كتاب الوصية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
الأصل في ثبوت الوصايا وتعلق الأحكام بها قوله تعالى في آية المواريث ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ 2، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 3، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما حق امرئ له مال يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده" 4، إذا ثبت ذلك فهي مندوب إليها 5 للخبر الذي رويناه، ولأن فيها تحرزا وإحتياطا لأن الإنسان لا يدري متى يأتيه أمر الله عز وجل، وقد يكون عليه حقوق يحتاج إلى التخلص منها فيجب أن يكون على استظهار من ذلك.
فصل [1 - الوصية بالثلث]:
موضع الوصية الثلث، ولا يجوز الزيادة عليه إلا بإذن الورثة 6، وإنما قلنا إن له أن يوصي بالثلث لحديث سعد قال جاءني - صلى الله عليه وسلم - يعودني من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله بلغ مني الوجع ما ترى، وأنا رجل ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي فقال "لا"، قلت فشطره، قال "لا" فقلت
فالثلث 1 قال: "الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس 2، وقوله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند موتكم" 3.
وإنما قلنا الزيادة جائزة عليه إذا أذن الورثة لأن المنع من ذلك لأجلهم لأن ما زاد عليه حق لهم فإذا أجازوه فقد أسقطوا حقوقهم فجاز، وإن أجازه بعضهم وأباه بعض جاز في حق من أجازه ولم يجز في حق من منع لأن من أجازه فقد ترك حقه ومن منع فقد طالب بحقه فله ذلك.
فصل [2 - من لا وارث له يوصي بجميع ماله؟]:
ومن لا وارث له فليس له الوصية بجميع ماله، فإن أوصى بزيادة على الثلث لم يكن له إلا الثلث فقط 4، خلافًا لأبي حنيفة في قوله إن له أن يوصي بكل ماله 5، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند موتكم زيادة في أعمالكم" 6 وظاهره يمنع زيادة عليه ولأن المسلمين يعقلون عنه فلم يكن له أن يوصي في حقهم بأكثر من ثلثه كالموالي، واعتبارا بالورثه المياسير.
فصل [3 - في عدم جواز الوصية لوارث إلا بإذن الورثة]:
ولا تجوز الوصية لوارث من ثلث ولا غيره إلا بإذن باقي الورثه 7، والأصل
في منعها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله عز وجل قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" 1، (ولأن ذلك تعدى ما حد الله تعالى ورسمه لأنه تعالى جعل لكل وارث) 2 قدرًا معلومًا من التركة، وإذا خص الميت بعضهم بزيادة على ذلك كان كأنه يعطيه من حق غيره، فإذا لم يجيزوا رجعت ميراثا لأنه لا يجوز أن ينفرد بها بعضهم، وليس لها جهة تصرف من قبل وصية فلم يبق إلا أن يرجع ميراثًا كالذي لم يوصي به.
فصل [4 - في القول بأنها تجوز بإجازة الورثة]:
إنما قلنا أنها تجوز بإجازة الورثة، خلافًا لمن منع ذلك 3؛ لأن المنع لحقوقهم فإذا أجازوه فقد تركوا حقوقهم فيجب جوازه، ولأنها جهة للوصية يمنع منها لحق الورثة فجاز بإجازتهم أصلة الزيادة على الثلث.
فصل [5 - في حكم الوصية]:
الوصية غير واجبة لقريب ولا لأجنبي 4، خلافًا لمن حكي عن وجوبها 5 لمن لا يرث 6 من الأقربين والذين 7 إذا لم يكونوا وارثين؛ لأن كل من لم
تلزم عطيته في الحياة لم تجب الوصية له بعد الوفاة كالأجانب، ولأنها هبة وعطية فلم تلزم اعتبارا بحال الحياة.
فصل [6 - في استئذان الورثة في الوصية لوارث أو بأكثر من الثلث]:
إذا استأذن الورثة في الوصية لوارث أو بأكثر من الثلث فأذنوا له فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يجيزوا في الصحة، أو في المرض الذي يحجر عليه فيه أو أن يجيزوا بعد الموت فإن أجازو في الصحة فلا يلزمهم ذلك، ولهم الرجوع فيه لأنه لا حق لهم في الحجر عليه حال الصحة فأشبه إذن الأجنبي؛ لأنه لا يلزمه 1 إذا صار وارثا من بعد الموت 2، وإن أجازوا بعد الموت فذلك لازم من غير خلاف لأن الإرث قد وجب لهم، فإذا تركوه بعد وجوبه جاز كما لو وهبوه ابتداء.
وإن أجازوه حال المرض المخوف لزم ذلك ولم يكن لهم الرجوع فيه 3، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي 4؛ لأنها حال يملكون عليه الحجر فيها فإذا أذنوا فيما لهم منه لزمهم، كالسيد إذا أذن لعبده والزوج لامرأته، ولأنها حال تعتبر عطاياه فيها من الثلث كما بعد الموت، وإذا استأذنهم عند سفر فأذنوا له ففيها روايتان: إحداهما أنه لا يلزم اعتبارًا بالصحة، ولأن تصرفه في هذه الحال من رأس المال، والأخرى أنه يلزم اعتبارًا بالمرض المخوف لأنها حال خوف وخطر، وهذا في السفر البعيد الذي يخاف من مثله.
فصل [7 - في الإذن المحكوم به]:
الإذن المحكوم به إذا كان طوعا لا خوفا من إضرار بهم مثل أن يكون الوارث في عيال الموصي ونفقته، إن لم يأذن به قطع به، أو يكون له عليه دين يلزمه أو يكون سلطانًا يرهبه أو ما أشبه ذلك فمتى كان الإذن على بعض هذه الوجوه لم يلزم وكان له الرجوع.
