شرح زاد المستقنع للخليلصفحات 109-148
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 109-148
عن هذه الطبعة
عَلَم
أحمد الخليل
الكتاب
شرح زاد المستقنع
المؤلف
أحمد بن محمد بن حسن بن إبراهيم الخليل
عدد الأجزاء
6 [الكتاب مرقم آليا]

وجهه: أن هذا خلاف السنة.
فإنه ثبتت الأحاديث صحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سلم من الصلاة لم يزد على الاستغفار ثلاثاً وقوله تباركت ياذا الجلال والإكرام.
ثم ينصرف تارة عن اليمين وتارة عن الشمال.
إذاً بقائه أكثر من هذا المقدار ومن الذكر الوارد وهو الاستغفار وقوله: اللهم أنت السلام ... الخ.
مكروه لأنه مخالف للسنة الصريحة.
وهو مكروه لسبب آخر وهو أن في هذا مشقة على المأمومين لأنه جاء في الحديث نهي المأموم أن يقوم قبل أن ينصرف الإمام.
ومعنى انصراف الإمام: أن يلتفت إلى المأمومين.
إذاً هو مكروه لأمرين:

  • مخالفة السنة.
  • والإشفاق على المأمومين.
    • ثم قال رحمه الله: فإن كان ثمّ نساء: لبث قليلاً لينصرفن.
    إذا كان معه نساء فالسنة في حقه أن يلبث قليلاً قبل أن يقوم والغرض من ذلك أن ينصرف النساء.
    والدليل: ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا صلى مكث قليلاً - أي قبل أن يقوم.
    وقال الزهري رحمه الله: ولا نعلم ذلك إلا لأجل النساء.
    وسبق أن علقنا على كلمات الزهري التي يعلق بها على السنة وأن لها ثقلاً عند أهل العلم وسبب ذلك.
    • ثم قال رحمه الله: ويكره: وقوفهم بين السواري إذا قطعن.
    الصلاة بين السواري تحتاج إلى إيضاح بعض المقدمات قبل أن ندخل في نفس المسألة: الأمر الأول - في هذه المسألة: أنه لا يكره بالإجماع أن يصلي بين السواري عند وجود الحاجة.
    الأمر الثاني: أنه لا يكره للإمام ولا للمنفرد أن يصلي بين السواري لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل الكعبة صلى بين ساريتين فلا تتعلق الكراهة أصلاً بالإمام والمنفرد.
    نأتي إلى المأموم: = الحنابلة يرون أن المأموم يكره له أن يصلي بين السواري.
    واستدلوا على هذا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة بين السواري.
    والدليل الثاني: أن الصلاة بين السواري تؤدي إلى انقطاع الصفوف.

وقبل أن نذكر القول الثاني يضاف إلى ما يشبه تحرير النزاع نقول: الأمر الثالث: أنه لا يوجد قائل بالتحريم بين أهل العلم فكلهم على الكراهة خلافاً لما يشعر به بعض الباحثين كأنه يميل إلى التحريم فإن العلماء لم يذكروا التحريم فيما وقفت عليه مطلقاً وإنما كلهم على أنه يكره.
= القول الثاني: أن الصلاة بين السواري جائزة بلا كراهة مطلقاً.
وممن رجح هذا القول ابن المنذر رحمه الله.
واستدل على هذا بأمرين: الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بين ساريتين والأصل أنه لافرق بين المنفرد والإمام والمأموم.

الثاني: أنه لا يثبت في هذا الباب خبر صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وممن أشار إلى هذا ابن المنذر نفسه فإنه أشار إلى عدم ثبوت شيء في هذا الباب.
وإذا لم يأت عن النبي المعصوم - صلى الله عليه وسلم - حديث فيه النهي عن الصلاة بين السواري فبأي شيء نحكم على صلاة من صلى بين السواري بلا حاجة بأنه فعل مكروهاً.
وهذا القول الثاني قوي جداً في الحقيقة ووجيه ولكن يشكل عليه أنه روي عن بعض الصحابة أنه كره الصلاة بين السواري لكن مع ذلك لا يظهر لي أنه يكره الصلاة بين السواري.
فمثل هذا الأمر الذي يحتاج إليه الناس كثيراً لا سيما في السابق فإنه في السابق الأبنية تحتاج إلى عدد من الأعمدة والبناء الذي لايعتمد على وجود عدد كبير من الأعمدة إنما حصل أخيراً مع التقدم أما في السابق فكانت الأعمدة كثيرة ولذلك إذا دخلت مسجداً مبنياً من الطين فستجد أن عدد الأعمدة كثير جداً.
فالحكم على صلاة الناس بالكراهة إذا صلوا بين الأعمدة بلا حاجة يحتاج إلى دليل.
فالأقرب والله أعلم أنه لا يكره وإن احتاط الإنسان لنفسه بأن لا يصلي إلا لحاجة صار هذا جيد بسبب أنه احتاط لصلاته أن لا يصلي مع الكراهة التي توجد عند الحنابلة وغيرهم ويعتمدون فيها على أحاديث صححت من قبل بعض المعاصرين وفيه آثار فمجموع هذه الأمور تؤدي إلى الاحتياط.
أما من حيث البحث العلمي فالأقرب عدم الكراهة.
والله أعلى وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...

انتهى الدرس،،،

فصل [في الأعذار المسقطة للجمعة والجماعة] قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله.
لما أنهى المؤلف الكلام عن ما يتعلق بصلاة الجماعة من حيث حكمها بحد ذاتها وما يتعلق بالمأمومين والإمام والأماكن التي ترتبط بها صلاة المأمومين بالإمام انتقل بعد ذلك انتقالاً منطقياً إلى ما يعذر فيه الإنسان لترك صلاة الجماعة أو الجمعة وذكر عدداً كبيراً من الأعذار إذا فهمها الإنسان استطاع بإذن الله أن يعرف حكم غيرها لأنه إذا فهم هذه الأعذار استطاع أن يعرف قاعدة الشارع في وزن الأمور التي أباح الشارع الحكيم فيها للمسلم في أن لا يحضر الجماعة.
والتي لا يعذر فيها المسلم.
وبدأ بالعذر المتفق عليه الذي لا يختلف فيه المسلمون: • فقال رحمه الله: ويعذر بترك جمعة وجماعة: مريض.
المريض يعذر بترك الجمعة والجماعة لعدة أدلة:

  • الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - - كما تقدم معنا - لما سقط عن فرسه صلى في بيته وترك الجمعة والجماعة.
    وهذا دليل على أن الإنسان إذا مرض جاز له ترك الجمعة والجماعة.
  • الدليل الثاني: الإجماع.
    فقد أجمع العلماء على أن من كان مريضاً فإنه يجوز له أن يترك الجمعة والجماعة.
    وقول المؤلف رحمه الله: (المرض) يشمل:
  • أن يكون مريضاً بحيث لا يستطيع أن يحضر الصلاة.
  • ويشمل أن يخشى زيادة المرض.
  • ويشمل أن يخشى بطء البرء.
  • ويشمل على الصحيح - إن شاء الله - خشية حدوث المرض يعني: لو كان الإنسان سليماً أو معافى ولكنه يخشى إن خرج أن يصاب بمرض فإنه حينئذ أيضاً يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
    ومن المعلوم أن مقصود الفقهاء بخشية حدوث المرض أو خشية زيادة المرض أو تأخر الشفاء أن تكون خشيةً حقيقيةً متوقعةً متصورة.
    أما إن كانت مظنونة لا أصل لها فإنه لا يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
    والعذر بالمرض لا إشكال فيه.
    • ثم قال رحمه الله: ومدافع أحد الأخبثين.

إذا كان الإنسان يدافع الأخبثين ودار الأمر بين أن يدرك الجماعة أو يدفع الأخبثين بأن يقضي الحاجة فإنه يجوز إذا كانت هذه حالته أن يترك صلاة الجماعة ويقضي حاجته ثم يصلي بعد ذلك ولو منفرداً أو أو مع الجماعة الثانية التي أقيمت بعد الإمام الراتب.

والدليل على هذا:

  • ما أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين).
    وهذا الدليل نص في مسألة أنه يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة إذا حصل عنده مدافعة للأخبثين وهما: البول والغائط.

ومن هنا نعلم أن ما يفعله كثير من الناس إذا حضر للمسجد متأخراً ودار الأمر بين أن يدرك الركعة الأخيرة وبين أن يذهب إلى دورات المياه لقضاء حاجته فإنك تجد بعض الناس يذهب للصلاة وإن كان يدافع أحد الأخبثين وهذا الذهاب خطأ شرعاً وهو مخالف للنصوص.

وأما هل تصح صلاته أو لا تصح صلاته؟ فهذا تقدم معنا في مباحث شروط الصلاة وذكرنا التفصيل فيمن صلى وهو يدافع الأخبثين والأقوال في حكم صلاته وأنها ثلاثة طرفان ووسط .. إلخ هذا تقدم معنا.
إنما الكلام الآن أنه يعذر بترك الجماعة.
وأيضاً مدافعة أحد الأخبثين أمرها واضح وظاهر.
• ثم قال - رحمه الله -: ومن بحضرة طعام محتاج إليه.
اشترط المؤلف - رحمه الله - لجواز ترك الجماعة شرطين: ــ الأول: أن يحضر الطعام.
ــ والثاني: أن يكون محتاجاً إليه.
والدليل على أنه إذا تحققت هذه الشروط جاز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة:

  • حديث عائشة المتقدم.
  • وأيضاً قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا حضر العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا يعجل أحدكم عن عشائه).
    فهذا نص في تقديم تناول العشاء على صلاة المغرب وغير صلاة المغرب كصلاة المغرب.
    وأيضاً دليل على أنه لا بد من حضور الطعام لأنه يقول: إذا حضر العشاء.
    أما إذا كان يعد ولا ينتفع الإنسان من انتظاره فإنه يجب عليه أن يصلي الجماعة.
    وفي هذه المسألة بعض المسائل الأخرى - يعني: وفي مسألة العذر بحضور الطعام مسائل أخرى نذكر أهم هذه المسائل:

ــ المسألة الأولى: نص الإمام أحمد على أنه إذا حضر الطعام فإنه يأكل منه حتى يشبع ولا يجب عليه أن يأكل فقط ما يسد به رمقه بل يأكل حتى يشبع.
واستدل الحنابلة على هذا بدليلين:

  • الأول: ما تقدم معنا: وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ولا يعجل عن عشائه).
  • والثاني: أن الإنسان إذا أكل ما يسد الرمق وبقيت نفسه متعلقه بالطعام ثم خرج إلى الصلاة فإن هذا من أكبر أسباب قلة الخشوع وذهاب الحضور أثناء أداء الصلاة.
    والشارع الحكيم إنما أجاز التخلف عن صلاة الجماعة عند حضور الطعام لمقاصد من أهمها: تكميل الخشوع.
    فلذلك نقول: يأكل حتى ينتهي من الطعام.
    ــ المسألة الثانية: هذا العذر يكون عذراً شرعاً إذا حصل اتفاقاً أما إن حصل على سبيل الترتيب والدوام فإنه لا يصبح من الأعذار ويأثم من جلس لتناول الطعام وترك صلاة الجماعة إذا كان يرتب لهذا الأمر يومياً أو اعتاد عليه.
    وإنما يكون عذراً شرعياً إذا حصل اتفاقاً.
    ــ المسألة الثالثة والأخيرة: إذا حضر الطعام وليس للإنسان به حاجة فإنه يجب أن يقوم للصلاة ولو كان يأكل ما دام أنه لا يشعر في نفسه حاجة وانجذاب إلى هذا الطعام.
    والدليل على ذلك:
  • ما صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس يأكل من كتف شاة ثم دعي إلى الصلاة فوضع الطعان وقام إلى الصلاة.
    فحمل العلماء - رحمهم الله - هذا الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن به حاجة إلى الطعام.
    جمعاً بين النصوص لأنه هو - صلى الله عليه وسلم - قال إذا حضر العشاء فابدأوا به قبل الصلاة ثم نراه هنا يقدم الصلاة على الطعام فإذا أردنا أن نجمع بين النصين نقول: لم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حاجة إلى الطعام في هذا الحديث.
    إذاً هذه بعض المسائل التي تتعلق بمسألة حضور الطعام قبل الصلاة.

