وَحَرُمَ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِأُنْثَى وَعَكْسِهِ فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ وَإلْبَاسُ صَبِيٍّ مَا حَرُمَ عَلَى رَجُلٍ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِيهِ وَيُبَاحُ مِنْ حَرِيرٍ كَيْسُ مُصْحَفٍ وَأَزْرَارٌ وَخِيَاطَةٌ بِهِ وَحَشْوُ واعلم: أن الخز عكس الملحم معنى وحكماً، أما الأول: فلأن الملحم ما سدي بغير الحرير، وألحم به، كما ذكره في "شرح الإقناع".
والخز عكسه، كما ذكره المصنف.
وأما الثاني؛ أعني: الحكم، فقال في "الاختيارات": المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب إباحة الخز دون الملحم.
قوله: (في لباس وغيره) ككلام ومشي.
قوله: (وإلباس صبي) أي: وحرم إلباس صبي... إلخ، هذا صريح في بطلان صلاة الصبي في الثوب الحرير ونحوه، مع أنه لا عمد له، بل عمده خطأ، كما في الحج وغيره، وقد تقدم أن المكلف إذا صلى في ثوب محرم جاهلا أو ناسياً؛ فإن صلاته صحيحة، فينبغي هنا كذلك بجامع عدم الإثم، والجواب: بالفرق بين الحالين؛ وهو أن فعل المكلف في الحالة المذكورة غير مؤاخذ به أحد، فلذلك اغتفر صحة الصلاة، بخلاف مسألة الصبي، فإن الفعل الواقع فيها معصية مؤاخذ بها، وإن تعلقت بغير المصلي، فكأنه لشؤم أثر المعصية حكم ببطلان الصلاة، هذا ما ظهر.
فليحرر.
جِبَابٍ وَفُرُشٍ وعَلَمُ ثَوْبٍ وَهُوَ طِرَازُهُ لَبِنَةُ جَيْبٍ، وَهُوَ الزِّيقُ وَالْجَيْبُ مَا يُفْتَحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ قوله: (وعلم ثوب) قال أبو بكر في "التنبيه": ولو بيسير ذهب.
قال: منصور البهوتي: وعلى قياسه الشاش المقصب.
وبخطه على قوله: (وعلم ثوب) أي: كالحاشية التي تنسج من حرير في طرف الثوب، بشرط أن لا تزيد على أربع أصابع، كما ذكره المصنف.
قال في "الإقناع" ما معناه: لو كان في ثياب قدر يعفى عنه من الحرير، وإذا ضم بعضه إلى بعض كان كثيراً؛ فلا بأس.
انتهى.
أي فلو كان في ثوب؛ حرم ذلك، ومن هنا يعلم أن قولهم: إذا تساوى الحرير وما معه ظهوراً؛ أبيح بقيد: بما إذا لم يجتمع من الحرير في موضع واحد فوق أربع أصابع لم يفصل بينها بغير الحرير، فإن ذلك لا يجوز، وهذا ظاهر؛ لأن قدر خمس أصابع فأكثر لو انفرد كعلم الثوب؛ لم يجز، فأولى إذا ضم إليه غيره في بقية الثوب.
فتنبه لذلك، فإنه مهم قد يخفى، والله الموفق.
قوله: (وهو الزيق) أي: المحيط بالعنق.
قوله: (أو طوق) هو بالرفع عطفاً على (ما) وأشار المصنف بذلك إلى أن الجيب بعضهم يفسره بما انفتح على النحر، كما عليه صاحب "المصباح"، وبعضهم يفسره بالطوق
وَرِقَاعٌ وَسِجْفُ فِرَاءٍ لَا فَوْقَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ مَضْمُومَةٍ.
الذي يخرج منه الرأس، كما في "القاموس" وعبارته: وجيب القميص ونحوه -بالفتح- طوقه.
انتهى.
قوله: (ورقاع) أي: لا فوق أربع أصابع.
قوله: (فراء) الفراء: جمع فرو، كسهام جمع سهم.
قوله: (لا فوق أربع... إلخ) يعني: أن ما ذكر من العلم، والرقاع، والسجف، ولبنة الجيب، إنما يباح إذا كان أربع أصابع معتدلة مضمونة فما دون، لا إن كان أكثر منها.
باب اجتناب النجاسة
وَهِيَ عَيْنٌ أَوْ صِفَةٌ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا بِلَا ضَرُورَةٍ، لَا لِأَذًى فِيهَا طَبْعًا لَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ غَيْرِهِ شَرْعًا حَيْثُ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا بَدَنَ مُصَلٍّ وَثَوْبَهُ وَبُقْعَتَهُمَا وَعَدَمِ حَمْلِهَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ فَتَصِحُّ مِنْ حَامِلٍ مُسْتَجْمِرًا أَوْ حَيَوَانًا طَاهِرًا وَمِمَّنْ مَسَّ ثَوْبُهُ ثَوْبًا قوله: (اجتناب النجاسة) هو مبتدأ مصدر مضاف لفاعله المجازي، ومفعوله (بدن مصل) وما عطف عليه.
قوله: (شرعاً) هو عائد لقوله: (أو غيره) يعني: أو لحق الغير الثابت بالشرع؛ لئلا يتكرر مع قوله: (منع الشرع).
محمد الخلوتي.
قوله: (وعدم حملها) معطوف على المبتدأ، والخبر: (شرط) ولم يطابق؛ إما لأنه مصدر، أو لأنهما في معنى شيء واحد، وهو مباعدة النجاسة.
وإنما عبر المصنف بالاجتناب وعدم الحمل؛ ليخرج بالأول الملاقاة لها، وبالثاني الاشتمال عليها.
قوله: (فتصح... إلخ) مفرع على (حيث لم يعف عنها) قوله: (أو حيوانا طاهراً) كالهر.
قوله: (وممن مس... إلخ) مفرع على عدم الحمل، أو الاجتناب.
أَوْ حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ أَوْ قَابَلَهَا رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا وَلَمْ يُلَاقِهَا أَوْ صَلَّى عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ مِنْ مُتَنَجِّسٍ طَرَفُهُ وَلَوْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ يَنْجَرُّ بِهِ أَوْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ فَزَالَتْ أَوْ أَزَالَهَا سَرِيعًا لَا إنْ عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا عَنْهُ أَوْ نَسِيَهَا أَوْ جَهِلَ عَيْنَهَا أَوْ حُكْمَهَا أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ عَلِمَ أَوْ حَمَلَ قَارُورَةً أَوْ آجُرَّةً بَاطِنُهَا نَجِسٌ قوله: (من غير متعلق) فلو كان بيده حبل طرفه على نجاسة يابسة؛ فمقتضى كلام الموفق الصحة، وفي "الإقناع": لا تصح.
لكن يمكن حمل كلام "الإقناع" على الرطبة، فلا مخالفة.
وبخطه أيضاً على قوله: (غير متعلق) قال منصور البهوتي: قلت: وإذا تعلق بالمصلي صغير، به نجاسة لا يعفى عنها، وكان له قوة بحيث إذا مشى انجر معه؛ بطلت صلاته إن لم يزله سريعاً.
قوله: (لا إن عجز) من باب: ضرب: ضعف عن المشي، ومن باب: قتل لغة، ومن باب: تعب لغة لبعض قيس عيلان.
"مصباح".
قوله: (ثم علم) راجع للأربع.
قوله: (أو آجرة) الآجر: بمد الهمزة، والتشديد أشهر من التخفيف، الواحدة آجرة، وهو معرب.
"مصباح".
أَوْ بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ، أَوْ مَذِرَةً، أَوْ عُنْقُودًا حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا وَإِنْ طَيَّنَ نَجِسَةً أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ أَوْ حَرِيرٍ طَاهِرًا صَفِيقًا أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ وَصَلَّى عَلَيْهِ، أَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ بَاطِنُهُ فَقَطْ نَجِسٌ أَوْ عُلْوٍ سُفْلُهُ غَصْبٌ، أَوْ سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجِسٌ كُرِهَتْ وَصَحَّتْ وَإِنْ خِيطَ جُرْحٌ أَوْ جُبِرَ عَظْمٌ بنَجِسٍ أَوْ عَظْمٍ نَجِسٍ فَصَحَّ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ مَعَ ضَرَرٍ ولَا يَتَيَمَّمُ لَهُ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ قوله: (أو بسط عليها) ولو رطبة حيث لم تنفذ إلى ظاهره.
قوله: (أو على حيوان نجس) يؤخذ مما سيذكره منصور البهوتي في الباب بعده عن المجد: أن محل هذا في غير مسافر سائر، وإلا، فلا كراهة للحاجة.
قوله: (أو حرير... إلخ) الغرض من ذكره إفادة الكراهة، وإلا، فالصحة تقدمت صريحا في الباب قبله.
قوله: (غصب) وتصح صلاة في بقعة أبنيتها غصب ولو اتستند إلى الأبنية لكن مع الكراهة.
قال منصور البهوتي: وفي معنى ذلك ما ينبني بحريم الأنهار من مساجد وبيوت؛ لأن المحرم البناء بها، وأما البقعة؛ فعلى أصل الإباحة.
قوله: (مع ضرر) على نفس أو عضو، أو حصول مرض.
قوله: (إن غطاه اللحم) قلت: ويشبه ذلك الوشم إن غطاه اللحم،
وَمَتَى وَجَبَتْ فَمَاتَ أُزِيلَ إلَّا مَعَ الْمُثْلَةِ وَلَا يَلْزَمُ شَارِبَ خَمْرٍ قَيْءٌ وَإِنْ أُعِيدَتْ سِنُّ أَوْ أُذُنٌ أَوْ نَحْوُهُمَا فَثَبَتَتْ فَطَاهِرَةٌ
فصل
وَلَا تَصِحُّ تَعَبُّدًا صَلَاةُ فِي مَقْبَرَةٍ وَلَا يَضُرُّ قَبْرَانِ وَلَا مَا دُفِنَ بِدَارِهِ وفِي حَمَّامٍ وفِيمَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ وَحَشٍّ وَأَعْطَانِ إبِلٍ وهي مَا غسله بالماء، وإلا يتيمم له.
"شرح الإقناع".
قوله: (إلا مع المثلة) وزان غرفة، والمثلة بفتح الميم وضم الثاء: العقوبة.
"مصباح".
قال: ومثلت بالقتيل مثلا -من بابي قتل وضرب- إذا جدعته، وظهرت فعلك عليه تنكيلا، والتشديد مبالغة.
انتهى.
قوله: (فثبتت) أي: أو لم تثبت.
قوله: في (مقبرة) قديمة أو حديثة، تقلبت أو لا، وهي: مدفن الموتى.
قوله: (ولا يضر قبران) بل ثلاثة فصاعداً، والخشخاشة، وهي: بيت في الأرض، له سقف يقبر فيه جماعة، قبر واحد اعتبارا بها لا بمن فيها.
قوله: (بداره) وإن كثر؛ لأنه ليس بمقبرة.
تُقِيمُ فِيهَا وَتَأْوِي إلَيْهَا وَفِي مَجْزَرَةٍ ومَزْبَلَةٍ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَأَسْطِحَتِهَا وَسَطْحِ نَهْرٍ سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ قوله: (ومجزرة) أي: ما أعد للذبح.
قوله: (ومزبلة) هي مرمى الزبالة ولو طاهرة.
قوله: (وأسطحتها) أي: أسطحة المواضع المنهي عن الصلاة فيها، وشمل سطح الطريق سواء جاز وضعه أو لا، كما في "المستوعب"، خلافاً للمجد حيث صححها فيما جاز وضعه.
ووجه الأول: أن الهواء تابع للقرار، وعلى هذا مشى في "الإقناع" أيضاً، أعني: عدم الصحة، لكن قال بعد ذلك ما معناه: إذا أخرج ساباطاً في موضع لا يحل إخراجه؛ لم تصح الصلاة فيه، ومفهومه: أنه لو كان يحل إخراجه؛ صحت، وهذا المفهوم يعارض عمومه عموم منطوق قوله: (وأسطحتها) مثلها، ويمكن الجواب: بتخصيص هذا المفهوم بما إذا الساباط على ملك الغير لا على الطريق.
فتأمل.
قوله: (وسطح نهر) أي: لا تصح الصلاة على نهر.
قال ابن عقيل
فِي مَقْبَرَةٍ وَسِوَى جُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ وَغَصْبٍ ما معناه: لأن الصلاة على الماء لا تصح، فكذا على سطحه.
انتهى.
وفيه نظر؛ لأنا إنما منعنا من الصلاة على الماء لعدم إمكان الاستقرار عليه، وسطحه ليس كذلك، فالأولى ما ذكره في "الإقناع" بقوله: والمختار الصحة كالسفينة، قاله أبو المعالي.
وبخطه أيضاً على قوله: (وسطح نهر) قال القاضي: تجري فيه سفينة.
قال في "الإقناع": والمختار الصحة، كالسفينة، قاله أبو المعالي وغيره، انتهى.
قال منصور البهوتي: وقد يفرق بينه وبين السفينة بأنها مظنة الحاجة، انتهى.
ومقتضى كلام المصنف عدم الصحة مطلقاً، ففي المسألة ثلاثة أقوال.
ولو جمد الماء، فقال أبو المعالي.
فكالطريق، وجزم ابن تميم بالصحة، وتبعه في "الإقناع".
تنبيه: تصح الصلاة في المدبغة، وتكره على الصحيح، ولو أخرج ساباطاً في موضع لا يحل إخراجه؛ لم تصح الصلاة فيه.
قوله: (في مقبرة) ولو قبل الدفن؛ فتصح بلا كراهة.
قوله: (وجمعة، وعيد، وجنازة، ونحوها بطريق لضرورة، وغصب) ظاهره: أن الجمعة وما بعدها تصح في الغصب، ولو بلا ضرورة، وهو غير ظاهر، فإن ما استدل به بعضهم على صحة ذلك في الغصب مطلقاً عن
وَعَلَى رَاحِلَةٍ بِطَرِيقٍ وَتَصِحُّ فِي الْكُلِّ لِعُذْرٍ.
"الشرح الكبير" إنما يدل على حال الضرورة× لقوله ما معناه: إذا صلى الإمام الجمعة في غصب فامتنع الناس من الصلاة خلفه، فاتتهم الجمعة.
فقوله: فاتتهم الجمعة إشارة إلى أنها حال ضرورة، أما لو كان في البلد عدة جوامع، فيها واحد غصب بحيث إذا ترك الصلاة في الجامع الغصب صلى في غيره من بقية الجوامع، فينبغي عدم الصحة هنا، ولهذا صرح في "الإقناع" بأنها لا تصح الجمعة ونحوها في الغصب إلا للضرورة.
وما اعترض عليه بعضهم بأن الضرورة يستوي فيها الجمعة وغيرها من بقية الصلوات الخمس لا يرد، بل في كلام "المبدع" ما يشير إلى الفرق بين الجمعة وغيرها، حيث قال: إن الجمعة تختص ببقعة، يعني: لا يمكن أداؤها منفرداً، بل هو مضطر إلى فعلها مع الجماعة، فإذا لم يجد إلا ذلك المكان الغصب؛ دار أمره بين أن يصلي معهم الجمعة في الغصب، وبين أن يصلي منفرداً، وهي لا تصح منفرداً، فجاز له أن يصليها في الغصب بخلاف نحو الظهر والعصر.
فتأمل.
فلو قال المصنف: بطريق وغصب لضرورة، كما في "الإقناع"، لكان أنسب.
قوله: (ونحوها) ككسوف.
وبخطه على قوله: (وغصب) ولو بلا ضرورة، وفيه نظر، فالصواب ما في "الإقناع".
قوله: (وتصح في الكل لعذر) وليس منه خوف فوت الوقت.