فصل [8 - هبات المريض وعطاياه]:
هبات 1 المريض وعطاياه مراعاة فإن صح لزمته من رأس ماله وإن مات كانت من الثلث إلا أنها حال المرض موقوفه لا تنفذ 2، وقال داود هي جائزة من رأس المال الصحيح 3، ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم عند الموت زيادة في أعمالكم" 4، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس لهم إلا الثلث ولا زيادة عليه، وروي أن رجلا أعتق ستة أعبد له في مرضه لا يملك غيرهم فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فتغيظ عليه غيظا شديدا ثم دعى بهم فأسهم بينهم فأعتق ثلثهم وأرق ثلثيهم" 5، ولأن حصول سبب الموت بمنزلة حضور الموت نفسه بدليل منع الهبة للوارث، فإن نازعوا في ذلك دللنا عليه بإجماع الصحابة في قصة أبي بكر رضي الله عنه لما قال لعائشة رضي الله عنها إني كنت نحلتك جذاد عشرين وسق ولو كنت حزتيه لكان لك وإنما في اليوم مال الوارث" 6 فبين تعلق حقوق الورثة به، وإن ذلك هو المانع من تسليمه إليها ولم يخالف عليه أحد، ولأنه إيجاب عطية في المرض كالوصية.
فصل [9 - إذا أوصى بزيادة على الثلث ولم يجز الورثة]:
إذا أوصى بزيادة على الثلث ولم يجز الورثة قسم الموصى لهم الثلث على حسب مبلغ 1 الوصايا من جملة المال، مثاله: أن يوصي بالنصف والثلث ولا يجيز الورثة فينظر أقل ماله نصف وثلث وهي ستة مبلغ الوصية منها خمسة أسهم فيقسم الثلث بينهم على خمسة لصاحب النصف ثلاثة ولصاحب الثلث سهمان، وكذلك بالثلث والربع يكون على سبعة من اثني عشر لصاحب الثلث أربعة ولصاحب الربع ثلاثة على هذا الحساب 2، وقال أبو حنيفة يتساوى الموصى لهم في الثلث 3.
ودليلنا أنهما وصيتان لو كانتا مطلقتين مرسلتين قسمتا على التفصيل فإذا كانتا مقيدتين قسمتا 4 كذلك، أصله لو أوصى بالسدس والثمن، وبيان ذلك أنه لو أوصى لزيد بألف درهم وقدرها النصف ولعمر بخمس مائة وقدرها الربع لاقتسمنا الثلث إذا لم يجز الورثة على التفصيل بحسب الوصايا، وهذا وفاق معهم فكذلك إذا قيد بنسبة، ولأنهما وصايا تتفاضل (قصرت عن الثلث فوجب) 5 بحسبها أن تتفاضل في قسمة الثلث عليها إذا زادت عليه كالمرسلة.
فصل [10 - في شراء ابنه بقدر ثلثه]:
له أن يشترى ابنه بما يكون قدر ثلثه لأن له التصرف في الثلث ويرثه لأنه يعتق عليه وهو حر، وقال محمد بن مسلمة يجوز له أن يشتريه بكل ماله اعتبارًا باستلحاقه، وقال شيخنا أبو بكر في توريث ابنه نظر لأنه إخراج لورثته عن الميراث بعد ثبوت البينة لهم 6.
فصل [11 - إذا أوصى له بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد]:
إذا أوصى لرجل بمثل نصيب ابنه وله ابن واحد فللموصى له كل المال، وكذلك لو كان ابنان فوصى للرجل 1 بمثل نصيب أحدهما كان له نصف المال، على هذا الحساب ينظركم ذلك النصيب إذا انفرد عن الوصية فيكون هو الموصى به 2، وقال أبو حنيفة والشافعي يجعل الموصى له كأنه ابن آخر فيأخذ مع الأبن الواحد النصف ومع الاثنين الثلث 3.
ودليلنا أنه إذا قال: أوصيت لك بمثل نصيب ابني فقد أحال بمعرفة القدر الموصي به على معرفة نصيب من أحال عليه فيجب أن يكون ذلك المحال عليه معلوما مقدرًا قبل الوصية ليصبح العمل بقدرها منه، ومتى علقنا معرفة المحال عليه على مقدار الوصية فذلك تناقض واستحال لأن الوصية معلقة عليه ويصير هو معلقًا على الوصية فيكون ذلك جعل الشيء شرطا لما هو شرط له 4 فلا يصح، وإذا ثبت ذلك صح ما قلناه.
فصل [12 - إذا أوصى لفلان بمثل نصيب أحد ورثته]:
إذا أوصى لفلان بمثل نصيب أحد ورثته نظر إلى عدد رؤوسهم ثم أعطي جزءا منها 5، ولا ينظر إلى اختلاف فروضهم ولا إلى الذكور والإناث، مثاله: أن يترك ستة ذكورا وإناثا، أو إناث وذكورًا 6 من نوع واحد كالبنين والبنات،
أو الزوجات والجدات أو الأخوة والأخوات وغير ذلك فيعطي السدس، وإنما قلنا ذلك لأن الأنصباء إذا اختلفت مقاديرها لم يكن الأكثر بأولى من الأقل، فلم يبق إلا الاعتبار بالرؤوس 1. فصل [13 - إذا أوصى بسهم من ماله ولم يعينه]: إذا أوصى بسهم من ماله ولم يعينه أو بجزء منه أو بنصيب فذلك كله 2 سواء، فاختلف أصحابنا في مقدار ما يلزم بالوصية بعد اتفاقهم على أنه لا يزاد على الثلث فمنهم (من قال يعطي الثمن) 3 ومنهم من قال يعطي 4 السدس، ومنهم من قال ينتظر إلى ما تبلغه قسمة الفريضة بالضرب إن احتيج إليه فيعطي سهما منه قلت السهام أم كثرت، وقال أبو حنيفة 5: يدفع إليه مثل أقل سهام الورثة إلا أن يزيد إلى السدس فيكون له السدس 6، وقال الشافعي يدفع إليه الورثة ما شاءوا من غير مقدار مؤقت 7. فدليلنا أولا على وجوب التقدير خلافًا للشافعي، أن السهم والجزء والنصيب عبارة عن التقدير لأنه يقال هذا المال بينهم على كذا وكذا جزءا أو سهما أو نصيبا، فإذا ثبت ذلك فكأنه أوصى له بقدر وأجمل التقدير فيجب أن يطلب ما هو أولى
بأن يكون أراده ومتى وكلناه إلى مشيئة الورثة زال التقدير وصار كأنه قال أوصيت بشيء فإذا ثبت التقدير:
فوجه القول بأنه يعطي الثمن أنه لما لم يكن بعض السهام بأولى من بعض وجب أن يدفع الأقل لأنه متحقق 1، وما زاد عليه مشكوك فيه لإمكان أن يكون (أراده وإمكان أن يكون) 2 أراد ما دونه فلم يجز أن يدفع إليه بالشك، ووجه القول بأنه يعطي السدس والجزء الذي ينقسم عليه الفريضة ما لم يزد على الثلث أن أصل حساب الفرائض السدس، وإنما ينشأ ما زاد عليه منه لأنه أقل السهام في الأصول بخلاف 3 الثمن لأنه ليس بأصل وإنما هو سهم يستحق بحجب عن أصل الفرض.
