باب من المواعظ الموجزة
قال ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب ".
قال عليه السلام لعبد الله بن مسعود: " يا عبد الله! لا تكثر همك ما يقدر يكن، وما ترزق يأتك ".
قال عليه السلام لعبد الله بن عمر يعظه: " يا عبد الله! اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ". أخذه محمود الوراق، والله أعلم، فقال:
بادر شبابك أن تهرما ... وصحة جسمك أن تسقما
وأيام عيشك قبل الممات ... فما قصر من عاش أن يسلما
ووقت فراغك بادر به ... ليالي شغلك في بعض ما
فقدر فكل امرئ قادم ... على علم ما كان قد قدما
سئل علي عليه السلام: من الزاهد في الدنيا؟ قال: من لم ينس المقابر والبلى وترك فضل زينة الدنيا، وآثر ما يبقى على ما يفنى، وعد نفسه في الموتى.
قال عليه السلام: " ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا، أو فقرا منسيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مقيدا، أو موتا مجهزا، والدجال شر غائب، تنتظره الساعة، والساعة أدهى وأمر ".
قال ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لم أر كالنار نام هاربها، ولم أر كالجنة نام طالبها ".
قال جعفر بن محمد: الناقص من الناس من لا ينتفع من المواعظ إلا بما آلمه أو لزمه.
كان يقال: اجعل عمرك كنفقة رفعت إليك، فأنت لا تحب أن يذهب ما ينفق منها ضياعا، فلا يذهب عمرك ضياعا.
قال أبو عمرو بن العلاء: أول شعر قيل في ذم الدنيا، قول يزيد بن خذاق العبدي:
هل للفتى من بنات الدهر من راق ... أم هل له من حسام الموت من واق
قد رجلوني وما بالشعر من شعث ... وألبسوني ثيابا غير أخلاق
ورفعوني وقالوا أيما رجل ... وأدرجوني كأني طي مخراق
وأرسلوا فتية من خيرهم حسبا ... ليسندوا في ضريح القبر أطباقي
وقسموا المال وارفضت عوائدهم ... وقال قائلهم مات ابن خذاق
هون عليك ولا تولع بإشفاق ... فإنما مالنا للوارث الباقي
قال ابن عباس: ما انتفعت بشيء بعد وعظ ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم منفعتي بشيء كتب به إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أما بعد، فإن المرء يسره درك ما لم يدركه، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فات منها، وليكن همك لما بعد الموت.
قال أبو سليمان الداراني: رأيت على باب دمشق:
وكم من فتى يمسي ويصبح لاهيا ... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
قال أعرابي لابنه: يا بني! من خاف الموت بادر الفوت، ومن لم يصبر على الشهوات، أسرعت به إلى الهلكات.
ووعظ أعرابي أخاه فقال: يا أخي! أنت طالب ومطلوب، يطلبك من لا تفوته، وتطلب ما قد كفيته، فكأن ما قد غاب عنك قد كشف لك، وما أنت فيه قد نقلت عنه، يا أخي! كأنك لم تر حريصا محروما، ولا زاهدا مرزوقا.
كتب علي بن الحسين إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنك أعز ما تكون بالله، أحوج ما تكون إليه، فإذا عززت به فاعف له، فإنك به تقدر، وإليه ترجع والسلام.
وفي الحديث المرفوع: " عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه ".
كتب سلمان الفارسي إلى أبي الدرداء: أما بعد، فإنك لا تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تأمل، إلا بالصبر على ما تكره، فليكن قولك ذكرا، وصمتك فكرا، ونظرك عبرة، واعلم أن أعجز الناس من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله، وأن أكيسهم من أتعب نفسه وعمل لما بعد الموت.
قال الحسن البصري: يا معشر الشيوخ! الزرع إذا بلغ ما يصنع به؟ قالوا: يحصد.
قال: يا معشر الشباب! كم زرع لم يبلغ قد أدركته آفة.
