باب الاشتغال
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد عبد العزيز النجار
- الكتاب
- ضياء السالك إلى أوضح المسالك
- المؤلف
- محمد عبد العزيز النجار
- الناشر
- مؤسسة الرسالة
- الطبعة
- الأولى 1422هـ - 2001م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
إذا اشتغل فعل3 متأخر، بنصبه لمحل ضمير اسم متقدم، عن نصبه للفظ ذلك الاسم، كزيدا ضربته، أو لمحله، كهذا ضربته، فالأصل أن ذلك الاسم يجوز فيه وجهان: أحدهما راجع لسلامته من التقدير، وهو الرفع بالابتداء، فما بعده في موضع رفع على الخبرية، وجملة الكلام حينئذ اسمية4، والثاني مرجوح لاحتياجه إلى التقدير، وهو النصب، فإنه بفعل موافق للفعل المذكور5............... هذا باب الاشتغال:
محذوف وجوبا1، فما بعده لا محل له؛ لأنه مفسر2، وجملة الكلام حينئذ فعلية3.
ثم قد يعرض لهذا الاسم ما يوجب نصبه، وما يرجحه، وما يسوي بين الرفع والنصب، ولم نذكر من الأقسام ما يجب رفعه كما ذكر الناظم4؛ لأن حد الاشتغال لا يصدق عليها5، وسيتضح ذلك.
فيجب النصب: إذا وقع الاسم بعد ما يختص بالفعل، كأدوات التخصيص1، نحو: هلا زيدا أكرمته، وأدوات الاستفهام غير الهمزة2، نحو: هل زيدا رأيته؟ ومتى عمر لقيته؟ وأدوات الشرط، نحو: حيثما زيدا لقيته فأكرمه، إلا أن هذين النوعين3 لا يقع الاشتغال بعدهما إلا في الشعر، وأما في الكلام فلا يليهما إلا في صريح الفعل4، إلا إن كانت أداة الشرط "إذا" مطلقا5، أو"إن" والفعل ماض6، فيقع في الكلام، نحو: إذا زيدا لقيته أو تلقاه فأكرمه، وإن زيدا لقيته فأكرمه، ويمتنع في الكلام: إن زيدا تلقه فأكرمه7، ويجوز في الشعر، وتسوية الناظم بين إن وحيثما مردودة8.
ويترجح النصب في ست مسائل:
إحداها: أن يكون الفعل طلبا، وهو الأمر، والدعاء ولو بصيغة الخبر، نحو: زيدًا أضربه، واللهم عبدك ارحمه، وزيدا غفر الله له1.
وإنما وجب الرفع في نحو: زيد أحسن به؛ لأن الضمير في محل رفع2.
وإنما اتفق السبعة عليه في نحو: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾؛ لأن تقديره عند الاشتغال في النثر والشعر، وإن وقع مضارع مجزوم بها، اختص الاشتغال بالشعر، ويجاب عن الناظم بأن الغرض من التسوية بينهما: إنما هو في وجوب النصب؛ وفي مطلق الاختصاص بالفعل، وعبارته تنطلق بذلك، إذ يقول في هذا الموضع: والنصب حتم إن تلا السابق ما... يختص بالفعل كان وحيثما أي أن نصب الاسم السابق واجب، إذ وقع بعد أداة لا يليها إلا الفعل، كأدوات الشرط، وأدوات الاستفهام -غير الهمزة- كما بينا.
سيبويه: مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني1، ثم استؤنف الحكم، وذلك؛ لأن الفاء لا تدخل عنده في الخبر في نحو هذا2، ولذا قال في قوله: وقائلة خولان فانكح فتاتهم3
إن التقدير: هذه خولان، وقال المبرد: الفاء لمعنى الشرط1، ولا يعمل الجواب في الشرط، فكذلك ما أشبههما، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا، فالرفع عندهما واجب، وقال ابن السيد2، وابن بابشاذ3: يختار الرفع في العموم4، كالآية، والنصب في الخصوص، كزيدا اضربه.
الثانية: أن يكون الفعل مقرونًا باللام، أو بلا الطلبيتين، نحو: عمرا ليضربه بكر،
وخالدا لا تهنه1، ومنه زيدا لا يعذبه الله؛ لأنه نفي بمعنى الطلب2، ويجمع المسألتين في قول الناظم: "قبل فعل ذي طلب"، فإن ذلك صادق على الفعل الذي هو طلب، وعلى الفعل المقرون بأداة الطلب.