ووجه القول أنه يعطى سهما مما انقسمت عليه الفريضة بالغا ما بلغ أنه لما قال: له سهم من مالي أو جزء كان ذلك راجعًا إلى أجزاء ماله وسهامه فوجب أن تكون القسمة عليه دون اعتبار الفروض.
فصل [14 - في التسوية بين الوصية في الصحة والمرض]:
الوصية في الصحة والمرض سواء لأنهما تنفذ بعد الموت وليست بلازمة، والرجوع له فيما شاء منها إلا التدبير لأنه إيجاب في الحياة، وإن كان له حكم الوصية من بعض الوجوه وهو خروجه من الثلث، وكذلك العتق المبتل 4 في المرض 5.
فصل [15 - في جواز وصية السفيه والمجنون حال إفاقته]:
وتجوز وصية السفيه المحجور عليه لتبذير ماله ووصية المجنون حال إفاقته 1 لأنه إنما منع السفيه من إخراج ماله على غير عوض خوف الفقر عليه، والوصية تنفذ بعد موته والفقر مأمون عليه في تلك الحال فلا يبقى مانع منها، وأما المجنون حال إفاقته فكالعاقل الذي لا جنون له فصحت وصيته؛ وتصح وصية الصبي الذي يعقل 2 وجوه القرب وإن لم يبلغ خلافًا لأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي 3، ولأن ذلك مروي عن عمر وعثمان وعلي وغيرهم رضوان الله عليهم 4، ولا مخالف لهم، ولأنه عاقل عارف بوجوه القرب كالبالغ، ولأن الفقر مأمون عليه بعد الموت.
فصل [16 - في صحة الوصية إلى المرأة وإلى العبد]:
تصح الوصية إلى المرأة وإلى العبد كان العبد له أو لغيره 5 خلافًا للشافعي في العبد 6، ولأنه مأمون في نفسه يتأتى منه تنفيذها فأشبه الحر الذكر.
فصل [17 - في منع الوصية إلى فاسق]:
لا تجوز الوصية إلى فاسق لا يؤمن عليها، ولا تقر في يده 7 لأنه قد تعلق بالوصية إليه حقوق الموصى لهم، فإذا لم يكن مأمونًا لم يؤمن منه إتلافها فلم
يجز ولايته، ولا يراعى في ذلك اختيار الميت له لأنه ليس له أن يختار على غيره من لا يؤمن إتلافه وإضاعته.
فصل [18 - عدم جواز ترك الوصية بعد قبولها]:
إذا قبل الموصى إليه ثم أراد تركها لم يجز له ذلك إلا أن يعجز عنها أو يظهر له عذر في الامتناع من المقام عليها 1، خلافًا للشافعي في إجازته تركها 2، لأنها قربة وفعل خير ألزمه نفسه لم يكن له الخروج منه بغير عذر اعتبارًا بالصوم والحج.
فصل [19 - فيما إذا أوصى إلى رجلين]:
إذا أوصى إلى رجلين فلا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون نص على الاجتماع فيقول لا ينفرد 3 أحدهما عن صاحبه 4 في النظر فيكون على ما قلناه 5، أو أن ينص على الجواز فيقول: أوصيت إليكما وإلى كل واحد منكما فلا خلاف في هذا أيضًا أنه يجوز أن ينظر إلى كل واحد منهما منفردًا عن الآخر، أو أن يطلق فيقول أوصيت إليكما ولا يذكر اجتماعا ولا انفرادًا فحكم ذلك عندنا حكم النص على الاجتماع خلافًا لأصحاب أبي حنيفة، لأنه شرك بينهما في النظر فلم يكن لأحدهما الانفراد به اعتبارًا بالوكالة لأنه إذا أوكلهما في بيع لم يكن لأحدهما الانفراد بذلك باتفاقنا 6.
فصل [20 - في الوصية بثلثه إلى رجل وبولده إلى آخره]:
للرجل أن يوصي بثلثه إلى رجل وبولده إلى آخر 1؛ لأن الوصية في معنى الوكالة، وله أن يوكل في حقوقه كلها وفي بعضها وكيلا واحدا أو وكلاء عدة.
فصل [21 - في الوصية بالنظر في حقوق مخصوصة]:
إذا أوصى لرجل بنوع من حقوقه مخصوص دون غيره لم يكن له النظر في غيره إذا خصه بذلك 2؛ لأنه إنما يملك النظر بتولية صاحب الحق فلم يطلق توليته أو يقيدها، فأما إن أطلق فقال: وصيتي إلى فلان أو قال فلان وصيي فإنه يكون وصيه في كل شيء يجوز أن يوصي به من النظر في ثلثه والولاية على صغار ولده وقضاء ديونه، خلافًا للشافعي في قوله إنه لا تصح الوصية 3، لأن الإطلاق يقتضي العموم فأشبه أن ينص على ذلك، فأما إن أوصى إليه بنوع ولم يذكر قصره عليه ولا أنه ليس إليه النظر في غيره فقيل: هو كالوصية المطلقة لأنه أقامه مقامه ولم يقصره على ما سماه، وقيل لا يكون وصيا إلا فيما عين له ونص عليه لأنه لا يملك الوصية إلا بالتولية، فإن أوصى بشيء مخصوص لم يملك النظر في غيره وليس يحتاج إلى أن يلفظ بقصره عليه لأن المنع هو الأصل وإنما الذي يحتاج إليه هو النص على التولية.
