوْلٍ وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ وَكِنَايَتُهُ تَصَدَّقْتُ وَحَرَّمْتُ وَأَبَّدْتُ وَلَا يَصِحُّ بِهَا إلَّا بِنِيَّةِ أَوْ قَرَنَهَا بِأَحَدِ الْأَلْفَاظِ الْخَمْسَةِ كَتَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً أَوْ مُحَبَّسَةً قوله: (لقضاء حاجة) أي: البول والغائط.
قوله: (ويشرعه) أي: يفتح بابه على الطريق، أو يملأ نحو خابيةِ ماء على الطريق، أو في مسجد ونحوه.
قوله: (إذنا عاما) أي: لا خاصا.
قوله: (وصريحه) أي: القول: (وقفت... إلخ) قال في «الاختيارات»: وقف الهازل ووقف التلجئة، إن غلب على الوقف جهة التحرير من جهة أنه لا يقبل الفسخ، فينبغي أن يصح، كالعتق والإتلاف، وإن غلب عليه شبه التمليك، فيشبه الهبة والتمليك، وذلك لا يصح من الهازل على الصحيح.
نقله في «شرح الإقناع».
قوله: (وسبلت) ويكفي أحدها.
قوله: (ولا يصح بها) أي: بالكناية.
قوله: (إلا بنية) ولا يعلم ذلك إلا من جهته.
قوله: (الخمسة) أي: الصرائح الثلاث.
والكنايتين الباقيتين من الثلاث التي أتى بإحداها؛ إذ الألفاظ الصريحة والكناية ست، نصفها صريح ونصفها كناية، فإذا أتى بواحدة من الصريح، لم تفتقر إلى

أَوْ مُسَبَّلَةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً أَوْ بِحُكْمِ الْوَقْفِ كَلَا تُبَاعُ أَوْ لَا تُوهَبُ أَوْ لَا تُورَثُ أَوْ عَلَى قَبِيلَةِ أَوْ طَائِفَةِ كَذَا فَلَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِدَارِي عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ الْوَقْفَ وَأَنْكَرَ زَيْدٌ لَمْ تَكُنْ وَقْفًا فَصْلٌ وَشُرُوطُهُ أَرْبَعَةٌ مُصَادَفَتُهُ عَيْنًا يَصِحُّ بَيْعُهَا غيرها، أو بواحدةٍ من الكناية بقي بعدها من الستة خمسة، فلا بد من نية الوقف، أو قرنها بأحد ألفاظ الخمسة الباقية، كما قال المصنف، رحمه الله تعالى.
قوله: (لم تكن وقفا) لمخالفته للظاهر، وعلم منه: أنه لو قال ذلك متصلا، قبل منه، وكذا لو صدَّقه زيد؛ فأما إذا لم ينكر زيد ولم يصدِّق، فهل يقبل قول المتصدق إذن، أم لا؟ وهل يرجع إلى قول وارث حينئذ؟ لم أر نقلا، وقوة المتن تعطي أنه يقبل قوله؛ لأنه لم يوجد الإنكار، والله أعلم.
قوله: (وشروطه أربعة... إلخ) زاد في «الإقناع» خامسًا: وهو كون الواقف ممن يصح تصرفه في ماله، وهو المكلَّف الرشيد.
قوله: (عينا) فلا يصح وقف منفعةٍ، كما ذكره في «شرحه»، خلافاً للشيخ.
وقوله: (يصح بيعها)

ويُنْتَفَعُ بِهَا عُرْفًا كَإِجَارَةٍ مَعَ بَقَائِهَا أَوْ جُزْءًا مُشَاعًا مِنْهَا مَنْقُولَةً كَحَيَوَانٍ وَأَثَاثٍ وَسِلَاحٍ وَحُلِيٍّ عَلَى لُبْسٍ وَعَارِيَّةٍ أَوْ لَا كَعَقَارٍ لَا ذِمَّةً كَدَارٍ وَعَبْدٍ ومُبْهَمًا كَأَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَأُمِّ وَلَدٍ وَكَلْبٍ وَمَرْهُونٍ أَوْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ عمومه يشمل المكاتب، وجزم به في «الإقناع»، قال: وإذا أدى، بطل، أي: فلا تبطل كتابة بوقفه.
قوله: (يصحُّ بيعها) شمل المؤجرة.
قوله: (عرفاً) ما فائدة قوله: (عرفاً)، هلا يغني عنه ما بعده؟ ثم ظهر لي أن فائدة ذلك التنبيه على أن من اقتصر من الأصحاب على قوله: (عرفاً)، فإن مراده، كالإجارة، والله أعلم.
قوله: (أو مشاعًا... إلخ) أي: معلومًا.
فلو وقفه مسجدًا، ثبت فيه حكم المسجد في الحال عند التلفظ بالوقف، فيمنع منه الجنب ونحوه كالسَّكرانِ، ثم القسمة متعيِّنة؛ لتعينها ريقاً للانتفاع بالموقوف.
قوله: (منها) أي: العين الموصوفة.
قوله: (وأثاث) كبساطٍ.
قوله: (وسلاح) كسيف.
قوله: (وعاريَّة) أي: لمن يحل له، فإن أطلق، لم يصح قطع به في «الفائق» و «الإقناع».
منصور البهوتي.
وقوله: أطلق، أي: بأن لم يقل: على لبس أو عارية.
قوله: (كأم ولد) يعني: ولا يصحُّ وقفُه عليها، كما سيجيء.

كَمَطْعُومٍ وَمَشْمُومٍ وأَثْمَانٍ كَقِنْدِيلٍ مِنْ نَقْدٍ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ إلَّا تَبَعًا كَفَرَسٍ بِلِجَامٍ وَسَرْجٍ مُفَضَّضَيْنِ الثَّانِي: كَوْنُهُ عَلَى بِرٍّ كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَقَارِبِ قوله: (كمطعوم) غير ماء.
قوله: (ومشموم) لا ينتفع به مع بقاء عينه، بخلاف ند وصندل وقطع كافورٍ؛ فيصح وقفه لشم مريض وغيره.
قوله: (وأثمان) ولو لتحل أو وزن.
قوله: (من نقدٍ) فهو باق على ملك صاحبه، ولو تصدَّق بدهن على مسجد ليوقد فيه، جاز، وهو من باب الوقف.
قاله الشيخ، كالماء.
قوله: (إلا تبعاً... إلخ) أي: ويباع ما فيه الفضة، وينفق عليه منه، ونص عليه في الفرس الحبيس.
قاله في «الإقناع».
فتدبر.
قوله: (كونه على بر) أي: جهة بر: اسم جامع للخير، وأصله الطاعة لله تعالى، والمراد: اشتراط معنى القربة في الصرف إلى الموقوف عليه؛ لأن الوقف قربة وصدقة، فلابد من وجودها فيما لأجله الوقف.
وبخطه أيضاً على قوله: (كونه على بر) مسلمًا كان الواقف أو ذميًا، فلا يصح على طائفة الأغنياء أهل الذمة، وقيل: يصح؛ لأن الشرط عدم المعصية، والأول المذهب، أعني: اشتراط القربة.
قوله: (كالمساكين) أي: كالوقف على المساكين، والحج، والغزو، وكتابة الفقه ونحوه.
قوله: (والقناطر) أي: وإصلاح الطرق.

وَيَصِحُّ مِنْ ذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ مُعَيَّنٍ وَعَكْسِهِ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا وَيَسْتَمِرُّ لَهُ إذَا أَسْلَمَ وَيَلْغُو شَرْطُهُ مَا دَامَ كَذَلِكَ لَا عَلَى كَنَائِسَ أَوْ بُيُوتِ نَارٍ أَوْ بِيَعٍ وَنَحْوِهَا وَلَوْ مِنْ ذِمِّيٍّ قوله: (معين) أو طائفةٍ كالفقراءِ والمساكين، فقوله: (معيَّن) ليس قيدًا، وكذا قوله: (من ذمي)، بل يصح من المستأمن والحربي، وإنما قيده بما ذكر؛ لأجل قوله: (وعكسه) ولأنه الأكثر.
قوله: (ولو أجنبيا) أي: من الواقف.
قوله: (ويلغو شرطه... إلخ) أي: الواقف.
قال المصنف: قلت: ويتوجَّه مثل ذلك مالو وقف على زيدٍ ما دام غنيا، أو على فلانة ما دامت متزوجة.
انتهى.
أي: فيصح الوقف ويلغو شرطه، وكذا لو وقف على امراة ما دامت عزباء؛ لأن اشترط العزوبية باطل.
قال في «الإنصاف»: على المذهب.
قال: لأن الوصف ليس قربةً.
قوله: (ما دام كذلك) أي: ذميًا.
قوله: (لا على كنائس) أي: معبد اليهود أو النصارى أو الكفار.
قوله: (ولو من ذميٍّ) أي: لأن مالا يصح الوقف عليه من المسلم، لا يصح الوقف عليه من الذمي.
وفي أحكام الذمة: للإمام أن يستولي على كل ما وقف على كنيسة أو بيت نار ويجعلها على جهة قربات.
انتهى.
منصور البهوتي:

