كتاب الاعتكاف
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- القاضي عبد الوهاب
- الكتاب
- المعونة على مذهب عالم المدينة «الإمام مالك بن أنس»
- المؤلف
- أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي (المتوفى: 422هـ)
- المحقق
- حميش عبد الحقّ
- الناشر
- المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمةأصل
- الكتاب
- رسالة دكتوراة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
- الطبعة
- بدون
- عدد الأجزاء
- 3 (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
1
الأصل في جوازه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 2، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه وقال له: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف: "أوف بنذرك" 3، ولأنه فعله هو 4 والسلف بعده والإجماع على ذلك 5.
فصل [1 - تعريف الاعتكاف الشرعي]:
والاعتكاف الشرعي هو المقام في المسجد مع الصوم والنية، وإنما قلنا: إنه المقام في المسجد لأن الاعتكاف هو الملازمة والعكوف والثبوت واللزوم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ 6 أي ملازمون لعبادتها.
فصل [2 - اشتراط المسجد في الاعتكاف]:
وإنما قلنا: إن من شرطه المسجد 7 لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ 8، فدل على أن المسجد من شرطه، وإلا لم يكن لتخصيصه من
سائر الأماكن مع النهي عن المباشرة في جميعه معنى، ولأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد ولم يعتكف في غيره 1، ولأنه إجماع 2.
فصل [3 - المرأة والرجل سواء في الاعتكاف]:
وإنما قلنا: إن المرأة والرجل فيه سواء 3 خلافًا لأبي حنيفة 4 في قوله: إن المرأة تعتكف في مسجد بيتها, للظاهر وهو عام، ولأنه شخص معتكف كالرجل ولأن كل شرط للاعتكاف لزم الرجل لزم في حق المرأة كالصوم.
فصل [4 - اشتراط النية في الاعتكاف]:
وإنما قلنا: إن النية من شرطه لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" 5، ولأنها عبادة متقرب بها والقربة لا بد لها من نية.
فصل [5 - عدم جواز خروج المعتكف من المسجد]:
ولا يجوز له الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان أو لأمر يضطره 6 إلى الخروج من حاجته إلى شراء طعامه 7، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 8، وروي: "أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتكف لا يخرج إلا لحاجة الإنسان" 9، ولأن الحاجة لا بد من الخروج لها، فكانت بخلاف غيره، وكذلك شراء الطعام.
ولا يجوز له الخروج لعيادة مريض ولا لصلاة على جنازة ولا لتشاغل بشيء من أموره سوى ما ذكرناه, لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يفعل ذلك 1، ولأن المسجد من شرطه فلم يجز له مفارقته كالصيام.
فصل [6 - عدم جواز اشتراط الخروج من الاعتكاف]:
ولا يجوز له أن يشترط في الاعتكاف جواز الخروج منه لضرورة إن نزلت به سوى ما ذكرناه 2 خلافًا للشافعي 3؛ لأنه شرط ما ينافي موجب الاعتكاف كما لو شرط ترك الصوم، ولأنها عبادة اشترط فيها خلاف موجب عقدها المطلق ونقيضه، فلم يصح كالصلاة والصيام.
فصل [7 - في اشتراط الصيام في الاعتكاف]:
وإنما قلنا: إن الصيام من شرطه 4، خلافًا للشافعي 5، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... إلى قوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 6، فنهى عن المباشرة في الاعتكاف وقصر المخاطبة به على الصائمين، فدل على كون الصيام شرطًا فيه، "ولأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف صائمًا" 7، فكان ذلك بيانًا له، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "أوف بنذرك وصم" 8، ولأنه
لبث في مكان مخصوص، فلم يكن قربة إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو قربة في نفسه كالوقوف بعرفة.
فصل [8 - أقل ما يصح فيه الاعتكاف من الأيام]:
وأقل ما يصح الاعتكاف في يوم واحد 1 لأن الصيام لا يمكن في أقل منه، وكل عبادة شرط فيها زمان فأقله ما يستغرقه وقته كالصلاة والاختيار أن لا ينقص من عشرة أيام لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينقص منها 2.
فصل [9 - الصيام للاعتكاف]:
وليس من شرط الاعتكاف أن يصوم للاعتكاف إلا أن يجعله شرطًا 3 لأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان، وهو واجب لغير الاعتكاف، ولأن من حقه ألا يكون إلا في الصوم سواء كان له أو لغيره كما أن الصلاة لا تكون إلا بطهارة من الحدث لها أو لغيرها.
فصل [10 - الاعتكاف في المسجد]:
والاعتكاف جائز في مسجد 4 لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 5، فإن كان أيامًا تتخلها الجمعة لم يجز له الاعتكاف إلا في الجامع لا لأجل أن الاعتكاف لا يصح في غيره من المساجد، لكن لأنه 6 لا بد له من
الخروج إلى المسجد فيبطل اعتكافه أو يتركه 1، وذلك غير جائز لأنها أولى من الاعتكاف فلم يبق إلا ما قلناه.