الثالثة: أن يكون الاسم بعد شيء، الغالب أن يليه فعل، ولذلك أمثلة، منها همزة الاستفهام3، نحو: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾، فإن فصلت الهمزة فالمختار الرفع، نحو: أأنت زيدا تضربه؟ 4 إلا في نحو: أكل يوم زيدا تضربه؟ لأن الفصل بالظرف كلا فصل، وقال ابن الطراوة: إن كان الاستفهام عن الاسم فالرفع، نحو: أزيد ضربته أم عمرو5، وحكم بشذوذ النصب في قوله:
أثعلبة الفوارس أم رياحًا... عدلت بهم طهية والخشابا6 فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}.
وقال الأخفش: أخوات الهمزة كالهمزة1، نحو: أيهم زيدا ضربه؟ ومن أمة الله ضربها؟ 2، ومنها النفي بما، أو لا، أو إن3، نحو: ما زيد رأيته، وقيل: ظاهر مذهب وفيها يمدح قبيلتي: ثعلبة ورياح، ويذم قبيلتي طهية والخشاب.
اللغة والإعراب: ثعلبة ورياح: قبيلتان من بني يربوع من حنظلة، الفوارس: جمع فارس، وهو أحد ألفاظ جمع فيها "فاعل" -وصفا لمذكر عاقل- على ""فواعل" ومنها: هوالك، جمع هالك، ونواكس، جمع ناكس، وحواج، جمع حاج.
عدلت: سويت وجعلتهم يعد لونهم في سمو المنزلة، أو ملت.
هية: حي من بني تميم، الخشاب: حي من بني مالك بن حنظلة، "أثعلبة" الهمزة للاستفهام، وثعلبة: منصوب بفعل محذوف من معنى العامل المذكور، أي: أحقرت ثعلبة، أو أهنته؟.
"الفوارس" نعت لثلعبة باعتباره معناه، "أم متصلة"، "رياحا" معطوف على ثعلبة، "طهية" مفعول لعدلت، إن كانت بمعنى سويت، وبنزع الخافض، والباء للبدل، إن كانت بمعنى ملت، أي ملت بدلهم إلى طهية والخشاب.
المعنى: أتسوي بين قبيلتي ثعلبة الفوارس أو رياح هاتين القبيلتين المعروفتين بالفضل والنبل، وبين تينك القبيلتين الوضيعتين اللتين لا وزن لهما: طهية والخشاب.
الشاهد: نصب "ثعلبة" الواقع بعد همزة الاستفهام، مع أن المستفهم عنه الاسم، وهذا النصب بفعل مقدر يدل عليه المذكور، تقديره: أأهنت أو أظلمت مثلا، وهو شاذ على رأي ابن الطراوة، الذي يوجب الرفع إن كان الاستفهام عن الاسم، وراجح عند سيبويه وأنصاره؛ لأنه لا فرق عندهم في ترجيح النصب بين أن يكون الاستفهام عن الاسم، أو الفعل.
سيبويه اختيار الرفع، وقال ابن الباذش، وابن خروف يستويان1.
ومنها "حيث"، نحو: حيث زيدا تلقاه أكرمه، كذا قال الناظم2، وفيه نظر3.
الرابعة: أن يقع الاسم بعد عاطف غير مفصول "بأما" مسبوق بفعل غير مبني على اسم1: كقام زيد وعمرًا أكرمته، ونحو: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ بعد: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ 2، بخلاف نحو: ضربت زيدًا، وأما عمرو فأهنته، فالمختار قال: وإضافة "حيث" إلى الفعلية أكثر، ومن ثم ترجح النصب في نحو: جلست حيث زيدا أراه، ولعل وجه النظر في قوله: "أكرمه" في المثال الذي ذكره، فإنه ربما يوهم أنه جواب "حيث" مع أن "حيث" المجردة من "ما" لا جواب لها عند البصريين، ومن جعل لها جوابا من الكوفيين، يوجب النصب بعدها، فلا يكون راجحا، وإلى المواضع الثلاثة المتقدمة أشار الناظم بقوله: واختير نصب قبل فعل ذي طلب... وبعد ما إبلاؤه الفعل غلب أي يختار النصب على الرفع -مع جواز الأمرين- حين يقع الاسم السابق قبل فعل دال على الطلب، سواء أكان بنفسه، أم بلام الأمر الداخلة على المضارع، وكذلك إذا وقع الاسم بعد أدة يغلب أن يليها ويقع بعدها الفعل، كهمزة الاستفهام، والنفي بـ"ما" أو"لا" أو"إن" أو"حيث"، كما ذكره المصنف.
