أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب حمد اللسان وفضل البيان

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة حتى يلقاه ... " الحديث.

قال معاذ: قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: " لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله ".

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أفضل الصدقة صدقة اللسان، تدفع بها الكريهة، وتحقن بها الدم ".

وقال عليه الصلاة والسلام: " أفضل الجهاد كلمة حق عند ذي سلطان جائر ".

قال أبو عنبة الخولاني رحمه الله: رب كلمة خير من إعطاء المال.
وقال أبان ابن سليم: كلمة حكمة لك من أخيك، خير لك من مال يعطيك؟ لأن المال يطغيك والكلمة تهديك.

قالوا: خير الكلام ما دل على هدى، أو نهى عن ردى.

ذكر عند الأحنف بن قيس: الصمت والكلام، فقال قوم: الصمت أفضل فقال الأحنف: الكلام أفضل لأن الصمت لا يعدو صاحبه، والكلام ينتفع به من سمعه، ومذاكرة الرجال تلقيح لعقولها.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " رحم الله عبدا تكلم بخير فغنم، أو سكت فسلم ". قال سعيد بن جبير: رأيت ابن عباس رضي الله عنه في الكعبة آخذا بلسانه وهو يقول: يا لسان قل خيرا تغنم، أو اسكت تسلم.

وقالوا السكوت سلامة، والكلام بالخير غنيمة، ومن غنم أفضل ممن سلم.

قال أعرابي: من فضل اللسان، أن الله عز وجل أنطقه بتوحيده من بين سائر الجوارح.

وقال عبد الملك بن مروان: الصمت نوم والنطق يقظة.

قال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللسان إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مرسلة، أو ضالة مهملة.

كان يقال: الألسن خدم القرائح.

قال ربيعة الرأي: الساكت بين النائم والأخرس.

قالو: إنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه.

كان يقال: اللسان ترجمان الفؤاد، واللسان حية الفم.

كان يقال: يجد البليغ من ألم السكوت ما يجد العيي من ألم الكلام.

وقالوا: المرء مخبوء تحت لسانه.

وقال حسان بن ثابت:؟ لساني وسيفي صارمان كلاهما ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي وقال جرير:

وليس لسيفي في العظام بقية ... ولا السيف أشوى وقعة من لسانيا

وقال الخليل بن أحمد:

أي شيء من اللباس على ذي السرو ... أبهى من اللسان البهي

قال ابن سيرين: لا شيء أزين على الرجل من الفصاحة والبيان، ولا شيء أزين على المرأة من الشحم.

قال الشاعر:؟ وكائن ترى من ساكت لك معجب زيادته أو نقصه في التكلم

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

قال أبو العتاهية:

وللناس خوض في الكلام وألسن ... وأقربها من كل خير صدوقها

وروى ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن من البيان لسحرا ". فتأولت طائفة هذا على الذم لأن السحر مذموم، وذهب الأكثر من أهل العلم، وجماعة من أهل الأدب إلى أنه على المدح لأن الله تعالى مدح البيان وأضافه إلى القرآن، وقد أوضحنا هذا في كتاب التمهيد والحمد لله.

وقد قال عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، لرجل سأله حاجة فأحسن المسألة، فأعجبه قوله وقال: هذا - والله - السحر الحلال.

وقال علي بن العباس الرومي:

وحديثها السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز

في أبيات قد ذكرتها في موضعها من هذا الكتاب.

وقال الحسن: الرجال ثلاثة، رجل بنفسه، ورجل بلسانه، ورجل بماله.

وكان يقال: في اللسان عشر خصال: أداة يظهرها البيان، وشاهد يخبر عن الضمير، وحاكم يفصل به القضاء، وناطق يرد به الجواب، وشافع تقضى به الحاجات، وواصف تعرف به الأشياء، وواعظ ينهى به عن القبيح، ومعز تسكن به الأحزان، وملاطف تذهب به الضغينة ومونق يلهى الأسماع.

ونظر معاوية إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فأتبعه بصره ثم قال متمثلا:

إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر

يصرف بالقول اللسان إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر

ولحسان بن ثابت في ابن عباس:

إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بمنطلقات لا ترى بينها فصلا

شفى وكفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي إربة في القول جدا ولا هزلا

في أبيات قد ذكرتها في باب ابن عباس من كتاب " الصحابة ".

كان يقال: الجمال في اللسان.

قيل للأعرابي: ما الجمال؟ قال: طول الجسم، وضخم الهامة، ورحب الشدق، وبعد الصوت.
قال حبيب: " لسان المرء من خدم الفؤاد " وقال آخر: " والقول ينفذ ما لا ينفذ الإبر " قال امرؤ القيس: " وجرح اللسان كجرح اليد " قال ابن أبي حازم:

أوجع من وقعة السنان ... لذي الحجا وخزة اللسان

فصول الكتاب · 124 فصل · 256 صفحة
الانتقال إلى صفحة
بهجة المجالس وأنس المجالس
تأليف ابن عبد البر
تقدّمك في الكتاب: باب حمد اللسان وفضل البيان — 4 من 124
فصول بهجة المجالس وأنس المجالس · 256 صفحة
مقدمة الكتابمقدمة المؤلفباب أدب المجالسة وحق الجليس الصالحباب حمد اللسان وفضل البيانباب ذم العي وحشو الكلامباب في اجتناب اللحن وتعلم الإعرابباب اختلاف عبارتهم عن البلاغةباب من خطب فأريج عليهباب حمد الصمت وذم المنطقباب من مزدوج الكلامباب من الأجوبة المسكتة وحسن البديهةباب الأدبباب ترويح القلوب وتنبيههاباب قولهم في وصف العيشباب اختلاف الهمم في أنواع المالباب التجارةباب الرزقباب الحرص والأملباب الطمع واليأسباب ذم السؤالباب انتظار الفرجباب الجد والحدباب المال حمدا وذماباب جامع القول في الغنى والفقرباب الدينباب الاقتصاد والرفقباب السفر والاغترابباب التحول عن مواطن الذلباب التوديع والفراقباب الزيارة والعيادةباب العيادة أيضاباب الحجابباب المصافحة وتقبيل اليد والفمباب الرسول ﷺباب الهديةباب الجارباب الضيفباب المعروفباب الشكرباب في طلب الحاجاتباب السلطان والسياسةباب الكتاب والكتابةباب الظلم والجورباب العفو والتجاوز وكظم الغيظباب الغضبباب الرجاء والخوفباب العافية والبلاءباب المرض والطبباب الطاعة والمعصيةباب الغيبة والنميمةباب البغي والحسدباب السباب والمشاتمةباب المراء والخصومة والملاحاةباب الكبر والعجب والتيهباب التواضع والإنصافباب الرأى والمشورةباب كتمان السر وإفشائهباب الحرب والشجاعة والجبنباب الاعتذارباب المواعيدباب عيون من المدحباب عيون من الذمباب العقل والحمقباب من أجوبة الحمقىباب الملح وما به النفس ترتاحباب المزاح إباحة وكراهةباب مدح الصدق والأمانه ذم الكذب والخيانهباب الحق والباطلباب الحياء والوقارباب حسن الخلق وسوئهباب مكارم الأخلاق والسؤددباب حمد الحلم وذم السفهباب مدح الجود والكرم وذم البخل واللؤمباب المروءة والفتوةباب امتحان أخلاق الرجالباب التودد إلى الناسباب الاستيحاش من الناس والفرار منهمباب الصديق والعدوباب جامع متخير في الإخوانباب العتابباب الثقلاء والطفيليينباب الشماتةباب مؤاخاة من ليس على دينكباب الولد والوالدباب الأقارب والموالىباب المملوك والمالكباب الذكر والثناءباب البكاء على ما مضى من الأزمانباب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعهباب معنى عشق النساء والهوى فيهنباب النظر إلى الوجه الحسنباب جامع ذكر النساء وتزويج الأكفاءباب الأمثال السائرة في النساءباب اللباسباب المراكب من الخيل وغيرهاباب الطعام والأكلباب النوم وتصرف المعاني فيهباب الحمامباب في البراغيث والبق والبعوضباب في السجنباب الوكلاءباب العادة ومالا ينسىباب في المنجمينباب ثلاثة من الحكمباب أربعةباب خمسةباب نوادر من الرؤيا مختصرةباب من نوادر الأخبارباب جامع من المذكراتباب من منثور الحكم والأمثالباب من نوادر الفلاسفة مختصرةباب الرياءباب في الشيب ومدحهباب في خضاب الشيب ونتفهباب جامع مختصر في الشيب والبكاءباب الكبر والهرمباب الوصايا الموجزةباب لمع من الدعاءباب ذكر الدنياباب الزهد والقناعةباب من المواعظ الموجزةباب العملباب مختصر من التعازي في المصائبباب من كلام المحتضرين
جارٍ التحميل