فصل [11 - فيمن خرج من معتكفه إلى الجمعة]:
وإذا 2 خرج إلى الجمعة بطل اعتكافه عند مالك رحمه الله، وقال عبد الملك: لا يبطل 3، فوجه قول مالك: إنه خرج من المسجد مختارًا فيما كان يمكنه ألا يخرج فأشبه 4 خروجه لعيادة مريض، ووجه قول عبد الملك: إن الجمعة أمر يضطره إلى الخروج لا يجوز له الإقامة في المسجد معه كحاجة الإنسان.
فصل [12 - متى يبدأ ويدخل في الاعتكاف]:
ويستحب لمن يريد الاعتكاف أن يدخل إلى معتكفه قبل غروب الشمس من أول ليلة من اعتكافه ليستوي في اليوم بليلته، فإن دخل بعد غروب الشمس وقبل طلوع الفجر في وقت ينوي فيه الصوم 5 أجزاه لأن الليل كله وقت لنية الصيام، فأي 6 وقت نوى فيه أجزاه.
فصل [13 - في انصراف المعتكف في آخر رمضان]:
ويستحب لمن اعتكف آخر رمضان أن لا ينصرف إلى بيته حتى يشهد العيد مع المسلمين 7 لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذلك كان يفعل 8، ولأنه إذا رجع إلى أهله
لم يترفه بالعذر الذي يحصل عندهم إلى وقت خروجه لصلاة العيد، فإن لم يفعل جاز إذا انصرف بعد غروب الشمس لزوال مدة الاعتكاف.
فصل [14 - المتكف يعقد النكاح]:
وللمعتكف أن يعقد النكاح لنفسه ولغيره 1، والفرق بينه وبين الإحرام أن الطيب ممنوع في الإحرام وهو من دواعي الوطء 2، فكان النكاح أولى بالمنع وليس كذلك الاعتكاف.
فصل [15 - خروج المعتكف من المسجد لمرضه]:
وإذا مرض المعتكف خرج من المسجد، فإن عجز 3 عن الصوم، فله الفطر ويبطل اعتكافه 4؛ لأن المرض عذر يبيح الفطر والخروج من المسجد لأن إقامته في المسجد تضربه لحاجته إلى العلاج وغيره مما لا يجوز في المسجد.
وكذلك الحائض تخرج من المسجد ويبطل اعتكافها 5، فأما خروجها من المسجد فلأن الحيض يمنع الإقامة فيه، وأما بطلان الاعتكاف فلأن من شرطه الصيام على ما بيناه والحيض ينافيه، وإذا صح المريض وطهرت الحائض، وقد بقي عليهما شيء من اعتكافهما يوم فما زاد عادا فتمماه وصاما فيه ووصلاه بما قبل المرض والحيض، ولم يجز لهما تأخيره فإن أخراه ابتدءا الاعتكاف.
فصل [17 - الاعتكاف يقتضي التتابع في أيامه]:
الاعتكاف يقتضي بإطلاقه التتابع، فمن نذر أن يعتكف عشرة أيام نذرًا مطلقًا
لزمه أن يتابعهما 1، والأصل فيه أنها عبادة واجبة، وهي على الفور ومنع التراخي إلا أن يقوم دليل، ولأن الاعتكاف لما كان ليلًا ونهارًا، وكان حكم ليله كحكم نهاره في الامتناع من الوطء والمباشرة وسائر الأفعال المنافية للاعتكاف كان حكم الأيام العدة حكم اليوم الواحد.
فصل [17 - قضاء الاعتكاف]:
ومن قطع اعتكافه مرض أو حيض لزمه قضاء ما ترك الاعتكاف فيه 2، وإن كانت أيامًا معينة بخلاف الصوم المعين اعتبارًا بالحج والعُمرة، ولأنها عبادة لها تعلق بالمسجد تحرم فيه المباشرة فصح قضاؤهما.
فصل [18 - ما يجوز فعله لمن خرج من المسجد]:
ومن أجزنا له الخروج من المسجد إما لمرض أو لحيض أو لحاجة الإنسان، فهو في حكم من هو في المسجد فلا يجوز له 3 أن يفعل ما كان ممنوعًا منه في الاعتكاف مما لا يتقضيه عذره، فمتى فعل ذلك أفسد الاعتكاف واستأنفه، وكذلك في اجتناب ما يجتنبه في النهار 4.
فصل [19 - ما لا يجوز فعله للمعتكف]:
ولا يجوز للمعتكف أن يطأ ولا يُقَبِّل ولا يباشر ليلًا ولا نهارًا، فإن فعل ذلك بطل اعتكافه 5، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 6، ولأنها عبادة من شرطها التتابع لم تجب بدلًا عن إتلاف نفس
ولا هتك حرمة فأفسدها الجماع كالحج وصوم الظهار وما عدى الجماع من الاستمتاع معتبر به.
ويفسده أيضًا ركوب شيء من الكبائر كشرب الخمر والزنا واللواط والالتذاذ بما دونه؛ لأن الاعتكاف هو نهاية الطاعة والمبالغة لذلك حتى أنه يكره فيه 1 التشاغل عن التعبد بتدريس العلم أو المشي لصلاة على الجنازة إلى غير موضعه من المسجد لئلا يقطع ذلك العذر من الوقت بغير ما قصد له من العبادة وركوب الكبائر ينافي هذا، وما ضاد العبادة أفسدها والله أعلم.
(تم كتاب الاعتكاف والحمد لله) 2
...