الرفع1؛ لأن "أما" تقطع ما بعدها عما قبلها، وقرئ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بالنصب على حد: زيدا ضربته2، و"حتى" و"لكن" و"بل" كالعاطف، نحو: ضربت القوم حتى زيدا ضربته.
الخامسة: أن يتوهم في الرفع أن الفعل صفة: نحو: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاه﴾ 3، وإنما لم يتوهم ذلك مع النصب4؛ لأن الصفة لا تعمل في الموصوف، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا.
ومن ثم5 وجب الرفع إن كان الفعل صفة، نحو: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي
الزُّبُرِ} 1، أو صلة، نحو: زيد الذي ضربته2، أو مضافا إليه، نحو: زيد يوم تراه تفرح3، أو وقع الاسم بعدما يختص بالابتداء كإذا الفجائية4، على الأصح، نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، أو قبل ما لا يرد ما قبله معمولًا لما بعده، نحو: زيد ما أحسنه! أو إن رأيته فأكرمه، أو هل رأيته؟ أو هلا رأيته5.
تنبيهان:
الأول: ليس من أقسام مسائل الباب ما يجب فيه الرفع، كما في مسألة "إذا" الفجائية، لعدم صدق ضابط الباب عليها1، وكلام الناظم يوهم ذلك2.
الثاني: لم يعتبر سيبويه إبهام الصفة مرجحًا للنصب3، بل جعل النصب في الآية مثله في زيدا ضربته، قال: وهو عربي كثير.
السادسة: أن يكون الاسم جوابا لاستفهام4 منصوب، كزيدا ضربته، جوابا لمن قال: أيهم ضربت؟ أو: من ضربت؟ 5 أي إن وقع الاسم السابق المشتغل عنه، بعد أداة تختص بالابتداء، كإذا الفجائية وغيرها مما ذكر، فالتزم في ذلك رفع الاسم السابق، وكذلك يجب رفع الاسم السابق: إذا وقع الفعل المشتغل بالضمير، بعد لفظ لا يرد ما قبله معمولا لعامل بعده، كأدوات الشرط، والاستفهام، وغير ذلك مما أوضحناه.
ويستويان في مثل الصورة الرابعة، إذا بني الفعل على اسم1، غير "ما" التعجبية، وتضمنت الجملة الثانية2 ضميره، أو كانت معطوفة بالفاء3، لحصول المشاكلة4، رفعت أو نصبت، وذلك نحو: زيد قام، عمرو أكرمته لأجله، أو فعمرًا أكرمته5، بخلاف ما أحسن زيدا وعمروا أكرمته عنده، فلا أثر للعطف6، فإن لم يكن في الثانية ضمير للأول، ولم يعطف بالفاء: فالأخفش، والسيرافي يمنعان النصب، وهو المختار7.
باعتبار ما كان، نحو: كتاب محمد استعرته، جوابا لمن قال: كتاب من استعرت؟ هذا ولم يشر الناظم إلى المسألتين: الخامسة والسادسة من مواضع ترجيح النصب.
وقد ذكر الأشموني من مواضع ترجيح النصب: أن يقع اسم الاشتغال بعد شبيه بالعاطف على الجملة الفعلية، نحو: أكرمت القوم حتى محمدا أكرمته، وما سافر علي، لكن محمدا عاتبته، فـ"حتى" و"لكن" حرفا ابتداء أشبها العاطفين، ولم يعتبرا عاطفين هنا، لدخولهما على الجمل، والعاطف منهما إنما يدخل على المفرد.
والفارسي وجماعة يجيزونه1، وقال هشام: الواو كالفاء.
وهذه أمور متممات لما تقدم:
أحدها: أن المشتغل عن ااسم الساب كما يكون فعلا، كذلك يكون اسما، لكن بشروط ثلاثة: أحدها: أن يكون وصفا2، الثاني: أن يكون عاملًا3.
الثالث: أن يكون صالحًا للعمل فيما قبله4................... رابط، وهو مفقود هنا، فإن عطف على الكبرى ترجح الرفع.