بَلْ عَلَى الْمَارِّ بِهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَلَا عَلَى كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَوْ حَرْبِيٍّ أَوْ مُرْتَدٍّ وَلَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَنْصَرِفُ إلَى مَنْ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ وَعَنْهُ يَصِحُّ الْمُنَقِّحُ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَهُوَ أَظْهَرُ والمراد: إذا لم يعلم ورثة واقفها، وإلا فللورثة أخذها، كما تقدم.
انتهى.
قوله: (بل على المار) أي: يصح الوقف على من ينزلها من المجتازين فقط من مسلم وذمي.
قوله: (من مسلم وذمي... إلخ) فإن خص أهل الذمة، لم يصحَّ، وهذا المذهب.
قاله المصنف في «شرحه».
قوله: (ولا على كتب) أي: كتابة.
قوله: (التوارة) قال المصنف في «شرحه» قلت: ويلحق بذلك كتب المبتدعة كالخوارج والقدرية ونحوهما، والله أعلم.
قوله: (والإنجيل) أي: أو شيء من أحدهما.
قوله: (على نفسه) وجزم به في «الإقناع».
قوله: (وينصرف إلى من بعده) أي: إن كان، وإلا بطل.
قوله: (وهو أظهر) ومتى حكم به حاكم - حيث يجوز له الحكم - فظاهر كلامِهم: ينفذ حكمه ظاهرًا.
وقوله: حيث يجوز، أشار به إلى المجتهد، أما المقلد فلا، كما قاله منصور البهوتي.

وَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى غَلَّتَهُ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ أَوْ الْأَكْلَ أَوْ الِانْتِفَاعَ أَوْ لِأَهْلِهِ أَوْ يُطْعِمُ صَدِيقَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةً مُعَيَّنَةً صَحَّ فَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهَا فلِوَرَثَتِهِ وَتَصِحُّ إجَارَتُهَا وَمَنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَافْتَقَرَ تَنَاوَلَ مِنْهُ وَلَوْ وَقَفَ مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً أَوْ بِئْرًا أَوْ مَدْرَسَةً لِلْفُقَهَاءِ أَوْ لِبَعْضِهِمْ أَوْ رِبَاطًا لِلصُّوفِيَّةِ مِمَّا يَعُمُّ قوله: (واستثنى غلته) أي: كلَّها.
قوله: (أو بعضها) أي: المعلوم.
قوله: (فلو مات في أثنائها) أي: أثناء المدة التي استثنى نفع الوقف فيها، كالمستثنى في البيع.
قوله: (وتصح إجارتُها) أي: من الموقوف عليه وغيره، كالمستثنى في البيع.
قلت: ومنه يؤخذ صحة إجارة ما شرط سكناه لنحو بنيه، أو أجنبي، أو خطيبٍ، أو إمام.
منصور البهوتي.
قوله: (تناول منه) وكذا لو وقف على العلماء أو القراء ونحوهم، فصار كذلك، والله أعلم.
قوله: (أو بعضهم) أي: نوعٍ من الفقهاء، كالحنابلة أو الشافعية مثلا.
قوله: (أو رباطاً) أي: أو نحوه.
قوله: (للصوفية) الصوفي: المتبتل للعبادة وتصفية النفس من الأخلاق المذمومة، وتعتبر فيه العدالة وملازمة غالب الآداب

فَهُوَ كَغَيْرِهِ الثَّالِثُ: كَوْنُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ ثَابِتًا الشرعية في غالب الأوقات قولا وفعلا، وأن يكون قانعا بالكفاية من الرزق، بحيث لا يمسك ما فضل عن حاجته، لا لبس خرقة، أو لزوم شكل مخصوصٍ في اللبسة ونحوها.
ذكره الشيخ.
قال: والصوفي الذي يدخل في الوقف على الصوفية يعتبر له ثلاثة شروط: الأول: أن يكون عدلا في دينه.
الثاني: أن يكون ملازمًا لغالب الآداب الشرعية في غالب الأوقات، وإن لم تكن واجبةً، كآداب الأكل، والشرب، واللباس، والنوم، والسَّفر، والصحبة، والمعاملة مع الخلق، ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة من الآداب التي لا أصل لها في الدين، من التزام شكل مخصوص في اللبسة ونحوها مما لا يُستحب في الشريعة.
الثالث: أن يكون قانعا بالكفاية من الرزق بحيث لا يمسك ما يفضل عن حاجته.
وقال الحارثي: ولا يشترط في الصوفي لباس الخرافة المتعارفة عندهم من يد شيخ، ولا رسوم اشتهر تعارفها بينهم، فما وافق الكتاب والسنة، فهو حق، وما لا، فهو باطل، ولا يلتفت إلى اشتراطه.
قوله: (فهو) أي: الواقف.
قوله: (كونه على معيَّن) يعني: لا على مجهولٍ من جهة، أو شخصٍ، والوقف على المساجد ونحوها، وقف

فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ، كَرَجُلٍ ومَسْجِدٍ أَوْ مُبْهَمٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ أَوْ لَا يَمْلِكُ كَقِنٍّ وَأُمِّ وَلَدٍ وَمَلَكٍ وَبَهِيمَةٍ وكَعَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي أَوْ لِفُلَانٍ بَلْ تَبَعًا، كَعَلَى أَوْلَادِي وَفِيهِمْ حَمْلٌ فَيَسْتَحِقُّ بِوَضْعٍ.
وَكُلُّ حَمْلٍ على المسلمين إلا أنه عين نفع خاص لهم، فلو لم يذكر مصرفا، بل قال: وقفت كذا وسكت، فقال في «الإقناع».
الأظهر: بطلانه.
انتهى.
وفي «الإنصاف»: الوقف صحيحٌ عند الأصحاب.
انتهى.
وقطع به الحارثي، والذي جزم به المصنف فيما سيأتي أنه يصحُّ، ويصرف إلى ورثته نسبا، فقوله: (كونه على معين) يعني به: لا على مجهول.
قوله: (وأم ولد... إلخ) فلو وقف على غيرها على أن ينفق عليها منه مدة حياته، أو يكون الريع لها مدَّة حياته، صح الوقف؛ لأن استثناء المنفعة لأم ولده كاستثنائها لنفسه.
قوله: (وملكٍ) اي: أو جنٍّ وشياطين.
قوله: (أصالة) أي: استقلالاً.

مِنْ أَهْلِ وَقْفٍ: مِنْ ثَمَرِ وَزَرْعِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُشْتَرٍ وَكَذَا مَنْ قَدِمَ إلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ خَرَجَ مِنْهُ إلَى مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ لِكُلِّ زَمَنٍ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ فَيَكُونُ لَهُ بِقِسْطِهِ أَوْ يَمْلِكُ لَا ثَابِتًا كَمُكَاتَبٍ الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا قوله: (من أهلِ وقف) أي: كان منهم، كما لو نصَّ عليه، أو كانوا قبيلة ونحو ذلك.
قوله: (من ثمر وزرع... إلخ) هذا ظاهرٌ في الثَّمر، وكذا في الزرع حيث كان موجوداً حال الوقف ودخل، فأما إذا حدث الزرع بعده، فإن كان البذر من مال الموقوف عليهم، فلا يستحق الحمل بوضعه منه شيئاً، إنما يستحق قدر نصيبه من المنفعة، وإن كان البذر من مال الوقف، فالظاهر: أنَّه كذلك، ولم أره صريحا، والله أعلم.
قوله أيضًا على قوله: (من ثمر وزرع ما يستحقُّه مشتر... إلخ) فيستحق من ثمر لم يتشقق، ومن أصول نحو بقل، بخلاف ثمرٍ تشقق، وزرع لا يحصد إلا مرة، فلا شيء له؛ لأنه لا يتبع أصله، بخلاف نحو الثمرة قبل التشقُّق؛ لأنها تتبع أصلها، فيستحقها مستحق الأصل.
قوله: (كمكاتب) وصحَّ وقفه.
كما تقدم.
قوله: (ناجزاً) أي: غير معلق، ولا مؤقت ولا مشروط بنحو خيار.

فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إلَّا بِمَوْتِهِ وَيَلْزَمُ مِنْ حِينِهِ وَيَكُونُ مِنْ ثُلُثِهِ وَشَرْطُ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ مَتَى شَاءَ أَوْ خِيَارٍ فِيهِ أَوْ تَوْفِيَتِهِ أَوْ تَحْوِيلِهِ مُبْطِلٌ قوله: (إلا بموته) كقوله: هذا وقف بعد موتي.
قوله: (ويلزم من حينه) أي: حين صدوره منه.
إن قيل: ما الفرق بينه وبين التدبير، مع أن كليهما تعليق بالموت، ومع ذلك التدبير لا يلزم من حينه؟ ! قلنا: قد أشار الإمامُ - رحمه الله تعالى- إلى الفرق بينهما؛ بأنَّ المدبر لا ينتقل الملك فيه إلى آدمي، بخلاف الوقف، فإنه ينتقل الملك فيه إلى الآدمي حقيقة أو حكما، فلزم في الوقف من حينه؛ لتعلق حق الآدمي به بخلاف التدبير.
قوله: (من ثلثه) لأنه في حكم الوصية، فيتوقف لزوم ما زاد على الثلث على إجازة الورثة، وأما قدر الثلث، فيلزم وقفُه من حينه.
قوله: (متى شاء) أي: أو شرط تغيير شرطه؛ لأن ذلك كله ينافي مقتضى الوقف.
قوله: (أو خيار فيه) أي: أبدًا، أو مدَّة معينة.
قوله: (أو توقيته... إلخ) فائدة: قال في «المغني».
وإن قال: هذا وقف على ولدي سنة، ثم على المساكين، صح، وكذلك إن قال: هذا وقف على ولدي مدة حياتي، ثم هو بعد موتي للمساكين، صحَّ، لأنه وقفٌ متصل الابتداء والانتهاء.
وإن قال: وقفٌ على المساكين، ثم على أولادي، صح، ويكون وقفاً على المساكين ويلغو قوله: على أولادي؛ لأن المساكين لا انقراض لهم.
قوله: (أو تحويله) يعني: إلى غير الموقوف عليه، أو عن الوقفية، بأن يجعله مطلقاً.

فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ لِلُزُومِهِ إخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ وَلَا فِيمَا عَلَى مُعَيَّنٍ قَبُولُهُ وَلَا يَبْطُلُ بِرَدِّهِ قوله: (ولا يشترط للزومه) أي: ولا لصحته بالطريق الأولى.
قوله: (عن يده) فيلزم بمجرد اللفظ، ويزول ملكه عنه.
قوله: (ولا - فيما على معين- قبوله) وغير المعين أحرى وكالعتق.
والفرق بينه وبين الهبة والوصية: أن الوقف لا يختص بالمعيَّن، بل يتعلَّق به حق من يأتي من البطون في المستقبل، فيكون الوقف على جمعيهم إلا أنه مرتب، فصار كالوقف على الفقراء.
قال ابن المنجا: وهذا الفرق موجود بعينه في الهبة.
انتهى.
قال منصور البهوتي: قلت: فيه نظر، فإن الوقف يتلقاه كل بطن من واقفه، والهبة تنتقل إلى الوراث من موريه، لا من الواهب.
انتهى.
وأقول: النظر ظاهرٌ، إن كان ابن المنجا يوافق على أن الوقف يتلقاه كل بطن من واقفه، لا إن كان ممن يقول: يتلقاه البطن الثاني من البطن الأول، وهكذا ما بعده يتلقاه من الذي قبلَه.
والمسألة ذاتُ وجهين، كما في «الفائق».
وبخطه أيضًا على قوله: (ولا، فيما على معين... إلخ) والأولى لمن وقف على نحو أولادِه أن يذكر في مصرفه جهةً تدوم، كالفقراء.
قوله: (ولا يبطل برده) يعني: كسكوته.

وَيَتَعَيَّنُ مَصْرِفُ الْوَقْفِ إلَى الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَوْ سَبَّلَ مَاءً لِلشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ ومُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ يُصْرَفُ فِي الْحَالِ قوله: (ويتعين مصرف الوقف... إلخ) قال في «الإقناع»: يجوز صرف الموقوف على بناء المسجد، لبناء منارته وإصلاحها، وبناء منبره، وأن يشتري من سُلَّم للسطح، وأن يبني منه ظلةٌ، لا في بناء مرحاض، وزخرفة مسجد، ولا في شراء مكانس، ومجارف.
قال الحارثيُّ: وإن وقف على مسجد أو مصالحه، جاز صرفه في نوع العمارة وفي مكانس، ومجارف، ومساحي، وقناديل، ووقود - قال في «شرحه»: بفتح الواو- كزيتٍ، ورزق إمام، ومؤذن، وقيِّم.
قوله: (فلو سبل ماء للشرب.. إلخ) وكذا إخراج حصر المسجد لمنتظر جنازة أو غيره.
قوله: (ومنقطع الابتداء) أي: فقط، كوقفه على من لا يجوز الوقف عليه، كعبدٍ، ثم على من يجوز، كأولاده والفقراء.
اعلم: أنَّ للوقف ست صفات: إحداها: متصل الإبتداء والانتهاء والوسط.
الثانية: منقطع الابتداء، متصل الوسط والانتهاء.
الثالثة: متصل الابتداء [والوسط]، منقطع الانتهاء، عكس التي قبلها.
الرابعة: متصل الابتداء والانتهاء، منقطع الوسط.
الخامسة: عكسها منقطع الطرفين، صحيح الوسط.
والوقف صحيح في الخمس كلها.

إلَى مَنْ بَعْدَهُ وَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ ولِآخَرَ بَعْدَ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ومَا وَقَفَهُ وَسَكَتَ إلَى وَرَثَتِهِ نَسَبًا عَلَى قَدْرِ والسادسةُ: منقطع الابتداء والوسط والآخر، مثل: أن يقف على من لا يصحُّ عليه ويسكت، أو يذكر ما لا يصح الوقف عليه أيضاً.
والوقف فيها غير صحيح.
ذكره منصور البهوتيُّ، رحمه الله تعالى.
قوله: (إلى من بعده) إن كان، وإلا بطل الوقفُ.
قوله: (وسكت) بأن قال: هذه الدار وقفٌ، ولم يسم مصرفاً.
قوله: (إلى ورثته نسبًا) يعني: لا نكاحًا أو ولاء.
قال ابن نصر الله في «حواشي الفروع»: هل المراد ورثته حين موته، أو حين انقطاع الوقف؟ وإذا صرف إليهم فماتوا، فهل ينتقل إلى ورثتهم، أم لا؟ فأما الأولى، ففي «الرعاية» ما يقتضي أنَّ المراد: ورثته حين انقطاع الوقف؛ لأنه قال: إلى ورثته إذن، أي: حين الانقطاع، وأما المسألة الثانية، ففي «شرح الخرقي» للزركشي: وحيث قلنا: يصرف إلى الأقارب، فانقرضوا، أو لم يوجد له قريب، فإنه يصرف إلى بيتِ المال؛ لأنه مال لا مستحق له، نص عليه أحمد في رواية إبراهيم وأبي طالب وغيرهما، وقطع به أبو الخطاب وأبو البركات، وقال ابن عقيل في «التذكرة» وصاحب «التلخيص»، وأبو محمد: يرجع إلى الفقراء والمساكين؛ إذ القصد بالوقف الصداقة الدائمة.
انتهى.
ولم يذكر إذا مات بعض الورثة، فهل يصرف

إرْثِهِمْ وَقْفًا وَيَقَعُ الْحَجْبُ بَيْنَهُمْ كَإرْثٍ فَإِنْ عَدِمُوا فلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَنَصُّهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَمَتَى انْقَطَعَتْ الْجِهَةُ وَالْوَاقِفُ حَيٌّ رَجَعَ إلَيْهِ وَقْفًا وَيَعْمَلُ فِي صَحِيحٍ وَسَطٍ فَقَطْ بِالِاعْتِبَارَيْنِ إلى من بقي، أم لا؟ والظاهر من كلامهم: أنه يصرف إلى ورثة الواقف إذ ذاك، وأنه إذا حدث للواقف وارث، فإنه يشارك الموجودين، كما في نظائره، والله أعلم.
قوله: (كإرث) أي: غنيهم وفقيرهم فيه سواء.
قوله: (ومتى انقطعت الجهة، والواقف حي... إلخ) فلو وقف على أولاده وأنسالهم أبدًا على أنَّ من توفي منهم عن غير ولد، رجع نصيبه إلى أقرب الناس إليه، فتوفي أحد أولاده عن غير ولد، والأب الواقف حي، فهل يعود نصيبه إليه؛ لكونه أقرب الناس إليه، أو لا؟ يخرج على ما إذا انقطعت الجهة.
قال العلامة ابن رجب: والمسألة ملتفتة إلى دخول المخاطب في خطابه.
انتهى.
فالصحيح رجوعه إليه، وجزم به الشيخ منصور في «شرحه».

وَيَمْلِكُهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فَيَنْظُرُ فِيهِ هُوَ أَوْ وَلِيُّهُ وَيَتَمَلَّكُ زَرْعَ غَاصِبٍ وَيَلْزَمُهُ أَرْشُ خَطَئِهِ وفِطْرَتُهُ وزَكَاتُهُ وَيُقْطَعُ سَارِقُهُ وَلَا يَتَزَوَّجُ مَوْقُوفَةً عَلَيْهِ وَلَا يَطَؤُهَا وَلَهُ تَزْوِيجُهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لِغَيْرِهِ وأَخْذُ مَهْرِهَا وَلَوْ لِوَطْءِ شُبْهَةٍ قوله: (ويملكه... إلخ) أي: يملك الوقف الموقوف عليه إن كان آدمياً معيناً، أو جمعا محصورًا كأولاده، وإلا انتقل الملك فيه إلى الله تعالى كالوقف على المساجد، والمدراس، والفقراء، والغزاة، ونحو ذلك.
فتدبر.
قوله: (فينظر فيه هو) أي: إن كان مكلفًا رشيدًا.
قوله: (ويتملك زرع غاصب) أي: بنفقته.
قوله: (ويلزمه أرش خطئه) وكذا عمد يوجب المال، أو عفا ولي الجناية عليه، فلا يتعلق برقبته.
قوله: (وفطرته.. إلخ) وأما إذا اشترى عبدًا من غلة الوقف لخدمة الوقف، فإن الفطرة تجب قولا واحدًا؛ لتمام التصرف فيه.
قاله أبو المعالي.
منصور البهوتي.
قوله: (ويقطع سارقه) أي: الموقوف على معيَّن، وسارق نمائه.
قوله: (موقوفة عليه) فلو وقفت عليه زوجتُه، انفسخ النِّكاح للملك.
قوله: (ولا يطؤها) يعني: ولو أذن واقف.
قوله: (ولو لوطء شبهةٍ) أي: او زناً.
وهذه كلُّها فوائد القول بأن الموقوف عليه المعين يملك الوقف، وكذا النفقة عليه، وتأتي.

وَوَلَدُهَا مِنْ شُبْهَةٍ حُرٌّ وَعَلَى وَاطِئٍ قِيمَتُهُ تُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ ومِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا وَقْفٌ وَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ بِوَطْئِهِ وَوَلَدُهُ حُرٌّ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ تُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ وَتُعْتَقُ بِمَوْتِهِ وَتَجِبُ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ يَشْتَرِي بِهَا وبِقِيمَةٍ وَجَبَتْ بِتَلَفِهَا أَوْ بَعْضِهَا مِثْلُهَا أَوْ شِقْصٌ يَصِيرُ وَقْفًا بِالشِّرَاءِ قوله: (حر) يعني: ولو كان الواطيء رقيقا إن اشتبهت عليه بمن ولده منها حرٌّ؛ لاعتقاده حريَّته.
قوله: (في مثله) أي: يكون وقفًا مكانه.
قوله: (وقْف) أي: تبعًا لأمه وعلى قياسه ولد بهيمة، وودي النخل، فيكون وقفا لا غلة؛ لأنه بالأصل أشبه.
فتأمل.
قوله: (وولده حر) أي: الموقوف عليه من الموقوفة؛ للشبهة.
قوله: (وعليه قيمته) أي: يوم وضعه حيَّاً؛ لتفويته رقه على من يؤول إليه الوقف بعد.
قوله: (تصرف في مثله) أي: في قن مثله؛ لأنها بدله.
قوله: (وتعتق بموته) لأنها صارت أم ولده؛ لولادتها منه، وهو مالكها.
قوله: (في تركته) إن كانت؛ لأنه أتلفها على من بعده من البطون.
قوله: (مثلها) يكون وقفًا مكانها.
قال الحارثي: اعتبار المثلية في البدل المشترى بمعنى: وجوب الذكر في الذكر، والأنثى، والكبير في الكبير، وسائر الأوصاف التي تتفاوت الأعيان بتفاوتها، لا سيَّما الصناعة المقصودة في الوقف، والدليل على الاعتبار أن الغرض جبرانُ ما فات، ولا يحصل بدون ذلك.
وإن وطئها الواقف،

وَلَا يَصِحُّ عِتْقُ وَإِنْ قُطِعَ فَلَهُ الْقَوَدُ وَإِنْ عَفَا فَأَرْشُهُ فِي مِثْلِهِ وَإِنْ قُتِلَ وَلَوْ عَمْدًا فقِيمَتُهُ وَلَا يَصِحُّ عَفْوُ عَنْهَا وقَوَدًا بَطَلَ الْوَقْفُ وَلَا إنْ قُطِعَ وَيَتَلَقَّاهُ كُلُّ بَطْنٍ عَنْ وَاقِفِهِ فَإِذَا امْتَنَعَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدٍ لِثُبُوتِ الْوَقْفِ فَلِمَنْ بَعْدَهُمْ الْحَلِفُ وجب المهر للموقوف عليه، ووجب الحدُّ، والولد رقيقٌ، مالم نقل ببقاء ملكه.
ذكره الحارثي.
قلت: الظاهر: عدم وجوب الحد؛ لشهة الخلاف في بقاء ملكه.
ذكره منصور البهوتي.
قوله: (ولا يصح عتق موقوف) بحال، ولو أعتق بعضه الطلق لم يسر بالأولى.
قوله: (فله القود) أي: للرقيق.
قوله: (وإن عفا) يعني: أو كان القطع لا يوجب قودًا؛ لعدم المكأفاة، أو لكونه خطأ أو جائفة، ونحوه.
قوله: (ولا يصح عفو عنها) يعني: ولو قلنا: إنه يملكه؛ لأنه لا يختص به.
قوله: (وقودا) أي: بأن قتل مكافئا عمدا، فقتله، وكالمقتول قصاصاً.
قوله: (بطل الوقف) كما لو مات حتف أنفه.
قوله: (عن واقفه) لا عمَّن قبله.
قوله: (فإذا امتنع البطن الأول) يعني: أو من بعده حال استحقاقهم.
قوله: (فلمن بعدهم الحلف) ولو قبل استحقاقهم للوقف.
منصور البهوتي.
وعلم منه: أنهم لا يستحقونه بالحلف، بل بعد انقراض من قبلهم؛ ففائدة ذلك

وَأَرْشُ جِنَايَةِ وَقْفٍ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ خَطَأٌ فِي كَسْبِهِ فَصْلٌ وَيُرْجَعُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ إلَى شَرْطِ وَاقِفٍ وَمِثْلُهُ اسْتِثْنَاءٌ ومُخَصَّصٌ مِنْ صِفَةٍ وعَطْفِ بَيَانٍ وتَوْكِيدٍ وبَدَلٍ عدم صحة تصرف من بيده الوقف فيه ببيعٍ، ونحوه.
وحيث ثبت الوقف بالحلف المذكور، فإن الريع يكون ملكاً للبطن الأول، لأنه يدخل في ملكهم قهراً كالإرث؛ بدليل أنه لا يبطل برده.
فتأمل.
قوله: (وأرش جناية... إلخ) مبتدأ مضاف.
قوله: (وقف) أي: رقيق موقوف.
قوله: (على غير معيَّن) كالمساكين.
قوله: (خطأً) حال.
قوله: (في كسبه) خبره، أي: لا في رقبته.
قوله: (ويرجع) أي: في أمور الوقف.
قوله: (إلى شرط واقفٍ) كشرطه لزيد كذا، ولعمرو كذا، ونحو ذلك.
قوله: (ومثله) أي: مثل الشرط الصريح في وجوب الرجوع إليه.
قوله: (وعطف بيان) هو: التابع الجامد الموضع لمتبوعه، أو المخصص له، كعلى ولدي أبي محمد عبد الله، وفي أولاده من كنيته أبو محمد غير عبد الله، فلا يدخل في الوقف.
قوله: (وتوكيد) بمعنى مؤكد، وهو: التابع الرافع لاحتمال إرادة المجاز، كوقفه على أولاد زيد نفسه، فلا يدخل فيه أولاد أولاده.
قوله: (وبدل) فلو قال: وقفت على ولدي فلان وفلان، ثم الفقراء، لم يشمل ولد ولده.
فمن له أربعة أولادٍ وقال: وقفت على ولدي فلان وفلان وفلان، وعلى أولاد أولادي،