وَتُكْرَهُ إلَيْهَا بِلَا حَائِلٍ وَلَوْ كَمُؤَخَّرَةِ رَحْلٍ لَا فِيمَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ الْمُسَافِرِ يَمْنَةً وَيَسَرَةً وَلَوْ غُيِّرَتْ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا أَوْ مَسْجِدًا وَصَلَّى فِيهِ صَحَّتْ وَكَمَقْبَرَةٍ مَسْجِدٌ حَدَثَ بِهَا وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ فِي الْكَعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ أَوْ خَارِجَهَا وَسَجَدَ فِيهَا وَتَصِحُّ نَافِلَةٌ ومَنْذُورَةٌ فِيهَا وَعَلَيْهَا مَا لَمْ يَسْجُدْ عَلَى مُنْتَهَاهَا قوله: (ولو كمؤخرة رحل) مؤخرة الرحل والسرج -بضم الميم وسكون الهمزة، ومنهم من يثقل الخاء، ومنهم من يعد هذه لحناً، وأفصح اللغات آخرة، بالمد- وهي: الخشبة التي يستند إليها الراكب.
"مصباح".
قوله: (لا فيما علا... إلخ) ولا بأس بطريق الأبيات القليلة؛ لعدم كثرة سلوكه.
قوله: (حدث) أو وضع القبر، والمسجد معاً، فلا تصح الصلاة.
قوله: (وتصح نافلة ومنذورة... إلخ) ظاهره: سواء كان نذره مطلقاً، أو مقيداً بفعلها فيها وعليها، ويمكن حمله على ما في "الاختيارات" من أنه: إن نذر الصلاة في الكعبة؛ صح فعلها فيها، وإن نذرها مطلقاً؛ اعتبر فيها شروط
وَيُسَنُّ نَفْلُهُ فِيهَا وَفِي الْحِجْرِ، وَهُوَ مِنْهَا وَقَدْرُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ وَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ مُطْلَقًا وَالْفَرْضُ فِيهِ كَدَاخِلِهَا وَتُكْرَهُ بِأَرْضِ الْخَسفِ لا بِبَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ الفريضة؛ لأن النذر المطلق يحذى به حذو الفرائض.
انتهى.
فتأمل.
ويمكن حمل كلام المصنف كـ "الإقناع" على ما في "الاختيارات" بجعل قوله: (فيها وعليها) متعلقاً بـ (منذورة) لا بـ (تصح)، وهذا ظاهر لا غبار عليه، بل هو أولى من المخالفة.
قوله: (مطلقاً) أي: من مكي وغيره.
قوله: (لا ببيعة) أي: لا صورة فيها، وإلا كره.
باب استقبال القبلة
استقبال القبلة شرط للصلاة مَعَ الْقُدْرَةِ إلَّا فِي نَفْلِ مُسَافِرٍ وَلَوْ مَاشِيًا سَفَرًا مُبَاحًا وَلَوْ قَصِيرًا لَا تَعَاسِيفَ صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس عشر سنين بمكة، وستة عشر شهراً بالمدينة، ثم أمر بالتوجه إلى الكعبة.
قوله: (إلا في نفل مسافر... إلخ) يعني: فلا يشترط له استقبال إن شق عليه ذلك، كما يعلم مما سيأتي، خلافاً لما يفهمه "شرحه": من أن محله: إذا تعذر عليه الاستقبال.
محمد الخلوتي.
قوله: (مباحاً) المراد بالمباح: ما قابل المحرم والمكروه فقط، أو يحمل المباح على حقيقته، وهو ما استوى طرفاه، ويعلم منه حكم المندوب والواجب بالأولى.
محمد الخلوتي.
قوله: (لا راكب تعاسيف) كأنه جمع تعساف بالفتح، وهو: ركوب الفلاة وقطعها على غير صوب، كالهائم والتائه.
وبخطه أيضاً على قوله: (لا راكب تعاسيف) عسف عسفاً: إذا سلك غير طريق، والتعسف والاعتساف مثله، وهو راكب التعاسيف، كأنه جمع تعساف بالفتح مثل التضراب، والتقتال، والترحال من الضرب، والقتل والرحيل، والتفعال مطرد من كل فعل ثلاثي غالباً.
"مصباح" ملخصاً.
لَكِنْ إنْ لَمْ يُعْذَرْ مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ أَوْ عَدَلَ هُوَ إلَى غَيْرِهَا عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَوْ عُذِرَ وَطَالَ بَطَلَتْ وَإِنْ وَقَفَ لِتَعَبِ دَابَّتِهِ، أَوْ مُنْتَظِرًا رُفْقَةً، أَوْ لَمْ يَسِرْ لِسَيْرِهِمْ أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ، أَوْ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا اسْتَقْبَلَ وَيُتِمُّهَا وَيَصِحُّ نَذْرُ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ فِي نَفْلٍ أَتَمَّهُ وَتَبْطُلُ بِرُكُوبِ غَيْرِهِ قوله: (من عدلت به دابته) أي: عن جهة سيره.
قوله: (عن جهة سيره) يعني فيهما.
قوله: (أو لم يسر لسيرهم) بأن قصد التخلف.
قوله: (أو نزل) أي: أراد النزول، نزل مستقبلا، كما هو مقتضى عبارة "الإقناع".
قوله: (ويصح نذر... إلخ) أي: بأن نذر أن يصلي على الدابة، فالجار والمجرور متعلق بـ (الصلاة) لا بـ (يصح)؛ إذ لو نذر الصلاة مطلقاً؛ كان كالفرض، كما تقدم عن "الاختيارات".
قوله: (وإن ركب ماش... إلخ) هل مثله عكسه، وهو ما إذا مشى الراكب؛ بأن نزل ليمشي، وهو غير ما تقدم، الظاهر: نعم، قوله: (بركوب غيره) كالنازل.
وَعَلَى مَاشٍ إحْرَامٌ إلَى الْقِبْلَةِ وَرُكُوعٌ وَسُجُودٌ إلَيْهَا وَيَسْتَقْبِلُ رَاكِبٌ وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ إنْ أَمْكَنَ بِلَا مَشَقَّةٍ وَإِلَّا فإلَى جِهَةِ سَيْرِهِ وَيُومِئُ وَيَلْزَمُ قَادِرًا جَعْلُ سُجُودِهِ أَخْفَضَ والطُّمَأْنِينَةُ
فصل
وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنْهَا أَوْ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قوله: (أخفض) ويعتبر طهارة ما تحت الراكب من نحو برذعة، وإن كان نجس العين، ولا كراهة هنا لمسيس الحاجة، كما صححه المجد، فيحمل ما تقدم من الكراهة على غير مسافر سائر؛ لأنه قد صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي على حماره النفل.
قوله: (أو من مسجد النبي... إلخ) استشكله بعضهم، وغاية ما يقال: أنه يمكن أن يكون مراد الأصحاب بإلحاقهم المذكور، أن من بمسجده صلى الله عليه وسلم كمن بمكة في أنه يضر يمنة ويسرة عن محرابه صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره، فلا يضر انحرافه، والله أعلم.
إصَابَةُ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ ونُزُولٌ إلَّا إنْ تَعَذَّرَ بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ كَجَبَلٍ فيَجْتَهِدُ إلَى عَيْنِهَا ومَنْ بَعُدَ هُوَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ لَا عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمِ إصَابَةِ الْجِهَةِ بِالِاجْتِهَادِ وَيُعْفَى عَنْ انْحِرَافٍ يَسِيرٍ.
قوله: (إصابة العين) أي: بحيث لا يخرج شيء منه عنها، فلو خرج بعضه عن المسامتة؛ لم تصح، وفي معنى ذلك كل موضع ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه إذا ضبطت جهته، كما قاله الناظم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يقر على الخطأ.
قوله: (ولا يضر علو) كما لو صلى على جبل أبي قبيس.
قوله: (ولا نزول) كما لو صلى في حفيرة نازلة عن مسامتة الكعبة.
قوله: (إلا إن تعذر) الضمير في (تعذر) عائد على (الإصابة)، لكن لما كان تأنيث المصدر لفظياً جاز عدم إلحاق الفعل علامة التأنيث.
محمد الخلوتي.
