(40) مَنْ جَهِل صفةً من صفات الله تعالى الذاتية1، اختلف العلماء في تكفيره2: فحُكي عن أبي جعفر الطبري وغيره تكفيره3، (وقال به أبو الحسن الأشعري4مرة.
وذهبت طائفة إلى أنه5لا يخرجه عن اسم الإيمان، وإليه رجع الأشعري؛ قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقاداً يقطع بصوابه، ويراه ديناً
وشرعاً، فإنما1يكفر من يعتقد2أن مقاله حقٌّ.
واحتجّ هؤلاء بحديث السوداء3، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما طلب منها التوحيد لا غير؛ وبحديث القائل: "لئن قدر الله عليّ - وفي رواية فيه - لعليّ أضلُّ الله، ثم قال: فغفر الله له"4قالوا: ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات، وكوشفوا عنها لما وجدوا5من يعلمها إلا الأقل.
وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوهٍ6، منها: أنَّ قَدَرَ
عليّ1[بمعنى]2قدّر، ولا يكون شكّه في القدرة على إحيائه، بل في نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع؛ ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه، فيكون الشك فيه حينئذٍ كفراً3، فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوِّزات العقول.
أو يكون قدر بمعنى: ضيِّق، ويكون ما فعله بنفسه إزراءً عليها، وغضباً لعصيانها.
وقيل: قاله4وهو غير عاقلٍ لكلامه، ولا ضابطٍ للفظه؛ مما استولى عليه من الجزع والخشية؛ التي أذهلت5لبّه، فلم يؤاخذ به.6
وقيل: بل هذا من مجاز كلام العرب؛ الذي صورته الشك، ومعناه التحقيق، وهو يسمَّى تجاهل العارف، وله أمثلة في كلامهم؛ كقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾1، [طه: 44] وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24].
فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال: أقول: عالمٌ ولكن لا علم له، ومتكلمٌ ولا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال بالمآل لما يؤدِّيه إليه قوله، ويسوقه إليه مذهبه كفر2؛ لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذْ لا يوصف بعالم إلا من له العلم3، فكأنهم صرحوا عنده بما أدَّى إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم.
ومن لم [ير أخذهم]4بمآل قولهم، ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم؛ قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا: لا نقول: ليس بعالم، ونحن [ننتفي]5من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر؛ بل نقول: إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصَّلناه.
فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.
والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر
معاملاتهم، لكنه1يغلظ2عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر والهجر؛ حتى يرجعوا عن بدعتهم.
وهذه كانت سيرة الصدر الأول3فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة - رضي الله عنهم - وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر4، ورأي الخوارج5والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبراً، ولا قطعوا لأحد
منهم ميراثاً، لكنهم1هجروهم، وأدّبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر2أحوالهم؛ [لأنهم]3فسَّاق، ضلّال، عصاة، أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة؛ ممن لم يقل بكفرهم4، خلافاً لمن رأى خلاف5ذلك، والله الموفق للصواب).6
ومثل قول أصحاب الأصول في التكفير بالمآل وعدمه، وقول7الفقهاء، وأصحاب الفروع: لازم المذهب ليس بمذهب، ولازم القول8ليس بقول، أو هو مذهب وقول؟.
والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه ليس بمذهبٍ ولا قولٍ9، والله أعلم، وهذا معنى قول أئمة المنطق في الماهية الساذجة، التي لا ينظر إلى سابقتها ولاحقتها، بل ينظر إلى ذاتها من حيث هي.
(قال القاضي أبو بكر1- رحمه الله -: وأما مسائل الوعد والوعيد،
والرؤية، والمخلوق1، وخلق الأفعال2، وبقاء الأعراض3، والتولد4وشبهها من الدقائق، فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح، وليس5في الجهل بشيءٍ منها جهل بالله تعالى6، ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئاً منها).7
والله أعلم.