وَنَحْوِهِ وجَارٌّ نَحْوُ عَلَى أَنَّهُ وَبِشَرْطِ أَنَّهُ وَنَحْوُهُ فَلَوْ تَعَقَّبَ جُمَلًا عَادَ إلَى الْكُلِّ وفِي عَدَمِ إيجَارِهِ أَوْ قَدْرِ مُدَّتِهِ وفِي قِسْمَتِهِ وتَقْدِيمِ بَعْضِ أَهْلِهِ كَعَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ وَيَبْدَأُ بِالدَّفْعِ إلَى زَيْدٍ، أَوْ عَلَى طَائِفَةِ كَذَا وَيَبْدَأُ بِالْأَصْلَحِ وَنَحْوِهِ وتَأْخِيرٍ عَكْسُهُ وتَرْتِيبٍ كَجَعْلِ اسْتِحْقَاقِ بَطْنٍ مُرَتَّبًا عَلَى دخل الثلاثة المسمون فقط، وأولاد الأربعة؛ لأنه أبدل بعض الولد، وهو فلان وفلان وفلان من اللفظ المتناول للجميع: وهو: ولدي.
وبدل البعض يوجب الحكم به، ويتعين من جهةِ الإعرابِ قطع البدل في هذه الحالةِ.
قال في «التسهيل»: وما فصل به مذكور، وكان وافياً، ففيه البدلُ والقطعُ، وإن كان غير واف، تعين قطعه إن لم ينو معطوف محذوف.
انتهى.
وهذه فائدة جليلة، فلتحفظ، والله الموفق.
قوله: (ونحوه) أي: كالغاية، كعلى أولادي حتى يبلغوا، أي: ثم هو على المساكين مثلا، وإلا كان معلق الانتهاء، وهو باطل.
والإشارة بلفظ «ذلك»، والتمييز.
قوله: (ونحوه) أي: نحو: لكن إن كان كذا، فكذا.
قوله: (فلو تعقَّب) يعني: الشرط ونحوه.
قوله: (وتأخيرٍ عكسُه) أي: عكس التقديم، كعلى أولادي، يعطى منهم أولا ما سوى فلانٍ كذا، ثم ما فضل لفلان.

آخَرَ فَالتَّقْدِيمُ بَقَاءُ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْمُؤَخَّرِ عَلَى صِفَةٍ إنَّ لَهُ مَا فَضَلَ وَإِلَّا سَقَطَ وَالتَّرْتِيبُ عَدَمُهُ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ وفِي إخْرَاجِ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ أَوْ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ قوله: (ما فضل) أي: عن مقدر ما قبله، ومنه تعلم: أنَّه لا بد من تقدير ما يعطاه المقدم.
وصرح به في «الإقناع».
قوله: (مع وجود المقدَّم) يعني: كلا، أو بعضاً.
قوله: (من أهل الوقف) أي: مطلقاً.
ومعني الإخراج والإدخال بصفة: جعل الاستحقاق والحرمان مرتبًا على وصف.
ولو وقف على أولاده؛ وشرط أن من تزوج من البنات، فلا حق لها، أو على زوجته ما دامت عازبة، صح.
كما في «الإقناع».
قوله: (أو بصفة) أي: كإخراج من تزوجت من بناته.
قال في «الحاشية»: هكذا مثلوا، وانظر: هل يعارض ما نقلته عن صاحب «الإنصاف»؟.
انتهى.
وأشار بقوله: ما مر... إلخ إلي ما نقله عن صاحب «الإنصاف» عند قول المصنف في الوقف على الذمي: (ويستمر له إذا أسلم، ويلغو شرطه ما دام كذلك) فإنه ذكر هناك نقلا عن «الإنصاف»: أنه لو وقف على امرأةٍ ما دامت عزباء، كان اشتراط العزوبية باطلا؛ لأن الوصف ليس قربة.
انتهى بمعناه.
وأقول: يمكن حمل كلام «الإنصاف»

مِنْهُمْ أَوْ بِصِفَةٍ لَا إدْخَالِ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَشَرْطِ تَغْيِيرِ شَرْطٍ وفِي نَاظِرِهِ وإنْفَاقٍ عَلَيْهِ وسَائِرِ أَحْوَالِهِ كَأَنْ لَا يَنْزِلَ فِيهِ فَاسِقٌ وَلَا شِرِّيرٌ وَلَا مُتَجَوَّه وَنَحْوُهُ وَإِنْ خَصَّصَ مَقْبَرَةً أَوْ رِبَاطًا أَوْ مَدْرَسَةً أَوْ إمَامَتَهَا بِأَهْلِ مَذْهَبٍ أَوْ بَلَدٍ أَوْ بِقَبِيلَةٍ تَخَصَّصَتْ لا الْمُصَلِّينَ وَلَا الْإِمَامَةِ بِذِي مَذْهَبٍ مُخَالِفٍ لِظَاهِرِ السُّنَّةِ على ما إذا أراد الواقف بقوله: ما دامت عزباء: منعها من التزوج، وتركها لما هو قربة من القربات، فيبطل اشتراطه ذلك.
وحمل ما ذكروه هنا ومثلوا به على ما إذا أراد الواقف الرفق بمن فارقها زوجها، وصارت عزباء في مظنة الحاجة، وعدم قيام أحدٍ بمؤنتها، بخلاف ما إذا تزوَّجت واستغنت بزوجها، فحينئذ لم يشترط العزوبية من حيث إنها ترك للنكاح، بل من حيث إنها مظنة الحاجة.
وهذا ظاهرٌ لا شبهة فيه إن شاء الله تعالى، فلا تعارض بين الكلامين.
فتأمل بالإنصاف.
قوله: (لا إدخال من شاء من غيرهم) أي: ولا يصح الوقف أيضاً.
قوله: (كشرطه) أي: لنفسه أو للناظر بعده.
قوله: (تغيير شرط) فلا يصح الشرط، ولا الوقف؛ لأنه شرط ينافي مقتضى الوقف فأفسده، وكما لو شرط أن لا ينتفع به، فيفسد الوقف.
قوله: (وإنفاق عليه) أي: بأن يقول: ينفق عليه، أو يعمَّر من جهة كذا.
قوله: (ونحوه) أي: كذي بدعة.
قوله: (لا المصلين) أي: لا تتخصص بهم، بل لكل أحد الصلاة فيها.
قوله أيضا على قوله: (لا المصلين) عطف على قوله: (مقبرة) أي: لا إن خصص

وَلَوْ جُهِلَ شَرْطُهُ عُمِلَ بِعَادَةٍ جَارِيَةٍ ثُمَّ بِعُرْفٍ فَالتَّسَاوِي فَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ نَاظِرًا فلِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمَحْصُورِ، المصلين، ولا إن خصص الإمامة... إلخ.
قوله: (ولو جهل شرطه... إلخ) بأن ثبت الوقف دون الشرط في قسمته بينهم.
واعلم: أنه إذا جهل شرط الواقف، وأمكن التآنس بصرف من تقدم ممن يوثق به، رجع إليه؛ لأنه أرجح بما عداه، والظاهر: صحَّة تصرُّفه ووقوعه على الوقف، فإن تعذر وكان الوقف على عمارة، أو إصلاح، صرف بقدر الحاجة، إن كان على قوم، عمل بعادة جارية... إلخ.
قوله: (جارية) أي: مستمرة إن كانت ببلد الواقف.
قوله: (ثم عرف) مستمر في الوقف في مقادير الصَّرف، كفقهاء المدارس.
قوله: (فإن لم يشرط ناظرًا) أي: أو شرطه لمعين فمات، أو عزل نفسه.
وإن شرط النظر للأفضل من أولادِه، فأبى القبول، انتقل إلى من يليه، فإن تعيَّن أحدهم أفضل، ثم صار فيهم من هو أفضل منه، انتقل إليه، فإن استوى اثنان، اشتركا في النظر.
قوله أيضًا على قوله: (فإن لم يشرط ناظرًا) فلو قال الواقف: النظر لزيد، فإن مات فلعمرو، فعزل زيد نفسه، أو فسق، وقلنا: ينعزل، فكموته؛ لأن تخصيص الموت خرج مخرج الغالب، والصحيح: أنه لا ينعزل، كما يأتي، فلا مفهوم له.
هذا معنى ما في «الإقناع».
قال في «شرحه»: وإن أسقط حقه من النظر لغيره، فليس له ذلك؛ لأنه إدخال في الوقف لغير أهله، فلم