قال مسلم بن الوليد:
كم رأينا من أناس هلكوا ... فبكى أحبابهم ثم بكوا
تركوا الدنيا لمن بعدهم ... ودهم لو قدموا ما تركوا
كم رأينا من ملوك سوقة ... ورأينا سوقة قد ملكوا
وقال آخر:
رب قوم غبروا من عيشهم ... في نعيم وسرور وغدق
سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق
وقال آخر:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم ... غلب الرجال فلم تمنعهم القلل
وقال محمود الوراق:
أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال؟
القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم دارت بك الحال
ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال
مالت بهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك والأيام أحوال
وقال تميم بن مقبل:
ما أنعم العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم
وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لابد مهدوم
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لابد مشئوم
وقال كعب بن زهير:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوما على آلة حدباء محمول
كان عمر بن عبد العزيز يتمثل:
من كان حين تصيب الشمس جبهته ... أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي تبقى بشاشته ... فسوف يسكن يوما راغما جدثا
في قعر مظلمة غبراء موحشةيطيل فيها ولا يختارها اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس واقتصدي لم تخلقي عبثا
وكان يتمثل أيضا - رحمه الله -:
أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم ... وكيف يطيق النوم حيران هائم
فلو كنت يقظان الغداة لحرقت ... مدامع عينيك الدموع السواجم
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... ونومك ليل والردى لك لازم
يغرك ما يفني وتشغل بالمنى ... كما غر باللذات في النوم حالم
وتشغل فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وقال محمود الوراق:
أيها الشيخ المعل ... ل نفسه والشيب شامل
والليل يطوي لا يفتر ... والنهار بك المنازل
اعلم بأنك نائم ... فوق الفراش وأنت راحل
يتعاقبان بك الردى ... لا يغفلان وأنت غافل
وقال ابن الكلبي، عن أبيه: خرج النعمان بن المنذر إلى الصيد، ومعه عدي بن زيد، فمر بشجرة، فقال له: أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا.
قال: تقول:
رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
عصف الدهر بهم فانقرضوا ... وكذاك الدهر حالا بعد حال
قال: ثم مر بمقبرة، فقال له عدي: أتدري أيها الملك ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا.
قال: تقول:
أيها الركب المخبون ... على الأرض المجدون
كما أنتم كنا ... كما نحن تكونون
فقال النعمان: قد علمت أن الشجرة والمقبرة لم يتكلما، وإنما أردت موعظتي، فما السبيل الذي تدرك به النجاة؟ قال: تدع عبادة الأوثان، وتعبد الله، وتدين بدين المسيح.
قال: فتنصر يومئذ.
ولعدي بن زيد:
كفى واعظا للمرء أيام دهره ... تروج له بالواعظات وتغتدي
قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: عظني.
فقال: عظم ربك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.
ومن مواعظ بعض العرب: كل من ازداد نقص، وكل من أقام ظعن وشخص، ولو كان يميت الناس الداء أعاشهم الدواء.
وأنشد أبو العباس المبرد:
تصرفت طورا كي أرى كل عبرة ... وكان الصبا مني جديدا فأخلقا
فما ازداد شيء قط إلا لنقصه ... وما اجتمع الإلفان إلا تفرقا
وقال محمود الوراق:
أراني في انتقاص كل يوم ... ولا يبقى مع النقصان شيء
طوى العصران ما نشراه مني ... فأخلق جدتي نشر وطي
فإن أك قد فنيت ومات بعضي ... فإن الحرص باق في حي
عصيت الرشد إذ أدعى إليه ... وملك طاعتي ضعف وعي
وقال عمرو بن هند:
نعلل والأيام تنقص عمرنا ... كما تنقص النيران من طرف الوقد
وقال محمود الوراق:
إن عيشا إلى الممات مصيره ... لحقيق ألا يدوم سروره
وسرور يكون آخره المو ... ت سواء قليله وكثيره
ويروي: طويلة وقصيرة.
كان يزيد الرقاشي يتمثل كثيرا بهذا البيت:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل
روى من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: ما من أهل بيت إلا وملك الموت يأتيهم، فمن وجده قد انقضى أجله قبض روحه، فإذا بكى أهله قال: لم تبكون، ولم تجزعون؟ والله ما نقصت لكم عمرا، ولا حبست عنكم رزقا، ومالي ذنب، وإن لي فيكم لعودة ثم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد.
قال أبو الدرداء في خطبة خطبها بدمشق: مالي أراكم تجمعون مالا تأكلون، وتبنون مالا تسكنون، وتأملون مالا تدركون، إن من كان قبلكم جمعوا كثيرا وبنوا شديدا وأملوا بعيدا، فأصبح جميعهم بورا ومنازلهم قبورا، وأملهم غرورا، هذه منازل عاد وثمود بين قطري الأرض ما يسرني أنها لي بدرهمين.
