(38) إذا وقع العلم بالمراد من الشارع؛ فذكر الاحتمالات المعنوية المستنبطة من اللفظ الشرعي المخالفة [للمراد]1المعلوم: تحريفٌ، أو تبديل، أو تغيير، أو تشكيك أو تضليل، أو تعطيل، أو تشبيه، وكل ذلك إما كفر أو معصية.
والكفر2إما شرعي أو لغوي، والشرعي: ما نطق3الشارع به
باللسان العربي على وفق لغة العرب؛ الذين آمنوا به - صلى الله عليه وسلم -، وفهمهم، أو كان على مناهجهم [لا]1ما أحدث من اللغات النبطية، والمفاهيم الغويّة، والاصطلاحات المخالفة الحادثية.
واللغوي شرعي إلا ما علم أن المراد خلافه، مثاله: العفو في اللغة التوفية والإزالة2، والكفر فيها: التغطية3، والستر، والإزالة، فإذا علم المراد تبيّنا أن ما خالفه لغوياً غير مراد، فلا تخرج4اللغة عن الشرع إلا [العلم]5بعدم الإرادة من الشارع6، فإذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "قصوا الشوارب، واعفوا اللِّحى"7علمنا: أن المرادَ ظهورُ زينة الله تعالى
للعباد بها، لا [تبشيع]1خلق الله بإزالتها؛ بدليل قوله [في الرواية الأخرى]2"وأوفوا اللحى".3
وكذلك إذا ورد لفظ الكفر حُمل على كل كفر من التغطية، والستر، والإزالة، فإذا علم أن المراد أحدها وجب الحمل عليه، وصار الباقي لغوياً غير مراد، مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم - للنساء -: "إني رأيتكن أكثر أهل النار"، قيل: يا رسول الله، بماذا؟ قال: "بكفرهن"، قيل: يا رسول الله، أيكفرن بالله؟ قال: "لا، يكفرن الإحسان ويكفرن العشيرة"4، فلو لم يكن الكفر عند الصحابة في مفاهيمهم عنه - صلى الله عليه وسلم - محمولاً عندهم على جميع وجوهه الشرعية اللغوية، لما حسن الاستفهام ولما أجابهم - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا ثبت لفظ الكفر في قوله - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم -: "بين العبد والشرك والكفر ترك الصلاة"5، وقوله:
"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".1
وفي قول شقيق بن سلمة التّابعيِّ الجليل: ما كان أصحاب محمدٍ2(يعدون شيئاً تركه كفر إلا3الصلاة)4حمله المحدِّثون وكثير من الفقهاء على جميع وجوهه من تغطية الحق، وستره، وإزالته في موضوعه ومفهومه، وهو الكفر بالله5، وتأوله بعضهم على بعضها، وهو التغطية أو الستر دون الإزالة، وهي إزالة الإسلام، والله أعلم.
ثم الكفر بالتحريف أو التبديل قد يكون مخرجاً عن الإسلام وقد لا يكون، فإن كان مخرجاً كالتحريف في صفات الباري - عز وجل - المؤدي إلى تشبيهه بخلقه - سبحانه وتعالى -، أو تعطيلها، وإخراجها عن معنًى يليق بجلاله؛ فهو كفر مخرجٌ عن الدين بلا شك.
وكذلك التحريف في الأحكام الفروعية المجمع عليها الواجبة [أو المحرمة]6بلا تأويلٍ يسوّغ7، وأما المندوبة أو المكروهة أو المباحة
فالتحريف فيها حكمه حكمها في التكفير؛ لكونه أضاف إلى الله تعالى ما لم يضفه إلى نفسه، ولا يجوز إضافته إليه.
وقد كفَّر بعض أصحاب الشافعي رحمهم الله بمجرد الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن لم يعتقد جوازه وكان مطابقاً لأصول شريعته؛ سداً للباب، وضبطاً للشريعة.
وأما من حيث موضوعه ووصفه؛ فحكمه حكمها في وصفه بالندبية، والكراهة، والإباحة.
والتكفير بالتحريف1والتبديل راجع إلى القصد والإصرار وعدمهما2، وما يترتب على ذلك من تعدي الضرر، وقصوره في حكمه، ومحله.
وأمّا إطلاق الكفر على المعاصي؛ فلا يجوز إلا لقصد الزجر عنها3، كما أطلقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على النساء؛ لما جعله سبباً لدخول
النار، وأطلقه عليهن؛ لقصد زجرهن عن المعاصي؛ التي هي كفر الإحسان، وكفر العشير، فلما استُفسر - صلى الله عليه وسلم -: "أيكفرن بالله؟ " قال: لا1، ومن هذا المعنى إطلاقه - صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا ليس2منا"3"لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"4، ومعلوم أن مجرد الغش والكبر من غير اعتقاد حله؛ لا يوجبان الكفر، ولا الخلود في النار، ولا عدم دخول الجنة مطلقاً، ولا الخروج من مِلَّة الإسلام، وإنما ينقصان الرتبة، فأطلقه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لقصد الزجر لا لاعتقاد الكفر، وقسْ على هذا كلَّ ما ورد على5مثل هذا.
