أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ذكر الدنيا

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر ".

قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته احبني الله وأحبني الناس.
قال: " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس ".

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عمر: " يا عبد الله! كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور ".

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع إليه ".

وقال عليه السلام: " مثل الدنيا كركب رفعت لهم شجرة في يوم صائف، فقالوا تحتها ساعة من نهار ثم راحوا ".

وقال عليه السلام: " إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخفلكم فيها، فانظروا كيف تعملون، ألا فاتقوا الهوى، واتقوا النساء ".

ذكر المبرد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل عن الدنيا والآخرة، فقال: هما كالمشرق والمغرب، بقدر ما تقرب من أحدهما تبعد عن الآخر.

وروى عبد خير عن علي رضي الله عنه قال: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، ويعظم حلمك، وأن تباهي الناس بعبادة ربك، وإن أحسنت حمدت الله عز وجل، وإن أسأت استغفرت، ولا خير في الدنيا إلا لرجلين: رجل أذنب ذنوبا فهو يتدارك ذلك بتوبته، ورجل يسارع في الخيرات ولا يقل عمل مع تقوى الله وكيف يقل ما يتقبل.

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الدنيا حلوة خضرة، فمن أخذها بحقها بورك له فيها، ومن أخذها بغير حقها كان كالذي يأكل ولا يشبع، ورب منحوض من مال الله ورسوله له النار يوم القيامة ".

وروى عنه عليه السلام أنه قال: " حب الدنيا رأس كل خطيئة ". وروى أن ذلك من كلام المسيح عليه السلام.

قال الأصمعي: ذكر لنا أن أنوشروان لما ضرب عنق بزرجمهر، وجد في منطقته كتابا لطيفا فيه ثلاث كلمات: إن كان القدر حقا فالحرص باطل، وإن كان الغدر في الناس طباعا فالثقة بكل أحد عجز، وإن كان الموت لكل أحد راصدا، فالطمأنينة إلى الدنيا حمق.

ووعظ أعرابي ابنه، فقال: يا بني! إن الدنيا تسعى على من يسعى لها، فالهرب قبل العطب.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تسبوا الدنيا؛ فنعم مطية المؤمن يبلغ عليها الخير، وبها ينجو من الشر ".

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار نجاة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مهبط وحي الله، ومصلى ملائكته، ومساجد أنبيائه، ومتاجر أوليائه، ربحوا فيها الرحمة، واكتسبوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها، وقد أذنت ببينها، ونادت بفراقها، فيا أيها الذام لها، بم خدعتك الدنيا؟ أم بماذا استذمت إليك؟ أبمصارع أمهاتك في الثرى؟ أم بمضاجع آبائك للبلى، لقد تطلب علينا الشفاء، واستوصف الأطباء حين لا يغني عنه دواؤه، ولا ينفعه بكاؤه.

قيل لنوح عليه السلام - حين حضرته الوفاة -: يا نبي الله! لقد بلغت من العمر ما بلغت، فصف لنا الدنيا.
فقال: ما وجدت الدنيا مع طول عمري فيها إلا كبيت له بابان، دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.

قال المسيح عليه السلام: حلو الدنيا مر الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة، ومن حزن على دنياه سخط على الله.

وعن المسيح عليه السلام أنه قال: الدنيا لإبليس مزرعة، وأهلها لها حراث.

كان يقال: مثل صاحب الدنيا كخائض الماء، هل يستطيع ألا تبتل قدماه.

قال عمر بن الخطاب: يا معشر القراء! لا تلقوا كلكم على إخوانكم، ولا تدعوا دنياكم لآخرتكم، ولا آخرتكم لدنياكم، واستعينوا بهذه على هذه.

قال علي بن أبي طالب: الدنيا دار ممر إلى دار قرار، والناس فيها رجلان: رجل باع نفسه فأوبقها، ورجل ابتاعها فأعتقها.

وعن علي رضي الله عنه، أنه قال: إن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب، وقد يجمعهما الله لأقوام.
وقد روى هذا الكلام مرفوعا عن النبي عليه السلام.

أكثر قوم من ذم الدنيا عند رابعة القيسية، فقال: من أحب شيئا أكثر من ذكره.

وقال سفيان الثوري: من أحب الدنيا وسرته، نزع خوف الآخرة من قلبه.

قال أبو الدرداء: من هوان الدنيا على الله أنه لا يعصي إلا فيها، ولا ينال ما عند إلا بتركها.