وجد مكتوبا في حجر: ابن آدم! لو رأيت يسير ما بقى من أجلك؛ لزهدت في طول ما ترجوه من أملك، وإنما يلقاك ندمك، لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وانصرف عنك القريب وودعك الحبيب، ثم صرت تدعى فلا تجيب، فلا أنت في عملك بزائد، ولا إلى أهلك بعائد؛ فاعمل لنفسك قبل يوم القيامة، وقبل الحسرة والندامة.
قال محمود الوراق:
يا ناظرا يرنو يعيني رافد ... ومشاهدا للأمر غير مشاهد
منتك نفسك ضلة فأجبتها ... طرق السفاهة فعل غير الراشد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى ... فوز الجنان ونيل أجر العابد
ونسيت أن الله أخرج آدما ... منها إلى الدنيا بذنب واحد
وجد حجر في بئر باليمامة، وهي بئر طسم وجديس، في قرية يقال لها معتق مكتوب فيه:
يا أيها الناس سيروا إن قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطى وأرخوا في أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر، فأنتم كما كنا تكونونا
قال عبد الله بن ثعلبة: أمسك مذموم منك، ويومك غير محمود لك، وغدك غير مأمون عليك.
ومما أنشده ابن أبي الدنيا - رحمه الله -:
قل للمؤمل إن الموت في أثرك ... وليس يخفي عليك الموت في نظرك
فيمن مضى لك إن فكرت معتبر ... ومن يمت كل يوم فهو من نذرك
دار تسافر منها في غد سفرا ... ولا تؤوب إذا سافرت من سفرك
تضحى غدا سمرا للذاكرين كما ... كان الذين مضوا بالأمس من سمرك
قال علي بن أبي طالب: يا ابن آدم! لا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي قد أنى، فإنه إن يكن من أجلك أتى الله فيه برزقك، واعلم أنك إن تكسب شيئا فوق قوتك إلا كنت خازنا لغيرك.
قال بعض الحكماء: الأيام ثلاثة، فأمس صديق مؤدب، أبقى لك عظة وترك فيك عبرة، واليوم صديق مودع، أتاك ولم تأته، كان عنك طويل الغيبة، وهو عنك سريع الظعن، فخذ لنفسك فيه، وغد لا تدري ما يحدث الله فيه، أمن أهله أنت أم لا.
لأسقف نجران، ويروى لتبع الحميري:
منع البقاء تصرف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس
اليوم تعلم ما يجئ به ... ومضى بفصل قضائه أمس
وقال أبو العتاهية:
الشمس تنعي ساكن الدنيا ... ويسعدها القمر
أين الذين عهدتهم ... لهم المهابة والأثر
أودوا وصار عليهم ... ركم الجنادل والمدر
أفناهم غلس العشا ... ء وهز أجنحة السحر
ما للقلوب رقيقة ... وكأن قلبك من حجر
ولقلما تبقى وعو ... دك كل يوم يعتصر
وقال أبو العتاهية:
سبحان ذي الملكوت أية ليلة ... مخضت صبيحتها بيوم الموقف
لو أن عينا أوهمتها نفسها ... يوم الحساب تمثلا لم تطرف
وقال أبو العتاهية أيضا:
أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد
والله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
وقال آخر:
ومنتظر للموت في كل ساعة ... يشيد ويبني دائبا ويحصن
له حين تبلوه حقيقة موقن ... وأفعاله أفعال من ليس يوقن
عيان كإنكار وكالجهل علمه ... لمذهبه في كل ما يتيقن
وقال العطوي:
نحن أهل اليقين بالموت والبع ... ث وعرض الأقوال والأعمال
ثم لا نرعوي وقد أمهل الل ... هـ بطول الإيقاظ والإمهال
أي شيء تركت يا عارفا ... بالله للممترين والجهال
مكتوب في التوراة: البر لا يبلي، والذنب لا ينسى، والمال يفنى، والخير يبقى، والديان حي لا يموت، فكن كما شئت، كما تدين تدان.
وجد حجر مكتوب فيه: ما أكلنا نلنا، وما قدمنا وجدنا، وما تركنا ندمنا.