بناء على هذه الضوابط والمسائل ما يفعله بعض الناس برمضان من وضع جميع الطعام قبل الصلاة فكل ما لديهم من طعام يضعه قبل الصلاة فحكم هذا إن كان يستطيع يتناول هذا الطعام ويدرك الصلاة فهو جائز وإن كان يترتب على هذا فوات صلاة المغرب يومياً فإنه آثم بترك صلاة المغرب ولو حضر الطعام ولو كان يشتهيه لأنه صار يرتب يومياً لمدة ثلاثين يوماً أنه سيترك صلاة المغرب بل نقول تأكل ما يكفي للنشاط وسد الرمق ثم تصلي مع الجماعة وإنما يكون تناول الطعام عذر إذا وقع اتفاقاً كما ذكرت.
• ثم قال - رحمه الله - في العذر الرابع: وخائف: من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه.
إذا خاف الإنسان من ضياع المال أو فواته أو أن يتضرر هذا المال أي ماله جاز له حينئذ أن يترك صلاة الجماعة.
والدليل على ذلك:

  • ما رواه ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر قيل ما العذر يا رسول الله قال: الخوف أو المرض.
    وهذا الحديث تقدم معنا أن الصواب فيه أنه موقوف على ابن عباس.
    وإذا كان موقزفاً على ابن عباس فهو كذلك عذر لأنه فتوى عن صحابي ليس لها معارض تتوافق مع أصول الشرع.

وهناك دليل آخر على أن للإنسان أن يترك صلاة الجماعة إذا خشي على ماله:

  • وهو أن الشارع الحكيم أجاز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة كما سيأتينا غذا خشي من الطين أو المطر والتضرر بفقد المال أكبر من التضرر بالطين والمرض وهذا بإجماع الناس.
    فكون الإنسان يتضرر بنوع مطر كما سيأتينا حده أو بتلوث بالطين هذا أسهل من أن يفقد ماله أو أن يفقد شيئاً له قيمة واعتبار من ماله.
    وإذا كان الشارع عذر بما هو أخف فلا شك أنه سيعذر بما هو أعلى.
    إذاً: إذا خشي الإنسان على ماله فإن له أن يترك صلاة الجماعة.
    وذكر العلماء أمثلة لهذا الخوف:
  • منها: الخباز إذا وضع الخبز في الفرن وخشي أن يحترق لو ذهب.
  • والطباخ: إذا أقام القدر على النار وخشي أن يحترق إذا ذهب.
  • والحطاب إذا خشي أن يسرق الحطب.
    وما شابه هذه الأمثلة.
    ويمكن أن يقاس عليها بالنسبة لواقعنا المعاصر أشياء حديثة من ذلك مثلاً:
  • لو كانوا يشتغلون بالبناء والصبة (ما يسمونه الصبة) وترتب على الذهاب للمسجد فساد للصبة أو تحجر الصبة أو فساد ترتيبها على الأرض.
    فإنه لا شك أن هذا من ضياع المال الذي أجاز الفقهاء لصاحبه ترك صلاة الجماعة.
    ولذلك ينبغي على المنكر أن ينكر على من ترك الصلاة جماعة أن يعرف هل هو معذور أولا؟ نعم.
    الغالب على الناس اليوم التهاون في صلاة الجماعة وتركها لسبب غير وجيه أو لا لسبب أصلاً لكن مع ذلك يجب على الإنسان قبل أن ينكر أن يعرف هل هذا الذي ينكر عليه تجب عليه أصلاً صلاة الجماعة أو هو ممن عذر الله سبحانه وتعالى بأحد الأعذار التي سنذكر أو بنظيرها.
    إذاً: الخلاصة أن الخائف على ماله عموما يعذر.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو موت قريبه.
    يعني: إذا خشي الإنسان أنه إن ذهب لصلاة الجماعة مات قريبه.
    فإنه يجوز له والحالة هذه أن يبقى عند هذا المريض ولا يذهب لصلاة الجماعة.
    واستدلوا على هذا الحكم بدليلين:
  • الأول: أن الصحابي الجليل ابن عمر - رضي الله عنه - استصرخ سعيد بن زيد وهو خارج المدينة فجائه وترك الجمعة.
    استصرخ يعني: طلب النجدة من سعيد بن زيد فجائه وترك الجمعة وكان عند ابن عمر رجل مريض أو امرأة مريضة.
  • الثاني: أن هذا محل إجماع.
    فقد أجمع العلماء على أن من خشي موت قريبه فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
    وهذا أمر بدهي أنه إذا ترتب على ذهاب الإنسان موت المريض القريب له فإنه يجوز له أن يترك الصلاة ويصلي في البيت.
    قال الفقهاء: وكذلك لو خشي موت رفيقه لا قريبه.
    يعني: حتى لو لم يكن القريب وإنما الصديق والرفيق الذي يجلس بجواره فالحكم كذلك.
    قال الفقهاء: كذلك التمريض ولو لم يخش من الموت وإنما خشي من الضرر إن ذهب وترك المريض وكان هو الذي يمرض هذا المريض فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة وأن يجلس عند هذا المريض.
    وبالنسبة للتمريض يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة ليمرض قريبه بشرط أن لا يجد وسيلة لتفادي هذا الأمر.
    فإذا أمكن - مثلاً - أن يجلس عند هذا المريض أحد أهل الدار أو أحد من خارج الدار ليذهب هذا الإنسان ليصلي الجماعة ويرجع فإنه يجب عليه أن يؤمن من يقوم مقامه أثناء أداء صلاة الجماعة.

أما إذا لم يوجد إلا هذا الشخص وهذا يكثر قديماً أن لا يوجد من يمرض الإنسان إلا قريبه أو ابنه أو أخوه فإنه يجوز له أن يجلس عند هذا المريض.
ومن غير المقبول ما يفعله بعض الناس يجلس يمرض المريض ويخرج للدوام ثم يرجع وباقي الصلوات يكون يمرض فالذي مكنك من الخروج لأداء الدوام الرسمي الصباحي يمكنك أيضاً من وجود من يقوم مقامك في الصلوات الخمس ما عدا الظهر يعني لو قلنا الأربع ما عدا الظهر لأنه سيكون في الدوام فأيضاً يمكنه أن يوجد من يقوم مقامه ليذهب يصلي هو مع الجماعة.
لكن على كل حال الضابط أنه إذا لم يستطع أن يوجد أحداً يقوم مقامه ليذهب هو للصلاة ممن لا تجب عليهم الصلوات فإنه يجوز له أن يجلس عند هذا المريض وهو معذور ولا إثم عليه وصلاته إن شاء الله في البيت صحيحة.
• ثم قال - رحمه الله -: أو على نفسه من ضرر.
يعني خشي على إن خرج أن يتضرر.
كأن يتربص به أحد ليؤذيه.
أو أن يوجد في الطرقات حيوانات مفترسة كما قد يوجد في بعض الذئاب أو الأسود قديماً في بعض القرى النائية.
المهم: هذه أمثلة إذا ترتب على خروج الإنسان ضرر فإنه يجوز أن يجلس في بيته ويصلي ولا يخرج لصلاة الجماعة.
ومن أشهر أمثلة الضرر: أن يكون في البلد حرب.
فإذا كان في البلد حرب لا سيما إذا كانت داخلية أي في داخل المدينة فإنه لا شك أن خروج الإنسان لا سيما في الليل يترتب عليه ضرر فقد يقتل أو يجرح أو يؤسر ... إلخ.
فإذا كان الوضع كذلك فإنه يجوز له أن يبقى في البيت ويصلي ولا حرج عليه.
والدليل على هذا:

  • جميع ما تقدم.
    كقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) يشمل العذر في صلاة الجماعة وكون الشارع الحكيم يعذر بالمطر والبرد فهذا الضرر من باب أولى.
    فقياس أولوي بالنسبة إذا خشي على نفسه الضرر.

وكما قلت فيما سبق أقول الآن: مقصود الفقهاء بالضرر الضرر الذي يقدره المكلف ويستحق البقاء في البيت أما الضرر اليسير فإنه لا يوجب الجلوس في البيت.

فمثلاً: لو كان إذا خرج إلى الصلاة قد يؤذيه بعض الصبيان فإن الصبيا أحياناً يؤذون المارة إلى المساجد.
هذا ضرر لكنه ضرر لا يستوجب ترك صلاة الجماعة إنما الضرر الذي يستوجب ترك صلاة الجماعة هو المؤذي الملحق بالأذى الظاهر في البدن أو في المال فهذا هو الذي يعذر الإنسان إذا ترك صلاة الجماعة من أجله.
• ثم قال - رحمه الله -: أو سلطان.
يعني: إذا خشي إذا خرج لصلاة الجماعة أن يؤذيه السلطان إما بحبس أو بضرب أو بأخذ للمال وهذه أشهر ثلاث أمثلة.
إما بالضرب أو بالحبس أو بأخذ المال فإنه يجوز له أن يبقى في بيته تفادياً لهذا الضرر.
لكن اشترط الفقهاء في هذا العذر شرط وهو: أن يكون إيذاء السلطان بظلم فإن كان بحق حرم عليه أن يترك صلاة الجماعة.
فمثلاً: لو كان هذا الإنسان يسرق أموال الناس وإن خرج مسكه السلطان فإنه يجب عليه وجوباً أن يخرج وأن يصلي ولو ترتب على ذلك أن يقع في أيدي السلطات لأن مسكه حينئذ بحق وهو الذي اعتدى على أموال أو أعراض الناس.
المهم أنه يشترط لهذا العذر أن يكون إيذاء السلطان بظلم فإن كان بظلم جاز له أن يبقى في بيته.
• ثم قال - رحمه الله -: أو ملازمة غريم ولا شيء معه.
يعني: إذا خشي أنه إذا خرج لصلاة الجماعة لزمه الغريم يعني الدائن.
لزمه وصار يتنقل معه حيث تنقل ويطالبه بالدين.
إذا خشي من هذا الأمر فإنه يجوز له أن يصلي في البيت.
لكن بشرط: أن لا يكون مع هذا المدين شيء يؤدي به الدين.
وبعبارة أخرى: أن يكون معسراً أو مفلساً.
فإذا كان معسراً أو مفلساً ولا شيء معه جاز له أن يبقى في البيت ويترك صلاة الجماعة.

  • لأنه إذا خرج ولزمه هذا الدائن صار في هذه الملازمة ضرراً ظاهراً وإحراجاً بين الناس وقد تؤدي هذه الملازمة إلى الحبس لأنه قد يلزمه بالذهاب إلى القاضي أو إلى الشرطة ويترتب على ذلك الحبس.
    إذاً: إذا لم يكن مع المدين شيء بأن كان مفلساً معسراً جاز له أن يصلي في البيت.
    الدليل على هذا:
  • أن ملازمة الفقير المعسر حرام لا تجوز حتى من قبل الدائن.
    لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة/280] فأوجب الله سبحانه وتعالى أن يُنْظَر وأن يمهل.