فصل [22 - فيما إذا أوصى إليه وأطلق الوصية]:
إذا أوصى إليه وأطلق ولم يقل ليس لك أن توصى: 4 فله أن يوصي بما أوصى به إليه، وقال الشافعي ليس له ذلك إذا أطلق الوصية، وأما إن أذن له
فله قولان: أحدهما أنه يملك أن يوصي، والآخر أنه لا يملك 1، فدليلنا على أنه يملك إذا أذن له أنه يملك 2 أن يوصي إليه ويقول: إن مت فوصيتي إلى فلان فإذا صح ذلك قلنا لأن كل ما صح أن يليه بنفسه على وجه الوصية بعد الموت جاز 3 أن يوليه غيره أصله الوصية المباشرة، ودليلنا أنه إذا أطلق فإن للموصي 4 أن يوصي، أن ذلك معنى ملكه الموصى إليه إذا نص له، فوجب أن يملكه بإطلاق الولاية أصله كسائر الحقوق التي يوصي فيها، ولا يدخل عليه الوكالة لأنا شرطنا التولية في وصيته.
فصل [23 - جواز عفو الرجل عن قاتله عمدا وعدم جوازه في الخطأ]:
يجوز عفو الرجل عن قاتله عمدا، ولا يجوز ذلك في الخطأ 5 إلا أن تكون الدية ثلث التركه أو أقل، والفرق بينهما أن الواجب بقتل العمد قود فليس فيه إخراج مال عن الورثة والواجب بقتل 6 الخطأ مال وليس له في المال إلا الثلث.
فصل [24 - في صحة الوصية للقاتل عمدا أو خطأ]:
تصح الوصية للقاتل عمدًا أو خطأ 7 خلافًا للشافعي 8، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ 9 فعم، ولأنها هبة فالقاتل لا يمنعها اعتبارًا بحال الحياة، ولأنه تمليك فصح في القاتل كإسقاط الحقوق.
فصل [25 - إذا قتل الموصى له الموصى عمدا]:
إذا قتله الموصى له عمدا بطلت الوصية 1 إلا أن يعلم بقتله فيقره عليها فإن قتله خطأ لم تبطل لأنه معنى يستحق بالموت لا يصح تقدمه عليه فوجب أن يبطل بقتل العمد كالميراث، وأن لا يبطل بقتل الخطأ كالميراث، ولا يكون له شيء من الدية المستحقة على عاقلته، وأما إن علم بأنه قتله عمدا فأقره على الوصية بأنه يكون كالمبتدىء لها فيصح.
فصل [26 - إذا أوصى لرجل بجزء من ماله وللآخر بدنانير مسميات]:
إذا أوصى لرجل بجزء من ماله وللآخر بدنانير مسماه 2 وضاق الثلث على الوصيتين ففيها ثلاث روايات: 3
إحداها البداية بالجزء على التسمية، والثانية البداية بالتسمية عن الجزء، والثالثة إنهم يتحاصون بقدر 4 وصاياهم.
فوجه الأولى أن التجزئة آكد من التسمية في الأصول لأنها قد ثبتت في مواضع تبطل فيها التسمية، ألا ترى أنه لو وصى له بألف درهم فتلف المال إلا ألفًا لم يستحق الموصي له إلا قدر ثلثه، ولو أوصى له بجزء من ماله لكان ذلك مستحقًا على كل وجه فيما يبقى بعد التلف 5، أعني أنه يكون له ربع الباقي إن أوصي له بالربع أو سدسه أن أوصى بالسدس، وكذلك في الاستثناء في بيع الثمار وإن كان كيلا مسمى يعتبر 6 فيه قدر الثلث، وإن كان جزءا فما شاء 7،
وإذا ثبت قوة التجزئة على التسمية (كانت آكد فقدمت عليها، ووجه الثانية أن) 1 التسمية آكد بالنص على مقدارها 2 بخلاف التجزئة ووجه الثالثة أنها جهة تستحق بالوصية، فلم يكن أحدهما أولى من الآخر فلم يبق إلا التحاصص.
فصل [27 - إذا أوصى له بشيء بعينه فتلف]:
إذا أوصى له بشيء بعينه فتلف الموصي به بطلت الوصية لأن المعين 3 يبطل الحق بتلفه كالمبيع بعينه إذا تلف قبل القبض مع بقاء التوفية، وكذلك الدابة المكتراة بعينها إذا ماتت إن العقد ينفسخ في ذلك كله، فإن تلف ثلثا تلك العين فالتلف الباقي للموصى له إن احتمله كل المال 4، خلافًا لأبي ثور 5 في قوله أن للموصى له ثلث الباقي وللورثة ثلثاه 6؛ لأن الثلث يحتمله مع الوصية بالعين فوجب أن يستحقه كما لو أوصى له بعبد أو بثوب واحتمله الثلث فأما إن كانت الوصية بما الغرض منه المنافع 7 وما يموت عنه فلا يتعين في شيء بعينه نحو قوله: وصيت بثيابي لفلان لأن له ما يموت عنه من ثياب سواء كانت الثياب التي يملكها يوم الوصية أو تلفت واستحدث غيرها.
