الوسائل والغايات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجدي الهلالي
- الكتاب
- العودة إلى القرآن لماذا وكيف
- المؤلف
- مجدي الهلالي
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
:
ومما يلحق بهذه العقبة قول البعض: بأن الله عز وجل تعبدنا بالوسائل، ولم يطلب منا النظر للأهداف والمقاصد، فمن يقرأ بألفاظه فقط، دون النظر لمقصد نزوله فسيصل إليه دون تكلف، وكذلك فإنه بمجرد الصوم والامتناع عن الطعام والشراب سيتحقق مقصود الصوم، وكذلك الصلاة وسائر العبادات.
فإن كان الأمر كذلك، وإن مجرد قراءة القرآن بألفاظه فقط دون تدبر سيحقق لصاحبه الهدف الذي نزل لأجله القرآن، فلماذا إذن فُضلت سور عن سور مثل سورة الإخلاص والتي تُعد قراءتها بثلث القرآن ...
هل لألفاظها فقط كان التفضيل، أم بما تحمله من معانٍِ عظيمة؟!! وهل من قرأها بلسانه فقط سيحقق المقصد من تفضيلها؟!
ولو كان الأمر كذلك لاستوى المصلون في درجاتهم عند الله طالما حققوا شروط وواجبات الصلاة بأجسامهم دون قلوبهم.
ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «أن الرجل لينصرف وما كُتب له عُشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها» 2.
وكذلك الدعاء .. فما قيمة رفع اليدين بالدعاء والقلب غافل لاه؟!
يقول صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» 3.
ويذكرنا القرآن بأهمية تحصيل التقوى في الحج كمقصد أساسي له.1
يقول تعالى ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37].
وغير ذلك من الأدلة التي تحثنا على تحري الخشوع والتقوى وحضور القلب مع العبادات وإلا ضاع جهد صاحبها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب قائم حظه من قيامه السهر ورب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش» (1).
ومع هذا كله فخير دليل على عدم صحة هذا القول هو الواقع، فنحن نقرأ القرآن منذ سنوات وسنوات وختمناه مرات ومرات، وكان كل همنا الانتهاء من الورد أو السورة دون الالتفات إلى المعنى ... فماذا غيَّر القرآن فينا؟
ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم فيقول رحمه الله:
ولا ريب أن مجرد القيام بأعمال الجوارح من غير حضور ولا مراقبة، وإقبال على الله: قليل المنفعة، دنيا وأخرى .. فإنه - وإن كثر - متعب غير مفيد، فهكذا العمل الخارجي القشوري بمنزلة النخالة كثيرة المنظر قليلة الفائدة.
فإن الله لا يكتب للعبد من صلاته إلا ما عقل منها (2).
ويقول: فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها.
وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب.
فتكون صورة العمل واحدة.
وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض.
والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض (3).