إذاً ملازمة الفقير أصلاً محرمة.
كذلك حبس الفقير محرم.
فإذا كان خروجه سيترتب عليه وقوع المحرم جاز له دفعاً للضرر أن يبقى في بيته ويصلي الفرائض فيه.
إذاً: الدليل أن ملازمة وحبس الفقير محرم.
وإذا ترتب على خروجه هذا المحرم جاز له أن يصلي في بيته.
• ثم قال - رحمه الله -: أو من فوات رفقته.
أي: أنه لو خشي إذا صلى الجماعة أن تفوته الرفقة.
يعني: أن يسافروا ويتركوه.
هذا معنى فوات الرفقة.
فهو خاص بالسفر.
فإنه حينئذ يجوز له أن يصلي في غير الجماعة.
واشترطوا لهذا شرطاً: وهو أن يكون السفر مباحاً فإن كان محرماً حرم عليه أن يترك صلاة الجماعة.
والدليل على هذا:

  • أن في ذهاب الرفقة وتركه ضرراً ظاهراً لا سيما في القديم فإنه في القديم يكون السفر جماعياً ولا يكون السفر أفراداً وإنما يكون جماعياً لرد الضرر الحاصل في الطريق إما من اعتداء اللصوص أو السباع أو من العطش أو من الجوع فإذا كانوا جماعة أمكن أن يتعاونوا في دفع هذا الضرر فإذا تخلف عنهم وقع عليه الضرر وهو احتمال كبير أي وقوع الضرر عليه.
    وفي عصرنا اليوم كذلك ك يعني لو كان هناك رفقة يستعدون للسفر في سيارة واحدة وترتب على بقائه وصلاته مع الجماعة أن يذهبوا ويتركوه فإن في هذا ضرر لا شك لأنه قد لا يستطيع السفر بمفردة أو قد يتضرر ثم مع ذلك إذا صلى مع الجماعة وهو يعلم أن له رفقة ينتظرونه وربما ذهبوا وتركوه صلى وهو مشوش الذهن بعيد كل البعد عن الخشوع وحضور القلب.
    فهذا إن شاء الله من الأعذار.
    ونحن نتكلم الآن عن أن هذا الشخص الذي أراد أن يصلي مع الجماعة وله رفقة ينتظرونه وسيذهبون إن صلى فهو معذور ولا نتكلم عن الرفقة - لسنا نتكلم عن الرفقة لأن هؤلاء المجموعة عملهم محرم لأنه يجب عليهم أن يصلوا صلاة الجماعة إذا سمعوا النداء ولو كانوا على وشك السفر.
    فكل إنسان سمع النداء يجب أن يؤدي هذه الصلاة التي نودي لها في جماعة سواء كان في هذا المسجد أو في غيره.
    المهم ما دام سمع النداء فيجب أن يصلي مع جماعة المسلمين في أي مسجد.

لكن: وإن كان عمل هؤلاء المجموعة محرم وهو أنهم سيذهبون ويتركون صلاة الجماعة ويصلون فرادى أو في مسجد خارج البلد بلا جماعة لكن باتلنسبة لهذا الشخص الذي سيذهبون ويتركونه هو معذور بهذا العمل وله أن يسافر معهم.
• ثم قال - رحمه الله -: أو غلبة نعاس.
يعني: إذا غلب الإنسان النعاس وسيطر على ذهنه النوم فإنه يجوز له أن يترك صلاة الجماعة.
وذكر الفقهاء - رحمهم الله - شرط لهذا وهو: أن يخشى فوات الصلاة والجماعة.
يعني: يخشى لو انتظر ليصلي مع الجماعة أن ينام بسبب النعاس ثم يؤدي هذا إلى ترك الصلاة والجماعة.
أي: إخراج الصلاة عن وقتها وبطبيعة الحال فوات صلاة الجماعة.
إذا خشي من هذا جاز له ترك صلاة الجماعة.
ظاهر عبارة الحنابلة: أنه في هذه الصورة يعذر.
أما إذا صار معه نعاس شديد لا يخشى معه فوات الجماعة ولكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة - يشق عليه مشقة ظاهرة أن ينتظر ويصلي مع الجماعة أنه في هذه الصورة يجب أن يصلي مع الجماعة.
هذا ظاهر عبارة الحنابلة لأنهم خصوه بمن خشي فوات الصلاة والجماعة فقط.
هذا الشخض الذي إن انتظر ربما فاتته الصلاة والجماعة لأنه سينام مع غلبة النعاس هذا فقط الذي يعذر بترك صلاة الجماعة.
هذا ظاهر عبارتهم.
والصواب: أن عذر غلبة النعاس يشمل الصورتين: - أن يخشى فوات الصلاة والجماعة.
وهو مراد الحنابلة.

  • وأن يشق عليه مشقة ظاهرة زائدة أن ينتظر صلاة الجماعة.
    لأنه إن انتظر ولو ضمن إدراك الجماعة فإنه سيصلي مع غلبة النعاس والتعب والبعد كل البعد عن الخشوع واستحضار مقاصد الصلاة ومعاني الأذكار أثناء أداء الصلاة وهذا كله بعيد عن إرادة الشارع أي أن الشارع الحكيم من مقاصده أن يؤدي المكلف الصلاة كاملة بحضور وخشوع واستحضار لمعاني الأذكار التي تكون في السجود والركوع والقيام.
    فإن شاء الله هذا العذر يشمل الصورتين.
    ونقول كذلك: على أن يحصل هذا اتفاقاً.
    أما أن يرتب الإنسان وقته على أن يكون صلاة العصر دائما متعباً يغلب عليه النعاس لا يدري ما يقول إن صلى هذا لا يجوز يجب أن يرتب أموره بحيث يستطيع أن يؤدي الصلاة على الوجه الأكمل.
    • ثم قال - رحمه الله -: أو أذى بمطر ووحل.
    يعني: أو حصل له أذى بمطر أو وحل.

إذا تأذى الإنسان بالمطر أو بالوحل جاز له أن يترك صلاة الجماعة.

  • لحديث ابن عمر في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في الليلة الباردة أو المطيرة: صلوا في رحالكم.
    أو: كلمة أو هذا لفظ البخاري.
    وأما في الليلة الباردة والمطيرة هذا لفظ خارج البخاري.
    المهم أنه في صحيح البخاري: في الليلة الباردة أو المطيرة.
    واستدلوا أيضاً:
  • بحديث ابن عباس - رضي الله عنه - أنه أمر المؤذن أن يقول صلوا في رحالكم في ليلة موحلة ممطرة فلما سئل قال خشيت أن تخرجوا فتتأذوا من الطين والوحل.
    وهذا حديث صحيح أيضاًَ ثابت.
    واستدلوا أيضاً:
  • بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عام الفتح أمطرت على أصحابه - صلى الله عليه وسلم - مطراً لم يبل أسفل نعالهم فقال لهم صلوا في رحالكم وهذا أيضاً إسناده حسن إن شاء الله.
    فدلت هذه الأحاديث على أن نزول المطر أو وجود الطين في الأرض سبب من أسباب العذر في الخروج لصلاة الجماعة.
    وضبط الفقهاء الوحل أو الطين: بما يتأذى به الإنسان في بدنه أو ثوبه.
    أما إن كان طين يسير لا يضر وبإمكان الإنسان أن يتفاداه فإن هذا لايعتبر من الأعذار التي توجب ترك الجماعة.
    وضبطوا المطر كما سيأتينا أيضاً: بما يبل الثياب.
    فإذا نزل مطر يبل الثياب فإنه يجوز ترك صلاة الجماعة.
    بناء على هذا: إذا نزل مطر يبل الثياب لكن لا يؤذي أذية ظاهره فأحيناً ينزل مطر يبل الثياب لكن لا يؤذي أذية ظاهرة.
    فعند الفقهاء يجوز والحالة هذه أن يترك صلاة الجماعة.
    ومن العلماء من قال: بل يجب مع كونه يبل الثياب أن يؤذي بحيث إذا خرج الإنسان تضرر وتأذى.

ويظهر لي: والله أعلم: أن مذهب الحنابلة: أنه يشترط أن يبل الثياب فقط صحيح لأنه يظهر من النصوص أن الشارع الحكيم يعذر بجنس المطر ولا أقصد بأي مطر لكن أقصد أنه يعذر بجنس المطر الذي يبل الثياب.
بدليل هذا الحديث الذي تقدم معنا في قصة الفتح وهو أنهم مطروا مطراً لا يبل أسفل النعال وأنتم تعلمون أن الطرق في القديم كانت كلها من تراب وأن المطر إذا نزل مباشرة تصبح الأرض قريبة من الطين إذا كان المطر يسيراً.
يعني: لا بد أن تتأثر الأرض ولو بالمطر اليسير.

وإذا تأثرت الأرض ولو بالمطر اليسير فلا بد أن تتأثر النعال.
وهذا المطر الذي نزل عليهم - رضي الله عنهم - هم يقولون أنه لم يبل أسفل النعال فيظهر والله أعلم مع جمع القرائن وما كانت عليه أراضيهم أنه كان مطراً قليلاً.
فمن مجموع هذه الأمور يظهر والله أعلم أن الشارع يعذر بالمطر ما دام أنه يبل الثياب ويحصل به أذى ولو لم يكن أذىً كبيراً.
أما إذا نزل مطر لا يبل الثياب ولا يؤذي وإنما يشجع على الخروج من البيت فإنه إن ترك صلاة الجماعة في هذه الصورة فقد ارتكب محرماً.
صلاته صحيحة لكنه آثم بتركه الصلاة بما لا يسوغ شرعاً ترك الصلاة.
• ثم قال - رحمه الله -: وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.
العذر الأخير: الريح.
لكن يشترط في الريح هذه الشروط الثلاثة:

  • أن تكون باردة.
  • وأن تكون شديدة.
  • وأن تكون في ليلة مظلمة.
    إذاً لابد من ثلاثة شروط.
    باردة وشديدة وفي ليلة مظلمة.
    فإن كانت الريح ساخنة دافئة: فإنها ليست عذراً في ترك صلاة الجماعة.
    وإن كانت ريحاً باردة لكنها تهب بهدوء وليست شديدة: فكذلك ليست بعذر.
    وإن كانت ريحاً باردة شديدة في النهار فليست بعذر.
    إذاً: لابد من تحقق هذه الشروط الثلاثة.
    نبدأ بالشرط الأول: أن تكون الريح باردة.
    هذا لا شك أنه شرط صحيح.
    أما الريح الساخنة فإنها لا تؤذي فبإمكان الإنسان أن يخرج ولا يتأذى بها.
    إذاً عذا الشرط الأول: بادرة.
    وهو صحيح ولذلك يقول ابن عمر - رضي الله عنه -: في الليلة الباردة أو المطيرة.
    الشرط الثاني: أن تكون هذه الرياح شديدة.
    وقوله: (شديدة) على خلاف مذهب الحنابلة يعني أن المؤلف - رحمه الله - خالف المذهب في هذه المسألة وهي اشتراط أن تكون شديدة.
    = فالمذهب: لا يشترطون أن تكون شديدة بل يكفي أن تكون باردة.
    والمذهب الذي هو خلاف ما ذكره المؤلف - رحمه الله - هو الصواب إذا لا لا يشترط في الريح أن تكون شديدة لأنه لم يشترط في الحديث أن تكون شديدة أو أن تكون قوية.
    هذا شيء.

