أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل5رؤية الباري - عز وجل - في دار السلام واجبةُ الإيمان بها من غير اعتبارٍ بوهمٍ1، ولا تأويلٍ2بفهمٍ3، ولا إحاطةٍ ولا كيفية، إذ تأويلُها وتأويلُ كلَّ معنىً يضافُ إلى الربوبية؛ [تركُه، ولزومُ]4التسليم، وهو دين المرسلين، إذ التنزيه نفي التشبيه؛ لانفراده - سبحانه وتعالى - بوصف الوحدانية والفردانية، لا يشاركه فيه أحدٌ من البريَّة؛ لتعاليه سبحانه5عن

الحدود، والغايات، والأركان، والأعضاء، والأدوات، ولا تحويه1الجهات الست كسائر المبتدعات.2
والمعراجُ حقٌّ، وقد أُسري بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العُلا، وأكرمه سبحانه3بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى.4

والعرشُ والكرسيُّ حقٌّ، والله - سبحانه وتعالى - مستغنٍ عن العرش فما1دونه، محيطٌ بكلَّ شيء، وأعجز سبحانه خلقَه عن الإحاطة.
واتخذ الله إبراهيم خليلًا، وكلَّم موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً2؛ إذ له سبحانه أن يكرم من يشاء بما يشاء.
ورؤية الباري - عز وجل - في الدنيا في المنام جائزةٌ للأنبياء وغيرهم، وهي صحيحةٌ3، نقل اتفاقَ العلماء عليه القاضي عياض45- رحمه الله -

قال: ([ولو]1رآه2الإنسان على صفةٍ [لا تليق]3بجلاله من صفات الأجسام؛ لأنَّ ذلك المرئيَّ غيرُ ذات الله تعالى4؛ إذ لا يجوز عليه سبحانه5التجسيم6ولا اختلاف الأحوال7، بخلاف رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم -8.9

وقال1ابن الباقلاني2: (رؤية الله تعالى في المنام خواطر في القلب، وهى دلالاتٌ على أمورٍ ممّا كان أو يكون كسائر المرئيات34، والله أعلم.
ورؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربَّه - عز وجل - في اليقظة بعينيْ رأسه اختلف السلف فيها: فذهب جماعة من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلمين إلى منعها، وهو قول عائشة، والمشهور عن ابن مسعود، وأبي هريرة قالوا: إنَّما رأى جبريل.5

وعن ابن عبّاس: رأى ربَّه بعينيه1، وهو محكيٌّ عن جماعة من الصّحابة والتابعين.
وقال عطاء2: رآه بقلبه.3
وقال أبو العالية4: رآه بفؤاده مرتين.5
وروي عن ابن عبّاس من طرق قال: (إنَّ الله تعالى اختصَّ

موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمداً بالرؤية)1، وحجته قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: 11 - 13]. [قال]2الماورديُّ3: (قيل: إن الله قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد، فرآه محمّد مرتين، وكلَّم4موسى مرتين).5
وهذا الاختلاف عند أئمة الشّرع، قال القاضي عياض - رحمه الله -:

(والحق الذي لا امتراء [فيه]1أنَّ رؤيته تعالى في الدنيا جائزةٌ عقلاً، وليس في العقل ما يُحيلها.
والدّليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى - عليه السلام - لها، ومحالٌ أن يجهل نبيٌّ على الله ما يجوز وما لا يجوز عليه2، بل لم يسل إِلَّا جائزاً غير مستحيل، ولكنَّ وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا مَنْ [علَّمه]3الله، فقال له [الله]4: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]، أي: لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثلًا ممَّا هو أقوى من بنية موسى - عليه السلام - وأثبت وهو الجبل، وكلّ هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة، وليس في الشّرع دليل قاطعٌ على استحالتها ولا امتناعها؛ إذ كلُّ موجودٍ فرؤيته جائزة غير مستحيلة.5
ولا حجة لمن استدلَّ على منعها بقوله تعالى: ﴿لَا

تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]؛ لاختلاف التأويلات في الآية، وإذ ليس يقتضي قولُ من قال في الدنيا الاستحالة.
وقد استدلَّ بعضهم عليه1بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية، وعدم استحالتها على الجملة2وقد قيل: لا تدركه3أبصارُ الكفار، وقيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾4أي5: لا تحيط به، وهو قول ابن عبّاس، وقيل6:

لا تدركه الأبصار، وإنّما يدركه المبصرون.1
وكلّ هذه التأويلات [لا تقتضي]2منعَ الرؤية ولا استحالتها).3
ومنع بعضهم الرؤية في الدنيا، وقال: من نظر إليه سبحانه مات، وعلَّل بعضهم امتناعها لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرةً غرضاً4للآفات والفناء، فلم يكن لهم قوةٌ على الرؤية، وفي الآخرة ليسوا كذلك، فإنَّ قواهم ثابتةٌ باقيةٌ، [ولذلك]5أنوار قلوبهم وأبصارهم قويةٌ على الرؤية.
وقد نُقلَ نَحوُ هذا عن الإمام مالك بن أنس6- رحمه الله - قال: (لم يُرَ في الدنيا لأنَّه باقٍ، ولا يُرَى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة، رُزقوا أبصاراً باقيةً، فرُئيَ الباقي بالباقي78.9

وقال القاضي عياض - رحمه الله -: (وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعفُ القدرة، فإذا قوَّى الله من يشاء1من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع2في حقه.
وقد عُرف3من قوة بصر موسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ونفوذ4إدراكهما بقوةٍ إلهيةِ مُنحاها لإدراكِ5ما أدركاه، ورؤية ما رأياه، والله أعلم).6
وبالجملة: ليست في الآيات نصٌّ بالمنع، وقول مَنْ قال: رآه بعينيه7إنَّما بناه على اعتقاده باجتهاده8، ولم يسنده إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. والأحاديث مضطربةٌ في المعنى؛ لتعارضها، وفي الإسناد؛ لضعفها، والتأويل ليس قاطعاً بشيء، وحديث أبي ذر - رضي الله عنه - في صحيح مسلم لمَّا سأله عنها، قال9: "رأيت نوراً"، ورُوي: "نورٌ أَنَّى أراه"10، فقد

أخبر أنَّه لم يره، وإنّما رأى نوراً، أو كيف أراه مع حجاب النور المغشي للبصر؟.
وهذا مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر: "حجابه النور"1، وفي الحديث الآخر: "لم أره بعيني ولكن رأيتُه بقلبي مرتين"2وتلا ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: 8].3

والله قادرٌ على خلق الإدراكِ الذي في البصر [في القلب]1كيف

شاء لا إله غيره.
فإن ورد حديثٌ بنصٍّ [بيِّنٍ]1في الباب اُعتقد، ووجب المصير إليه؛ إذ لا استحالةَ فيه، ولا مانعَ قطعيَّ يردُّه، والله الموفق.2
ورؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة بأبصارهم، وينظرون إليه كما يرون القمرَ ليلة البدر، لا يضارُون3في رؤيته ولا يضامُون4: حقٌّ، على ما ثبت في الحديث الصّحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.5 والتشبيه وقع

في هذا الحديث للرؤية بالرؤية لا للمرئي1بالمرئي2؛ إذ الله لا يشبهه شيءٌ.
والكفار عن رؤيته - سبحانه وتعالى - محجوبون، فإن قيل: فقد ثبت في الصّحيح عن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما منكم من أحدٍ إِلَّا سيُكلِّمُه ربه ليس بينه وبينه ترجمان"3، وهذا4عام في الكفار والمسلمين، إذ الظّاهر منه رؤيتُهم له سبحانه مع الغضب عليهم.
قلنا: لا يلزم من الكلام الرؤية، وغضبه سبحانه عليهم حجابه عنهم، والله أعلم.5