وخير من هذا قول ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس للإنسان من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وغير ذلك فإلى وارثه ".
ولأعرابي من بني أسد:
يقولون ثمر ما استطعت وإنما ... لوارثه ما ثمر المال كاسبه
فكله وأطعمه وجنبه وارثا ... شحيحا ودهرا تعتريك نوائبه
وقال آخر:
وللمنايا تربى كل مرضعة ... وللخراب يجد الناس عمرانا
وقال آخر:
فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده
وقال أبو العتاهية:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى تباب
لمن نبني ونحن إلى تراب ... نصير كما خلقنا للتراب
ألا يا موت لم تقبل فداء ... أتيت فما تحيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي
وقال آخر:
كم من مصيخ إلى أوتار مسمعة ... ناحت عليه وقد كانت تغنيه
وقال منصور الفقيه:
تراوح ما ليس يرضى الإله ... وتغدو عليه وتخشى البلاء
كفعل النساء إذا ما أسأن ... فعاتبتهن أطلن البكاء
ولو كنت داويت قرح الذنوب ... بترك الذنوب جمعت الدواء
وقال عروة بن أذينة:
نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلة لمغار سبع ... فلما غاب عادت راتعات
وقال أبو العتاهية:
إذا ما رأيتم ميتين جزعتم ... وإن لم تروا ملتم إلى صبواتها
قال علي بن أبي طالب: لا وجع إلا وجع القلوب من الذنوب، ولا شيء أشد من الموت، وكفى بما سلف تفكرا، وكفى بالموت واعظا.
قال عبد الله بن المبارك:
رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها
وهل بدل الدين غير الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها
قال أبو العتاهية:
مالي أراك بغير نفسك لا أبالك تشتغل
خذ للوفاة من الحيا ... ة بحظها قبل الأجل
واعلم بأن الموت ... ليس بغافل عمن غفل
أين المرازبة الجحا ... جحة البطارقة الأول
وذوو التفاضل في المجا ... لس والترفل في الحلل
قال عمر بن عبيد للمنصور: إن الله قد وهب لك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك منه ببعضها.
كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز: خف ما خوفك الله يكفك ما خوفك الناس، وخذ مما في يديك لما بين يديك، فعند الموت يأتيك الخبر اليقين.
قال الحسن بن أبي الحسن، وقد نظر إلى الناس يلعبون ويضحكون في يوم العيد: إن الله قد جعل شهر رمضان مضمار الخلق، يستبقون فيه لطاعته إلى مرضاته، فالعجب من الضاحك واللاعب في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر.
وقال منصور الفقيه:
أتلهو وقد ذهب الأطيبان ... وأنذرك الشيب قرب الأجل
كأنك لم تر حيا يموت ... ولم تر ميتا على مغتسل
كان بعض الحكماء يقول: لئن كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص، وإن كانت الأيام ليست بدائمة فما السرور، وإن كانت الدنيا غرارة فما الطمأنينة.
قال أحمد بن زهير: سمعت مصعب بن عبد الله الزبيري يقول: أبو العتاهية أشعر الناس، فقلت: بأي شيء استحق ذلك عندك؟ فقال: بقوله:
تعلقت بآمال ... طوال أي آمال
وأقبلت على الدنيا ... ملحا أي إقبال
أيا هذا تجهز ل ... فراق الأهل والمال
فلابد من الموت ... على حال من الحال
ثم قال مصعب: هذا كلام حق لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل، ويقر به الجاهل.
قال عمر بن عبد العزيز: خلقنا لأمر إن كنا نؤمن به إنا لحمقى، وإن كنا تكفر به إنا لهلكي.
قال أبو العتاهية:
أتطمع أن تخلد لا أبا لك ... أمنت قوى المنية أن تنالك
أما والله إن لها رسولا ... أقسم لو أتاك لما أقالك
توقع حيث كنت نزول يوم ... يشتت بعد جمعهم عيالك
كأني بالتراب عليك يحثى ... وبالباكين يقتسمون مالك
ولست بحامل منه نقيرا ... ولا متزودا إلا فعالك
قال داود الطائي: من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله قصر عمله.