فصل [28 - إذا أوصى لميت يعلم بموته]:
إذا أوصى لميت يعلم بموته صحت الوصية فتقضى منها ديونه وزكوات وكفارات 1 إن كانت عليه، فإن لم يكن عليه شيء من ذلك كانت لورثته 2، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يصح بوجه 3 فدليلنا قوله تعالى ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ 4 فعم، ولأنه آدمي كالحي، ولأنها إحدى حالات الآدمي كالحياة، ولا يدخل عليه إذا لم يعلم به لأن الغرض إلحاق أحد النوعين بالآخر، ولأن الغرض بالوصية نفع الموصى له على وجه يصح من العقلاء وذلك يختلف باختلاف أحوال من يوصي له: فتارة يكون بالتمليك كالحي، وتارة يكون بغيره كالوصية للمسجد والقنطرة والجسور وما أشبه ذلك، فهذا أوصى لمسجد فقد علم أنه لم يرد تمليكه وإنما أراد صرف الوصية في مصالحة وكذلك الجسر والقنطرة، وكذلك إذا أوصى لميت وهو يعلم أنه ميت إنما أراد 5 صرف الوصية في وجوه نفعه ومصالحه، فإن كان عليه دين 6 قضي منها وإلا كانت لورثته أو تصدق بها عنه 7، ولأنه أراد أن يكون كماله، وأما إذا كان عنده أنه حي فلا تصح الوصية لأنه أراد تمليكه ولم يرد ما ذكرناه.
فصل [29 - إذا أوصى لقرباته أو لأهله]:
إذا أوصى لقرباته أو لأهله: ففي القربات يكون للأقرب فالأقرب لا يدخل معهم ولد البنات، وفي الأهل يكون للعصبة إلا إن أراد ذوي رحمه، وروي أنه يدخل في ذلك العصبة وذوي الأرحام من لا يرثه وولد البنات والعمات
والخالات 1 فوجه، الأول أن اسم القرابة مستحق من القرب فوجب أن يستحقه من يطلق عليه الاسم ولا يدخل عليه ولد البنات لأن قرباهم يختص لغيره، والأهل هم العصبة على الإطلاق لأنهم الذين يعقلون عنه ويملكون الولاية في النكاح والصلاة على الجنازة، ووجه الثانية أن اسم القرابة والأهل يشتمل على كل من مسه به 2 رحم وهذا أصح.
فصل [30 - إذا أوصى بجزء من ماله وله مال يعلم به ومال لا يعلم به]:
إذا أوصى بجزء من ماله وله مال يعلم به ومال لا يعلم به فالوصية فيما علم به دون ما لم يعلم به 3، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إن الوصية فيما علم به وفي ما لم يعلم به 4؛ لأن ما لم يعلم به فقد تحققنا أنه لم يقصده بالوصية فلم يكن له مدخل فيها أصله إذا أوصى بثلث هذه الدار فإنه لا يدخل عليه الوصية في غيرها من التركة لأنه لم يرده.
وإذا دبر عبدا وله مال يعلم به ومال لا يعلم به: فالمدبر لا يخرج من المال الذي يعلم به ففيها روايتان: إحداهما أن المدبر يكون في المالين كالدين لأنه لا يجوز له الرجوع عنه، والثانية أنه يكون فيما علم به لأنه معتبر من الثلث كالوصية.
فصل [31 - إذا أوصى الوارث وأجنبي فلم يجز الورثة وصية الوارث]:
وإذا أوصى الوارث وأجنبي فلم يجز الورثة وصية الوارث فإنهم يحاصون الأجنبي بوصية الوارث فما حصل له رجع له ميراثًا وما بقي بعد ذلك فلأهل
الوصايا 1، وقال الشافعي يبطل حق الوارث 2، فدليلنا على المحاصة أن الميت شرك مع الأجنبي غيره في الثلث فكأنه أعطاه 3 الباقي عن عطية الوارث بدليل أن الورثة لو أجازوا الوصية للوارث لم يستحق الأجنبي إلا السدس، وإذا ثبت ذلك لم يكن له زيادة عليه بامتناع الورثة من الإجازة.
فصل [32 - إذا هلك الموصى له قبل موت الموصي]:
إذا هلك الموصى له قبل موت الموصي فلا شيء له، وإن كانت الوصية لجماعة فمات أحدهم قبل موت الموصي فيها ثلاث روايات 4: إحداها 5 أنه يحاص أهل الوصايا بقدر وصيته على علم بموته أو لا 6 فما أصابه كان لورثة الموصي ولا شيء لورثة الموصى له، والأخرى أنها تبطل وصيته ولا يحاص أهل الوصايا بها علم بموته أو لم يعلم 7، والثالثة 8 أنهم يحاصون إن لم يعلم ولا يحاصون إن علم.
فوجه الأولى أن الموصي قصد إعطاءهم ما بعد وصية الميت فلم يستحقوا زيادة على ذلك كما لو لم يمت، وإن لم يعلم فهو على العقد 9 الأول وإن علم فتركه إن تبين إقرارا منه فالأمر 10 على ما كان عليه.
ووجه الثانية أن الموصي قد صرف إليهم المال وأخرجه عن تركته فلم يجز أن يرجع ميراثا، فإن لم يعلم فالقصد على ما كان عليه وإن علم ولم يعين فذلك دلالة على تبقيته إياه.
ووجه الثالثة أنه إذا لم يعلم وقعت المحاصة لأنه لم يرد أن يكون لهم جميع المال الموصى به، فإذا علم فتركه أن يصرف المال إلى جهة أخرى، رضا منه بأن يكون 1 باقيا على حكم الوصية.
فصل [33 - إذا أوصى بعبد من عبيده]:
إذا أوصى له بعبد من عبيده وهم عشرة مثلا، أو بعير من إبله أو بشاة من غنمه فله عشرهم بالقيمة كان ذلك رأسا أو أقل أو أكثر 2 لأن ذلك هو العدل بين الورثة والموصى له، وذلك أن الرأس من العشرة عشرهم فلا بد أن يعتبر بعدد الرؤوس أو بالقيم: ففي اعتبار الرؤوس تعارض الدعاوي لأن الورثة يقولون نعطيه أدونها قيمة والموصى له يقول أعلاها وليس أحدهم 3 أولى من الآخر فلم يبق إلا اعتبار القيمة، فإن مات من العشرة ثمانية وبقي اثنان فله نصفهما بالقيمة، ولو مات خمسة كان خمس الباقي، وإن كانت الوصية بجزء منهم فوصى بعشرهم وهم عشرة فهلك ثمانية وبقي اثنان لكان عشرهما بالقيمة لأن من مات من العشرة كأنه لم يكن فلا اعتبار به.