كُلٌّ عَلَى حِصَّتِهِ وَغَيْرُهُ كَعَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ لِحَاكِمِ وَمَنْ أَطْلَقَ النَّظَرَ لِلْحَاكِمِ شَمِلَ أَيَّ حَاكِمٍ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَ حَاكِمِ الْبَلَدِ زَمَنَ الْوَاقِفِ أَمْ لَا يملكه، وحقه باق، فإن أصر على عدم التصرف، انتقل إلى من يليه، كما لو عزل نفسه، فإن لم يكن من يليه، أقام الحاكم مقامه، كما لو مات.
هذا ما ظهر لي، ولم أره مسطورًا، وقد عمَّت البلوى بهذه المسألة.
انتهى ما ذكره رحمه الله تعالى.
قوله: (كل على حصَّته) أي: من جائز التصرُّف، وولى غيرهم.
قوله: (وغيره) أي: غير الموقوف على محصور.
وقوله: (غيره) مبتدأ، خبره (لحاكم) على حذف مضاف، والتقدير: ونظر غير الوقف على محصور، كعلى مسجدٍ، ومدرسةٍ، ومساكين - لحاكم.
قوله: (لحاكم) أي: فلم يقيد بكونه شافعياً، أو حنفياً، ونحوه.
قوله: (شمل) أي: لفظ: الحاكم (أي حاكمٍ كان).
قاله الشخ تقي الدين.
وإن شرط النظر لحاكم المسلمين كائناً من كان فتعدد الحاكم، فأفتى الشيخ نصر الله الحنبلي، والشيخ برهان الدين ولد صاحب «الفروع»: أن النظر فيه للسلطان يوليه من شاء للمتأهلين لذلك.
منصور البهوتي.
ولعلَّ مرادهما: مع المشاحة من الحكام،

وَلَوْ فَرَضَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ لِ آخَرَ نَقْضُهُ وَلَوْ وَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا النَّظَرَ شَخْصًا قَدَّمَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَحَقَّهُمَا وإلا فلكل النظر على انفرادٍ.
وإذا بدأ أحدهم، ففوَّضه لأهل، لم يجز للباقين نقضه.
هذا الذي يتمشى على عبارة المتن، والله أعلم.
قوله: (ولو فوضه حاكم... إلخ) قال المصنف في «شرحه»: ولعل وجهه أن الأصحاب قاسوا التفويض على حكم الحاكم قبله.
انتهى.
مع أنهم ذكروا أن للحاكم النَّصب والعزل؛ لأصالة ولايته كما يأتي، إلا أن يحمل ما هنا على ما إذا تعدَّدت الحكام، وما يأتي على ما إذا لم يكن إلا حاكم واحد، بقرينة السياق، أو يقال: النصب - أي: الآتي ذكره - بمعنى: التوكيل والتفويض - أي: المذكور هنا - إسناده إليه على وجه الاستقلال بالنظر فيه؛ لكونه مصلحة من مصالح الوقف، فهو بمنزلة التقرير في الوظائف، وبمنزلة نصب الإمام قاضياً، أو والياً، كما ذكروا أنَّه وكيلٌ عن المسلمين، لا عن الإمام.
وكما يأتي في القضاء: إذا نصب القاضي قيِّماً، لم ينعزل بعزله مع أهليَّته.
ذكره منصور البهوتي رحمه الله تعالى.
قوله: (كلٌّ منهما) أي: من حاكمين أو حكام، قدم وليُّ الأمر أحقهما، أو أحقهم.
قوله: (شخصًا) لعله في آن واحد، أو جهل سابقٌ، وإلا تعين الأول؛ لوقُوعه في محله، ولذلك لم بملك الثاني نقضه.
ثم هل يؤمر الحاكم - الذي ولى غيره ولاء - بعزله؛ لاحتمال سبق توليته، أم لا؟ قوله: (قدم ولي الأمر) أي: السلطان.

فَصْلٌ وَشُرِطَ فِي نَاظِرٍ إسْلَامٌ وتَكْلِيفٌ وكِفَايَةٌ لِتَصَرُّفٍ وَخِبْرَةٌ بِهِ فصل في مسائل من أحكام الناظر قوله: (في ناظرٍ) أي: مطلقًا.
قوله: (إسلام) إن كان الوقف على مسلم، أو جهة من جهاتِ الإسلام، كمسجدٍ، ونحوِه.
فلو كان الوقف على كافر معيَّن، جاز شرط النظر فيه لكافرٍ، كما لو وقف على أولادِه الكفار، وشرط النَّظر لأحدهم، أو غيرهم من الكفَّار، فيصح كما في وصية الكافر لكافر على كافر.
أشار إليه ابن عبد الهادي وغيرُه.
نقله منصور البهوتي.
والحاصل: أنه إذا كان الوقف على مسلم، أو جهة الإسلام فلا بد أن يكون الناظر مسلمًا.
قوله أيضا على قوله: (وشرط في ناظر: إسلام) يعني: بشرطين: كون الجهة جهة إسلام أو المعين مسلمًا، وكون الناظر أجنبيًا، كما يعلم من «شرح» المصنف، ويفهم من كلام «المتن» الآتي أيضًا.
قال في «شرحه» هنا: وشرط في ناظر مطلقًا... إلخ.
وكأنه أراد به، سواء كانت ولايته من واقف، أو حاكم حيث كان أجنبيًا، كما أشرنا إليه، وإنما قيَّدناه بذلك؛ لأن المصنف قال في شرح قوله: (وإن كان

وَقُوَّةٌ عَلَيْهِ وَيُضَمُّ لِضَعِيفٍ قَوِيٌّ أَمِينٌ وفِي أَجْنَبِيٍّ وِلَايَتُهُ مِنْ حَاكِمٍ لموقوفٍ عليه بجعله له، أو لكونه أحق، لعدم غيره، فهو أحق مطلقا) ما نصه: أي سواء كان عدلا، أو فاسقًا، ويشمل الإطلاق المسلم والكافر.
انتهى.
وهذا معنى ما نقله المصنف في «شرحه» عن «المغني» واستظهره.
فتأمل.
قوله: (وقوة عليه) أي: لا ذكوريَّة وعدالة.
قوله: (ويضم لضعيف... إلخ) أي: يضمه الحاكم، سواء كان على معين، أو غيره.
وهل شرطه إذا كان المضموم متبرعًا، أو لا؟ وهل يفرَّق بين الوقف على معين، أو غيره؟ الظاهر: أنه إذا كان على غير معين، جاز ولو بجعل للحاجة، وكذا إن كان على معين ورضي بذلك.
وإذا ضم إليه القوي، فالناظر الأول، غير أنه لا يتصرف إلا بإذنه، يعني: وسواء كان ناظراً بشرط، أو موقوفا عليه.
ويضم- أيضاً - إلى الفاسق عدل.
فائدة: إذا شرط لناظرٍ عوضٌ معلوم، فإن كان بقدر أجرِ المثل، اختص به، وكان ما يحتاج إليه الوقف - من أمناء وغيرهم - من غلة الوقف، وإن كان المشروط أكثر مما يحتاج إليه الوقف - من أمناء وغيرهم- من غلة الوقف، وإن كان المشروط أكثر مما يحتاج إليه الوقف- من أمناء وعمال عليه - يصرفها من الزيادة حتى يبقى له أجرُ المثل، إلا أن يكون الواقف شرطه له خالصاً.
ذكر معنى ذلك صاحب «الإقناع»، رحمه الله.

أَوْ نَاظِرٍ عَدَالَةً فَإِنْ فَسَقَ عُزِلَ ومِنْ وَاقِفٍ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ فَسَقَ يُضَمُّ إلَيْهِ أَمِينٌ وَإِنْ كَانَ لِمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ لَهُ أَوْ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ لِعَدَمِ غَيْرِهِ فَهُوَ أَحَقُّ مُطْلَقًا وَلَوْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ لِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ عَزْلُهُ بِلَا شَرْطٍ وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ أَوْ فَوَّضَهُ إلَيْهِ فَلَهُ عَزْلُهُ قوله: (أو ناظرٍ) أي: أصلي، أو لا، وجاز للوكيل أن يوكِّل.
قوله: (عدالة) أي: ولو ظاهرًا.
محمد الخلوتي.
قوله: (عزل) أي: انعزل.
قوله: أيضًا على قوله: (عزل) الظاهر: أنه لا ينعزل بمجرَّد الفسق.
شيخنا محمد الخلوتي.
أقول: بل المفهومُ من «شرح» المصنف: أنه ينعزل بمجرد الفسق.
فتأمل.
ونقل عن «المغني» ما يدل على ذلك.
قوله: (يضم إليه أمين) يعني: ولم ينعزل، وفيه ما تقدَّم في الضعيف.
وهل إذا قوي الضعيف، أو زال الفِسقُ ينعزل المضموم، أو يُعزلُ، أو لا؟ الظَّاهر: الأول.
قوله: (مطلقًا) أي: عدلاً كان أو فاسقاً، رجلاً أو امرأة، رشيدًا أو محجورًا عليه، بل ظاهره: ولو كافرًا.
قوله: (ثم جعله لغيره... إلخ) الفرق بين الصيغ الثلاث لفظيٌّ، يعني: أن قوله: جعلت النَّظر لفلان، أو أسندته إليه، أو فوَّضته إليه،