الشيء الآخر: أن الريح الباردة ولو هبت بهدوء فإنها مؤذية ولو لم تكن شديدة.
نعم الشديدة أكثر أذىً ويتضرر بها الإنسان تضرراً شديداً لكن كذلك الريح الباردة ولو هبت بهدوؤ فإنها تسبب ضرراً واضحاً وتأذياً للإنسان.
فإذا: لا يشترط أن تكون شديدة وإنما فقط أن تكون باردة.
نأتي إلى الشرط الثالث وهو: في ليلة مظلمة.
يشترط أن تكون ليلة ويشترط في هذه الليلة أن تكون مظلمة.
استدلوا على هذا الشرط:

  • بقول ابن عمر - رضي الله عنه -: في الليلة الباردة.
    فنص على أن الريح تكون عذراً في الليل فقط.
    واستدلوا على ذلك أيضاً:
  • بأن الريح إذا كانت في النهار فإنها لا تؤذي كما إذا كانت في الليل.
    = والقول الثاني: أنه لا يشترط أن تكون في الليل بل يجوز أن يترك صلاة الجماعة ولو كانت في النهار.
  • لأن الريح الباردة ولو هبت في النهار فإنها مؤذية وتضر بدن الإنسان والشارع الحكيم يقول: (لاضرر ولا ضرار).
    وقد عذر بالطين وعذر بالمطر اليسير فما بالك بالريح الباردة ولو كانت في النهار.
    فالأقرب إن شاء الله أن الليل لا يشترط وأنه لو هبت في النهار فإنه عذر لترك صلاة الجماعة.
    مسألة / لم يذكر المؤلف - رحمه الله - البرد.
    يعني: لو أنه أصبح الجو بارداً من غير ريح فما الحكم؟ الأقرب والله أعلم أنه إذا كان الجو بارداً فإنه يجوز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة بشرط أن تكون هذه البرودة خارجة عن البرودة المعتادة وإلا فإنه من المعلوم أن الشتاء كله يكون الجو فيه بارد.
    فهل يقول قائل بأنه من حين أن يدخل الشتاء إلى أن يخرج يجوز للإنسان أن يترك صلاة الجماعة؟ هذا لا يقول به قائل.
    لكن نحن نقول إذا كان البرد خارج عن العادة.
    وهذا يقع وربما تذكر أنه في شتاءنا هذا يمر اليوم أو اليومان يكون البرد فيهما خارج عن العادة ومؤذي وهو أشد إيذاء من الطين بلا إشكال.
    ثم ابن عمر - رضي الله عنه - يقول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليلة الباردة.
    هل ذكر الريح؟ لا لم يذكر الريح.
    إنما قال: في الليلة الباردة.
    إذاً وجود البرد بحد ذاته الذي يعتبر غير معتاد هو في الحقيقة عذر.

لكن العلماء - رحمهم الله - لم يذكروا البرد.
لماذا؟ لأنه في الغالب الأعم أنه لا يوجد برد شديد إلا مع ريح فيندر تماماً أن تجد الجو بارد جداً ومؤذي وخارج عن العادة بدون ريح لأن الريح التي تهب مثلاً عندنا في نجد من جهة الشمال هي التي أصلاً تسبب البرودة.
ولذلك لم يذكروها ففي الحقيقة الخلاف قد يكون لا طائل تحته لكن أحياناً يوجد برد بلا ريح فإذا وجد هذا البرد الشديد بلا لاريح جاز للإنسان أن يتخلف عن صلاة الجماعة.
وبهذا العذر أنهى المؤلف - رحمه الله - الكلام عن الأعذار التي إذا وقعت جاز للمكلف أن يترك صلاة الجماعة.

باب صلاة أهل الأعذار

• ثم قال - رحمه الله -: باب صلاة أهل الأعذار.
يعني: باب يبين فيه كيف يصلي المعذور.
والمعذور هو: المريض.
• يقول - رحمه الله -: تلزم المريض: الصلاة قائماً.
إذا أطاق المريض أن يصلي قائماً وجب عليه أن يصلي قائماً بالإجماع.
بلا خلاف.

  • أولاً: لأن القيام ركن وهو يستطيع أن يؤديه.
  • ثانياً: لحديث عمران بن حصين وهو في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب).
    فبدأ - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة قائماً مع أن عمران - رضي الله عنه - سأله عن صلاة المريض.
    في الحديث عمران - رضي الله عنه - قال: أخبرني يارسوال الله عن الصلاة هو لم يقل في الحديث أخبرني عن صلاة المريض وإنما قال أخبرني عن الصلاة لكن الشراح فيما أعلم كلهم قالوا معنى أخبرني عن الصلاة يعني عن صلاة المريض.
    لأمرين:
  • الأول: أن عمران كان مريضاً.
    كان فيه بواسير حين سأل - رضي الله عنه -.
  • الثاني: أن الجواب: لا يمكن أن يكون جواباً عن الصلاة عموماً وإنما هو جواب يتعلق بالمريض لأنه هو الذي لا يستطيع أن يصلي قائماً.
    ولهذا حمل الفقهاء - رحمهم الله - قوله: أخبرني عن الصلاة يعني عن صلاة المريض.
    • ثم قال - رحمه الله -: فإن لم يستطع فقاعداً.
    إذا لم يستطع فيصلي قاعداً بالإجماع.
  • لأنه لم يستطع أن يصلي.
    والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (فإن لم تستطع فقاعداً).

والصواب: قاعداً.
تنقسم إلى قسمين:

ــ القسم الأول: أن لا يطيق أن يصلي قاعداً.
فلو قام لسقط.
فهذا يصلي قاعداً بإجماع الفقهاء - رحمهم الله - بلا خلاف.

  • لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن لم تستطع فصلي قاعداً).
    ــ القسم الثاني: أن يطيق ولكن مع مشقة ظاهرة.
    فهذا يصلي قاعداً أيضاً.
    لدليلين: - ولا يمكن أن نستدل هنا بحديث عمران لأن حديث عمران يقول: فإن لم تستطع وضابط الاستطاعة هو محل الخلاف الآن.
    (إذاً: مرة أخرى: القسم الثاني: أذا كان يستطيع لكن مع مشقة ظاهرة.
    فإنه يصلي أيضاً قاعداً).
    والدليل على ذلك:
  • أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سقط عن الفرس وجحش جنبه أو شقه الأيمن: يعني انقشع عنه جلده: صلى جالساً.
    والظاهر من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يستطيع أن يصلي قائماً ولكن مع مشقة ومع ذلك صلى الفروض والنوافل جالساً - صلى الله عليه وسلم -. هذا دليل.
  • الدليل الثاني: أنه إن صلى قائماً مع المشقة ذهب عنه الخشوع.
  • الدليل الثالث: جميع النصوص التي ترفع الحرج في الشرع.
    لكن مع ذلك نحتاج إلى ضابط: = فمن الذين ضبطوها إمام الحرمين من الشافعية فضبط عدم القدرة بأنه إن قام ذهب عنه الخشوع.
    لأنه ينشغل بهذا المرض.
    فإذا حصل هذا الضابط جاز له الجلوس.
    = والقول الثاني: أنه لا يصلي قاعداً إلا إذا لم يتمكن من القيام لدنياه.
    وهذه رواية عن الإمام أحمد.
    معنى هذا: أنه من غير المقبول ما يفعله بعض الناس: يصنع كل شيء يذهب للدوام ويقوم ويجلس وإذا جاءت الصلاة قال: ما أسطتيع أن أصلي قائماً.
    كيف تستطيع تقوم لدنياك؟ وتذهب وتأتي وتفعل كل هذه الأعمال ثم إذا جائت الصلاة بالذات صرت لا تستطيع.
    إذاً هذا معنى قول الإمام أحمد: إذا كان لا يستطيع أن يقوم لدنياه جاز له أن يصلي جالساً.

ومع وجاهة هذا القول إلا أن القول الأول: أضبط وأنا نقول له أنت مُدَيَّن وهذا أمر يرجع بينك وبين الرب سبحانه وتعالى فإن كنت إذا صليت قائماً ذهب عنك الخشوع وانشغلت بهذا المرض ولم تعد تستحضر الصلاة على الوجه الذي ينبغي جاز لك حينئذ أن تجلس ولا يشترط أن يكون الإنسان إن قام سقط فهذا غير مراد على هذا القول وإنما يجوز له أن يصلي جالساً في هذه الحالة أيضاً وهي ذهاب الخشوع.
إذاً القول الأول هو الصواب إن شاء الله.
• ثم قال - رحمه الله -: فإن عجز فعلى جنبه.
يعني إن عجز عن الصلاة قاعداً فإنه يصلي على جنبه.

  • لحديث عمران (فعلى جنب).
    ويكون وجهه حينئذ إلى القبلة.
    وليس رأسه إلى القبلة: إذا صلى على جنب فيكون وجهه إلى القبلة كما يصنع بالميت في القبر لا كما يفهم بعض الناس أنه يضع رأسه إلى القبلة وإنما يضع وجهه.
    = فمن الفقهاء من قال: يصلي على جنبه الأيمن.
    = ومنهم من قال: يصلي على أي الجنبين شاء.
    (((الأذان))).
    بعد الأذان قال الشارح - حفظه الله -: فقط نكمل هذه المسألة: إذاً إما أن يصلي عن يمينه على قول أو هو مخير بين الجوانب على قول.
    والصواب أن المريض يصلي حسب ما يتيسر له.
    فإن تساوت الأمور من حيث المرض فالأفضل أن يصلي على يمينه.
  • لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب التيامن في شأنه.
    ولا شك أن هذا من أعظم الشؤون وهو الصلاة.
    أو على أي جنب يصلي.
    والله أعلم.
    انتهى الدرس،،،

قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الله.

غير موجود ...

فصل [أحكام قصر الصلاة] قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد.
ذكرت في الدرس السابق أن مسألة تحديد المسافة التي إذا قطعها المسافر جاز له أن يقصر وأن يترخص بأحكام السفر أنها مسألة فيها إشكال وتداخلت أقوال الفقهاء فيها وذكرت: = القول الأول وهو مذهب الجمهور.
والقول الثاني: وهو مذهب الظاهرية وليس معهم ابن حزم ورجحت أنه ثلاثة (فراسخ) احتياطاً وأن الثلاثة فراسخ تساوي بالكيلو المعاصر ستة عشر كيلو.
= القول الثالث: وهو مذهب الأحناف الذي اشتهروا به وهو أن المسافة مسيرة ثلاثة أيام.
وهي تساوي بالكيلو = مائة وثلاثة وثلاثون تقريباً = 133ك. وهذا التحديد هو أطول تحديد عند الفقهاء.
واستدلوا على هذا:

  • بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم).
    وجه الاستدلال: أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على المرأة التي تقطع مسيرة ثلاثة أيام أنها مسافرة لقوله: (تسافر).
    والجواب على هذا الاستدلال: أن هذا الحديث في الصحيحين وفي رواية في الصحيح: (تسافر مسيرة يومين) وفي رواية في الصحيح أيضاً: (تسافر مسيرة يوم) وفي رواية خارج الصحيحين وهي في السنن: (تسافر مسيرة أو سير بريد).
    فلما خرت ألفاظ الحديث مختلفة دَلَّ ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقصد التحديد أي: لا يقصد أن ما دون الثلاثة أيام أنه لا يسمى سفراً.
    = القول الرابع: أن المرجع في ذلك إلى العرف لأن الله سبحانه وتعالى أطلق السفر في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم أطلق السفر في سنته ولم يأت عنهما تحديد للمسافة وتحديد ما أطلقه الشارع لا يجوز.
    ثم المسافات وتحديدها ومقدارها ليس معروفاً للناس وإنما يعرفه أهل الاختصاص فقط لا سيما في القديم.
    وهذا القول اختيار شيخ الاسلام وابن القيم ونسب عند بعض المعاصرين خطأ لابن حزم - فالصواب أن هذا ليس قولاً لابن حزم.