فصل [34 - إذا أوصى الرجل بنفقته عمره]:
وإذا أوصى الرجل بنفقته عمره فإنه يعمر عند مالك سبعين سنة، وعند عبد الملك تسعين، وينظر كم مضى منها إلى يوم الوصية فحسب له نفقة ما بقي بالاجتهاد في نفقة مثله وكسوته وسكناه: فيفرض له مقدار ذلك، فإذا عرف قدره جعل على يدي وصي أو أمين وأنفق عليه إما شهرا بشهر أو أسبوعا بأسبوع
أو سنة بسنة على ما يؤدي إليه الاجتهاد مما لا يستضر به، فإن مات قبل استيفاء ما أعد له من النفقة رجع باقي نفقته لورثة الموصي أو إلى أهل الوصاية إن كان المال ضاق عن استيفائها وإن كان عاش زيادة على التعمير فلا شيء له وقال أشهب يرجع إلى أهل الوصايا فيحاصهم ثانية 1.
وإنما قلنا إنه لا يعمر لأنا لو لم نقل ذلك لم ندر كم نعطيه لأنا إن أنفقنا عليه أبدا إلى أن يموت ومدة بقائه مجهولة أضر بالورثة حيث حبس حقوقهم عنهم وإن لم يعطه شيئًا حتى يعلم كم بقي من عمره فإن ذلك غاية المحال فلم يبق إلا التعمير.
وإنما قلنا يعمر سبعين لأنه غالب التعمير وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "أعمار أمتي ما بين 2 الستين إلى السبعين وأقلهم ما يجاوز ذلك" 3، ووجه قول عبد الملك تسعين سنة لأنها الغالب من تناهي الأعمار وقول مالك أصح، ولو أوصى لمن له سبعين أو ثمانين لم يكن له 4 إلا الاجتهاد في نفقته مثله، وإنما قلنا إنه ينفق عليه على ما ذكرناه ولا يسلم إليه دفعة ليتم غرض الموصي لأن غرضه امتداد الإنفاق بقية عمره، وإذا سلمت النفقة إليه جاز أن يتلفها لوقته أو يسرف في صرفها غرض الموصي.
وإنما قلنا إنه إذا مات قبل استيفاء المدة والنفقة كان باقي النفقة لورثة الموصي لأن الموت سبب استحقاقها فعادت ميراثًا، ولذلك كقوله: إذا مت ودخل زيد الدار فأعطوه دينارًا فمات زيد قبل دخوله فيعود ميراثا، ولا شيء لورثة الموصى
له لأنه لم يكن مالكا لها 1 فتنقل إلى (ورثته لأن الموصي أراد إيصالها إليه لا إلى) 2 ورثته.
وإنما قلنا إنها تعود إلى الوصايا إن كان المال ضاق عنها لأن الوصايا أولى بالثلث من الورثة وإنما دخلها النقص عند المزاحمة، فإذا مات عن شيء 3 مما أوصى له زالت المزاحمة في ذلك القدر فعاد إلى الوصايا، وإنما قلنا إنه إن عاش زيادة على التعمير فلا شيء لأن ذلك كالحكم الذي قد نفذ فلا ينتقض 4 باجتهاد آخر، ووجه قول أشهب أنا نتبين لبقائه بعد التعمير غلط 5 ذلك الاجتهاد فهذا أمكن تلافيه وجب العود فيه، ولأنه لما كان موته قبل استيفائه يوجب رده المال إلى الوصايا إذا احتاجت إليه كان بقاؤه بعدها يوجب عوده عليها، وإنما قلنا إن هذه النفقة من الثلث لأنها وصية فكانت في الثلث كسائر الوصايا.
فصل [35 - في وصية المريض]:
الأمر على ضربين: منها ما لا يخاف في العادة وذلك كالجذام والبرص والبلغم والجنون الذي يفيق معه أحيانًا فهذا حكمه حكم الصحة لا يمنع صاحبه التصرف في شيء من ماله بعوض وبغير عوض وما يهبه ويتصدق له نافذ من رأس ماله، والضرب الآخر ما يخاف منه وهو الذي لا يؤمن ترقبه 6 إلى الموت كالحمى الحادة والسل وذات الجنب وما أشبه ذلك فهذا هو الذي يتعلق عليه حق الحجر على من وجد به فيما زاد على قدر حاجته من الإنفاق في الأكل والكسوة
والتداوي والعلاج وشراء 1 ما يحتاج إليه من الأشربة والأدوية وأجرة الطبيب، ويمنع مما سوى ذلك مما يخرج 2 على غير بدل يحصل للورثة من هبة أو صدقة، ويكون ما فعل من ذلك موقوفًا على موته فينفذ من الثلث أو على صحته فينفذ على ما بيناه، ولا يمنع من التصرف بالمعاوضة المعتادة في التجارة التي لا يحابي 3 معها كالبيع والشراء بمثل ثمن المثل والإجارة والرهن والأخذ بالشفعة وما أشبه ذلك.
وإنما قلنا في القسم الأول إنه لا يوجب الحجر لأن الخوف إذا عدم معه لم يتعلق للورثه حق؛ لأن علته ثبوت الحجر لهم الخوف من الموت لأن حضور سبب الشيء جار في المنع مجرى حضور نفسه فإذا عدم هذا المعنى زال ما يجب 4 بوجوده.
وإنما قلنا إن الحجر لا يتعلق بما يحتاج إليه لأن حقه مقدم على حق 5 الورثة، فلا يثبت لهم حق الحجر إلا فيما فضل عن حاجته لأن الحجر لا يدخل في الواجبات وإنما يدخل في التطوع، ولأن الوصية مقدمة على الميراث بحق الوصية 6 فحقه حال الحياة أولى.
وإنما قلنا إنه يمنع من سرف أو ما يخرج عن عادة في قدر ما يحتاج إليه لأن ذلك إخراج مال على غير عوض يستفيده أو ورثته فكان في معنى إضاعته وذلك ممنوع فيه.