وَلِنَاظِرٍ بِأَصَالَةٍ مؤدى الجميع واحد، وحكمها واحد، وهو: أنَّ له عزله؛ لأنه نائب عنه، بخلاف مالو شرطه لغيره ابتداءً، فليس له عزله؛ لأنه إذا لم يشترط لنفسه النظر، فبفراغه من الوقف وشروطِهِ قد خرج عن ملكه، وانقطعت علقه منه، وصار الواقف أجنبياً.
قوله: (ولناظر بأصالة... إلخ) فلو شرط الوقف النظر للحاكم، أو الموقوف عليه، فهل يمتنع التوكيل حيث لا يجوز للوكيل نظرًا للشرط، أو يجوز له، نظرا لأصالة ولايته لولا الشرط؟ قال منصور البهوتي: لم أر من تعرَّض له، لكن ما صحَّحوه في الوكالة من عدم انفساخ الإجارة بموته نظرا للشرط يؤيد الأول.
وفي «شرح الإقناع»: لكن لو كان الموقوف عليه هو المشروط له، فالأشبه أن له النَّصب، لأصالة ولايته؛ إذ الشرط كالمؤكد لمقتضى الوقف عليه.
انتهى، والله أعلم.
فائدة: ما بناه أهل الشوارع والقبائل من المساجد، فالإمامة لمن رَضُوا به، لا اعتراض للسلطان عليهم، وليس لهم بعد الرضا به عزله؛ لرضاهم به كالولاية، مالم يتغير حاله بنحو فسق، أو ما يمنع الإمامة.
وليس له أن يستنيب إن غاب؛ لأن تقديم الجيران له ليس ولاية، وإنما قدم، لرضاهم به، ولا يلزم من رضاهم به الرضى بنائبه، كما في الوصي بالصلاة على ميت، بخلاف من ولاه الناظر، أو الحاكم؛ لأنَّ الحق صار له بالولاية، فجاز أن يستنيب، فمتى غاب ولاه السلطان، أو نائبه في الجوامع الكبار،

كَمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ وَحَاكِمٍ نُصِّبَ وَعُزِلَ فنائبه أحق، ثم لم يكن نائب من رضيه أهلُ المسجد؛ لتعذر إذنه.
قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: لو عُطِّل مغل مسجد سنة، قسطت الأجرة المستقبلة على السنة التي تعطل مغلها، وعلى السنة الأخرى التي لم يتعطل مغلها؛ لتقوم الوظيفةُ فيهما، فإنَّه خير من التعطل.
قوله: (كموقوف عليه) أي: معيَّن.
قوله: (وحاكمٍ) أي: فيما على غير معين، كالفقراء.
قوله: (وعزل) يعني: أن الناظر الأجنبي - وهو غير الموقوف عليه - إذا كانت ولايته من ناظر جعل له ذلك، أو بدونه حيث جاز للوكيل التوكيل، أو كانت ولايته من حاكم، فإنه لا بدَّ من عدالته، فإذا فسق انعزل، ولا يتوقف على عزلٍ، كما يفهم من «شرح» المصنف حيث قال: لأنها ولاية على حقِّ غيره، فنافاها الفسق.
ونقل عن «المغني» ما يدل على ذلك أيضاً، فإنه عنه في ناظر ولايته من الواقف وهو فاسق، أو فسق ما نصه: ويحتمل أن لا تصح توليته، وأنه ينعزل إذا فسق في أثناء ولايته؛ لأنها ولاية على حقِّ غيره، فنافاها الفسق، كما لو ولاه الحاكم.
انتهى.
فعلَّل عدم الصحة والانعزال بما علل به «شرح» الشيخ محمد الخلوتي، وجعل من ولاه الحاكم أصلا في ذلك، فقضيته أنه لا خلاف فيه.
فتدبر.

لَا نَاظِرٍ بِشَرْطٍ وَلَا يُوصِي بِهِ بِلَا شَرْطِ وَلَوْ أَسْنَدَ لِاثْنَيْنِ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا بِلَا شَرْطِ وَاقِفٍ وَإِنْ شَرَطَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ التَّصَرُّفَ لِوَاحِدٍ والْيَدَ لِآخَرَ أَوْ عِمَارَتَهُ لِوَاحِدٍ وتَحْصِيلَ رِيعِهِ لِآخَرَ صَحَّ وَلَا نَظَرَ لِحَاكِمٍ مَعَ نَاظِرٍ خَاصٍّ لَكِنْ لَهُ النَّظَرُ الْعَامُّ فَيُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ وَلَهُ ضَمُّ أَمِينٍ قوله: (لا ناظر بشرط) يعني: أجنبي.
وإن مات ناظر بشرط في حياة واقفٍ، لم يملك الواقف نصب غيره مطلقًا بدون شرط.
منصور البهوتي.
قوله: مطلقًا، أي: سواء كان على معين أو غيره.
قوله أيضا على قوله: (لا ناظرٍ بشرط) عمومه يشمل الواقف إذا شرط النظر لنفسه وأطلق وهو يخالف ما قدمه، إلا أن يحمل الأول على ما إذا شرط ذلك لنفسه.
قوله: (بلا شرط) أي: بلا شرط واقفٍ؛ لأن للناظر النصب، والعزل، والوصية به، فإذا شرطه له، ملكه.
قوله: (لم يصح تصرف... إلخ) فإن لم يوجد إلا واحدٌ، أو أبى أحدهما، أو مات، أقام الحاكم مقامه آخر.
قوله: (مع ناظر خاص) أي: ليس استحقاقه من جهة الحاكم، بخلاف ما لو عين الحاكم له ناظرًا، فإن له النظر معه، كما يعلم مما تقدم في قوله: (ولناظر بأصالةٍ كوقوف عليه وحاكم نصب وعزل)، وقد قال هنا: (وله ضم أمين... إلخ) فعلم: أنه لو كان من قبله، لما احتاج إلى ضم أمينٍ، بل له عزله مطلقًا.
فتدبر.
قوله أيضًا على

مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ وَلَا اعْتِرَاضَ لِأَهْلِ الْوَقْفِ عَلَى أَمِينٍ وَلَهُمْ الْمُطَالَبَةُ بِانْتِسَاخِ كِتَابِ الْوَقْفِ وَلِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ بِلَا إذْنِ حَاكِمٍ لِمَصْلَحَةٍ كَشِرَائِهِ لِلْوَقْفِ نَسِيئَةً أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ وَعَلَيْهِ نَصْبُ مُسْتَوْفٍ لِلْعُمَّالِ الْمُتَفَرِّقِينَ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ أَوْ لَمْ تَتِمَّ مَصْلَحَةٌ إلَّا بِهِ فَصْلٌ وَوَظِيفَتُهُ حِفْظُ وَقْفٍ وَعِمَارَتُهُ وَإِيجَارُهُ وَزَرْعُهُ وَمُخَاصَمَةٌ فِيهِ وَتَحْصِيلُ رِيعِهِ مِنْ أُجْرَةٍ أَوْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ وَالِاجْتِهَادُ فِي تَنْمِيَتِهِ وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَإِصْلَاحِ وَإِعْطَاءُ مُسْتَحِقٍّ وَنَحْوِهِ قوله: (مع ناظر خاص) أي: حاضرٍ، وإلا جاز له التقدير.
قوله: (مع تفريطه) ومتى فرط سقط ما له من المعلوم بقدر ما فوته من الواجب عليه، فيوزع ما قدر له على ما عمل ومالم يعمله، ويسقط مالم يعمله.
قوله: (على أمين) أي: ولاه الواقف.
قوله: (أو لم يعينه) أي: بنقد لم يعينه... إلخ.
قوله: (وعليه) أي: على الناظر حاكمًا كان أو غيره.
قوله: (ووظيفته) أي: الناظر مطلقاً، أي ناظر كان، بشرط، أو استحقاق، أو لا.
قوله: (في جهاته) أي: بما يحصل به تنميته.
قوله: (وإعطاء مستحق... إلخ) ويقبل قول الناظر المتبرع في دفع لمستحق، وإن لم

وَلَهُ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ والتَّقْرِيرُ فِي وَظَائِفِهِ يكن متبرعًا، فلا بدَّ من بينة، كما تقدم في الوكالة.
قال في «شرح الإقناع»: ولا يعمل بالدفتر الممضي منه - المعروف في زمننا بالمحاسبات - في منع مستحق ونحوه، إذا كان بمجرد إملاء الناظر والكاتب على ما اعتبر في هذه الأزمنة، وقد أفتى به غير واحد في عصرنا.
انتهى.
قوله: (والتقرير في وظائفه) قال الحارثي: ومتى امتنع من نصب من يجب نصبه، نصَّبه الحاكم، كما في عضل الولي في النكاح.
انتهى.
قال منصور البهوتي قلت: وكذا لو طلب جعلا على النصب.
انتهى.
لكن لا يقرِّر نفسه في وظائفه، وكذا لا يجوز مع كونه ناظرًا أن يكون شاهد الوقف، ولا مباشرًا فيه، ولا أن يتصرَّف بغير مسوغ شرعي، أفتى بكلِّ ذلك ابن المصنف الموفق، ووافقه من حنفية عصره النور المقدسي، ومن الشافعية الشمس الرملي.
وأقول: يزاد على ذلك فيما يظهر أنه لا يجوز له تقرير من لا تقبل شهادته له؛ لأنهم كهو، ولذلك لا تصح إجارته لنفسه، ولا لهم، كما تقدَّم.
فتأمل.