وبخطه على قوله: (إلا إن تعذر... إلخ) أي: كالمصلي خلف أبي قبيس، بخلاف من صلى داخل المسجد الحرام، أو على سطحه، أو خارجه، وأمكنه ذلك بنظره، أو علمه، أو خبر عالم بذلك، فإن من نشأ بمكة، أو أقام بها كثيراً، تمكن من ذلك، ولو مع حائل حادث، كالأبنية.
قوله: (فيجتهد) أي: في التوجه.
قوله: (وهو من لم يقدر... إلخ) هذا يشمل من كان قريباً من الكعبة وحال بينه وبينها نحو جبل، ولم يجد من يخبره بيقين عن العين، ومن كان
فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِخَبَرِ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ ظَاهِرًا وبَاطِنًا عَنْ يَقِينٍ أَوْ الِاسْتِدْلَال بِمَحَارِيبَ عُلِمَ أَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَمَتَى اشْتَبَهَتْ سَفَرًا اُجْتُهِدَ فِي طَلَبِهَا بِالدَّلَائِلِ وَيُسْتَحَبُّ تَعَلُّمُهَا مَعَ أَدِلَّةِ الْوَقْتِ فَإِنْ دَخَلَ وَخَفِيَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ وَيُقَلِّدُ لِضَيْقِهِ وَأَثْبَتُهَا الْقُطْبُ محبوساً بمحل تعذر عليه في استقبال العين، فيقتضي أنه ينتقل إلى استقبال الجهة، وهو ينافي ما قبله من قوله: (إلا إن تعذر بحائل أصلي كجبل؛ فيجتهد إلى عينها).
وقد يقال: إن النص على الأولى قرينة على عدم إرادة شمول ما هنا لها.
شيخنا محمد الخلوتي.
قوله: (فإن أمكنه ذلك) أي: الواجب في القرب والبعد.
قوله: (علم أنها... إلخ) لا إن شك.
قوله: (للمسلمين) ولو فساقاً.
قوله: (سفراً) ولم يكن في قرية ولا يمكنه قصدها، وإلا لزمه، فإن وجد مخبراً عن يقين؛ لزم قبوله، أو عن ظن؛ قلده، إن كان من أهل الاجتهاد وهو العالم بالأدلة، حيث ضاق الوقت، وإلا لزمه التعلم والعمل باجتهاده، كما سيذكره المصنف، فإن لم يمكنه شيء من ذلك كله سفراً؛ اجتهد، فإذا غلب على ظنه جهة؛ تعينت، فإن تركها؛ أعاد ولو أصاب.
ومن صلى قبل فعل ما لزمه من استخبار، أو اجتهاد، أو تقليد، أو تحر؛ أعاد ولو أصاب.
قوله: (وأثبتها) أي: أقواها.
قوله: (القطب) أي: الشمالي.
وبخطه على قوله: (وأثبتها القطب)، واعلم: أنه يستدل على القبلة بأشياء: منها: النجوم، وهي أصحها، قال تعالى: (وبالنجم هم يهتدون).
[النحل: 16].
وفي الحديث: "تعلموا من النجوم ما تعرفون به الوقت والطريق".
وأثبتها كما قال المصنف؛ أي: أقواها: القطب، بتثليث أوله، والمراد: القطب الشمالي؛ لأنه لا يزول عن مكانه، ويمكن كل أحد معرفته، وهو: نجم خفي شمالي، يراه حديد البصر إذا لم يكن القمر ظاهراً، وحوله أنجم دائرة كفراشة الرحى، أو كالسمكة، في أحد طرفيها أحد الفرقدين، وفي الطرف الجدي، فيستدل عليه بذلك، ومن استدبر الفرقدين والجدي في حال علو أحدهما وهبوط الآخر؛ فقد استدبر القطب، وإن استدبر أحدهما في غير هذا الحال، فإن استدبر الشرقي منهما؛ انحرف إلى المشرق قليلاً، وإن استدبر الغربي؛ انحرف إلى المغرب قليلا؛ ليكون كمستدبر القطب، ويكون انحرافه المذكور لاستدبار الجدي أقل من انحرافه لاستدبار الفرقدين؛ لأنه أقرب إلى القطب منهما.
واعلم: أن للأنجم الدائرة حول القطب في كل يوم وليلة دورة، نصفها بالليل ونصفها بالنهار في الزمن المعتدل، فيكون الفرقدان عند طلوع الشمس في
وَهُوَ نَجْمٌ يَكُونُ وَرَاءَ ظَهْرِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ وَمَا حَاذَاهَا مكان الجدي عند غروبها، ويمكن الاستدلال بها على أوقات الليل وساعاته وغيره من الأزمنة، لمن عرفها وفهم كيفية دورانها.
قوله: (وهو نجم... إلخ) أشار بعضهم إلى ضبط ذلك في قوله:
من واجه القطب بأرض اليمن... وعكسه الشام وخلف الأذن
عراق اليمنى ويسرى مصر... قد صحح استقباله في العمر
قوله: "عراق" أي: وجعله بعراق حلف الأذن اليمنى، وبمصر خلف اليسرى، فكل من عراق ومصر مجرور بالعطف على أرض اليمن، مع تقدير متعلق.
شيخنا محمد الخلوتي.
قوله: (يكون وراء ظهر المصلي بالشام وما حاذاها) أي: كالعراق وحران وسائر الجزيرة؛ لأن تفاوت ذلك يسير معفو عنه، كما ذكره المجد، لكن قال صاحب "الإقناع": إن جعل القطب وراء ظهره في الشام وما حاذاها، وانحرف قليلا إلى المشرق كان مستقبل القبلة.
قال الشيخ في "شرح العمدة": إذا جعل الشامي القطب بين أذنه اليسرى ونقرة القفا؛ فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب.
انتهى.
ومما يستدل به أيضاً: المجرة، فإنها تكون في الشتاء، أول الليل، في ناحية السماء، ممتدة شرقاً وغرباً على الكتف الأيسر من الإنسان، إذا
وَخَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى بِالْمَشْرِقِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ بِمِصْرَ وَمَا وَالَاهَا والشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَمَنَازِلُهُمَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا وَمَا يُقَارِبُهَا، كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ بِالْمَغْرِبِ وَالرِّيَاحُ وَأُمَّهَاتُهَا أَرْبَعٌ الْجَنُوبُ، وَمَهَبُّهَا: قِبْلَةُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ.
وبِالْعِرَاقِ إلَى بَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إلَى يَمِينِهِ، والشَّمَالُ: مُقَابِلَتُهَا وَمَهَبُّهَا مِنْ الْقُطْبِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ، وَالصَّبَا، وَتُسَمَّى الْقَبُولَ مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ.
لِأَنَّهُ كان متوجهاً إلى المشرق، ثم تصير من آخره ممتدة شرقاً وغرباً أيضا على كتفه الأيمن، وأما في الصيف، فإنها تتوسط السماء.
قوله: (من مطلغ سهيل) هو: نجم كبير مضيء، يطلع من مهب الجنوب، ثم يسير حتى يصير في قبلة المصلي ثم يتجاوزها، فيسير حتى يغرب بقرب مهب الدبور.
مِنْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ صَيْفًا إلَى مَطْلَعِ الْعَيُّوقِ وَبِالْعِرَاقِ إلَى خَلْفِ أُذُنِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى، مَارَّةً إلَى يَمِينِهِ، والدَّبُورُ مُقَابِلَتُهَا لِأَنَّهَا تَهُبُّ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ وبِالْعِرَاقِ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ وَلَا يَتْبَعُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ وَلَا يَقْتَدِي بِهِ إلَّا إنْ اتَّفَقَا فَإِنْ بَانَ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ انْحَرَفَ وَأَتَمَّ وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ وَيَنْوِي الْمُؤْتَمُّ مِنْهُمَا الْمُفَارَقَةَ وَيَتْبَعُ وُجُوبًا جَاهِلٌ أَعْمَى، الْأَوْثَقَ عِنْدَهُ وَلَا مَشَقَّةَ وَيُخَيَّرُ مَعَ تَسَاوٍ كعَامِّيٌّ فِي الْفُتْيَا وَإِنْ صَلَّى بَصِيرًا حَضَرًا فَأَخْطَأَ، أَوْ أَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ أَعَادَا قوله: (إلا إن اتفقا) ولو مال أحدهما يسيراً.