فصول الكتاب · 130 فصل · 478 صفحة
فصول الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد · 478 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةالمقدمةأولاً: أهمية الموضوع، وأسباب اختياره:ثانياً: خطة البحث:ثالثاً: منهجي في التحقيق والتعليق.ثالثاً: منهجي في التحقيق والتعليق:أولاً: خدمة نصِّ الكتاب:ثانياً: منهجي في التعليق:: الدَّراسةالفصلُ الأول: ترجمة المؤلفتمهيد.تمهيدعصرهأولاً: أهم الملوك:اسمه ونسبهأسرتهمولدهنشأتهطلبه للعلمالرحلة في طلب العلمشيوخهشيوخهتلاميذهصفاته وأخلاقهمكانته العلميةتدريسهفتاواهمؤلفاتهاختصار نصيحة أهل الحديث:الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد:تحفة الطالبين في ترجمة الإِمام محيي الدين:ترتيب الفتاوى النووية:حكم الاحتكار عند غلاء الأسعار:حكم البلوى وابتلاء العباد:رسالة في أحكام الموتى وغسلهم:(رسالة في بيان الفرق الضالة)رسالة في السماع:سؤال عن قوم من أهل البدع يأكلون الحيات والنيران:شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ لابن مالك:العدة في شرح العمدة:فضل الجهاد:الفقه في حكم صيام جميع شعبان ورجب:مجلس في زيارة القبورمسألة في حكم المكوس:معجم الشيوخ:الوثائق المجموعة:وفاتهالفصل الثاني: دراسة الكتابالمبحث الأول: عنوان الكتاب، ونسبته لمؤلفه.المبحث الأول: عنوان الكتاب ونسبته لمؤلفهالمطلب الأول: عنوان الكتاب.المطلب الأول: عنوان الكتابالمطلب الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفهالمبحث الثاني: مصادر المؤلف فى كتابهالمبحث الثالث: عرض لأهم قضايا الكتابأولاً: النُّزول:ثانياً: الرؤية:ثالثاً: مسألة خلق القرآن، واللفظ به:رابعاً: الفوقية والعلو:خامساً: الإيمان:سادساً: القضاء والقدر:سابعاً: الحب والبغض في الله:ثامناً: الكفر:المبحث الرابع: منهج المؤلف فى كتابهالمبحث الخامس: وصف النُّسخ الخطيَّةالمطلب الأول: وصف النُّسخ الخطيَّة.المطلب الأول: وصف النُّسخ الخطيةالنُّسخة الأولى:النُّسخة الثانية:النُّسخة الثالثة:المطلب الثاني: التملكات والتعليقاتالمطلب الثالث: تقويم المطبوع من الرسالةالمبحث السَّادس: تقويم الكتابالمطلب الأول: مزايا الكتاب.المطلب الأول: مزايا الكتابالمطلب الثاني: المآخد على الكتابفصل1يجبُ أن نعتقدَ1أن الله - سبحانه وتعالى - كان ولا شيءَ معه2، وهو - سبحانه وتعالى - على ما كان، وأنَّه سبحانه واحدٌ في ذاته، واحدٌ في صفاته، واحدٌ في مخلوقاته.3فصل2يجب أن نعتقد1أنَّ ما أثبته الله سبحانه في كتبه على لسان رسله - صلواتُ الله عليهم وسلامه - حقٌّ، وأنَّ جميع ما فيها من [الوجود]2والإيجاد الثابتين للإلهيَّة والتنزيه عن الحدثِ والمحدَثِ وصفاتِهما حقٌّ. وأنَّ الكتاب العزيز المُنزَّلَ على لسان محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أتى بجميع ما فيها من ذلك وأبين، وأنَّه لا اختلاف بين الكتب، في ذلك، وأنَّه ناسخٌ لجميع الكتب. وأنَّ شريعة محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ناسخةٌ لجميع الشرائعِ.فصل3الوجود الذاتيُّ ثابتٌ له سبحانه، والصفات ثابتةٌ له - سبحانه وتعالى -[أزلاً]1أبداً. ووجود المخلوقين وصفاتهم منفيٌّ عنه سبحانه. فهو سبحانه قديمٌ أزليٌّ2دائمٌ سرمديٌّ3،.............................فصلفصل5رؤية الباري - عز وجل - في دار السلام واجبةُ الإيمان بها من غير اعتبارٍ بوهمٍ1، ولا تأويلٍ2بفهمٍ3، ولا إحاطةٍ ولا كيفية، إذ تأويلُها وتأويلُ كلَّ معنىً يضافُ إلى الربوبية؛ [تركُه، ولزومُ]4التسليم، وهو دين المرسلين، إذ التنزيه نفي التشبيه؛ لانفراده - سبحانه وتعالى - بوصف الوحدانية والفردانية، لا يشاركه فيه أحدٌ من البريَّة؛ لتعاليه سبحانه5عنفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصلفصل (51)الخاتمةفهرس المصادر والمراجع
الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد
تأليف ابن العطار
تقدّمك في الكتاب: فصل5رؤية الباري - عز وجل - في دار السلام واجبةُ الإيمان بها من غير اعتبارٍ بوهمٍ1، ولا تأويلٍ2بفهمٍ3، ولا إحاطةٍ ولا كيفية، إذ تأويلُها وتأويلُ كلَّ معنىً يضافُ إلى الربوبية؛ [تركُه، ولزومُ]4التسليم، وهو دين المرسلين، إذ التنزيه نفي التشبيه؛ لانفراده - سبحانه وتعالى - بوصف الوحدانية والفردانية، لا يشاركه فيه أحدٌ من البريَّة؛ لتعاليه سبحانه5عن — 82 من 130
جارٍ التحميل