قال حذيفة بن اليمان: ليس خياركم الذين تركوا الدنيا للآخرة، ولا الذين تركوا الآخرة للدنيا، ولكن خياركم الذين أخذوا من هذه وهذه.

قال الشاعر:

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فمهما زوت عنه فليس بضائر

فما تعدل الدنيا جناح بعوضة ... لدى الله أو مقدار زغبة طائر

فما رضى الدنيا ثوابا لمؤمن ... ولا رضى الدنيا عقابا لكافر

قال أبو العتاهية:

ويا دنياي مالي لا أراني ... أسومك منزلا إلا نبا بي

وما لي لا ألح عليك إلا ... نصبت الهم لي من كل باب

أراك وإن طلبت بكل وجه ... كحلم النوم أو ظل السحاب

وكالأمس الذي ولى مريرا ... وكالحدثان أو لمع السراب

وهذا الخلق منك على مسير ... وأرجلهم جميعا في الركاب

وموعد كل ذي سعى وفعل ... بما يبدو غدا يوم الحساب

قال ابن مسعود: الدنيا كلها غموم، فما كان منها سرور فهو ربح.

وقال الشاعر:

ومن يحمد الدنيا لعيش يسره ... فسوف لعمري عن قليل يلومها

إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت قليلا نعيمها

وقال آخر:

إنما الدنيا وإن سر ... ت قليل من قليل

لبس يخلو أن تراءى ... لك في زي جميل

ثم ترميك من المأ ... من بالخطب الجليل

قال بعض الحكماء: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها.

قال الخليل بن أحمد: الدنيا أمد، والآخرة أبد.

وصف الحسن البصري الدنيا، فقال: أما اليوم فعمل، وأما أمس فأجل، وأما غد فأمل.

قال محمود الوراق:

تلذذت في الدنيا بك لطريفة ... على أنها أيضا حرام محرم

وتأمل جنات الخلود لبئسما ... تقدر، من يقضي بهذا ويحكم؟

لئن كان حكم الله يخرج هكذا ... فإنك من يحيي على الله أكرم

إذا قيل: من يقضي بهذا فقل له ... ومد له في الصوت: يحلم يحلم

وقال منصور الفقيه:

دنيا تروح بأهلها ... في كل يوم مرتين

فغدوها لتجمع ... ورواحها لشتات بين

وقال آخر:

إنما الدنيا شتات ... فتأهب لشتاتك

واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك

واجعل الفطر إذا ما ... صمته يوم وفاتك

وقال آخر:

أنت في دار شتات ... فاغتنم وقت حياتك

اترك الدنيا وما ... فيها ودعها لعداتك

تجمع المال وتوعي ... هـ لأزواج بناتك

أو لكنات قريرا ... ت عيون بوفاتك

أو لبعل العرس من ... بعدك تحبوه بذاتك

إنما الدنيا كحلم ... فانتبه من غفلاتك

وقال آخر:

نراع لذكر الموت ساعة ذكره ... وتعترض الدنيا فنلهو ونلعب

ونحن بنو الدنيا خلقنا لغيرها ... وما كنت فيها فهو شيء محبب

قال الخاسر: أشعر الجن والإنس أبو العتاهية في قوله:

سكن يبقى له سكن ... ما بهذا يؤذن الزمن

نحن في دار يخبرنا ... عن بلاها ناطق لسن

دار سوء لم يدم فرح ... لامرئ فيها ولا حزن

في سبيل الله أنفسنا ... كلنا بالموت مرتهن

كل نفس عند ميتتها ... حظها من مالها الكفن

إن مال المرء ليس له ... منه إلا ذكره الحسن

كان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - يتمثل:

ولا خير في عيش امرئ لم يكن له ... من الله في دار الحياة نصيب

فإن تعجب الدنيا أناسا فإنها ... متاع قليل والزوال قريب

وقال الغزال:

لقد فسدت فما تلقى ... بها من ليس ذا شجن

وصار الحي منا يغ ... بط الملفوف في الكفن

وقال سابق البربري:

لسانك للدنيا عدو مشاحن ... وقلبك فيها للسان مباين

وما ضرها ما قلت فيها وقد صفا ... لها منك ود في فؤادك كامن

قال ابن الحنفية: من كرمت عليه نفسه، هانت عليه الدنيا.

