التفرغ للقرآن وعدم الانشغال بغيره
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مجدي الهلالي
- الكتاب
- العودة إلى القرآن لماذا وكيف
- المؤلف
- مجدي الهلالي
- عدد الأجزاء
- 1 [الكتاب مرقم آليا]
من شأنه أن يجعل تصورات الشخص وخواطره ومنطلقات سلوكه تنطلق من معاني القرآن، لذلك كان الصحابة شديدي الحرص على تبليغ هذه الوصية لمن بعدهم، وبخاصة بعد انتشار الفتوحات، ودخول الكثيرين الإسلام ممن لم يعايشوا أجواء القرآن.
تأمل معي هذه الوصية لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - والتي يقول فيها: جردوا القرآن ليربوا فيه صغيركم، ولا ينأى عنه كبيركم، فإن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة.
قال شعبة - أحد رواة هذا الأثر-: فحدثت به أبا التياح وكان عربيا فقال: نعم، أُمروا أن يجردوا القرآن.
قلت له: ما جردوا القرآن؟ قال: لا يخلطون به غيره 2.
وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة، فانطلقنا إلى ابن مسعود بها، وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب ثم قال ابن مسعود للجارية: انظري من بالباب فقالت: علقمة والأسود، فقال: ائذني لهما، قال: فدخلنا، فقال: كأنكما قد أطلتما الجلوس؟ قلنا: أجل.
قال ما منعكما أن تستأذنا؟ قالا: خشينا أن تكون نائما.
فقال: ما أحب أن تظنا بي هذا، إن هذه الساعة كنا نقيسها بصلاة الليل.
فقلنا: هذه صحيفة فيها حديث حسن، فقال: هاتها، يا خادم هاتي الطست فاسكبي فيها الماء.
قال: فجعل يمحوها بيده ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: 3]، فقلنا: انظر فيها، فإن فيها حديثا عجبا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بغيره.
قال أبو عبيد في تعليقه على هذا الخبر: أرى أن هذه الصحيفة أُخذت من بعض أهل الكتاب، فلهذا كرهها عبد الله 3.
جردوا القرآن:1
كان عمر بن الخطاب ينهى وهو يرسل الجيوش عن الإكثار من رواية الحديث لعدم شغل الناس عن القرآن .. فعن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق، فمشى عمر رضي الله عنه معنا إلى صرار فتوضأ، فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا، قال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جردوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب (1).
وعن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليا رضي الله عنه يخطب ويقول:
«أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب ربهم» (2).
ويعلق الشيخ محمد الغزالي رحمه الله على هذين الخبرين فيقول: فعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القرآن حظه الأوفر من الحفاوة والإقبال.
وذلك هو الترتيب الطبيعي، فلابد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه، إذ أن هذه الشروح والتفاصيل لا يحتاج إليها كل أحد، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة (3).
لقد أدرك الصحابة القيمة العظمى للقرآن وقدرته على التغيير، وأدركوا كذلك أن انشغال الناس بغيره سيشتت الذهن ويصرف الوقت، مما سيؤدي إلى عدم تمكن القرآن من قيادتهم وتغييرهم.
تأمل معي ما قاله الحارث الأعور .. دخلت المسجد فإذا أُناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي فقلت: ألا ترى أناسا يخوضون في الأحاديث في المسجد؟ فقال: قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون فتن» قلت: وما المخرج منها؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1]، وهو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به هدي إلى صراط مستقيم» (4).
2 -