قوله: (جاهلا) أي: بالأدلة.
قوله: (الأوثق) علماً بالدلائل، وإن كان جاهلاً في الأحكام.
قوله: (حضراً) يعني: ولو باجتهاد.
قوله: (بلا دليل) من استخبار بصير، أو استدل بلمس محراب، أو نحوه مما يدل على القبلة.
وبخطه على قوله: (بلا دليل) يعني: ولو أصاب.
فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمُجْتَهِدٍ جِهَةٌ أَوْ لَمْ يَجِدْ أَعْمَى أَوْ جَاهِلٌ مَنْ يُقَلِّدُهُ، فَتَحَرَّيَا أَوْ أَخْطَأَ مُجْتَهِدٌ قَلَّدَ فَأَخْطَأَ مُقَلَّدَهُ سَفَرًا فَلَا إعَادَةَ وَيَجِبُ تَحَرٍّ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ تَغَيَّرَ وَلَوْ فِيهَا عَمِلَ بِالثَّانِي وَبَنَى وَإِنْ ظَنَّ الْخَطَأَ فَقَطْ بَطَلَتْ وَمَنْ أُخْبِرَ فِيهَا بِالْخَطَأِ يَقِينًا لَزِمَهُ قَبُولُهُ قوله: (فإن لم يظهر لمجتهد جهة) في السفر؛ بأن تعادلت عنده الأمارات، أو منعه من الاجتهاد نحو رمد؛ صلى على حسب حاله.
قوله: (أو أخطأ مجتهد) يعني: سفراً.
قوله: (سفراً) فلو كان حضراً؛ وجبت الإعادة؛ لأنه ليس محلا للاجتهاد.
قوله: (ويجب تحر لكل صلاة) المفهوم من بحث الشيخ منصور في "شرح الإقناع": أن المراد لكل فريضة دخل وقتها، فإنه ذكر أن النوافل لا تحتاج لاجتهاد لكل ركعتين، أخذا من تعليلهم: بأنها حادثة متجددة، وأن المقلد لا يلزمه أن يجدد لكل صلاة تقليداً، كما هو مفهوم مجتهد.
فتأمل.
قوله: (وإن ظن الخطأ فقط) أي: من غير أن يظهر له جهة أخرى، وجملة ذلك أنه دخل في الصلاة باجتهاد؛ فإما أن يستمر اجتهاده إلى فراغها، أو يعرض له شك، ويستمر الشك إلى فراغها، أو يزول الشك، ويبقى ظن الصواب.
أو بالعكس: بأن يظن الخطأ، ويظهر له جهة أخرى، فينتقل إليها ويبني، وصلاته صحيحة في الصور الأربع كلها.
وإما أن يظن الخطأ من غير أن تظهر له جهة، فتبطل صلاته.
وبخطه على قوله: (فقط) أي: بأن لم تظهر له جهة القبلة.
قوله: (لزم قبوله) فيبتديء الصلاة من أولها.
باب النية
النية: الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ يُزَادُ فِي عِبَادَةٍ: تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِيَمِينٍ وَهِيَ شَرْطٌ وَلَا تَسْقُطُ بِحَالٍ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا قَصْدُ تَعْلِيمِهَا أَوْ خَلَاصٍ مِنْ خَصْمٍ، أَوْ إدْمَانِ سَهَرٍ قوله: (العزم) يقال: عزم على الشيء، وعزمه عزماً -من باب: ضرب- عقد ضميره على فعله.
وضمير الإنسان: قلبه وباطنه.
كله من "المصباح".
قوله: (ويزاد... إلخ) أي: في تعريف النية، وإلا فلا يشترط إضافة الفعل إلى الله في العبادات كلها، بل يستحب، كما في "الإقناع".
قوله: (ولا يمنع صحتها) أي: الصلاة.
قوله: (أو إدمان) أي: ملازمة.
قوله: (سهر) يعني: بعد إتيان بالنية المعتبرة.
وبخطه أيضاً على قوله: (سهر) السهر: عدم النوم في الليل كله، أو في بعضه.
"مصباح".
وَالْأَفْضَلُ: أَنْ تُقَارِنَ التَّكْبِيرَ فَإِنْ تَقَدَّمَتْهُ يَسِيرٍ، لَا قَبْلَ وَقْتِ أَدَاءِ وَرَاتِبَةٍ وَلَمْ يَرْتَدَّ وَلَمْ يَفْسَخْهَا صَحَّتْ وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا فَتَبْطُلُ بِفَسْخِ فِي الصَّلَاةِ وَتَرَدُّدٍ فِيهِ ووَعَزْمٍ عَلَيْهِ لَا عَلَى مَحْظُورٍ وَبِشَكِّهِ هَلْ نَوَى أَوْ عَيَّنَ قوله: (والأفضل أن تقارن... إلخ) ومعنى المقارنة: أن يأتي بالتكبير عقب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يصلون هكذا.
قوله: (فإن تقدمته بيسير) ظاهره: ولو أتى بشيء من المبطلات للصلاة، غير ما ذكره، كالكلام، واستدبار القبلة، ويشير له قوله الآتي: (وتصح نية غرض من قاعد) مع منافاته له.
محمد الخلوتي، وبعضه في "الإقناع".
وبخطه أيضاً على قوله: (فإن تقدمته بيسير) وهو ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء، كما في "حاشيته" في الغسل.
قوله: (لا قبل وقت أداء) أي: أداء مكتوبة.
قوله: (ولم يرتد) أي: من قدم النية.
قوله: (صحت) أي: الصلاة.
قوله: (وعزم عليه) ذكره ليرتب عليه ما بعده، وإلا فيغني عنه ما قبله، أو يقال: إنه تصريح بمفهوم قوله: (وتردد فيه).
قوله: (أو عين) بأن شك، هل أحرم بظهر أو عصر، ثم ذكر بعد أن عمل عملاً قوليا أو فعليا، بطلت صلاته، وإ، شك هل نوى فرضا أو نفلا؟ أتمها نفلا، إلا أن يذكر
فَعَمِلَ مَعَهُ عَمَلًا ثُمَّ ذَكَرَ وَشُرِطَ مَعَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ تَعْيِينُ مُعَيَّنَةٍ وَلَا قَضَاءٍ فِي فَائِتَةٍ وأَدَاءً حَاضِرَةٍ وَفَرْضِيَّةٍ فِي فَرْضٍ وَتَصِحُّ نِيَّةُ فَرْضٍ مِنْ قَاعِدٍ وَيَصِحُّ قَضَاءُ بِنِيَّةِ أَدَاءً وعَكْسُهُ إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ لَا إنْ عَلِمَ بَقَاءَ الْوَقْتِ وَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسَعِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا صَحَّتْ مُطْلَقًا وَكُرِهَ نَفْلًا لِغَيْرِ غَرَضٍ نية الفرض قبل عمل، فيتم فرضاً.
قوله: (فعمل معه عملا) أي: فيهما فعليا أو قولياً.
"شرح".
يعني: فتبطل الصلاة فيهما، لكن في الثانية تصح نفلا؛ لأنه فيها أتى بما يفسد الفرض فقط، فهي من أفراد القاعدة الآتية، وفي بحث الشيخ منصور البهوتي ما يوافقه.
قوله: (ثم ذكر) أي: ذكر أنه نوى أو عين.
قوله: (من قاعد) أي: أو مستدبر.
قوله: (لا إن علم) وقصد المعنى المصطلح عليه دون اللغوي؛ لإطلاق كل منهما على الآخر لغة.
وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى آخَرَ بَطَلَ فَرْضُهُ وَصَارَ نَفْلًا إنْ اسْتَمَرَّ إنْ لَمْ يَنْوِ الثَّانِيَ مِنْ أَوَّلِهِ بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ فَإِنْ نَوَاهُ صَحَّ وَمَنْ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ انْقَلَبَ نَفْلًا وَيَنْقَلِبُ نَفْلًا مَا بِأَنْ عَدِمَهُ ك بِفَائِتَةٍ لَمْ تَكُنْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ وَإِنْ عَلِمَ لَمْ تَنْعَقِدْ
فصل
ويشترط لجماعة نية كل حالة وَإِنْ نَفْلًا فَإِنْ اعْتَقَدَ كُلٌّ أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ، أَوْ مَأْمُومُهُ أَوْ نَوَى قوله: (بطل فرضه) يعني: الأول.
قوله: (وصار نفلا إن استمر... إلخ) فيه: أن النفل المطلق لا يصح ممن عليه فائتة، قبل قضائها، إلا أن يجاب بأن هذا استدامة لنفل لا ابتداء له، ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
فليحرر.
وبخطه على قوله: (وصار نفلا) أي: الأول، وأما الثاني فلم ينعقد؛ لأنه يتوقف على نية من أوله.
قوله: (بما يفسد الفرض فقط) أي: ظاناً جوازه، وإلا بطلا؛ لتلاعبه.
قوله: (أو لم يدخل وقته) عطف على (بان عدمه) أي: وينقلب نفلا ما لم يدخل وقته.
فتدبر.
قوله: (أو مأمومه) أو عين إماماً أو مأموماً، فأخطأ، لم تصح، لا إن ظن.
إمَامَةَ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، كَأُمِّيٍّ قَارِئًا أَوْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا.
لَمْ تَصِحَّ فَإِنْ ائْتَمَّ مُقِيمٌ بِمُقِيمٍ مِثْلِهِ إذَا سَلَّمَ إمَامٌ مُسَافِرٌ أَوْ مَنْ سُبِقَ بِمِثْلِهِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ صَحَّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ مَنْ لَمْ يَنْوِهِ أَوَّلًا إلَّا إذَا أَحْرَمَ إمَامًا لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ وَبَنَى عَلَى صَلَاةِ الْأَوَّلِ وَصَارَ الْإِمَامُ مَأْمُومًا لَا أَنْ يَؤُمَّ بِلَا عُذْرِ السَّبْقِ وَالْقَصْرِ إلَّا إذَا اسْتَخْلَفَهُ إمَامٌ، لِحُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ حَصْرٍ عَنْ قَوْلٍ وَيَبْنِي عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوَّلِ وَلَوْ مَسْبُوقًا قوله: (إمامة) مصدر مضاف إلى المفعول؛ أي: نوى الأمي مثلاً أن يؤم قارئاً، ويحتمل أن يقرأ بتنوين: (إمامة) فتصير (من) فاعلاً بالإمامة، ويصير المفعول الصادق على المأموم هو الضمير المنصوب بيؤمه، العائد على معلوم من المقام، والتقدير على هذا: نوى الإمامة أمي مثلاً لا يصح ذلك الأمي أن يؤم من يصلي خلفه؛ لكونه قارئا، والوجه الأول أقرب، والله أعلم.
قوله: (أن يؤمه) أي: أن يؤم من نوى الإمامة ذلك المأموم، فالضمير المرفوع بيؤم هو المرفوع بنوى المنصوب بيؤم، عائد إلى (من).
قوله: (ويبني على ترتيب الأول) يعني: ولو في القراءة، حيث كان المستخلف ممن دخل مع الإمام، كما يعلم مما يأتي.
فتنبه.
اهـ.
وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَهُمْ السَّلَامُ وَلَهُمْ الِانْتِظَارُ وَالْأَصَحُّ يَبْتَدِئُ الْفَاتِحَةَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ وَتَصِحُّ نِيَّةُ مُصَلٍّ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ لَا شَاكًّا وَتَبْطُلُ إنْ لَمْ يَحْضُرْ أَوْ كَانَ مَعَهُ حَاضِرًا وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ لَا إنْ دَخَلَ مَعَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ وَصَحَّ لِعُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْفَرِدَ إمَامٌ وَمَأْمُومٌ وَيَقْرَأُ مَأْمُومٌ فَارَقَ فِي قِيَامٍ أَوْ يُكْمِلُ وَبَعْدَهَا لَهُ الرُّكُوعُ فِي الْحَالِ فَإِنْ ظَنَّ فِي صَلَاةِ سِرٍّ أَنَّ إمَامَهُ قَرَأَ لَمْ يَقْرَأْ..... وفي "حاشية الإقناع": لو نوى زيد الاقتداء بعمرو، ولم ينو عمرو الإمامة؛ صحت صلاة عمرو وحده.
قاله في "المبدع".
وقوله: ولم ينو عمرو الإمامة؛ أي: من أول الصلاة، فإن نواها في الأثناء؛ لم تبطل صلاته ولم يصر إماماً، كما يعلم من سياق كلامه بعد.
انتهى.
قوله: (أن ينفرد إمام ومأموم) ولا بد أن يستفيد بمفارقته الفراغ قبل الإمام، إن فارقه لإدراك حاجة، لا نحو مزحوم.
قوله: (لم يقرأ) أي: لم يلزمه ذلك، والاحتياط القراءة، كما في "شرح الإقناع".
وَفِي ثَانِيَةِ جُمُعَةٍ يُتِمُّ جُمُعَةً وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ مُطْلَقًا لَا عَكْسُهُ وَيُتِمُّهَا مُنْفَرِدًا وَمَنْ خَرَجَ مِنْ صَلَاةٍ يَظُنُّ أَنَّهُ أَحْدَثَ لَمْ يَكُنْ بَطَلَتْ.
قوله: (في ثانية جمعة) أي: من أدرك مع إمامه الأولى.
وعلم منه: لو فارقه في أولى جمعه لا يتمها جمعة، بل يتمها نفلا، ثم يصلي الظهر كمزحوم فيها، كما في "الإقناع" و "شرحه".
قوله: (ومن خرج) أي: نوى الخروج.
باب صفة الصلاة
يُسَنَ خُرُوجٌ إلَيْهَا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ إذَا خَرَجَ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: أَبْوَابَ فَضْلِكَ وَسُنَّ قِيَامُ إمَامٍ غَيْرِ مُقِيمٍ إلَيْهَا إذَا قَالَ الْمُقِيمُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ إذَا رَأَى الْإِمَامَ وَإِلَّا فَعِنْدَ رُؤْيَتِهِ قوله: (ووقار) قال القاضي عياض والقرطبي: الوقار: يمعنى السكينة، ذكر على سبيل التأكيد.
وقال النووي: الظاهر أن بينهما فرقاً، وأن السكينة التأني في الحركات، واجتناب العبث.
والوقار: في الهيئة، كغض الطرف، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.
قوله: (والسلام... إلخ) علم منه: عدم كراهة إفراد السلام عن الصلاة، كما لا يكره إفرادها عنه، على ما علم مما تقدم في الأذان عند قول المصنف: (ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم)، وفي "الإقناع": اللهم صل وسلم على محمد.
وهو أولى؛ لما فيه من الخروج من الخلاف.
قوله: (فغير مقيم) أي: من المأمومين، وأما المقيم، فإنه يقوم قبل شروعه في الإقامة؛ لأنها تسن قائماً، كما تقدم.
ثُمَّ يُسَوِّي إمَامٌ الصُّفُوفَ بِمَنْكِبٍ وَكَعْبٍ وَسُنَّ تَكْمِيلُ أَوَّلَ فَأَوَّلَ والْمُرَاصَّةُ وَيَمِينُهُ ولِرِجَالٍ أَفْضَلُ وَهُوَ مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ ثُمَّ يَقُولُ قَائِمًا مَعَ قُدْرَةٍ لِمَكْتُوبَةٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا فَإِنْ أَتَى بِهِ أَوْ ابْتَدَأَهُ أَوْ أَتَمَّهُ غَيْرَ قَائِمٍ صَحَّتْ نَفْلًا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ قوله: (والمراصة) أي: الالتصاق.