وإنما قلنا إن تصرفه في المعاوضات جائز إذا لم يكن فيها محاباة لأن الحجر لا يوجب المنع من التقلب في المال لأن الورثة لا يتعلق لهم حق في أعيان المال وإنما الحق لهم في مقداره ومبلغه.
فصل [36 - الحجر على وصايا المريض المخوف عليه وما في حكمه ..]:
الحامل إذا بلغت ستة أشهر والمحبوس للقتل في قصاص أو حد والزاحف في الصف كل هؤلاء حكمهم حكم المريض المخوف عليه في وجوب الحجر عليهم 1، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في إجازتهما لهم التصرف ما لم يضرب الحامل الطلق ويقرب المحبوس إلى القتل وتقدم الزاحف إلى البراز 2، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا﴾ 3 قيل في التفسير لما بلغت ستة أشهر 4، ولأنها بلغت حد الوضع كبلوغها حال الطلق، ولأن الله تعالى 5 قد جعل حضور سبب الموت كحضور الموت نفسه فقال ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ 6 يريد أسبابه وعلاماته، وهذا موجود في المحبوس للقتل والزاحف في الصف، ولأن تجويز الموت عليهم مع حضور سببه كتجويزه على المريض مع اختلاف الأمراض المخوفة في زيادة بقاء المرض 7 وسرعة تلفه، فإذا كان لا اعتبار به فكذلك في مسألتنا.
أما الراكب في البحر الخائف من الغرق: فقال ابن القاسم حكمه الصحيح، وقال أشهب حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر والزاحف في الصف، وهذا أقيس لأنها حال خوف على النفس كإثقال الحامل.
فصل [37 - إذا أوصى بوصيتين أو أكثر]: إذا أوصى بوصيتين أو أكثر: فإن لم يكن فيها تناقض وما يدل على رجوع نفذ جميعها، وإنما وجب ذلك لأن قصده إلى تنفيذها جميعها ممكن ولا شيء يدل على رجوعه فوجب تنفيذ الكل، وإن كان فيها رجوع عن بعضها نفذ ما لم يرجع فيه وبطل ما رجع عنه لأن ما رجع عنه مفسوخ بما ثبت عليه، فإن أوصى لرجل في موضعين بدنانير أو غيرها مما يكال أو يوزن مما لا يتعين من نوع واحد ولم يذكر إبطالًا لأحدهما ولا أنهما جميعًا للموصى له فله، واحدة منهما لاحتمال أن تكون الآخرة تكرارًا لابتداء، فإن كانت إحداهما أكثر من الآخرة فله الأكثر منهما لأنها إن كانت هي الآخرة فقد زاد على الأولى وإن كانت هي 1 الأولى فيحتمل أن يكون الأقل رجوعا عنها إلى الأقل، ويحتمل أن يكون زيادة مضمومة إليها فالأولى متيقنة فكانت أولى من الأقل، هذه روايه ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك، وذكر ابن حبيب ومطرف 2 وابن الماجشون عنه أنه ينظر إلى الأكثر: فإن كان هو في الأولى أعطى الجميع، وإن كان في الآخرة أعطي الأكثر فقط، قال لأنه إذا كان الأكثر هو أول الوصيتين (حمل الأقل بعده على أنه سبيل فيه قراره، وإن كان الأقل أوله الوصيتين) 3 كان رجوعا عن الأولى، هذا الحكم فيه إن كان من نوع واحد، وإن كان من أنواع شتى 4 مثل دنانير وثياب أو عروض فله الوصيتان جميعا ولا مقال للورثة لأنه لا ينسب إلى تكرار ولا إلى رجوع عن أحدهما 5.
فصل [38 - إذا أوصى بشيء بعينه لرجل ثم أوصى به الآخر]:
إذا أوصى بشيء بعينه مثل عبد أو دابة أو ثوب لرجل ثم أوصى به للآخر ولم يذكر رجوعا عن الأول كان بينهما نصفين 1، خلافًا لمن يقول يكون للأول، ولمن قال إنه للثاني 2، لأن وصيته به لآخر لا تحتمل 3 الرجوع وتحتمل الشركة فلم يحمل على الرجوع مع إمكان غيره، ولو قال العبد الذي أوصيت به لفلان هو لفلان كان رجوعا لأنه نقله عن المحل 4 الأول للذي جعله بعده فانتفى الاحتمال.
فصل [39 - إذا أوصى بإعتاق عبد بعينه ثم أوصى به لرجل أو العكس]:
فإن أوصى بإعتاق عبد بعينه ثم وصى به لرجل أو أوصى به لرجل أولا ثم ثانية بالعتق فالآخرة نقض للأولى أيهما كانت هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب الحرية أولى قدمت أو أخرت، ولابن القاسم أنه قد ثبت أن الوصية للثاني يحتمل الرجوع ويحتمل الشركة وإذا احتملت الشركة (لم يجز حملها على الرجوع على ما بيناه 5.
فصل [40 - فيما إذا لم يحتمل الشركة في الوصيتين]:
فإذا لم يحتمل الشركة) 6 لم يبق إلا الرجوع، وذلك أن العتق لا يجوز 7 الاشتراك فيه لأنه بمنزلة ابتداء بتبعيضه، وإذا امتنع ذلك لم يبق إلا الرجوع 8، ولأشهب أن العتق مغلب على غيره فوجب تقديمه.
فصل [41 - متى تجب الوصية]:
الوصية لا تجب إلا بموت الموصي وقبول الموصى له بعد موته؛ لأن الموصي ما دام حيا فله الرجوع في الوصية فلم يجب للموصى له حق فيعتبر قبوله، وإذا مات وجب أن يكون للموصى له حق القبول فإن قبل تمت الوصية وإن ردها عادت ميراثا أو فيما جعلها فيه إن كان شرط ذلك، ولا يدخل في ملكه بموت الموصي دون القبول 1، خلافًا لأحد أقاويل الشافعي 2؛ لأنه تمليك عين فافتقر إلى القبول كالهبة واعتبارا بالهبة حال الحياة.
وأما إن مات الموصى له قبل أن يقبل أو يرد: فقد قال شيخنا أبو بكر الأبهري الأشبه أن تكون لورثة الموصي بها (لأنها على أصل ملك أبيهم إلى أن يخرج عنهم بقبول الموصى له) 3 وقال غيره من شيوخنا يكون القبول لورثه الموصى له لأنه حق وجب له فإذا مات انتقل إلى ورثته فقاموا فيه مقامه كسائر الحقوق وهذا كأنه أقيس.
فصل [42 - إذا أوصى لرجل بشيء من ماله بعينه وله أموال كثيرة]:
إذا أوصى لرجل يشيء من ماله بعينه وله أموال كثيرة من عين وعروض وعقار وديون، وكان ما أوصى له به دون الثلث من جميع تركته فقال الورثة: لا نعطيه هذا لأنا لا نأمن أن يتلف الديون أو العروض قبل القبض أو البيع فيكون قد فات 4 بالعين التي أخذها، فعندنا أنهم مخيرون بين أن يدفعوا إليه ما أوصى له به أو يفرجوا له عن جميع ثلث الميت، ثم هل يقطع له بثلثه 5 في جميع التركه أو في الشيء الموصى له به بعينه على روايتين 6، وقال أبو حنيفة
والشافعي له ثلث تلك العين ويكون بباقيه شريكا في جميع ما تركه الميت حتى يستوفي تمام قيمته 1، فدليلنا أن الورثة متعدى عليهم لأن الميت لم يكن له أن يوصي من العين بأكثر من قدر نصيبه منه وهو الثلث منها، فلما وصى بجميعها كان متعديا فكان الخيار للورثة بين أن ينفذوا ما وصى به أو يفرجوا عن الثلث لأنه إذا تعدى إلى مال ليس له وجب رد تعديه إلى ماله وإذا كان كذلك ثبت ما قلناه.
ووجه قصر الثلث على العين الذي وصى بها فلأنه لم يرد الوصية بغيرها وإنما أراد هذه العين فمهما وجدنا سبيلا إلى إخراج العين كان أولى، ووجه القول الآخر أن التعدي إذا سقط ورد إلى الثلث صار في حكم من وصى بالثلث ابتداء.
فصل [43 - إذا ضاق الثلث عن الوصايا]:
إذا ضاق الثلث عن الوصايا قدم الأوكد فالأوكد فالمدبر في الصحة يقدم على المبتل 2 في المرض، وعلى المدبر في المرض لقوة التصرف في الصحة على التصرف في المرض والعتق المبتل في المرض يقدم على الوصية بالعتق لأن المبتل ليس له فيه رجوع إذا صح والوصية يرجع فيها، وإذا أوصى بعتق عبد بعينه كان في ملكه أو ليشترى ويعتق كان مقدما على غيره من الوصايا لتأكد حرمة العتق، وإن كانت الوصية بعتق غير معين فهي وسائر الوصايا سواء لأنها وصية بمال، والوصية بعتق معين تبدى على الزكاة لأنها حرمة ثبتت في البدن، ولأن العتق مبني على التغليب، وقال عبد الملك الزكاة مبتدأة لأنها حق من حقوق الله تعالى، وإذا أوصى بزكاة وكفارة قدمت الزكاة على الكفارة لتأكيد وجوبها 3.
فصل [44 - فيمن فرط في زكاة عليه ...]:
إذا فرط في زكاة عليه: فإن أوصى لزم الورثة إخراجها عنه، وإن لم يوص لم يلزم الورثة 1 خلافًا للشافعي 2؛ لأن إخراجها موكول إلى اجتهاد 3 أمانته فيجوز أن يكون قد أخرجهما إلا أن يعلم أنه لم يفرط مثل أن يحول الحول وهو مريض لا يعقل أو يؤدي إليه الغريم نصابا من دينه فهذا يجب أداء الزكاة من رأس المال وصى بها أو لم يوصِ لزوال التهمة فيها، وإذا أوصى بما فرط فيه فهو من الثلث، خلافًا للشافعي؛ لأنه يتهم أن يكون أراد الانتفاع بالمال حياته وصرفه عن ورثته بعده فكانت كالوصايا ولم تكن كالديون.
فصل [45 - في تزاحم الوصايا]:
وإذا تزاحمت الوصايا (قدمت على ما أضعف منها 4 خلافًا لأبي حنيفة في قوله أنها وسائر الوصايا) 5 سواء 6، لتأكيدها على غيرها إذ لولا التهمة لكانت من رأس المال.
فصل [46 - إقرار المريض بدين لوارث]:
وإذا أقر المريض بدين لوارث فقد بيناه في باب الإقرار لأن المراعى 7 فيه التهمة، وإذا أقر بآمانات كودائع وفرائض 8 لمن لا يتهم له: فإن وجدت
بأعيانها ردت على أصحابها، وإن لم تعرف كانت كالديون، ويحاص بها عند ضيق المال لأنه إذا أقر بها ولم يذكر أنها تلفت فالظاهر استهلاكه لها وتعلقها بذمته.
فصل [47 - إذا أوصى لرجل بمائتين ولآخر بمائة ولثالث بمثل إحدى الوصيتين]:
وإذا أوصى لرجل بمائتين ولآخر بمائة ولثالث بمثل إحدى الوصيتين ولم يبين أيهما أراد ففيها روايتان 1: إحداهما أن له نصف الأولى ونصف الثانية، والثانية أن له مثل الآخرة، وقال أشهب له مثل الأقل منهما.
فوجه الأولي أن مقدار الصغرى متحقق أنه موسى له به ونصف الكبرى فيصير النزاع في النصف الآخر من الكبرى فيتداعيانه 2، ولا بينة لواحد منهما فيكون بينهما، ووجه الثانية أن قوله له مثله ترجع الكناية منه إلى الأقرب وهو الذي يليه لأنه الظاهر من الكلام، ووجه قول أشهب إن الأقل متيقن وما زاد عليه فمشكوك فيه فكان اليقين دون الشك وبالله التوفيق ..