وَمَنْ قُرِّرَ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ حَرُمَ صَرْفُهُ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ وَلَوْ أَجَّرَهُ نَاظِرٌ بِأَنْقَصَ وَضَمِنَ النَّقْصَ قوله: (ومن قرر على وفق الشرع... إلخ) من ذلك لو فوض حاكم النظر لمن يستحقه؛ لوصف فيه، كما لو شرطه للأرشد، أو الأفضل من بنيه، أو غيرهم، فأثبت أحدهم ذلك الوصف وفوضه إليه، أو شرط الواقف أن الحاكم يولِّيه من شاء، ففوَّضه لشخص، فإنه لا يجوز له ولا لغيره من الحكام نقض هذا التفويض؛ لأنه نقض للحكم مالم يتغير الوصفُ، كما لو صار غيره أرشد منه، أو أفضل، فإنه يفوضه إليه؛ لوجود الشرط فيه.
والحاصل: أنه يحرم على الناظر، وعلى غيره صرف المقرر، وله أن يستنيب كما لو أستأجره ليخيط له ثوبًا.
فيؤخذ منه: أنه لو قال في شرطه: أن يكون الإمام فلاناً وأن يؤم بنفسه، أنه لا يجوز له أن يستنيب إلا إن تعذرت عليه الإمامة بنفسه، كما ذكره ابن نصر الله.
قوله: (بلا موجب) بكسر الجيم، أي: مقتض - لا بفتحها - لأنه بمعنى الأثر المترتب على الشيء وهو غير مراد هنا.
شخنا محمد الخلوتي.
وليس منه النيابة في نحو إمامة وغلق باب؛ فإنها جائزة، ولو نهى الواقف عنه، كما في «الإقناع» و «شرحه»، إذا كان النائب أهلا.
قوله: (وضمن النَّقص) أي: إن كان المستحق غيره.

الْمُنَقِّحُ: أَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى فِيمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِ وَحْدَهُ فَهُوَ لَهُ مُحْتَرَمٌ وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا أَوْ لَهُ النَّظَرُ فَقَطْ فغَيْرُ مُحْتَرَمٍ وَيَتَوَجَّهُ إنْ أَشْهَدَ وَإِلَّا فلِلْوَقْفِ وَلَوْ غَرَسَهُ لِلْوَقْفِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ فوَقْفٌ.
وَيَتَوَجَّهُ فِي غَرْسِ أَجْنَبِيٍّ أَنَّهُ لِلْوَقْفِ بِنِيَّتِهِ قوله: (محترمٌ) أي: فليس لأحد طلبه بقلعه؛ لملكه له ولأصله.
قال منصور البهوتي: قلت: فلو مات وانتقل الوقف لغيره، فينبغي أن يكون كغرس وبناء مستأجر انقضت مدته.
قوله: (وإن كان شريكاً) بأن كان الوقف عليه وعلى غيره.
قوله: (فغير محترم) فلباقي الشركاء أو المستحقين هدمه وقلعه.
قوله: (ويتوجه... إلخ) أي: في غرس من ذكر وبنائه أنه له محترما، أو غير محترم، على التفصيل السابق، أن أشهد أنَّ غرسه وبناءه لنفسه لا للوقف.
والحاصل: أن صاحب «الفروع» يقيد ما أطلقه الأصحاب بالإشهاد.
فتدبر.
قوله: (ولو غَرَسه) أي: الناظر، أو بناه.
قوله: (في غرس أجنبي) المراد بالأجنبي: غير الناظر والموقوف عليه.

وَيُنْفَقُ عَلَى ذِي رُوحٍ وَمِمَّا عَيَّنَ وَاقِفٌ فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فمِنْ غَلَّتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فعَلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ فِي عَيْنِ مِثْلِهِ تَكُونُ وَقْفًا لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ إيجَارُهُ كَعَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ أُوجِرَ بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةُ مَا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ بِيعَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ عَقَارًا لَمْ تَجِبْ عِمَارَتُهُ بِلَا شَرْطٍ كَالطَّلْقِ فَإِنْ شَرَطَهَا قوله: (على ذي روح) كرفيق وخيل.
قوله: (فإن تعذر) لعجز، أو غيبة، ونحوهما، ول بإجارته بقدر نفقته.
قوله: (وصرف ثمنه في مثله) أي: في الكون وقفاً، لا في حيوان مثل المبيع؛ لعدم الفائدة.
وفي بعض النسخ: «في عين» وهي أظهر.
والحاصل: أنه إذا صرف ثمنه فيما لا يحتاج إلى نفقة، حصلت الفائدة.
قوله: (ونفقة ما) أي: حيوان موقوف.
قوله: (كما تقدم) أي: من إطلاق الواقف شرط العمارة؛ بأن لم يذكر البداءة بها ولا تأخيرها.
قوله: (وإن كان عقارًا) أي: ونحوه ما لا روح فيه من سلاح، ومتاع، وكتب، ونحوها.
قوله: (بلا شرط) واقفٍ مطلقا، كالطلق.

عُمِلَ بِهِ مُطْلَقًا وَمَعَ إطْلَاقِهَا تُقَدَّمُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ الْمُنَقِّحُ: مَا لَمْ يُفْضِ إلَى تَعْطِيلِ مَصَالِحِهِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانَ وَلَوْ احْتَاجَ خَانٌ مُسَبَّلٌ أَوْ دَارٌ مَوْقُوفَةٌ لِسُكْنَى حَاجٍّ أَوْغُزَاةٍ وَنَحْوِهِمْ إلَى مَرَمَّةٍ أُوجِرَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَتَسْجِيلِ كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ الْوَقْفِ قوله: (عمل به مطلقا) أي: سواء شرط البداءة بالعمارة، أو تأخيرها، فيعمل بما شرط، لكن إن شرط تقديم الجهة، عمل به.
قال الحارثي: ما لم يؤد إلى التعطيل، فإذا أدى إليه، قدمت العمارة؛ حفظا لأصل الوقف.
وقال: اشتراط الصرف إلى الجهة في كل شهر كذا، في معنى: اشتراط تقديمه على العمارة.
قوله أيضا على قوله: (مطلقًا) أي: على حسب ما شرط.
قال بعضهم: وهذا الإطلاق ليس فس مقابلة تقييد سابق، ولا لاحق.
قوله: (ومع إطلاقها) أي: إطلاق الواقف العمارة؛ بأن لم يذكر البداءة بها، ولا تأخيرها.
قوله: (حسب... إلخ) بفتح السين، بمعنى: القدر والعدد.

فَصْلٌ وَإِنْ وَقَفَ عَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ الْمَسَاكِينِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ رُدَّ نَصِيبُهُ عَلَى مَنْ بَقِيَ فَلَوْ مَاتَ الْكُلُّ فلِلْمَسَاكِينِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَآلَ فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ صُرِفَ نَصِيبُهُ إلَى الْبَاقِي ثُمَّ إنْ مَاتُوا جَمِيعًا فصل في أحكام صور من صور الوقف قوله: (وإن وقف على عدد معين... إلخ) أي: إنسان، وهو: اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، والواحد والجمع، كما في «المصباح».
أي: كما لو قال: وقفت داري على زيد، وعمرٍو، وبكر، ثم على المساكين.
وليس التعيين في العدد بقيد، بل لو وقف على عدد غير معيَّن، كما لو قال: على أولادي، ثم المساكين، لم ينتقل إلى المساكين إلا بعد انقراض جميع الأولاد، ومن مات منهم، عاد نصيبه إلى من بقي من الأولاد، كما هو صريح كلامه كغيره فيما يأتي، وكأنه إنما قيد بالمعين؛ دفعا لتوهم عدم استحقاق أحدٍ منهم لأكثر من نصيبه عند مَوْتِ غيره؛ لتنصيصه عليهم.
فتدبر بلطف.
قوله: (معين) أي: اثنين فأكثر.
قوله: (رد نصيبه) أي: الميت منهم.
قوله: (إلى الباقي) كالتي قبلها، خلافاً لـ «الإقناع»، حيث قال: فمن مات منهم، فحكم نصيبه حكم المنقطع كما لو ماتوا جميعًا.
وإن قال: وقفته

جارٍ التحميل