قوله: (ويمينه) أي: ويمين الصف الأول لرجال أفضل.
قال ابن نصر الله: وظاهر كلامهم: أن الأبعد عن اليمين أفضل ممن قرب عن اليسار، وهو أقوى عندي؛ لخصوصية جهة اليمين بمطلق الفضل، كما أن من وقف وراء الإمام أفضل، ولو كان في آخر الصف ممن هو يمين الإمام ملتصقاً به.
انتهى.
أي: موازياً للإمام؛ لأن الأفضل وقوفه خلفه.
قوله: (وهو ما يقطعه... إلخ) المراد: ما يلي الإمام ولو قطعه المنبر، لأن الصف الأول أول صف كامل، كما يقوله المخالف، وهذه نكتة تفسير المصنف له.
محمد الخلوتي.
قوله: (مع قدرة لمكتوبة: الله أكبر... إلخ) قال الشهاب الشيشيني في "شرح المحرر": فرع: لو أتى بالتكبير على صورة الاستفهام، أو زاد بين الكلمتين واواً ساكنة، أو متحركة؛ لم يصح تكبيره.
انتهى.
وَتَنْعَقِدُ إنْ مَدَّ اللَّامَ لَا تَنْعَقِدُ إنْ مَدَّ هَمْزَةَ اللَّهِ، أَوْ أَكْبَرَ أَوْ قَالَ: أَكْبَارٌ أَوْ الْأَكْبَرُ وَيَلْزَمُ جَاهِلًا تَعَلُّمُهَا فَإِنْ عَجَزَ أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ، كَبَّرَ بِلُغَتِهِ وَإِنْ عَرَفَ لُغَاتٍ فِيهَا أَفْضَلُ كَبَّرَ بِهِ وَإِلَّا فيُخَيَّرُ وَكَذَا كُلُّ ذِكْرٍ وَاجِبٍ وَإِنْ عَلِمَ الْبَعْضَ أَتَى بِهِ وَإِنْ تَرْجَمَ عَنْ مُسْتَحَبٍّ بَطَلَتْ وَيَحْرُمُ أَخْرَسُ وَنَحْوُهُ بِقَلْبِهِ وَسُنَّ جَهْرُ إمَامٍ بِتَكْبِيرِ وَبِتَسْمِيعٍ وَتَسْلِيمَةٍ أُولَى وَبِقِرَاءَةٍ فِي صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ وَأَدْنَاهُ سَمَاعُ غَيْرِهِ وَإسْرَارُ غَيْرِهِ بِتَكْبِيرٍ وَسَلَامٍ وَفِي الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ تَفْصِيلٌ.
وَيَأْتِي وَكُرِهَ جَهْرُ مَأْمُومٍ إلَّا بِتَكْبِيرٍ وَتَحْمِيدٍ وَسَلَامٍ لِحَاجَةٍ فَيُسَنُّ وَجَهْرُ كُلِّ مُصَلٍّ فِي رُكْنٍ ووَاجِبٍ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ ومَعَ قوله: (كبر به) أي: ندباً، فيقدم السرياني، فالفارسي، ثم التركي أو الهندي.
"إقناع".
قوله: (من خلفه) أي: جميع من خلفه.
قوله: (وسلام) أي: وتسميع أو تحميد غير مأموم لحاجة، كما يأتي.
قوله: (فيسن) يعني: ولو بلا إذن إمام.
مَانِعٍ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِهِ فَرْضٌ وَسُنَّ رَفْعُ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَاهُمَا عَجْزًا مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ مَضْمُومَتَيْهَا مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهَا الْقِبْلَةَ إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ وَيُنْهِيهِ مَعَهُ وَيَسْقُطُ بِفَرَاغِ التَّكْبِيرِ ثُمَّ وَضْعُ كَفِّ يُمْنَى عَلَى كُوعِ يُسْرَى وجَعْلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ وَنَظَرُهُ قوله: (فرض) أي: مطلوب، فالجهر بشيء له حكم ذلك الشيء لا أن الجهر بالواجب فرض بالمعنى الحقيقي المصطلح عليه، فيكون من الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو من عموم المجاز.
قوله: (وسن رفع يديه) مكشوفتين هنا وفي الدعاء.
ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه.
"إقناع".
قوله: (إلى حذو منكبيه) أي: برؤوسهما.
قوله: (إن لم يكن عذر) فيرفعهما أقل وأكثر مع عذر.
قوله: (ويسقط بفراغ التكبير) ثم يحطهما من غير ذكر.
قوله: (ثم وضع كف يمنى... إلخ) عبارة "الإقناع": ثم يقبض بكفه الأيمن، كوعه الأيسر.
قوله: (وجعلهما تحت سرته) ومعناه: ذل بين يدي عز.
"إقناع".
ويكره جعلهما على صدره، نص عليه.
إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ إلَّا فِي صَلَاةِ خَوْفٍ وَنَحْوِهِ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، قوله: (ونحوه) كخوف من سيل أو سبع.
قوله: (وبحمدك) اختلف في هذا؛ فقيل: جملة واحدة، على أن الواو زائدة.
وقيل: جملتان، على أنها عاطفة، ومتعلق الباء محذوف؛ أي: وبحمدك سبحتك.
وقال الخطابي: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمة توجب علي حمدك، سبحتك لا بحولي وقوتي.
يريد أنه مما أقيم فيه المسبب مقام السبب.
وقال ابن الشجري في: (فتستجيبون بحمده) [الإسراء: 52]، هو كقولك: أجبته بالتلبية؛ أي: فتجيبونه بالثناء؛ إذ الحمد هو الثناء، والباء متعلقة بحال محذوفة؛ أي: معلنين بحمده.
قاله في "المغني"، قال: وقد اختلف في الباء من قوله تعالى: (فسبح بحمد ربك) فقيل: للمصاحبة، والحمد مضاف إلى المفعول؛ أي: سبحه حامداً له؛ أي: نزهه عما لا يليق به، وأثبت له ما يليق به.
وقيل: للاستعانة، والحمد مضاف للفاعل؛ أي: سبحه بما حمد به نفسه؛ إذ ليس كل تنزيه محموداً، ألا ترى أن تسبيح المعتزلة اقتضى تعطيل كثير من الصفات.
انتهى.
وتعالى جدك ولا إله غيرك ثُمَّ يَسْتَعِيذُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ وَهِيَ آيَةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سِوَى بَرَاءَةٍ، فَيُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا بِهَا قوله: (ولا إله غيرك) ويجوز، ولا يكره بغيره مما ورد.
"إقناع".
قوله: (ثم يستعيذ)، فيقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وكيف ما تعوذ من الوارد فحسن.
"إقناع".
قوله: (بين كل سورتين... إلخ) اعترضه بعضهم؛ بأن في العبارة قصوراً لعدم شمولها بسملة الفاتحة، وأجاب بعض من كتب على البيضاوي بما حاصله: أن بسملة الفاتحة فاصلة، باعتبار عود القاريء.
وأقول: يشكل على هذا الجواب ما أبداه الجعبري سؤالاً وجواباً، فقال:
يا علماء العصر حييتم... دونكم من خاطري مسأله
ما سورتان اتفق الكل على... أن يثبتوا بينهما البسمله
وأجمعوا أيضاً على أنهم... لم يثبتوا بينهما بسمله
وأجاب بقوله:
مالي أرى ذا المقريء المشرقي... يبهم أعلام الهدى الواضحه
سألتنا عن مبهم واضح... هما -هديت- الناس والفاتحه
إذ تلك جزء لا لفصل كذي... وتركت بل نافت الفاتحه
فإن مقتضى كلام الجعبري، بل صريحه: أن بسملة الفاتحة لما كانت
وَلَا يُسَنُّ جَهْرٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ الْفَاتِحَةَ وَفِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً فَإِنْ تَرَكَ وَاحِدَةً أَوْ تَرْتِيبَهَا أَوْ قَطَعَهَا غَيْرُ مَأْمُومٍ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ أَوْ ذِكْرٍ كَثِيرٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ قُرْآنٍ كَثِيرٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا إنْ تَعَمَّدَ وَكَانَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَإِذَا فَرَغَ قَالَ آمِينَ وَحَرُمَ وَبَطَلَتْ إنْ شَدَّدَ مِيمَهَا وَيَجْهَرُ بِهَا إمَامٌ وَمَأْمُومٌ مَعًا وَيَجْهَرُ بِهَا غَيْرُهُمَا فَإِنْ تَرَكَهُ إمَامٌ أَوْ أَسَرَّهُ أَتَى بِهِ مَأْمُومٌ جَهْرًا وَيَلْزَمُ جَاهِلًا تَعَلُّمُهَا فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ لَزِمَهُ قِرَاءَةُ قَدْرِهَا فِي جزءاً من الفاتحة كجزء منها، لم تجعل فاصلة؛ لأن الفاصلة تستلزم مفصولاً، فتكون حشواً، وما بعدها مناف لكونه فاتحة؛ أي: أولاً.