قال الشعبي: ما أعلم لنا وللدنيا مثلا إلا كما قال كثير عزة:

أسيئي بنا أو أحسن لا ملومة ... لدنيا ولا مقلية إن تقلت

وقال أبو العتاهية:

أصبحت الدنيا لنا عبرة ... والحمد الله على ذلكا

قد أجمع الناس على ذمها ... وما أرى منهم لها تاركا

وقال لسابق البربري:

جمعنا لها أكلا وذما بألسن ... أليس عجيبا ذمها واحنلاتها

قال أبو الطيب:

تفاني الرجال على حبها ... ولا يحصلون على طائل

وقال أيضا:

ومن لم يعشق الدنيا قديما ... ولكن لا سبيل إلى الوصال

وقال آخر:

يذمون دنياهم وهم يحلبونها ... ولم أر كالدنيا تذم وتحلب

وقال سعيد بن حميد:

ولم أر كالدنيا تذم صروفها ... ونوسعها شتما ونحن عبيدها

وقال منصور الفقيه:

ضحكت دنياك يا إن ... سان من نهيك عنها

مع تمنيك على ربك ... ما لم تؤت منها

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، في خطبة له: أيها الناس! إنما الدنيا أجل محترم، وأمل منتقص، وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله من فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه.
أيها الناس! قد علمتم أن أباكم أخرج من الجنة بذنب واحد، وأن ربكم وعد على التوبة خيرا، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل، ومن ربه على أمل.

قال بعض الحكماء.
إنما الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر.

قال محمود الوراق:

ما أفضح الموت للدنيا وزينتها ... جدا، وما أفضح الدنيا لأهليها

لا ترجعن على الدنيا بلائمة ... فعذرها لك باد في مساويها

لم تبق في غيبها شيئا لصاحبها ... إلا وقد بينته في معانيها

تفني البنين وتفني الأهل دائبة ... ونستنيم إليها لا نعاديها

فما يزيدكم قتل الذي قتلت ... ولا العداوة إلا رغبة فيها

قال أبو حفص عمر بن علي الفلاس: كتبت إلى صديق لي أشاوره في شيء من أمر الدنيا، فكتب إلى رقعة فيها سطران، أحدهما: بسم الله الرحمن الرحيم، والآخر: اطلب الدنيا على قدر مكثك فيها، واطلب الآخرة على قد حاجتك إليها.

كان صالح المري يتمثل:

مؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل

وبات يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل

وقال آخر:

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

فطوبى لعبد آثر الله ربه ... وجاد بدنياه لما يتوقع

وقال آخر:

لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها متحول

فساخط أمر لا يبدل غيره ... وراض بأمر غيره سيبدل

وبالغ أمر كان يأمل غيره ... ومختلج من دون ما كان يأمل

وقال آخر:

ويح دنيا غرورها يضنيني ... كم إلى كم غررتني فدعيني

كم تسومينني خداعا عن الرش ... د وكم ذا الخداع ويك ذريني

أملي زائد وعمري يفني ... ويح نفسي عن رأيها المغبون

همتي تعتلي السماء وسعيي ... كسلا سعي عاجز مأفون

ويح نفسي أما كفاها من العي ... ش تقضى سنين بعد سنين

ليت شعري وما انتظاري وقد ... لاح شيب بعارضي وقروني

ويا ابن ستين ما اعتذارك من بع ... د بلوغ الأشد والستين

قيل لراهب: كيف سخت نفسك بالخروج عن الدنيا؟ قال: أيقنت أني خارجها منها كارها، فأحببت أن أخرج منها طائعا.

قال بزرجمهر: من عيب الدنيا أنها لا تعطي أحدا ما يستحق، إما زادته وإما نقصته.

لما قدم سعد بن أي وقاص القادسية أميرا عليها من عند عمر بن الخطاب أتته حرقة بنت النعمان بن المنذر في خدمها ووصائفها، فلما وقفن بين يديه قال: أيكن حرقة بنت النعمان؟ قالت: هأناذه، فما أردت بتكرارك الاستفهام، إن الدنيا دار زوال لا تدوم لأهلها على حال، تنتقل بهم انتقال الظلال، وتعقبهم حالا بعد حال، إنا كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبي إلينا خراجة ويطيعنا أهله مدة من الدهر، فلما أدبر عنا الأمر صاح بنا صائح الأيام، فصدع شملنا، وشتت ملأنا، وكذلك الدهر يا سعد، فلا تغتر بحال الدنيا، فإنها زائلة عنك كما زالت إليك.
ثم سألته حوائجها فقضاها، فدعت: لا أزال الله عنك نعمة أتمها عليك.

