(15) ويجب1اعتقادُ أن الخيرَ والشرَّ، والنفع والضرَّ، والحلوَ والمرَّ، بقضاء الله تعالى وقدره، لا مردّ لهما ولا محيص ولا محيد عنهما.
ولا يصيب المرءَ إلا ما كتب له ربُّه.
ولو جهد الخلائق أن ينفعوا المرء بما لم يقضه الله له لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروه بما لم يقضه الله عليه لم يستطيعوه؛ كما ثبت في الحديث الحسن الصّحيح عن تعليم النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ابن عباسٍ - رضي الله عنهما -: "واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو2اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف"3، وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس: 107].
ويجب أن لا يضاف إلى الله تعالى ما يُتوهمُ أنه نقصٌ على الإفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس، وإن كان لا مخلوق إلا والربُّ - سبحانه وتعالى - خالقُه، وفي ذلك صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعاء استفتاح الصلاة: "تباركت وتعاليتَ، والخير كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك"1ومعناه، والله أعلم: والشر ليس يضاف إليك إفراداً قصداً فيقال لك: يا خالق الشرِّ، أو يا مقدِّر الشرِّ، وإن كان هو الخالق المقدِّر لهما جميعاً2؛ ولذلك3في أسماء الله تعالى لم يذكر الضارَّ بانفراده، بل قال: الضارُّ النافع، المعزُّ المذل، الخافض الرافعُ،
القابضُ الباسط، المحي المميت، المنتقم العفو1، وقد أضاف الخضرُ - عليه السلام - إرادة العيب إلى نفسه، وإرادة الخير والبرِّ والرّحمة إلى الله تعالى في قصة سورة الكهف فقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79] , وفي الغلامين اليتيمين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82]، وقال تعالى مخبراً عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]، أضافَ المرضَ إلى نفسه، والشفاء إلى الله تعالى، وإن كان2الجميع منه3جلّ جلاله، وأضاف النعمة إليه سبحانه، والغضبَ أتى به سبحانه بصيغة المفعوليةِ من غير ذكر الفاعل فقال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7].