وبخطه على قوله: (بين كل سورتين) أي: مشروعة قبل الفاتحة، وبين كل سورتين.
قوله: (ولا يسن جهر بشيء من ذلك) وإن ترك شيئا منه، ولو عمداً، حتى تلتبس بما بعده؛ سقط.
قوله: (فإذا فرغ قال: آمين) أي: بعد سكتةٍ لطيفة؛ ليعلم أنها ليست من القرآن.
قوله: (وغيرهما) وهو المنفرد والقاريء خارج الصلاة.
قوله: (ويلزم جاهلاً تعلمها) فلا تصح قبله مع القدرة عليه وسعة الوقت.
قوله: (لزمه قراءة قدرها) أي: لا بأقل من ذلك، سواء زاد أو ساوى.
الْحُرُوفِ وَالْآيَاتِ فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ إلَّا آيَةً كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ قُرْآنًا حَرُمَ تَرْجَمَتُهُ وَلَزِمَ قَوْلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ فَإِنْ عَرَفَ بَعْضَهُ كَرَّرَهُ بِقَدْرِهِ وَإِلَّا وَقَفَ بِقَدْرِ الْقِرَاءَةِ وَمَنْ صَلَّى وَتَلَقَّفَ الْقِرَاءَةَ مِنْ لَفْظِ غَيْرِهِ صَحَّتْ ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً كَامِلَةً نَدْبًا مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ فِي الْفَجْرِ وقِصَارِهِ فِي الْمَغْرِبِ، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ وَلَا يُكْرَهُ لِعُذْرٍ، كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ قوله: (فإن لم يعرف إلا آية) يعني: منها أو من غيرها، فإن أحسن آية منها، وشيئاً من غيرها؛ كرر الآية لا الشيء، فإن لم يحسن إلا بعض آية؛ لم يكرره، وعدل إلى غيره.
"إقناع".
قوله: (بقدرها) يعني: حروفاً وآيات.
قوله: (وفي الباقي من أوساطه) نقل الأصحاب عن الإمام أحمد -رحمه الله-
وَنَحْوِهِمَا بِأَقْصَرَ مِنْ ذَلِكَ وَإِلَّا كُرِهَ بِقِصَارِهِ فِي فَجْرٍ لَا بِطِوَالِهِ فِي مَغْرِبٍ وَأَوَّلُهُ ق وَحَرُمَ تَنْكِيسُ الْكَلِمَاتِ وَتَبْطُلُ بِهِ لَا السُّوَرِ، وَالْآيَاتِ وَيُكْرَهُ ك بِكُلِّ الْقُرْآنِ فِي فَرْضٍ أَوْ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ.
أنه سئل عن إمام أحرم بالعصر فطول يظنها الظهر؟ فقال: يعيد ويعيدون.
وهذا يقتضي أنه يطلب في الظهر من التطويل أكثر من العصر، فقوله: (وفي الباقي من أوساطه) فيه إجمال، لا أنه على حد سواء، كما أفاده شيخنا محمد الخلوتي.
قوله: (بأقصر من ذلك) أي: بأقصر من الطوال في الفجر، وبأقصر من الأوساط في غير الفجر والمغرب.
قوله: (وإلا... إلخ) أي: وإن قرأ في غير المغرب بأقصر من ذلك لغير عذر؛ كره في صورة واحدة، وهي: أن يقرأ في الفجر بقصار المفصل، ومفهومه: لا يكره في غير فجر ومغرب بقصاره، ولو لغير عذر، وهو أولى من مفهوم كلام "الإقناع"، فراجعه.
قوله: (أو بالفاتحة فقط) يعني: في فرض أو نفل، كما يفيده أيضاً عموم "الإقناع".
لَا تَكْرَارُ سُورَةٍ أَوْ تَفْرِيقُهَا فِي رَكْعَتَيْنِ وجَمْعُ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ.
وقِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا أَوْ مُلَازَمَةُ سُورَةٍ مَعَ اعْتِقَادِ جَوَازِ غَيْرِهَا وَيَجْهَرُ إمَامٌ بِقِرَاءَةِ فِي الصُّبْحِ فِي مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ وَكُرِهَ الْمَأْمُومِ ونَهَارًا فِي نَفْلٍ وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ قَائِمٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ وَيُسِرُّ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ جَهْرٍ نَهَارًا وَيَجْهَرُ بِهَا لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ وفِي نَفْلٍ يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ وَلَا تَصِحُّ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّرًا رَافِعًا يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَائِهِ فَيَضَعُ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا وَيَجْعَلُ رَأْسَهُ حِيَالَهُ وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ قوله: (وأوساطها) أي: كأوائلها، كما في "الإقناع".
فتركه المصنف؛ لعدم الخلاف فيه.
محمد الخلوتي.
قوله: (في جماعة) اعتباراً بالقضاء، وشبهها بالأداء؛ لكونها في جماعة، فإن قضاها منفرداً؛ أسر؛ لفوات شبهها بالأداء.
"شرح إقناع".
قوله: (حياله) بكسر الحاء؛ أي: بإزاء ظهره، فلا يرفعه عنه، ولا يخفضه.
قال في "المصباح": قمت حياله، بكسر الحاء؛ أي: قبالته، وفعلت كل شيء على حياله؛ أي: بانفراده.
انتهى.
وَالْمُجْزِئُ بِحَيْثُ يُمْكِنُ وَسَطًا مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ وَقَدْرُهُ مِنْ غَيْرِهِ ومِنْ قَاعِدٍ مُقَابَلَةُ وَجْهِهِ مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ أَرْضٍ أَدْنَى مُقَابَلَةٍ وَتَتِمَّتُهَا الْكَمَالُ وَيَنْوِيهِ أَحْدَبُ لَا يُمْكِنُهُ.
قوله: (والمجزيء بحيث... إلخ) أي: من قائم.
قوله: (وقدره من غيره) هو معطوف على الخبر في قوله: (بحيث) والتقدير: والمجزيء من غير الوسط قدر انحناء الوسط المجزيء.
قوله: (ومن قاعد) متعلق بمبتدأ محذوف، تقديره: والمجزيء، وخبر هذا المبتدأ قوله: (مقابلة... إلخ).
فائدة: وإن عطس حال رفعه، فحمد لهما جميعاً؛ لم يجزئه نصاً، ولا تبطل به، ومثل ذلك لو أراد الشروع في الفاتحة فعطس، فقال: "الحمد لله" ينوي بذلك عن العطاس والقراءة.
قاله في "الإقناع" بحروفه، ولم يتعرض في "شرحه" لما زاد على ذلك.
ويشكل على المسألة الأخيرة قولهم في المسبوق: إذا أدرك الإمام راكعاً فكبر ونوى الإحرام والركوع بالتكبيرة، لم تنعقد؛ أي: لأنه شرك بين الواجب وغيره بالنية، فينبغي أن يقال هنا بالبطلان إن لم يأت بذلك؛ إذ كل من القراءة وتكبيرة الإحرام فرض، وأما المسألة الأولى، فمقتضى القواعد: أنه إن فعل ذلك عمداً؛ بطلت صلاته، وإن كان سهواً أو جهلاً؛