عرفنا هذا القول وفي ضمنه دليله وهو أن التحديد ليس موجوداً في الكتاب والسنة والقاعدة التي اتفق عليها الفقهاء أن كل لفظ جاء في الشرع ليس له حد لافي اللغة ولا في الشرع فإنه يرجع في تحديده إلى العرف.
فالسفر جاء مطلقاً في الشرع ولم يحدد فنرجع في تحديده إلى العرف.
= القول الخامس: أنه ميل فقط وهذا هو مذهب ابن حزم والميل يساوي كيلوين فقط.
واستدل ابن حزم بأن الشارع الحكيم ربط أحكام السفر على السفر وأقل ما جاء في الشرع أنه ميل فإنه صح عن ابن عمر رضي الله عنه وهو من أهل اللغة - يقول ابن حزم - الذين يرجع إلى أقوالهم أنه سمى الخروج ميل سفراً فهذا أقل ما جاءنا فنتمسك به.
= القول السادس: أن المسافة بريد وهذا اختيار شيخ الاسلام لو قلنا بالتحديد بالمسافة فيقول أننا لو أردنا التحديد بالمسافة لحددنا ببريد.
وهو يساوي تقريباً اثنين وعشرين كيلو.
الدليل: قال: الشارع سمى قطع مسافة بريد قطعاً في حديثين:

  • الحديث الأول: وهو الأصح.
    ما ثبت في الصحيحين وفي غيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في عرفة وقصره صلى الله عليه وسلم في عرفة قصر سفر هو ومن معه من أهل مكة والفاكهي يقول - في أخبار مكة - بين مكة وعرفة بريد.

  • الحديث الثاني: الذي سمى فيه الشارع قطع مسافة بريد سفراً ما تقدم معنا الآن: (لا يحل لمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسافة بريد) فسمى مسافة البريد سفراً.
    ولا شك بعد أن سمعتم هذه الأقوال منسوبة لكبار أهل العلم أنكم عرفتم أن في المسألة إشكال ويظهر الإشكال جلياً من التفاوت الكبير بين مائة وثلاثة وثلاثين كيلو إلى اثنين كيلو مروراً بثمانين واثنين وسبعين وثمان وثمانين واثنين وعشرين ... إلى آخره ... الراجح: الحقيقة كما قلت أن المسألة مشكلة.

  • أما اختيار شيخ الاسلام وابن القيم فهو قول لا يكاد ينضبط ويشكل جداً في التطبيق لا سيما مع سهولة المواصلات في عصرنا هذا مما يختلط معه تماماً ما يسمى سفراً وما يسمى خروجاً بلا سفر.

  • ثانياً: أقوى الأقوال فيما يظهر لي من جهة الأدلة القول الأخير وهو البريد لأن الإنسان يطمأن إلى أن الشارع بنفسه سمى قطع هذه المسافة سفراً.
    وقلت لكم هذا اختيار شيخ الاسلام إذا قلنا بالتحديد بالمسافة.
    لكن كونه يقال إذا خرج الإنسان وقطع مسافة اثنين وعشرين كيلو يصبح مسافراً أيضاً أقل ما نقول أنه قد يتردد الإنسان بالجزم به مع أنه لا شك أن أهل مكة لما خرجوا إلى عرفة قصروا لأنهم قطعوا مسافة بريد.
    فمن الجهة العلمية هو قوي جداً وهو أقوى مما رجحه ابن حزم بقوله: ميل فإن اختيار الميل ضعيف جداً وسيأتينا الآن.

واعتقد أن الذي يسع الإنسان ولو على سبيل التقليد ولا بأس بالتقليد إذا تاربت الأدلة - هو مذهب الجمهور فنقول من قطع ثمانين أو ثمان وثمانين كيلو أنه يتعبر مسافراً وتنضبط القضية ولا يشكل على الناس أي قضية بعد أن حددت لهم الأمر بالمسافة.
ومن المفيد أن تستحضر أثناء دراسة مسألة تحديد السفر بالمسافات أن الصحابة كلهم حددوا بالمسافة وإن اختلفوا في مقدارها.
فأنس رضي الله عنه تقدم معنا أنه حددها بثلاثة فراسخ وابن عمر رضي الله عنه مشهور عنه التحديد بأكثر من حد وابن عباس رضي الله عنه فكلهم حددوا بالمسافة ولم يرو عن أحد منهم التحديد بغير المسافة.
وشيخ الاسلام يقول: أن تحديد الصحابة بالمسافة مع اختلافهم واختلاف الرجل الواحد منهم دليل على أنهم كانوا يفتون كل شخص بحسب حاله أي أنهم يرجعون إلى العرف.
ونحن نقول: أن هذا التخريج لفتاوى الصحابة قد يكون مقبولاً لكن مع ذلك نحن نعلم قطعاً أنهم اتفقوا على التحديد بالمسافة ربما رجوعاً إلى العرف وربما لأمر آخر لكن في الخلاصة والنتيجة نهم حددوا بالمسافة وعليه نحن نقلد الصحابة رضي الله عنهم ونحدد بالمسافة.
ويبقى أي المسافات نختار فكما قلت لكم الاحتياط والأضمن مذهب الجمهور - الشافعية والمالكية والحنابلة - والأقوى دليلاً أن يكون الإنسان إذا قطع اثنين وعشرين كيلو أنه يعتبر مسافراً.
هذا ثانياً.

  • وثالثاً: شيخ الاسلام رحمه الله لا يريد أبداً بقوله العرف قصر المسافة.
    يعني: أنه لا يريد أن من قطع - مثلاً - تسعين كيلو قد لا يكون مسافراً أو من قطع سبعين كيلو قد لا يكون مسافراً بل يريد رحمه الله أقل من ذلك لا كما فهمه بعض الناس أن قول شيخ الاسلام يقلل المسافة التي حددها الجمهور الدليل على لذلك أن شيخ الاسلام رحمه الله نفسه في الفتاوى يقول: عبارة معناها: والمرجع في السفر إلى ما تعارف عليه الناس أنه سفراً كخروج أهل مكة إلى عرفة.
    وأخذنا أن بين مكة وعرفة مسافة بريد فهو رحمه الله يريد أن يقصر المسافة التي حددها الجمهور هو يقول: أنتم تقولون أن الإنسان لا يسمى مسافراً حتى يقطع مسيرة أربعة برد وهو يقول بل يكفي أن يقطع بريداً واحداً ليكون مسافراً.

فمن الخطأ التضييق على الناس بناء على قول شيخ الاسلام لأنه لا يريد هو التضييق هو يريد أن العلماء - الآخرون - ضيقوا وحددوا مسافة طويلة لا يعتبر الإنسان مسافراً إلى إذا قطع هذه المسافة.
هذا ثالثاً: كل هذا في الترجيح حتى يتصور الإنسان معالم المسألة.

  • رابعاً: قول ابن حزم ضعيف والسبب في ضعفه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى قباء كل سبت كما في الصحيح وقباء على مسافة ميل من المدينة.
    أضف إلى هذا أن من كان حول المدينة ممن يبعد عنها ميل كأهل قباء وغيرهم كانوا أيضاً يدخلون إلى المدينة ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقصر إذا ذهب إلى قباء ولا الذين خارج المدينة على بعد ميل يقصرون إذا دخلوا المدينة.
    فتبين أن هذا الحد ليس بصحيح.
    المسألة الأخيرة: هل من خرج إلى النزهة يعتبر مسافراً؟ الجواب: عن الإمام أحمد روايتان:
  • الأولى: أنه يعتبر مسافراً.
    لأنه خرج عن بلدته وقطع مسافة فلا يخرج عن مسمى السفر.
  • الثانية: أن من خرج في نزهة فإنه لا يسمى مسافراً لأنه لم يخرج لما فيه غرض ومصلحة مفيدة.
    والأقرب: الرواية الأولى إذ لا دليل على اشتراط أن يكون الخارج خرج لغرض صحيح ثم أرأيت لو خرج يتنزه لمسافة ألف كيلو فهل يعتبر مسافراً؟ الجواب: مسافر بالإجماع فلا أحد يعتبر أن من قطع ألف كيلو أنه ليس بمسافر مع أنه خرج يتنزه وطول وقصر المسافة لا يؤثر في الأحكام.

بعد هذه الجولة في هذه المسألة المهمة التي تمس حاجة الناس جداً إليها وإلى معرفة ضوابطها نخلص إلى أن قول الجمهور يعتبر من أحوط وأحسن الأقوال وأسهلها تطبيقاً وأن الإنسان إذا قطع هذه المسافة وخرج فإنه يعتبر مسافراً وأن القول بأنه إذا قطع اثنين وعشرين كيلو خارجاً عن البلد أنه يعتبر مسافراً قول قوي جداً ويسنده نصان صحيحان في تسمية من قطع هذه المسافة مسافراً في الشرع ويترخص ويأخذ أحكام السفر ولكن أرجع وأقول بأن قول الجمهور أحوط وأولى ومن المسائل المهعمة ما ذكرت لكم أن قول شيخ الاسلام بالتحديد بالعرف لا يقصد منه التضييق في مسألة السفر وإنما يقصد منه التوسيع وأن من خرج أصبح مسافراً وإن لم يقطع هذه المسافة التي حددها الجمهور.

أما مذهب الحنفية فهو من أضعف الأقوال لأنه اعتمد على نص لا يقصد منه أبداً تحديد من يعتبر مسافراً ومن لا يعتبر مسافراً في الشرع.
ثم إنه فيه مشقة إذ لا يعتبر الإنسان مسافراً إلا إذا قطع مسيرة ثلاثة أيام وهذه مسافة طويلة يشق على الناس تحقيقها إذا اشترطنا عليهم أنهم لا يكونوا مسافرين إلا بقطع مسافة مائة وثلاث وثلاثين كيلو فهذا فيه مشقو وبعد وليس له أصل واضح والحديث الذي ذكروه روي يومين وروي يوم وروي أقل: بريد.

  • إذاً عرفنا الآن أن من سافر تسعين كيلو فبإجماع الأمة ما عدا الأحناف فإنه يعتبر مسافراً فكل فقهاء المسلمين من الصحابة ومن تبعهم والفقهاء السبعة ومن بعدهم عندهم من قطع تسعين كيلو يعتبر مسافراً وحتى شيخ الاسلام وإن كان يضبطه بالعرف فلا شك أنه عنده يعتبر مسافراً بل من قطع بريداً عنده يعتبر مسافراً.
    وأما اختياره هو نفسه رحمه الله في مسألة العرف فهذا بالتجربة والعمل لا يمكن ضبطه فتختلف أعراف الناس وتختلف عادات الناس ويسميه البعض مسافر والبعض لا يسميه مسافراً مما يدخل معه الفقيه بإشكال له أول وليس له آخر وقد أشار شيخنا رحمه الله - ابن عثيمين - وإن كان يرجح القول بالعرف أن هذا القول لا ينضبط وأنه مشكل جداً وذكره في أكثر من مناسبة وذكر أن قول الجمهور منضبط وإن كان لا يفتي به لكنه رحمه الله أقر بهذا أن مذهب شيخ الإسلام لا ينضبط وأن مذهب الجمهور سهل التطبيق ومنضبط عند الفتوى.
    • ثم قال رحمه الله: من سافر سفراً مباحاً أربعة برد: سن له قصر الرباعية ركعتين.
    القصر مشروع بالكتاب والسنة والإجماع في الجملة.
    لكن اختلفوا في حكمه: = فذهب الجماهير الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والشافعي إلى أن القصر سنة وليس بواجب.
    واستدلوا على هذا بأدلة:
  • منها قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ورفح الجناح يدل على أن العمل ليس بواجب.
  • واستدلوا بحديث يعلى بن أمية أنه سأل عمر بن الخطاب عن هذه الآية (﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم﴾) فقال فقد أمنا فكيف نقصر فقال عمر رضي الله عنه عجبت مما عجبت منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم).
    فقوله صدقة يدل على أنه سنة وليس بواجب.
  • واستدلوا بأن عثمان رضي الله عنه صح عنه وعائشة وابن عمر وابن مسعود وغيرهم من الصحابة أتموا.
  • واستدلوا بأن الصحابة كلهم أتم خلف عثمان في منى.
  • واستدلوا بما أفتى به الصحابة أن المسافر إذا صلى خلف المقيم أتم ولو كانت صلاة السفر ركعتين فقط لكانت كصلاة الفجر لا يجوز أن يزيد فيها الإنسان.
    وفي بعض هذه الأدلة مناقشات لكن مجموعها لا سيما الآثار والأدلة الأخيرة التي ذكرت تعتبر قوية جداً.
    = والقول الثاني: للأحناف والظاهرية أن القصر واجب فإن أتم أعاد.
    واستدلوا: بحديث عائشة الصحيح أنها قالت: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر).
    فقولها رضي الله عنها: فرضت.
    دليل على أن الركعتين فرض.
    وأجابوا عن هذا الأثر بأجوبة كثيرة:
  • منها أنه صح عن عائشة أنها أتمت.
  • ومنها أن هذا قول لعائشة لا يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
  • ومنها أن هذا الحديث حديث شاذ مخالف لظاهر القرآن.
    ووجه مخالفته لظاهر القرآن أن القرأن دل على أن الأربع هي الأصل ﴿لاجناح عليكم أن تقصروا﴾ وحديث عائشة دل على أن الركعتين هي الأصل فهذا مخالف لظاهر القرآن.
    والدليل الثاني: للقائلين بالوجوب حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتين والحضر أربع وفي الخوف ركعة).
    والجواب عن هذا الحديث: أن العلماء أجمعوا على أنه لا يجب أن يصلي الإنسان في الخوف ركعة واحدة فكذلك في السفر.
    وفي الحقيقة الأجوبة على أثر عائشة وأثر ابن عباس كلها ضعيفة وكلها ممكن أن تناقش مناقشة قوية جداً ولا تثبت الأجوبة عند المناقشة