وإلى ما تقدم أشار الناظم بقوله: وإن تلا المعطوف فعلا مخبرا... به عن اسم، فاعطفن مخيرا أي إذا وقع الاسم المشتغل عنه بعد عاطف تقدمته جملة فعلية، هي خبر عن مبتدأ، فأنت بالخيار، بين العطف على ما قبله عطف على جملة فعلية مثلها، أو عطف جملة اسمية على اسمية، مراعاة للصدر والعجز.
وذلك نحو: زيدا أنا ضاربه الآن أو غدا، بخلاف نحو: زيد عليكه، وزيد ضرباه إياه؛ لأنهما غير صفة1، نعم يجوز النصب عند من جوز تقديم معمول اسم الفعل، وهو الكسائي، ومعمول المصدر الذي لا ينحل بحرف مصدري2، وهو المبرد والسيرافي، وبخلاف نحو: زيد أنا ضاربه أمس؛ لأنه غير عامل على الأصح، وزيد أنا الضاربه، ووجه الأب زيد حسنه3؛ لأن الصلة والصفة المشبهة لا يعملان فيما قبلهما.
الثاني: لا بد في صحة الاشتغال من علقه4 بين العامل والاسم السابق، وكما الحروف الناسخة، ولا فعلا جامدا، كعسى وليس، وفعل التعجب وغير ذلك من كل ما لا يصلح أن يتقدم عليه معموله، نعم: لا يجوز الاشتغال في المصدر وفي اسم الفعل، وفي ليس، عندي من يجيز تقديم معمول الأولين، وخبر ليس، كما بين المصنف.
تحصل العلقة بضميره المتصل بالعامل، كزيدا ضربته، كذلك تحصل بضميره المنفصل من العامل بحرف الجر، نحو: زيد مررت به، أو باسم مضاف، نحو: زيدا ضربت أخاه1.
أو باسم أجنبي أتبع بتابع مشتمل على ضمير الاسم، بشرط أن يكون التابع نعتا له2، نحو: زيد ضربت رجلا يحبه، أو عطفا بالواو3، نحو: زيدًا ضرب عمرًا وأخاه، أو عطف بيان، كزيدا ضربت أخاه4، فإن قدرت الأخ بدلًا بطلت
المسألة، رفعت أو نصبت1، إلا إذا قلنا عامل البدل والمبدل منه واحد، صح الوجهان2.
الثالث: يجب كون المقدر في نحو: زيدًا ضربته3، من معنى العامل المذكور، ولفظه، وفي بقية الصور من معناه دون لفظه4، فيقدر: جاوزت زيدا مررت به5، وأهنت زيدا ضربت أخاه6.
الرابع: إذا رفع فعل ضمير اسم سابق، نحو: زيد قام أو غضب عليه7، أو ملابسًا لضميره، نحو: أزيد قام أبوه؟ فقد يكون ذلك الاسم واجب الرفع بالابتداء، كخرجت فإذا زيد قام، وليتما عمرو قعد، إذا قدرت: "ما" كافة8، أو بالفاعلية، نحو:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ 1، وهلا زيد قام.
وقد يكون راجح الابتدائية على الفاعلية، نحو: زيد قام، عند المبرد، ومتابعيه2.
وغيرهم يوجب ابتدائيته لعدم تقدم طالب الفعل3.
وقد يكون راجح الفاعلية على الابتدائية، نحو: زيد ليقم4، ونحو: قام زيد وعمرو قعد5، ونحو: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾، ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ 6.
وقد يستويان، نحو: زيد قام وعمرو قعد عنده7.
................................................. تتمة: يشترط في الاسم المشغول عنه: أن يكون قابلا للإضمار، فلا يصح الاشتغال عن حال، أو تمييزه، أو مصدره مؤكد، أو مجرور بما لا يجر المضمر، كحتى والكاف، وأن يكون مفتقرا لما بعده، فليس من الاشتغال نحو: في الدار فأكرمه، وأن يكون واحدا لا متعددا، وأن يكون مختصا لا نكرة مخصة، ليصح رفعه بالابتداء، فليس من الاشتغال قوله -تعالى-: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، بل رهبانية معطوف على ما قبله بتقدير مضاف، أي: وابتدعوها صفة.
.................................................12345678 الأسئلة والتمرينات:
................................................12