فلنبدأ بأنفسنا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجدي الهلالي
- الكتاب
- العودة إلى القرآن لماذا وكيف
- المؤلف
- مجدي الهلالي
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
:
فإن كان الأمر كذلك، فإن هذا العذاب الذي نتجرعه بالليل والنهار لن يتوقف إلا إذا رجعنا إلى الله عز وجل، وغيرنا ما بأنفسنا تغييرا حقيقيا يشمل التصورات والسلوك، والسر والعلن فنكون من بعده عبيدا لله عز وجل في كل أمورنا وأحوالنا، ويتمثل فينا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
إن وعد الله لا يتخلف، ولقد وعد عباده بنصرتهم وتمكينهم في الأرض إن هم نصروه على أنفسهم أولا.
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
إذن فلا بديل أمامنا إلا البدء في عملية التغيير الداخلي لذواتنا إن أردنا الفلاح لأنفسنا والعز لأمتنا.
فإن قلت: إننا جميعا متفقون على هذا التشخيص، ولكن ما منهج هذا التغيير المنشود الذي يتفق عليه الجميع، وما الكيفية التي من خلالها يقوم هذا المنهج بعمله في ذات الإنسان فيحدث فيه تغييرا جذريا، ويعيد صياغته من جديد؟
هذه التساؤلات تتردد هنا وهناك، والكل يظن أن الأمر صعب يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد لوضع المنهج المناسب لعملية التغيير .. إن الأمر أبسط من ذلك بكثير، فالله عز وجل وهو الرؤوف الرحيم لم يتركنا لنتخبط أو لنختلف فيما بيننا حول منهج التغيير، بل أرشدنا - سبحانه وتعالى إلى هذا المنهج، وبين لنا فيه طريقته في التغيير.
أعطانا المصباح الذي بنوره ينكشف لنا الطريق، وتتبدد الظلمات .. وصف لنا الدواء الذي يعالج كل ما نعاني منه من أدواء .. فماذا فعلنا بهذا المصباح وبذلك الدواء؟!
لقد طرحنا المصباح جانبا، وأهرقنا الدواء، ثم اخذنا نبكي ونقول: أين الطريق؟
لقد انطبق حالنا مع قول الشاعر:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول1
كتابنا، مصدر عزنا، النور المبين، والهدى والشفاء: أدرنا له ظهورنا وتعاملنا معه بطريقة غريبة وشاذة، وأصبحنا لا نستدعيه إلا في المآتم وأوقات المرض، وشهر رمضان، وغيره من المناسبات، واكتفينا بالتعامل مع ألفاظه فقط، والنظر إلى الثواب المترتب على قراءته، وإذا أردنا الدليل على ذلك، فليسأل كل منا نفسه: ما الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه حين يقرأ القرآن؟ أليس هو إنهاء الورد وتحقيق أكبر قدر من الحسنات؟ ألهذا الهدف فقط نزل القرآن؟ إن خير دليل على عدم صحة تعاملنا مع القرآن هو واقعنا نحن، فبالرغم من وجود عشرات بل مئات الآلاف من حفاظ القرآن على مستوى الأمة، وبالرغم من انتشار المصاحف في كل مكان بصورة لم تكن موجودة في العصور الأولى إلا أن الأمة لم تجن ثمارا حقيقية لهذا الاهتمام الشكلي بالقرآن.