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لعن المؤمن كقتله"6، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ
اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، في1قول كل العلماء إلا ابن عباس - رضي الله عنهما - وقد ثبت رجوع ابن عباس عنه2، والله أعلم.
وقد تقدم فصلٌ: أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنبٍ، والكلام عليه وتفصيله1.2 قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - رحمه الله -: (لا3نشهد على أحدٍ من أهل القبلة بكفر، ولا بشركٍ، ولا نفاقٍ ما لم يظهر منه شيءٌ من ذلك، ونذر4سرائرهم إلى الله تعالى).5
فقد6رُوِّينا في صحيح البخاري - رحمه الله - بإسنادنا إليه، ثم إلى عبد الله بن عتبة بن مسعودٍ7قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: (إن ناساً كانوا يُؤخذون بالوحي على8عهد رسول الله (وإن
الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمّنّاه، وقرّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأْمنْهُ ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة).1
وروينا في صحيح مسلم - رحمه الله - عن أبي عبد الله طارق بن أشيم2- رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرّم الله ماله3ودمه، وحسابه على الله"4، قال5الله تعالى في حق المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: 5].
إذا عرفت هذا فاعلمْ: أن (من أنكر ما عُرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد؛ التي لا [ترجع]6إلى إبطال شريعةٍ، ولا [تفضي]7إلى إنكار قاعدةٍ من الدين، كإنكار غزوة تبوك أو مؤتة، أو وجود أبي
بكرٍ وعمرَ، وقتل عثمان أو1خلافة عليّ، مما عُلم بالنقل ضرورةً، وليس في إنكاره جحد شريعةٍ، فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك2، وإنكار3وقوع العلم له؛ إذ ليس في ذلك أكثر4من المباهتة5كإنكار هشامٍ6وعبادٍ7وقعة الجمل، ومحاربةَ عليّ من خالفه.
فأما من أنكر ذلك وضعّفه8من أجل تهمة الناقلين، ووهَّمَ المسلمين أجمع،
[فنكفره]1بذلك؛ [لسريانه]2إلى إبطال الشريعة.
وأما3من أنكر الإجماع المجرد4؛ الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع، فأكثر المتكلمين من الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا: بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامعَ [لشروط]5الإجماع المتفق عليه عموماً.
وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من خالف الإسلام6قيد شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلامِ من عنقه".7
وقد نقل العلماء8الإجماعَ على تكفير من خالف
الإجماع1.2 ولم يخالف أحدٌ من السلف فيه، وقال جماعة من علماء الخلف3: المُجمع [عليه]4على ضربين5: أحدهما: ما علم من دين الإسلام بالضرورة، كإجماعهم على عدد الركعات في الصلوات الخمس، ومقدار نُصُب الزكاة، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج، وتحريم الزنى واللواط والخمر، وأخذ الأموال بالباطل، والأخذ في الأعراض بغير حق ونحو ذلك، فمن أنكر ذلك كفر.
والثاني: ما يعرفه العلماء ويجهله العوام، كمقادير الفرائض لأهلها: ككون السدس للجدة، وللأخت من الأم السدس، وما6شاكل ذلك، قالوا: فمنكر ذلك لا يكفر به؛ قالوا: لأنه لا يعرفه إلا العلماء [وهم قليل]7فيلزم منه تكفير أكثر الخلق من المسلمين، وهذا الكلام ليس فيه تحقيقٌ؛ لأن الإنكار غالباً لا يكون [إلا]8بعد اعترافٍ، وهو المسمّى بالجحود، وأما من لم يعرف شيئاً فإنما9نسمّيه
جاهلاً أو مقصّراً في التعلّم1، وكلاهما لا يكفران بذلك، إلا أن يعتقد أنه لا يجب التعلّم5بعد [علمهما]2بوجوبه.
وكلامنا إنما هو في من علم وجوب العمل بالإجماع في جميع الأحكام الظاهرة والباطنة، ثم أنكرها، وذلك لا يختلف بمجمعٍ3عليه، دون مجمعٍ عليه مشتهراً كان أو غير مشتهرٍ، فالصواب ما قاله السلف من تكفيره بجحوده؛ إذ الجحود لا يكون إلا [بعد إقرار]4، والله أعلم.
قال القاضي عياض - رحمه الله - بعد أن حكى الإجماع على تكفير من خالف الإجماع: (وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع؛ الذي يختص [بنقله]5العلماء.
وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائنَ عن نظرٍ، كتكفير النظّام6
بإنكار الإجماع؛ لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به، خارقٌ [للإجماع]1.2