(9) تقدَّم أنه يجب الإيمان بحديث النزول بلا كيفيَّةٍ، وما قيل فيه، ويجب تنزيه الربِّ سبحانه عن الانحدار بعد الصعود1، وهو حديثٌ
ثابتٌ في الصحيحين1وقد رواه جماعةٌ من طرقٍ كثيراتٍ عن أبي هريرة، وعبادة بن الصامت2،......................
وجابر بن عبد الله1، وعلي بن أبي طالب2، وعبد الله بن مسعودٍ3، وفضالة بن عبيد عن أبي الدرداء4، وعبد الله بن عبّاسٍ5وأُمّ المؤمنين عائشة6، وأمِّ سلمة7، كلُّهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو حديثٌ [مشهورٌ]8صحيحٌ لا [مطعن]9فيه لا من حيث لفظُه، ولا معناه، بل يجب الإيمان به من غير تفكُّرٍ في معناه، بل حظ المؤمن منه أن يشتغل بطاعة الله تعالى في ذلك الوقت، ودعائه، وسؤاله، واستغفاره - سبحانه وتعالى -، لا معرفة كيفيَّة النزول.
وفي بعض رواياته عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله
تعالى ينزل إلى1السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، فينادي: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ فلا يبقى شيءٌ فيه الروح إلا علم به إلا الثقلين الجن والإنس، قال: فلذلك تصيح الديوك، وتنهق الحمير، وتنبح الكلاب".2
وروى الحسن بن سفيان3في مسنده4بإسناد صحيح، بروايةٍ عن5جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن عشيّة عرفة ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ويقول: انظروا إلى عبادي شعثاً6غبراً.7.........
ضاحين1، جاؤوا من كلِّ فجٍّ عميقٍ، أشهدكم أنِّي قد غفرت لهم"2.3
وروى الحاكم أبو عبد الله من رواية أمِّ سلمة - رضي الله عنها - يظنُّ محمّد بن المنكدر1الراوي عنها رفعه، [قالت]2: (نعم اليوم، يومٌ ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا، قالوا: وأيُّ يومٍ ذاك3؟ قالت: يوم عرفة).4
وفي روايةٍ عن عائشة - رضى الله عنها - عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "ينزل الله تعالى في النّصف من شعبان إلى السماء الدنيا ليلًا إلى آخر النهار من الغد، فيعتق من النار بعدد شعر معز كلبٍ1، ويكتب الحاجَّ، وينزِّل2أرزاق السنة، ولا يترك أحداً إلا غفر له، إلا مشركاً، أو قاطع رحمٍ، أو عاقاً، أو مشاحناً"3.4
قلت: حديث ليلة نصف شعبان ضعيفٌ باتفاق الحفاظ12، والله أعلم.
قال الإمام أبو عثمان - رحمه الله -: ([فلما]3صحَّ الخبر في النزول4عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقرَّ به أهل السنة، وأثبتوه5، ولم يعتقدوا تشبيهاً له بنزول الخلق6، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال).7
وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيليُّ - رحمه الله -: (النزول صحَّ الخبر به عن رسول الله8- صلى الله عليه وسلم -، وقد قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ
اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: 210]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]، فتؤمن1بذلك كلِّه، على ما جاء بلا كيفٍ، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه؛ إذ كنا قد أُمرنا به، قال2الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].3 قال الشّيخ أبو عثمان - رحمه الله -: (فأصحاب الحديث يؤمنون بالمحكم4والمتشابه5،............................
وينتهون في المتشابه إلى الإيمان به والعلم بأنه من عند الله، لا ينازعون فيه ولا يمارون).1
قاعدة العلم علمان: علم في الخلق موجودٌ، وعلمٌ فيهم مفقودٌ، فعلم القدر [وسرُّه]1في خلقه مفقودٌ طواه الله تعالى عن الخلق، لم يطّلع عليه ملَكٌ مقربٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، [الأنبياء: 23]، فمن سأل لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب، واستحق العقاب، ومن ادعى العلم المفقود فقد كفر، ومن أنكر العلم الموجود فقد كفر، لا يصحُّ الإيمان إِلَّا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود.2
فإذا كان هذا فيما يتعلّق بالقدر والصفات، فالحذر كلَّ الحذر ممّن يطلب معرفة علم الذات أو يتعرض [لذلك]3!، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات4أعمالنا، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.