كتب أبي بن كعب إلى أخ له: أما بعد، فإن الدنيا دار فناء، ومنزل قطيعة، رغب عنها السعداء، وانتزعت من أيدي الأشقياء، فغناها فقر، والعلم بها جهل.

كان يقال: الدنيا والآخرة ضرتان، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى.

كان يقال: مثل الذي يريد أن تجتمع له الدنيا والآخرة، مثل عبد له ربان فلا يدري أيهما يطيع.

حج سليمان بن عبد الملك فلما أشرف في انصرفه على قديد، نظر من عسكره فأعجبه ما رأى من كثرته، ومعه عمر بن عبد العزيز، فقال له: كيف ترى يا أبا حفص؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين دنيا تأكل بعضها، أنت المبتلي بها والمسؤول عنها.

وروى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أو عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: الدنيا دول، ليس إلى أحد دون الله إدالتها، فما كان منها لأحد أتاه على ضعفه، وما كان منها على أحد لم يدفعه بقوته.

قال أبو حازم: وجدت الدنيا شيئين: شيئا لي وشيئا لغيري، فما كان لي منها لم ينله غيري، ولو رامه بحيلة السموات والأرض، ففيم العناء والغم والتعب.

ذكرت الدنيا لأبي حازم فقال أبو حازم: الدنيا جيفة فمن أراد منها شيئا فليصبر على مهارشة الكلاب.

قال أبو حازم: تكدرت الدنيا وتعذرت، ما تمد يدك إلى شيء منها إلا وجدت فاسقا قد سبقك إليه.

كان سفيان الثوري يقول: الدنيا داء التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح برخائها، ولم يحزن لشقائها.

قال وهيب بن الورد: من أراد الدنيا فليتهيأ للذل.

سمع المسعودي رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون فيما عند الله.
قال: اقلب المعنى وضع يدك على من شئت.

كان سفيان الثوري يتمثل:

أرى أشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجوع

أراها وإن كانت تحب فإنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع

وقال أبو العتاهية:

يا ساكن الدنيا لقد أوطنتها ... وأمنتها عجبا وكيف أمنتها

وشغلت قلبك عن معادك بالمنى ... وشغلت نفسك بالهوى وفتنتها

وأشعار أبي العتاهية في ذم الدنيا كثيرة جدا، وقد جمعتها شعرا على حروف العجم مما قاله في المواعظ والحكم.

وقال آخر:

ما أعجب الدهر في تصرفه ... والدهر لا تنقضي عجائبه

كم رأينا للدهر من أسد ... بالت على رأسه ثعالبه

قال محمد بن عبد الملك الزيات:

هي السبيل فمن يوم إلى يوم ... كأنه ما تريك العين في النوم

لا تعجلن رويدا إنها دول ... دنيا تنقل من قوم إلى قوم

إن المنايا وإن أصبحت في شغل ... تحوم حولك حوما أيما حوم

وقال آخر:

تقنع بالذي قاتك ... ولا تأس لما فاتك

ولا تغتر بالدنيا ... أما تذكر أمواتك

قال بعض الحكماء: استودقت الدنيا فأنعظ الناس.

لأيوب بن حول الشاربي:

فلم أر كالدنيا بها اغتر أهلها ... ولا كاليقين استوحش الدهر صاحبه

وقال محمود الوراق:

أيها الشيخ كم تروم وتبني ... ليس منك الدنيا ولا أنت منها

لا تروميها؛ فأنت وإن كن ... ت مقيما بها كمن زال عنها

قيل لعامر بن عبد قيس: لقد رضيت من الدنيا باليسير.
قال: أخبرك بمن رضى بدون ما رضيت.
قيل: من؟ قال: من رضى بالدنيا حظا عن الآخرة.

قال المأمون: لو سئلت الدنيا عن نفسها ما زادت في وصفها عن وصف أبي نواس حيث يقول:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق

قلت: وأظنه أخذه من قول أبو العتاهية:

ولم أر كالدنيا وكشفي لأهلها ... فما انكشفوا لي عن صفاء وعن صدق

وأول هذا:

طلبت أخا في الله في الغرب والشرق ... فأعوزني هذا على كثرة الخلق

وقلت أنا: ولأبي نواس في صفة الدنيا بيت غاية أيضا وهو قوله:

ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض ... على الماء خانته فروج الأصابع

قال عمر بن الخطاب: والله ما الدنيا في الآخرة إلا كنفخة أرنب، وتمثل:

لاشيء فيما ترى إلا بشاشته ... يبقى الإله ويفنى الأهل والولد

وقال آخر:

وإن امرءا دنياه أكثر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور

وقال أبو العتاهية:

يا من ترفع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفع رفع الطين بالطين

إذا أردت شريف الناس كلهم ... فانظر إلى ملك في زي مسكين

ذاك الذي شرفت في الناس همته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين

وقال أبو العتاهية:

كفاك عن الدنيا الدنية مخبرا ... غنى باخليها وافتقار كرامها

وأن رجال النفع تحت مداسها ... وأن رجال الضر فوق سنامها

وقال آخر:

الفقر في زمن اللئا ... م لكل ذي كرم علامه

قال نفطويه: يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال، قرضا أو تمثلا:

ولا خير في عيش إذا لم يكن له ... من الله في يوم الحساب نصيب

قال الفتح بن شخرف:

كم يكون الشتاء ثم المصيف ... وربيع يمضي ويأتي خريف

وانتقال من الحرور إلى الظ ... ل وسيف الردى عليك منيف

يا قليل البقاء في هذه الدا ... ر إلى كم يغرك التسويف

قال أبو العتاهية:

إن الشقي لمن غرته دنياه

وقال محمد بن عبد الملك الزيات:

سل ديار الحي من غيرها ... وعفاها وعفى منظرها

وكذا الدنيا إذا ما انقلبت ... جعلت معروفها منكرها

إنما الدنيا كظل زائل ... أحمد الله كذا قدرها

وقال محمود الوراق:

كفلت لطالب الدنيا بهم ... طويل لا يؤول إلى انقطاع

وذل في الحياة بغير عز ... وفقر لا يدل على اتساع

وشغل ليس يعقبه فراغ ... وسعى دائم مع كل ساعي

وحرص لا يزال عليه عبدا ... وعبد الحرص ليس بذي ارتفاع

قال الحسن البصري، لست أعجب ممن هلك كيف هلك، إنما أعجب ممن نجا كيف ونجا، شيطان مريد يحرس منه السماء، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا مزينة.

قال عبد الله بن الأرقم لعمر بن الخطاب: قد اجتمع عندي في بيت المال حلي كثير ومناطق من أموال فارس أفلا تقسمه؟ قال: بلى، فأتني به، فنقلته إليه في القفاف، فلما نظر إليه رأى شيئا عجبا، فقال: اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نحب ما حببت إلينا، ثم تلا هذه الآية: " زين للناس حب الشهوات من النساء ".

الآية.
ثم قال: اللهم قني شره، وارزقني أن أنفقه في حقه.

قال يحيى بن خالد بن برمك: دخلنا في الدنيا دخولا أخرجنا عنها.

قال منصور الفقيه:

قد صرف البواب والحاجب ... وقهرمان الدار والكاتب

وأصبح الصاحب من بينهم ... بحيث لا جار ولا صاحب

واعتاضت الناهد من بعده ... إلفا سواه وكذا الكاعب

وجد في تفريق ما لم يزل ... يجمعه وارثه اللاعب

فكن من الدنيا على أهبة ... يا زاهدا فيها ويا راغب

فإنها أم لأبنائها ... منها عدو قاتل سالب

وقال محمد بن أبي حازم الباهلي:

ألا إنما الدنيا على المرء فتنة ... على كل حال أقبلت أو تولت

قال رجل لداود الطائي: عظني.
فقال له: أرض من الدنيا إذا سلم لك دينك بما رضى به أهل الدنيا من الآخرة حين سلمت لهم دنياهم، وأنشد في ذلك شعرا، ذكر أن سليمان الأعمش تمثل به:

أرى رجالا بدون الدين قد قنعوا ... ولا أراهم رضوا في العيش بالدون

فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس ... تغنى الملوك بدنياهم عن الدين

لابن أبي عيينة، أو لمحمد بن يسير:

ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا

ولا أتت ساعة في الدهر وانصرمت ... حتى تؤثر في قوم لها أثرا

وأن الليالي والأيام أنفسها ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا

قال بكر بن حماد:

الناس حرصي على الدنيا وقد فسدت ... فصفوها لك ممزوج بتكدير

فمن مكب عليها لا تساعده ... وعاجز نال دبياه بتقصير

لم يدركوها بعقل عندما قسمت ... وإنما أدركوها بالمقادير

لو كان عن قوة أو عن مغالبة ... طار البزاة بأرزاق العصافير

ويقال: إنها مكتوبة على قائم سيف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب ذكر الدنيا — 119 من 124
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل