أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الحر بن جابر، وكان أحد حكماء العرب - فيما أوصى به ابنه: وإياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار.

صعد عثمان بن عفان رضي الله عنه على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم أرتج عليه، فقال: أما بعد فإن أول كل مركب صعب، وما كنا خطباء، وسيعلم الله، وإن امرأ ليس بينه وبين آدم أب حي لموعوظ.

ويروى أن عثمان بن عفان رضي الله عنه صعد المنبر فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال.

وروي في هذا الخبر: أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام قائل.

وروي أن عثمان لما بويع، قام فحمد الله وأثنى عليه ثم أرتج عليه، فقال: وليناكم وعدلنا فيكم، وعدلنا عليكم خير من خطبتنا فيكم، فإن أعش يأتكم الكلام على وجهه.

وروي أن عبد الرحمن بن جابر بن الوليد، خطب الناس على منبر حمص فأرتج عليه، فقال: يا أهل حمص! أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب مصقع، ثم نزل.

وأرتج يوما على عبد الملك بن مروان، فقال:نحن إلى الفضل في الرأي، أحوج منا إلى الفضل في المنطق.

وأرتج على معن بن زائدة، وهو على المنبر، فضرب بيده ثم قال: فتى حرب لا فتى منابر.

صعد عبد الله بن عامر منبر البصرة، فحصر،فشق ذلك عليه، فقال له زياد: أيها الأمير! إنك إن أقمت عامة من ترى أصابهم أكثر مما أصابك.

صعد علي بن أرطاة المنبر، فقال: الحمد لله الذي يطعم هؤلاء ويسقيهم.

أرتج على خالد بن عبد الله القسري على منبر الكوفة، فقال: إن هذا الكلام يجيء أحيانا ويعزب أحيانا، ويسهل عند مجيئه، ويعسر عند عزوبه طلبه، وربما طلب فأبى، وكوبر فعصى، فالتأني لمجيئه أيسر من التعاطي لأبيه وهو يخلج من الجريء جنانه، وينقطع من الذرب لسانه، فلا ينظره القول إذا اتسع، ولا يكسره النطق إذا امتنع، وسأعود فأقول إن شاء الله.

خطب رجل من الأزد أقامه زياد للخطبة على منبر البصرة، فلما رقى المنبر، وقال الحمد لله، أرتج عليه، فقال: قد والله هممت ألا أحضر اليوم، فقالت لي امرأتي: نشدتك الله إن تركت الجمعة وفضلها، فأطعتها، فوقفت هذا الموقف، فاشهدوا أنها طالق.
فقالوا له: انزل قبحك الله.
وأنزل إنزالا عنيفا.
وقد قيل: إن هذه القصة لوازع اليشكري، وفي ذلك قال الشاعر:

وما ضرني ألا أقوم لخطبة ... وما رغبتي في مثل ما قال وازع

وذكر القهرمي عن أبيه قال: قام القلاخ بن حزن يوم عيد خطيبا، فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض في ستة أشهر.
فقيل له: إنما خلقها في ستة أيام فقال: أقيلوني، فوالله لقد ظننت أني أقللت، وكنت أريد أن أقول في ست سنين.

صعد روح بن حاتم المنبر، فلما رآهم قد فتحوا أسماعهم وشقوا أبصارهم، قال: نكسوا رءوسكم وغضوا أبصاركم، فإن أول كل مركب صعب، وإذا يسر الله فتح قفل يسر.

خطب مصعب بن حيان خطبة نكاح فحصر، فقال لقنوا موتاكم شهادة ألا إله إلا الله، فقالت أم الجارية: عجل الله موتك، ألهذا دعوناك؟! قيل لرجل من الوجوه: قم فاصعد المنبر فتكلم، فقام.
فلما صعد المنبر حصر، فقال: الحمد لله الذي يرزق هؤلاء.
وبقي ساكتا فأنزلوه وأصعدوا آخر، فلما استوى قائما وقابل وجوه الناس بوجهه، وقعت عينه على رجل أصلع وحصر، فقال اللهم العن هذه الصلعة.

صعد عتاب بن زرقاء منبر أصبهان فحصر، فقال: والله لا أجمع عليكم عيا وبخلاء ادخلوا سوق الغنم فمن أخذ شاة فهي له وثمنها علي.
وقد روي أن هذا إنما عرض لعبد الله بن عامر على منبر البصرة، وأن عتاب بن ورقاء هو الذي قام على المنبر فحمد الله ثم أرتج عليه، فجعل يقول: أما بعد أما بعد ...، وقبالة وجهه شيخ أصلع فقال: أما بعد يا أصلع، فوالله ما غلطني غيرك، علي به، فأتي به فضربه أسواطا.

وصعد آخر المنبر فقال: إن الله لا يرضى لعباده المعاصي، وقد أهلك أمة من الأمم بعقرهم ناقة لا تساوي مائتين وخمسين درهما، فسمى مقوم الناقة.

وهذا هو عبد الله بن أبي ثور عامل ابن الزبير على المدينة.

ذكر عمرو بن شبة، حدثنا الحسين بن عثمان عن بعض علماء المدينة، قال: ثم عزل ابن الزبير عبيدة بن الزبير، واستعمل عبد الله بن أبي ثور حليف بني عبد مناف، فلقبه أهل المدينة مقوم ناقة الله، وغلت الأسعار فتشاءموا به، فعزله ابن الزبير.

صعد أعرابي المنبر فقال: أقول لكم ما قال العبد الصالح: " ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "، فقالوا له: هذا فرعون.
فقال: قد والله أحسن القول.

قال بزرجهمر: هيبة الزلل تورث حصرا، وهيبة العاقبة تورث جبنا

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
الانتقال إلى صفحة
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب من خطب فأريج عليه — 8 من 124
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل