كتاب الطلاق
قال الله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (1) وذكر الثالثة في قوله ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (1). وقال قوم ذكرها في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (2).
ولا تنعقد صفة الطلاق في غير ملك لا في عموم النساء، ولا خصوصهن، فإذا قال: إذا تزوجت امرأة فهي طالق.
أو إن تزوجت فلانة فهي طالق.
ثم تزوجها لم يقع الطلاق.
وإذا قال العبد لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق ثلاثاً، فعتق ودخلت الدار بعد عتقه وقع بها الثلاث.
فصل
والطلاق على أربعة أضرب: واجب، وهو طلاق المُولي بعد التربص ﴿144/أ﴾ إذا لم توجد منه الفيئة.
وطلاق الحكمين إذا خيف الشقاق بين الزوجين.
ومحظور، وهو طلاق البدعة، والطلاق في حال الحيض، والطهر الذي جامعها فيه.
ومكروه، وهو الطلاق والحال ساكنة.
والمندوب إذا كانت الحالة فاسدة.12
الجزء: 1 - الصفحة: 251
فصل
والمطلقات على ثلاثة أضرب: من تباح من غير عقد، وهي الرجعية يحصل استدراكها بنفس قوله: ارتجعتها.
والوطء رجعة في أصح الروايتين 3.
ويستحب أن يقول بحضرة شاهدين: ارتجعت زوجتي.
والثانية: مطلقة تقف إباحتها على عقد جديد، ومهر جديد، وولي، وشاهدين، كالعقد الأول، وهي البائن بدون الثلاث بخلع، أو طلاق بعوض، أو طلاق قبل الدخول، والمنقضية العدة من الطلقة الواحدة، والطلقتين، والمفسوخة ﴿144/ب﴾ بعيب أو غيره.
والثالثة: مطلقة لا تباح إلا بعقد جديد بعد زواج وإصابة، وهي البائن بالثلاث.
وللمطلقات حالتان: من لا بدعة لطلاقهن، بل يقع طلاقهن مباحاً: الحامل، والآيسة، والصغيرة، ، وغير المدخول بها، لأن اعتدادهن بالشهور، والحمل، وذلك مما لا يزيد ولا ينقص.
ومن في حقهن سنة وبدعة، وهي الحيض الحوائل، وطلاق السنة يطلقهن في طهر لم يجامعهن فيه.
وطلاق البدعة في حال الحيض، أو الطهر المجامع فيه، فيطول عليهن العدة لعدم الاحتساب بالحيضة التي وقع الطلاق فيها.
فصل وألفاظ الطلاق على ضربين: صريح، وكناية، فالكناية على ضربين ظاهرة، وخفية.
الجزء: 1 - الصفحة: 252
فالصريح ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والسراح، والفراق.
فهذه يقع الطلاق ﴿145/أ﴾ بها من غير نية، ولا دلالة حال، ولا قرينة أصلاً، ولو اقترنت بها نية عدده لم يقع سوى واحدة.
فصل
والكناية الظاهرة منها ما هو منصوص عليها، وهي تسعة ألفاظ: خلية، وبرية، وباين، وبتة، وبتله، وحبلك على غاربك، والحقي بأهلك، وأنت حرة، وأنت طالق لا رجعة لي عليك.
فهذه تسعة ألفاظ منصوص عليها أنها كنايات ظاهرة، وعلى قياسها لا سبيل لي عليك، ولا سلطان لي عليك، وأنت الحرج.
فهذا اثنتا عشرة لفظة، وحكمها أنها متى اقترنت بها نية الطلاق، أو كانت جواباً على سؤالها الطلاق كان ثلاثاً كملا، وإن لم ينو، ولا كان هناك جواب سؤال، ولا دلالة حال لم يقع به شيء.
وأما الخفية فأكثر من أن تحصى، من ذلك قوله: اذهبي، ﴿145/ب﴾ وتجرعي، وذوقي، وأنت مخلاة، وذكر إن أمرك بيدك، واختاري كناية خفية إلا أن حكمها يختلف من جهتين، أحدهما: أن المرأة لا تملك أن تطلق نفسها إلا واحدة إذا نوى الزوج طلقة، وتملك في لفظ الأمر أن تطلق نفسها ثلاثاً سواء نوى زوجها الثلاث أو لم ينوها.
والثاني: أن الخيار يقتضي الفور، ولفظة الأمر على التراخي، فلفظة الخيار يقف اختيار الزوجة فيها على المجلس، وأما لفظة الأمر فلها الخيار ما لم تمكنه من نفسها، أو يعود الزوج في ذلك.
وجميع الكنايات الخفية يقع بها من الطلاق ما نواه سواء نوى واحدة أو أكثر.
الجزء: 1 - الصفحة: 253
وأما المختلف فيها فهي خمسة: اعتدى، واستبرئي رحمك، وتزوجي، وحللت للأزواج، وانكحي من شئت.
فهذا على روايتين، إحداهما: أنها ﴿146/أ﴾ من الكنايات الظاهرة (1).
والثانية: أنها من الكنايات الخفية.
فصل
وإذا علق طلاقها على عضو من أعضائها الثابتة، كاليد، والرجل، وغير ذلك مما يغني عن الجملة به إذ يعريه عن الجملة، فالذي يعريه عن الجملة، كالرأس، والرقبة، والفرج، والظهر، أو لا يعريه كالأصبع، والأذن.
فأما ما يزايلها حال السلامة، كالسن، والظفر، والشعر فلا تطلق إذا علق الطلاق عليه.
وأما الروح فقد توقف أحمد -رضي الله عنه- فيها، والأشبه وقوع الطلاق إذا أضيف إليها، لأن الجملة لا تبقى بعد مزايلتها من الأعضاء.
وإذا بعض الطلاق، فقال: أنت طالق نصف طلقة.
أو ثلثها، أو بعض المرأة فقال: تلك طالق.
وقع الطلاق الكامل، وهي طلقة واحدة، وسرى إلى جميع الزوجة، لأنه لا يتبعض في الوقوع، ولا في المحل.
وإذا قال: أنت طالق ثلاثاً إلا طلقتين.
وقعت الثلاث، لأنه ﴿146/ب﴾ استثنى الأكثر فلم يصح الاستثناء.
وإذا قال: أنت طالق إن شاء الله.
وقع الطلاق، ولم ينفعه الاستثناء،4
الجزء: 1 - الصفحة: 254
لأن الله سبحانه لو لم يشأ الطلاق لم يستنطقه به، فلما استنطقه بصريح الطلاق دل على أنه قد شاء وأراد الطلاق.
وإذا تلفظ بالطلاق مكرهاً لم يقع الطلاق سواء كان بضرب، أو توعد من قادر بضرب، أو أخذ مال، أو قتل، أو ما شاكل ذلك.
وإذا أشار بالطلاق إلى أجنبية يظنها زوجته وقع الطلاق على زوجته.
ولا ينعقد طلاق المجنون، ولا الطفل، وينعقد طلاق المراهق الذي يعقل الطلاق في أصح الروايتين 5، وكذلك طلاق السكران، وفيه ثلاث روايات، أحدها: يقع 6. والثانية: لا يقع.
والثالثة: توقف.
وإذا قال لها: إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم.
أو قال لها: أنت طالق اليوم إذا جاء غد لم يقع الطلاق، لأنه علق الطلاق بزمان مستقبل، وجعل ﴿147/أ﴾ شرطه وقوعه في الزمان الماضي، فبخروج اليوم فات محل الوقوع، فهو كما لو قال: أنت طالق إذا قدم زيد وعمرو حي.
فإنه إذا قدم زيد لم يقع الطلاق لفوات الشرط الذي هو حياة عمرو.
وإذا قال: أنت طالق مثل الرمل، أو المطر، أو الحصى.
وكل ما يتعدد فإنه يقع الثلاث.
وإذا قال لامرأته: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً.
ثم طلقها وقع ما باشرها به دون ما شرطه، لأنه علقه بزمان ماض، فأشبه ما ذكرناه في المسألتين الأولتين؛ وكما لو قال: إن قدم زيد اليوم فأنت طالق أمس.
الجزء: 1 - الصفحة: 255
وإذا قال لها: أنت طالق طلقة في طلقة، أو طلقتين في طلقتين.
نظرت فإن كان من أهل الحساب وقع بموجب الحساب، وإن كان عاماً وقع بعدد ما ذكر جمعاً لا ضرباً بأن زاد على الثلاث وقع منه ما يملك.
وإذا قال لمدخول ﴿147/ب﴾ بها: أنت طالق، فطالق، فطالق، أو طالق، ثم طالق، ثم طالق.
وقع الثلاث.
وإن كانت غير مدخول بها وقعت واحدة إذ لا عدة لها فتقبل الطلاق.
ولو قال: أنت طالق، وطالق، وطالق.
وقع ثلاثاً، لأن الواو للجمع من غير مهلة ولا تراخ.
وإذا قال: أنت طالق.
أنت طالق.
أنت طالق.
وأراد الاستئناف وقع الثلاث، وإن أراد الإفهام والإثبات وقعت واحدة.
الجزء: 1 - الصفحة: 256