العقبة الثالثة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجدي الهلالي
- الكتاب
- العودة إلى القرآن لماذا وكيف
- المؤلف
- مجدي الهلالي
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
مفهوم التدبر وطبيعته
البعض يتصور أن معنى التدبر: إعمال العقل في كل كلمة من كلماته والتدقيق الشديد فيها، والغوص في معانيها .. هذا التصور يجعل من التدبر عملية شاقة لا يستطيع أحد أن يستمر عليها، وفي الوقت ذاته فإنها لا تحقق مقصوده.
فتدبر القرآن وسيلة لدوام التذكر بما هو مطلوب منا، ومن خلاله تتضح الرؤية لطريق الهدى، وبه يتعظ القلب فيزداد إيمانا وتقوى.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: 113].123
فليس المقصد من تدبر القرآن إظهار نوع الإعجاز البياني واللغوي، وإمتاع العقل بما فيه من أدب وتاريخ وقصص - وإن كان كل هذا من محتوياته - بل المقصد الأساسي هو المعنى الذي يخرج به قارئه مما يجعله في حالة من دوام التذكر، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
ويضع الشيخ عبد الرحمن السعدي القاعدة لقارئ القرآن فيقول: «وأن يجعل المعنى هو المقصود واللفظ وسيلة له» (1).
ولو تفهمنا هذه القاعدة لأصبح التدبر سهلا ميسرا لمن جعله وسيلة للبحث عن الهدى والشفاء .. فلن يقف القارئ عند كل كلمة يقرؤها بل سيتفكر في المعنى الإجمالي للآية وارتباطها بجوانب الهداية، وأما ما أشكل عليه فهمه فليتركه لعالمه سبحانه وتعالى، وغالبا ما سيجد ما يوضحه في موضع آخر بالقرآن، وحسبنا في ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم فردوه إلى عالمه» (2).
قال عبد الله بن مسعود: إن للقرآن منارا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما يشبه عليكم - أو قال: شبه عليكم - فكلوه إلى عالمه (3).
يقول الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]، قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه (4).