الراجح: مع ذلك الراجح قول الجمهور للآثار لأن نعلم قطعاً أن الصحابة صلوا أحياناً أربعاً ونعلم أن جمهور الصحابة صلوا خلف عثمان رضي الله عنه أربعاً ولو كانت فريضة صلاة السفر ركعتين لأنكروا على عثمان لأنه كما يكون كما لو زاد في الظهر ركعة فصارت خمساً فهذا التصرف من الصحابة دليل على أنه لا يجب.
وهناك دليل في الحقيقة قوي للجمهور ومن الممكن أن نستدل به وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم هو نفسه أتم في صلاة الخوف فإنه صلى بالطائفة الأولى ركعتين ثم صلى بالركعة الثانية ركعتين فصارت له أربع ولهم ركعتين فهذا يستدل به أنه يجوز أن يتم (((والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أبداً أنه أتم في السفر إلا في صورة واحدة وقد تكون محل أخذ وعطاء وهي هذه الصورة - صلاة الخوف))).
وعلى كل حال: القول بالوجوب ليس بقوي.
= القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد أن الإتمام مكروه وهو راجع لقول الجمهور أنه يسن القصر والإتمام من فعله فهو مكروه وهذا اختيار شيخ الاسلام وبه تجتمع الأدلة.
إذاً الراجح إن شاء الله أن لا يجب على الإنسان أن يقصر لكنه إن أتم من غير أن يكون خلف مقيم فقد فعل مكروهاً ولا ينبغي أبداً لطالب العلم ولا للمسلم أبداً أن يتم إذا لم يكن خلف مقيم لأن هذا فيهخ مخالفة صريحة جداً للسنة وابن مسعود لما أتم عثمان قال إما لله وإنا إليه راجعون وهي كلمة تقال عند المصائب فاعتبر هذا الفعل من المصائب لأنه مخالفة صريحة لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أبو بكر وعمر.
فالراجح الثالث وهو داخل في الثاني أنه مكروه.
• ثم قال رحمه الله.
إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه.

يريد المؤلف رحمه الله أن يبين متى يبدأ الإنسان بأحكام السفر إذا كان يريد أن يقطع مسافة القصر.
وهي عند الحنايلة أربعة برد.

يقول: إذا فارق عامر قريته: فإذا خرج الإنسان عن حدود المدينة العامرة بالسكن جاز له أن يترخص برخص السفر.

  • فإن كانت أطراف المدينة خرابات ليس فيها ساكن جاز له أن يبدأ بأحكام السفر من حين يفارق عامر القرية وإن لم يفارق هذه البيوت الخربة.
  • وإن كان في أطراف البلد مزارع لا تسكن - وهذا قيد ضروري - وإنما يخرج إليها الناس ويرجعون جاز له أن يترخص بأحكام السفر إذا فارق عامر القرية وإن لم يفارق هذه المزارع الملحقة بالبلد.
    فإذاً الضابط هو: عامر القرية.

الدليل: - الأول: أن السفر في اللغة لا يطلق إلا على من ظعن وخرج عن بيته وقريته لأنه بذلك يسفر أي يصبح ظاهراً لا تحده البنيان.

ذو القعدة الثاني: أنه لا يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة أسفاره أنه قصر بالمدينة قبل أن يخرج.
ذو القعدة = والقول الثاني: أن من عزم على السفر وأراد أن يقطع مسافة القصر جاز له أن يترخص من بيته.
فيفطر ويقصر ويجمع ويخرج.

واستدلوا على هذا:

  • بأنه روي عن اثنين من الصحابة أنهم فعلوا ذلك.
  • ولأنه من حين نوى السفر فإنه يصدق عليه اسم المسافر.
    والصواب القول الأول: وهو مذهب الجماهير من الصحابة ومن بعدهم.
    أنه لا ترخص إلا إذا فارق عامر قريته.
    • قال رحمه الله: أو خيام قومه.
    إذا فارق خيام القوم أي تجاوز الخيام إذا كان من سكان البادية جاز له بمجرد المفارقة أن يبدأ بأحكام السفر.
    = مسألة: فإن كان سفره عن طريق البحر فينقسم إلى قسمين:
  • القسم الأول: أن يركب السفينة ويسافر لا ماحاذياً للشاطيء (فالإنسان الذي يخرج من جده ويريد اليمن فإنه يكون محاذياً للشاطيء بينما إذا أراد أن يذهب إلى مصر فإنه يجعل جده في ظهره ولا يحاذي الشاطيء).
    فإن كان يسافر محاذياً للشاطيء فإنه لا يترخص حتى يفارق عامر القرية فينظر عن شماله إذا كان الشاطيء عن شماله فإذا فارق عامر القرية بدأ بأحكام السفر.
    وإن سافر لا محاذياً للشاطيء فإن كان ينتقل من الشاطيء إلى سفينة السفر - التي سيسافر عليها - بمركب صغير فبمجرد مغادرة هذا المركب فإنه يعتبر مسافراً.
    وإذا كان يركب السفينة التي يريد أن يسافر عليها ابتداءً فإنه بمجرد أن ينفصل عن الشاطيء فإنه يعتبر مسافراً.
    ولا يشترط أن يقطع مسافة يصبح بعدها لا يرى المدينة فهذا ليس له علاقة بالسفر وإنما بمجرد ما ينطلق من الشاطيء إذا كان ركب سفينة سيسافر عليها هي فإنه يعتبر مسافراً.

فلو قيل بهذا القول - وبحثت عن قائل من الفقهاء - ولم أجد وإن كنت أتوقع أنه يوجد مع التوسع في البحث لكن نقول إن قيل بهذا القول فهو قول قوي جداً ومتوجه.
فإذا كبر الإنسان وهذا يحصل أحياناً ثم فوجيء بأن السفينة تحركت فنقول أقصر الصلاة لأنك الآن أصبحت مسافراً.

انتهى الدرس،،،

تابع: فصل أحكام قصر الصلاة قال شيخنا حفظه الله: بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
• يقول المؤلف رحمه الله: أو ذكر صلاة حضر في سفر.
أي فإنه يتم إذا نسي الإنسان صلاة الحضر ولم يتذكرها إلا وهو في السفر فإنه عند الحنابلة يتم بل عند الجمهور يتم بل حكي إجماعاً أنه يتم، لأن الصلاة التي وجبت في ذمته واستقرت صلاة حضر فيجب أن يؤديها كما وجبت في ذمته فيصليها ولو كان في سفر أربعاً.
والمسألة قلت لكم أنه حكي فيها الإجماع لكن فيها خلاف.
= فالقول الثاني: لابن حزم أنه يصليها قصراً باعتبار أنه الآن مسافر.
والصواب مع الجماهير وهو أنه يصليها صلاة حضر لأنها هي التي وجبت في ذمتها.
• ثم قال رحمه الله: أو عكسها يعني من ذكر صلاة سفر في حضر فإنه أيضاً عند الجمهور يجب عليه أن يتم.
واستدلوا على ذلك: بأن القصر من رخص السفر وقد زال هذا السبب فهو الآن في حضر.
= القول الثاني: أنه يقصر ولو ذكرها في حضر لدليلين: الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها).
أي: فليصل ذات الصلاة والصلاة المنسية الآن صلاة سفر.
الثاني: أن الصلاة التي وجبت في ذمته وجبت مقصورة فلا يجب عليه أكثر من ذلك.
وهذا القول - الثاني - هو الصواب.
فإذا تذكر الإنسان وهو في الحضر أنه نسي صلاة سفر فإنه يصليها ركعتين.
وهذه المسألة تدل على قوة ووجاهة القول السابق فيمن أحرم سفراً ثم دخل المدينة أو العكس من أحرم حضراً ثم سافر.
فهنا القول الثاني جعله باعتبار واقع وحقيقة الإنسان وأن الصلاة وجبت عليه أثناء السفر فلم يوجبوا عليه أكثر من ذلك وقلت أنه الراجح وهو يتوافق مع ما استظهرته في المسألة السابقة.

• ثم قال رحمه الله: أو ائتم بمقيم.
أي يجب على المسافر إذا ائتم بمقيم أن يتم وهذا مذهب الأئمة الثلاثة الحنابلة والأحناف والشافعية.
واستدلوا على هذا بأدلة: الدليل الأول: بأن رجلاً من التابعين سأل ابن عباس رضي الله عنهما: مالنا إذا صلينا خلف المقيم نتم ونحن على سفر؟ فقال: تلك سنة أبي القاسم.
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما جعل الإمام ليؤتم به).
الدليل الثالث: فتاوى الصحابة منهم: ابن عمر وابن عباس فقد أفتوا المسافر الذي يأتم بمقيم أن يتم.
= القول الثاني: في هذه المسألة: وهو مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الاسلام بن تيمية: أن المسافر إذا ائتم بمقيم فإنه يصلي أربعاً إذا أدرك ركعة فأكثر وإلا فإنه يقصر.
واستدلوا على ذلك: بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) والمسافر الذي لم يدرك ركعة مع المقيم لم يدرك الصلاة والواجب في حقه أو المسنون على الخلاف السابق أن يصلي ركعتين باعتباره مسافراً.
وهذا القول - الثاني - هو القول الراجح.
فإذا لم تدرك مع المقيم ولا ركعة أو إذا لم تدرك إلا أقل من ركعة فإنك تصلي ركعتين لأن هذه هي السنة في حق المسافر وهذا المسافر الذب ائتم بالمقيم لم يدرك الصلاة معه.
وفي المسألة أقوال أخرى لكن ذكرت أقوى قولين منها.
• ثم قال رحمه الله: أو بمن يشك فيه.
أي إذا ائتم المسافر بإمام يشك هل هو مسافر فإن الواجب عليه أن يتم بناء على أن من صلى خلف مقيم فيجب عليه أن يتم فإذا شك فإنه يتم احتياطاً وخروجاً من بطلان صلاته.
فإذا قال المسافر المؤتم: إن قَصَر قَصَرتُ وإن أَتَمَّ أَتْمَمَتُ صحت صلاته حتى عند الحنابلة.
إذاً في الحقيقة إذا أدرك المأموم الصلاة مع الإمام من أولها فلا إشكال لأنه يقول: إن قصر قصرت وإن أتم أتممت.
لكن الإشكال إذا صلى مع الإمام في أثناء الصلاة فحينئذ إما أن يتبين أنه مسافر أو مقيم.
فإن تبين أنه مسافر فسيقصر فإذا أدرك معه ركعة فسيأتي بركعة في الظهر مثلاً.
وإن دخل مع الإمام في أثناء الصلاة وهو مسافر فأيضاً لا إشكال لأنه أذا أدرك ركعة فسيأتي بثلاث في الظهر مثلاً.