وقال سابق البربري:
أين الملوك التي عن خطبها غفلت ... حتى سقاها بكاس الموت ساقيها
نرجو ونأمل أياما تعد لنا ... سريعو المر تطوينا ونطويها
أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودارنا لخراب الدهر نبنيها
قال ميمون بن مهران: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوما، وعنده سابق البربري ينشده شعرا، فكان مما حفظت منه:
فكم من صحيح بات للموت آمنا ... أتته المنايا بغتة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة ... فرارا ولا منه بحيلة امتنع
ولا يترك الموت الغنى لماله ... ولا معدما في المال ذا حاجة يدع
وقال مصبح الأسدي:
كفى خيبة بالمرء يا أم مالك ... ركوب المعاصي عامدا واحتقارها
وقال محمود الوراق:
دب في السقام سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا
لهف نفسي على ليال وأيا ... م تمليتهن لعبا ولهوا
بليت جدتي بطاعة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا
ويروى لمنصور الفقيه:
إذا لم يكن لك في المحكمات ... وفي الموت ناه عن المنكرات
فلا تغدون إلى واعظ ... فلست بمنتفع بالعظات
وقال أيضا:
من لم تعظه المنايا ... ولم يعظه الكتاب
فليس ينجع فيه ... فلا تعن عتاب
الحسن بن هانئ، ويروى لأبي العتاهية:
وعظتك أجداث صمت ... ونعتك أزمنة خفت
وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حي لم تمت
وتكلمت عن أوجه ... تبلي وعن صور شتت
وقال محمود الوراق:
حياتك أنفاس تعد وكلما ... مضى نفس منها انتقصت به جزءا
فتصبح في نقص وتمسى بمثله ... وما لك معقول تحس به رزءا
يميتك ما يحييك في كل ساعة ... ويحدوك حاد ما يريد بك الهزءا
وقال منصور الفقيه:
يا رسوم الجدث المه ... جور قولي لابن سعد
لو رأت عيناك عيني ... كيف سالت فوق خدي
بعد دفني بثلاث ... ما هناك العيش بعدي
وقال آخر:
من كان لا يطأ التراب بنعله ... وطئ التراب بصفحة الخد
من كان بينك في التراب وبينه ... شبران فهو بغاية البعد
لو كشفت للناس أغطية الثرى ... لم يعرف المولى من العبد
خرج النعمان بن المنذر يتنزه بظاهر الحيرة ومعه عدي بن زيد العبادي، فمرا على المقابر فقال له عدي: أبيت اللعن! أتدري ما تقول هذه المقابر؟ قال: لا.
قال: فإنها تقول:
من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن الزوال
وصروف الدهر لا تبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال
رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال
والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردي في الجلال
عمروا الدهر بعيش حسن ... آمني دهرهم غير عجال
ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال
كان عمر بن الخطاب يتمثل:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والإنس والجن فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لابد من ورده يوما كما وردوا
وقال آخر:
وإذا مضت للمرء من أعوامه ... خمسون وهو إلى التقى لم يجنح
عقدت عليه النابحات وقلن قد ... أرضيتنا فأقم كذا لا تبرح
وإذا رأى الشيطان غرة وجهه ... حيا، وقال: فديت من لم يفلح
نظر مالك من ملوك الفرس يوما إلى ملكه فأعجبه، فقال: إن هذا لهو الملك لو لم يكن بعده هلك، وإنه لسرور لولا أنه غرور، وإنه ليوم، لو كان يوثق له بغد.
قال مالك بن أنس: سكن القبور رجل مجاورا لها ملازما، فعوتب في ذلك، فقال: إنهم جيران صدق لا يؤذونني، ولي فيهم عبرة.
قال ابن المعتز:
وجيران صدق لا تزاور بينهم ... على قرب بعض في التجاور من بعض
كأن خواتيما من الطين فوقهم ... فليس لها حتى القيامة من فض
وقال الخليل بن أحمد:
كن كيف شئت فقصرك الموت ... لا مزحل عنه ولا فوت
بينا غنى بيت وبهجته ... زال الغنى وتقوض البيت
وقال آخر:
اسمع فقد أسمعك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت
كل كل ما شئت وعش ناعما ... آخر هذا كله الموت
وقال آخر:
إذا ما وعظت الجاهلين بحكمة ... فلم يعرفوها أنزلوها على هجر
فعظ كل ذي عقل على قدر عقله ... ولا تعظ الحمقى على ذلك القدر