لكن الإشكال في الحقيقة إذا دخل وهو لا يدري هل الإمام مقيم أو مسافر ولم يدرك الصلاة من الأول حتى يعلقها لأنه إذا سلم الإمام فإنه لا يدري هل الإمام صلى ركعتين أو صلى أربعاً فحينئذٍ نقول إن وجدت قرائن تدل على أن الإمام مسافر أو مقيم عمل بهذه القرائن ولا حرج عليه وغالباً ما تكون القرائن في مساجد الطرقات أو مساجد المطارات أو مساجد القطارات.
يعني المساجد التي في أماكن السفر.
وإذا لم توجد قرينة مطلقاً فالمذهب أنه يتم وهذا هو الصواب أنه يتم لأنه إذا صلى خلف مقيم وقصر بطلت صلاته.
فخروجاً من هذا الخلاف وتصحيحاً لصلاته نقول إذا شككت ولم يترجح عندك مرجح أو لم يوجد قرينة ترجح أنه مقيم أو مسافر فإنك تتم.

• ثم قال رحمه الله: أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها.
إذا أحرم المسافر بصلاة يلزمه إتمامها ثم فسدت لأي سبب من الأسباب التي تفسد الصلاة فإنه إذا أراد أن يعيد هذه الصلاة فإنه يجبل عليه أن يتم.
مثالها: كأن يقتدي مسافر بمقيم ففي هذه الصورة يجب عليه أن يتم فلو فسدت الصلاة - صلاة المأموم أثناء صلاة الجماعة فإنه إذا أراد أن يعيد هذه الصلاة فيجب عليه أن يصلي أربعاً وهو مذهب الجمهور.
= والقول الثاني: - في هذه المسألة - أنه إذا فسدت عليه في حال يجب عليه أن يتمها ثم أرادأن يصليها مرة أخرى فإنه يصليها قصراً.
التعليل؟ التعليل: أنه إنما وجب عليه أن يتم لأنه يصلي وراء مقيم وقد زال هذا السبب فيزول حكمه فنقول الآن صل صلاة مسافر.
وهذا مذهب الأحناف وهو الأوجه والأقوى.
• ثم قال رحمه الله: أو لم ينوِ القصر عند إحرامها.
أفادنا المؤلف أنه يجب على المسافر إذا أراد أن يقصر أن ينوي أنه يريد القصر قبل أن يحرم بالصلاة.
فإن لم ينو قبل دخوله في الصلاة فإنه لا يجوز له أن يقصر.
الدليل على ذلك: أن المصلي إذا أراد أن يصلي ولم ينو شيئاً فإن الأصل الإتمام فتنصرف النية إلى الإتمام.
أي: فكأنه نوى الإتمام.

الثاني أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا خرج بأصحابه وأراد أن يقصر قصر بلا تنبيه إلى نية القصر ولو كانت النية واجبة وشرط لصحة القصر لبين لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيقصر لينووا القصر.
ثالثاً: لا دليل على اشتراط هذا الشرط.
والأصل في العبادات التوقيف حتى يأتي دليل.

• ثم قال رحمه الله: أو شك في نيته.
يعني أن المسافر إذا أراد أن يصلي وشك هل نوى القصر أو لم ينو فالواجب عليه عند الحنابلة أن يتم.
والتعليل؟ التعليل: أن الشك في النية يعني بطلانها لأن الأصل عدم النية.
وكما هو ظاهر فإن هذا الحكم مبني على الحكم السابق وهو اشتراط النية للقصر وتقدم معنا أن الصواب أنه لا يشترط أن ينوي القصر فإذا شك فإنه يقصر لأنه إذا لم ينو أصلاً يقصر فضلاً عن مسألة إذا شك هل نوى أو لم ينو.
• ثم قال رحمه الله: أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام.
يشترط عند الحنابلة أن لا ينوي المسافر إذا أقام في البلد الذي سافر إليه الإقامة أكثر من أربعة أيام.
فإن نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام وجب عليه أن يتم فمن شروط القصر أن لا ينوي أكثر من أربعة أيام.
وهذا معنى المؤلف رحمه الله هنا: أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام إلى أن قال: لزمه أن يتم.
أما إن نوى إقامة أربعة أيام فيجوز له أن يقصر لكن إن نوى أكثر من أربعة أيام وجب عليه أن يتم.
وهذا مذهب الجماهير أحمد ومالك والشافعي.
إلا أن الفرق بين أحمد ومالك والشافعي: أن أحمد يحتسب عليه يوم الدخول والخروج.
والشافعي ومالك لا يحتسبون على المسافر يوم الدخول والخروج.
ففي الحقيقة بناء على هذا كأن مذهب المالكية والشافعية ستة أيام ومذهب الحنابلة أربعة لكن هو ينسب للجمهور على أن ينبه أن يومي الدخول والخروج يحتسبان عند أحمد ولا يحتسبان عند مالك والشافعي.

وما قلته لكم في مسألة المسافة التي يشترط أن يقطعها المسافر لتثبت له أحكام السفر أقوله هنا: وهي أنها مسألة كثر فيها الاختلاف والاضطراب وتشعبت فيها الأقوال جداً وبلغت الأقوال عدداً كبيراً واختلفت الأدلة واختلفت الآثار عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بل عن الفقهاء من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي في الإشكال تشبه تلك المسألة.
إذاًَ هذا هو مذهب الجمهور وهو أنه تحد المدة التي إذا جلسها صار مقيماً بأكثر من أربعة أيام فإن جلي أربعة فأقل فهو مسافر فإن جلس أكثر من أربعة فهو مقيم لا يترخص برخص السفر.
استدلوا على ذلك بأدلة منها: الدليل الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأذن للمهاجر أن يبقى في مكة أكثر من ثلاثة أيام فقالوا: جعل بقائه في مكة ثلاثة أيام لا يخرجه عن السفر وأكثر من ذلك يجعله من المقيمين: والجواب عليه: من وجهين:

  • الوجه الأول: أن هذا الحديث لا يتعلق مطلقاً بأحكام السفر وإنما يتحدث عن أحكام الهجرة فمن هاجر من بلد ثم رجع إليه فلا يجوز له أن يبقى فيه أكثر من ثلاثة أيام أو نقول أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز لهم أن يبقوا في مكة بعد أن هاجروا منها أكثر من ثلاثة أيام.
  • الوجه الثاني: أن الحديث فيه ثلاثة أيام والجمهور يقولون أربعة أيام.
    الدليل الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع دخل في صبيحة اليوم الرابع وجلس في الأبطح اليوم الرابع والخامس والسادس والسابع وفي اليوم الثامن صلى الفجر وبعد الصلاة خرج إلى منى فقال: النبي - صلى الله عليه وسلم - أقام هذا المدة وهو يعلم أنه سيجلس أربعة أيام قطعاً لأنه جاء في اليوم الرابع ويعلم أن لن يذهب إلى منى إلا في اليوم الثامن فمع كون النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أنه سيبقى أربعة أيام ظل يقصر الصلاة فدل ذلك على أن هذه المدة يقصر فيها المسافر الصلاة وما عداها يرجع إلى الأصل وهو الإتمام.
    والجواب عليه من وجوه كثيرة والاستدلال به ضعيف لكن نأخذ بعض هذه الوجوه:
  • الوجه الأول: أن نقول لهم ما قاله شيخ الاسلام من أين لكم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو قدم صبيحة الثالث لن يقصر في اليوم الثامن فليس في النص ما يدل على هذا مطلقاً بل وقع الأمر اتفاقاً.
  • الوجه الثاني: وهو أقوى من الوجه الأول: أن عدداً كبيراً من الحجاج جاءوا إلى مكة قبل اليوم الرابع في اليوم الثاني والثالث والأول .. إلى آخره ومع ذلك لم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم من قدم قبل اليوم الرابع فليتم الصلاة لأنه سيجلس أكثر من أربعة أيام.
  • الوجه الثالث والأخير: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فتح مكة جلس تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ومن المعلوم أن دخول الفاتح والأمير إلى مصر من الأمصار يحتاج لكي يبقى في هذه المدينة يرتب الأمور ويقرر الشئون الإدارية في هذا البلد المفتوح ويرسل الجيوش إلى النواحي القريبة والمدن والقرى أن مثل هذا يحتاج أكثر من أربعة أيام فنحن نعلم قطعاً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل فاتحاً يعلم أنه سيجلس أكثر من أربعة أيام لأن مثل هذا الأعمال التي كان ينوي أن يقوم بها لا يمكن أن تقضى في أربعة أيام.
    فإذاً الاستدلال بهذا الحديث في الحقيقة فيه ضعف ولا يدل أبداً على مقصود الجمهور.
    = القول الثاني: أن المسافر إذا جلس خمسة عشر يوماً فإنه يترخص وأما إن جلس أكثر فلا يترخص وهو مذهب الأحناف.
    واستدلوا: بالأثر المشهور عن ابن عباس أنه قال: إذا دخلت بلداً وفي نفسك أن تقيم فيه خمسة عشر يوماً فاقصر وإن كنت تقيم أكثر فأتم.
    فحدد ابن عباس في هذا الأثر المدة التي تنقل المسافر من أحكام السفر إلى الإقامة بخمسة عشر يوماً.
    والجواب عليه:
  • أنه روي عن عباس خلاف ذلك.
  • وأنه يخالف ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث جلس تسعة عشر يوماً في مكة = القول الثالث: مذهب الظاهرية أنه إن جلس عشرين يوماً قصر وإلا يتم.
    دليله: قالوا: أكثر ما جاء في السنة مكثه - صلى الله عليه وسلم - في تبوك عشرين يوماً ولم يأت في السنة أكثر من عشرين يوماً فنتمسك بأكثر ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

الأثر الأول: ما صح عن أنس - رضي الله عنه - بإسناد صحيح أو حسن - أنه مكث والياً على الخراج أي للجباية لمدة سنتين وقصر الصلاة وقال أردت السنة.
فهذا الأثر فيه أن أنس ذهب وولي على الأموال لاستخرج الخراج في هذه المنطقة التي ولي عليها وبقي فيها لمدة سنتين وهو يقصر ومن المعلوم أن أنس - رضي الله عنه - في مدة إقامته في تلك البلدة اتخذ مكاناً للجلوس وأعد ما يحتاج إليه لمكثه هذا الفترة الطويلة.
نعم.
لا أذكر أن في الأثر أنه مثلاً نقل معه أهله أو لم ينقلهم ولكن هذا لا يؤثر في الحكم فما دام بقي لمدة سنتين يقصر الصلاة وهو يعلم أنه سيبقى هذه المدة الطويلة والياً على هذه المنطقة في عمل محدد فأرى أنه تصبح حاله حال المسافرين المعاصرين للعمل أو للدراسة أو للعلاج إذا كان العلاج طويلاً.
الأثر الثاني: أن أبا المنهال وهو من تلاميذ ابن عباس سأل ابن عباس أنه يأتي إلى المدينة ويبقى حولاً لا يريد السفر فقال له ابن عباس صل ركعتين.
فهذا التابعي بقي في المدينة لمدة سنة ومن خلال السؤال تعلم أنه يعلم أنه سيبقى سنة لأنه يسأل عن ابن عباس عن هذا الأمر وهو أنه سبيقى في المدينة لمدة سنة بل إنه اعتاد على هذا فهو يسأل عن أمر اعتاده وهو أنه يقدم إلى المدينة ويجلس فيها سنة ومع ذلك أمره أن يصلي سنة.
الأثر الأخير: مسروق وهو من كبار تلاميذ ابن مسعود ولي أيضاً في منطقة السلسلة وهي منطقة في مدينة واسط وواسط تقع بين الكوفة والبصرة - هذه المنطقة السلسة هي في مدينة واسط هكذا فهمت من الذين تكلموا عن البلدان - بقي في هذه المنطقة لمدة سنتين يقصر الصلاة وأيضاً لما سأل قال أردت السنة وولي أيضاً فيها لأخذ جباية الأموال من المعشرات والزكاة ومن يمر بهذه المنطقة من أصحاب السفن والجمال فالمهم أنه كلف بعمل في هذه المنطقة.

ففي الباب آثار وذكرت ثلاثة منها وقد ذكر عبد الرزاق قي مصنفه وابن أبي شيبة عدداً من الآثار وذكر ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار في مسند عمر ومسند علي عدداً من الآثار ربما لو تفرغ لها الإنسان وجمع الآثار المشابهة لهذه الآثار لجاءت عدداً لا بأس به من الآثار التي عن الصحابة التي بقوا فيها مدداً طويلة يقصرون الصلاة لأنهم عازمون على الرجوع إلى بلد الإقامة.
إذاً الخلاصة أن هذه الآثار تجعل الإنسان يرجح القول القائل بأنه وإن بقي مدة طويلة للدراسة أو للعمل فما دام عازماً على الرجوع ويعتبر نفسه مسافراًَ أنه يترخص برخص السفر وإذا أراد الإنسان أن يحتاط في هذه المسألة والخلاف فيها قوي جداً ووجهة نظر القائلين بأنه إذا أخذ مكاناً وزوجة وتأهل يتم وأن أحكام السفر انقطعت عنه فليس بالمسافر قولهم قوي ووجيه ولكن من حيث الدليل يظهر لي أن الأقرب للآثار المروية عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يترخص برخص السفر.
• ثم قال رحمه الله: أو ملاحاً معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد: لزمه أن يتم.
إذا كان الإنسان ملاحاً في سفينة فإنه يتم بشرطين: أن تكون السفينة هي بيته.
وأن يكون معه أهله.
فإذا كانت السفينة هي بيته ومعه أهله فهذا في الحقيقة لا يعتبر مسافراً بل مقيم لأنه لا يوجد بيت يرجع إليه فهو ليس بظاعن وإنما مقيم.
فإذا انطبق الشرطان وجب عليه أن يتم ولا يجوز له أن يترخص ولا في أثناء تنقله من المدن من مدينة إلى مدينة فإنه يبقى مسافراً.
= والقول الثاني: وهو للشافعية أن الملاح الذي اتخذ السفينة بيتاً ومعه فيها أهله يقصر الصلاة لأنه وإن اتخذها بيتاً ومعه أهله فهو مسافر يقطع المسافات ذهاباً وإياباً ولا يستقر ببلد معين ولا يمكن أن نعتبر السفينة هي موطن نهائي لهذا الملاح.
والصواب مع الجمهور لأن هذا الملاح لا يعتبر مسافراً فهو في بيته وبين أهله ولا ينتظر رجوعاً فليس له مكان يرجع إليه وإنما هذا هو مكانه.
لكن السؤال: هذا الملاح إذا قررنا أن سفينته بيته إذا نزل إلى المدينة التي خرج منها هل يقصر؟

الجواب: في الحقيقة المسألة مشكلة ولم أر الفقهاء ذكروها لكن ذكرتها من باب المدارسة فقط ويظهر لي أنه إذا اعتبرنا أن سفينته هي البيت الذي يسكن فيه ومنعناه من الترخص فإنه إذا رجع لمدة يوم أو يومين لأخذ أغراض ولو كان لمدينته التي كانت هي مدينته فإنه يترخص لأنه من الظلم له أن نعتبره في السفينة مقيم ونعتبره أيضاً في المدينة التي نزل إليها مقيماً أيضاًَ بل نجعله في هذه المدينة مسافراً وفي السفينة مقيم فهذا يتوافق مع ما قرره الفقهاء من أن السفينة هي مكان الإقامة الدائمة بالنسبة له فإذاً إذا نزل فيعتبر مسافر ولو كانت مدينته الأصلية.
• ثم قال رحمه الله: وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما .... قصر.
إذا كان للمسافر طريقان فينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون كل من الطريقين مسافة قصر فحينئذ يقصر إذا سلك أياً من الطريقين بالإجماع.
القسم الثاني: إذا كان أحد الطريقين مسافة قصر والآخر دون ذلك فهذا ينقسم إلى قسمين: إما أن يسلك الأطول لغرض صحيح كأن يكون الأطول أكثر أماناًَ أو أجود طريقاًَ أو أكثر خدمات أو لأي غرض صحيح فحينئذ لا إشكال أيضاً أنه يقصر.
الصورة الثانية: أنه سلك الأطول وليس له غرض إلا ليقصر فاختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين: = القول الأول: أنه يقصر لأنه مسافر سفراً مباحاً طويلاً فانطبق عليه التعريف.
= القول الثاني: أنه لا يقصر لأنه سلك الأطول لا لغرض صحيح وإنما لمجرد القصر.
والأقرب والله أعلم أنه يقصر وإن لم يسلك هذا الطريق إلا ليقصر.

وكثير من إخواننا طلاب العلم يخلط بين هذه المسألة وبين مسألة من سافر ليقصر فإنها مسألة أخرى ليس لها علاقة في بحثنا وستأتينا فمن سافر ليقصر أو من سافر ليفطر فهذه مسألة أخرى سيأتينا أن الصواب أنه لا يقصر ولا يفطر لكن هذا الرجل سيسافر يعني لا لأجل قصر ولا للفطر يعني على كل حال سيسافر لكنه اختار الطريق الأطول ليترخص فقط وإلا هو سيسافر.
ففي مثل هذه الصورة لا أرى مانعاً من القصر والله سبحانه وتعالى أجاز له أن يقصر وإذا أراد أن يسلك طريقاًَ ليترخص برخصة جعلها الله سبحانه وتعالى للطريق الطويل فأي مانع من هذا ولا أرى أنها تتعارض مع قاعدة الحيل لأنه يصدق عليه أنه سلك طريقاً يجوز معه القصر.
• ثم قال رحمه الله: أو ذكر صلاة سفر في آخر: قصر.
إذا نسي الإنسان صلاة الظهر في أثناء سفره إلى الرياض مثلاً ثم رجع إلى مدينته ثم سافر إلى مكة وفي مكة تذكر أنه نسي صلاة الظهر حين كان مسافراً في الرياض فإنه يقصر ولا إشكال.
الدليل: أنها حين الوجوب وحين الأداء كانت في السفر فلا إشكال أنه يقصر حتى عند الحنابلة وذلك لوضوح الأمر لأنه صلاها ووجبت عليه في السفر.
• ثم قال رحمه الله: وإن حبس ولم ينو إقامة .... قصر أبداً.
إذا حبس ولم ينو الإقامة في هذا المكان الذي حبس فيه فإنه يقصر أبداً.
أمثلة الحبس: الأول: كأن تتعطل السيارة وليس له وسيلة للانتقال إلا هي فهو الآن محبوس على سيارته في هذه المدينة ينتظر إتمام إصلاح هذه السيارة ويخرج.
المثال الثاني: أن يحبس ظلماًَ يمسك في هذا البلد ويدخل في السجن ظلماً فهو الآن ليس له قصد في الإقامة ولكنه محبوس فيها فهذا المسافر يقصر أبداً.
والدليل على ذلك: أن ابن عمر رضي الله عنه لما ذهب غازياً مجاهداً في أذربيجان حبسهم الثلج لم يستطيعوا الدخول ولا الخروج وبقي الثلج لمدة ستة أشهر فلما ذهب وماع خرج - رضي الله عنه -. في هذه الستة أشهر كان يقصر الصلاة.
فإذاً لا إشكال في هذه الصورة أنه إذا حبس الإنسان بغير إرادته فإنه يقصر ولو بقي مدة طويلة.
• ثم قال رحمه الله: أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة: قصر أبداً.
إذا بقي الإنسان في البلد لقضاء حاجة ثم الخروج بعد ذلك فهو ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن لا يعلم أنهال تنتهي بعد أربعة أيام يقول: لا أدري أتستغرق أربعة أيام أو أقل ففي هذه الصورة يقصر بالإجماع وإن بقي مدة طويلة.
القسم الثاني أن يعلم أن حاجته لا تنقضي إلا بأكثر من أربعة أيام فحينئذ نرجع للخلاف السابق وهو: = عند الحنابلة إذا كان سيبقى أكثر من أربعة أيام يتم على الخلاف السابق في مسألة تحديد المدة التي إذا تجاوزها الإنسان انتقل من أحكام السفر إلى أحكام الإقامة فإذا نقول إذا علم أنها لن تنقضي إلا بأكثر من أربعة أيام ففيها الخلاف السابق.
والراجح يبقى وإن طالت المدة فإذا قدم الإنسان إلى بلد من البلدان لقضاء حاجة أي نوع من أنواع الحاجات سواء تتعلق بالنظام الإداري أو بزواجه أو بتجارته أو تتعلق بأهله فإنه يقصر وإن بقي أشهراً أو أكثر من ذلك.

فصل [الجمع بين الصلاتين] • ثم قال رحمه الله: (فصل) يجوز الجمع.
يريد المؤلف أن يتكلم في هذا الفصل عن أحكام الجمع سواء كان للسفر أو للمطر أو للمرض وهي الأعذار الثلاثة التي ذكرت لكم أنها الأعذار التي تبيح الجمع.
• يقول رحمه الله: يجوز قوله: يجوز.
يعني فلا يكره ولا يستحب لكن مع ذلك نص الحنابلة على أنه خلاف الأولى إلا جمعي عرفة ومزدلفة فهو سنة ومستحب.
وإذا أردنا أن نلخص مذهب الحنابلة فإنهم يقولون الجمع ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: جمعي عرفة ومزدلفة فهذا مستحب.
القسيم الثاني: باقي أنواع الجمع فهذا يجوز بلا كراهة ولا استحباب وهو خلاف الأولى.
وعللوا كونه خلاف الأولى: بأنه محل خلاف - خروجاً من الخلاف.
= القول الثاني: في هذه المسألة وهو رواية عن أحمد أن الأفضل الجمع عند وجود شرطه.
= والقول الثالث: وهو اختيار شيخ الاسلام أن الجمع يرجع إلى الحاجة فإن وجدت فالأفضل الجمع وإن لم توجد فالأفضل أن لا يجمع سواء كان مسافراً أو مقيماً.
إذاً هذا معنى قول المؤلف رحمه الله: يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين: في وقت إحداهما في سفر قصر.
إذاً المؤلف رحمه الله يتكلم عن عذر السفر وسيتكلم عن عذر المطر ثم عن عذر المرض.
• يقول رحمه الله: في سفر قصر.

فصول الكتاب · 25 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للخليل · 500 صفحة
ـ[شرح زاد المستقنع]ـ
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كتاب الوقف
كتاب الوصايا
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجنايات
كتاب الديات
كتاب الحدود
كتاب الأطعمةكتاب الأيمان
كتاب القضاء
كتاب الشهاداتكتاب الإقرار
جارٍ التحميل