كتاب الصيام
الصيام لغة: الإمساك 1، يقال: صام النهارُ إذا وقف سير الشمس، ومنه ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ 2، وصام الفرس: أمسك عن العلف وهو قائم، أو عن الصهيل في موضعه.
وشرعًا: إمساك بنية عن أشياء مخصوصة في زمن معين من شخص مخصوص 3.
وصوم شهر رمضان فرض، افترض في السنة الثانية من الهجرة إجماعًا 4، فصام -صلى اللَّه عليه وسلم- تسع رمضانات إجماعًا 5.
والأصل في فرضه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 6، وحديث ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما: "بني الإسلام على خمس.
. . " 7 الحديث، متفق عليه.
وسمي شهر الصوم رمضان، قيل: لحر جوف الصائم فيه ورمضه، والرمضاء: شدة الحر 8. أو أنه وافق هذا الشهر أيام شدة الحر ورمضه، حين نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة.
أو لأنه يحرق الذنوب، أو غير ذلك 9. ولا يكره قول رمضان بلا شهر، كما في كثير من
الجزء: 1 - الصفحة: 484
الأخبار 10. (يلزم) صوم شهر رمضان (كل مسلم مكلف، قادر برؤية الهلال) منه، لحديث: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" 11. ويستحب ترائي الهلال وقول ما ورد 12. فإن لم ير الهلال مع صحو ليلة الثلاثين من شعبان لم يصوموا، لأنه يوم الشك المنهي عنه 13، (ولو من) رؤية مكلف (عدل)
الجزء: 1 - الصفحة: 485
نصًّا 14 لا مستور، لحديث ابن عباس: جاء أعرابي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: إني رأيت الهلال.
قال: "أتشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله؟ ". قال: نعم.
قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدًا".
رواه أبو داود والترمذي، والنسائي.
وعن ابن عمر قال: ترآيت الهلال، فأخبرت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه 15. رواه أبو داود.
ولأنه خبر ديني، لا تهمة فيه، بخلاف آخر الشهر، ولو كان الرائي عبدًا، أو أنثى، أو بدون لفظ الشهادة، للخبرين، وثبت به بقية الأحكام، من حلول دين، ونحوه، تبعًا، وأما بقية الشهور فلا يقبل فيها إلا رجلان عدلان بلفظ الشهادة كالنكاح وغيره، والفرق: الاحتياط للعبادة.
ولو صاموا ثمانية وعشرين يومًا، ثم رأوا هلال شوال، قضوا يومًا واحدًا فقص، نصًّا 16، ولو غم لشعبان ورمضان وجب تقدير رجب وشعبان ناقصين فلا يفطروا قبل اثنين وثلاثين يومًا، بلا رؤية، احتياطًا (أو بإكمال شعبان) ثلاثين يومًا (أو) بـ (وجود مانع من رؤيته) أي الهلال (ليلة الثلاثين منه) أي من شعبان (كغيم وجبل وغيرهما) كقتر ودخان، فيجب صوم يوم تلك الليلة، حكمًا ظنيًّا، احتياطًا، للخروج من عُهدة الوجوب، بنية أنه من رمضان في قول عمر، وابنه، وعمرو بن العاص، وأبي هريرة، وأنس، ومعاوية، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهم = الشك (2/ 749)، والنسائي، في الصوم، باب صيام يوم الشك (4/ 153)، وابن ماجه، في الصيام، باب ما جاء في صيام يوم الشك (1/ 527). ورواه البخاري تعليقًا في الصوم، باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رأيتم الهلال.
. . " (2/ 229)، وقال الحاكم في "المستدرك" (1/ 424): صحيح على شرط الشيخين.
ووافقه الذهبي.
الجزء: 1 - الصفحة: 486
أجمعين 17، لحديث نافع عن ابن عمر، مرفوعًا: "إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم، فأقدروا له" قال نافع: كان عبد اللَّه بن عمر، إذا مضى من الشهر تسعة وعشرون يومًا، يبعث من ينظر له الهلال، فإن رؤي فذاك، وإن لم يُرَ، ولم يحل دون منظره سحاب، ولا قتر، أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب، أو قتر، أصبح صائمًا 18.
ومعنى: "اقدروا له" 19 ضيقوا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ 20، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ 21 والتضيق: جعل شعبان تسعة وعشرين يومًا، وقد فسره ابن عمر بفعله، وهو راويه، وأعلم بمعناه، فوجب الرجوع إليه، ويجزئ صوم هذا اليوم إن ظهر منه، لأن صومه وقع بنية رمضان، لمستند شرعي، أشبه الصوم للرؤية.
وتثبت أحكام صوم من صلاة تراويح، ووجوب كفارة بوطء فيه، ووجوب إمساك على من أكل فيه جاهلًا، أو لم يبيت النية ما لم يتحقق أنه من شعبان، ولا تثبت بقية الأحكام الشهرية بالغيم، فلا يحل دين مؤجل به، ولا يقع طلاق وعتق معلقين به، ولا تنقضي عدة، ونحو ذلك، عملًا بالأصل.
(وإن رؤي) الهلال (نهارًا) ولو قبل الزوال في أول رمضان، أو غيره، أو في آخره (فهو لـ) ليلة (المقبلة) نصًا 22، لأنها ليلة رؤي الهلال في يومها،
الجزء: 1 - الصفحة: 487
فلم يجعل لها كما لو رؤي آخر النهار.
والهلال يختلف بالكبر والصغر، والعلو والانخفاض، وقربه من الشمس، اختلافًا شديدًا لا ينضبط، فيجب طرحه، والعمل بما عول الشرع عليه.
وروى البخاري في "تاريخه": "من أشراط الساعة أن يروا الهلال، يقولون: ابن ليلتين" 23 (وإن صار) من ليس أهلًا لوجوب الصيام عليه (أهلًا لوجوبه في أثنائه) أي ذلك اليوم، كأن أسلم كافر في أثناء نهار، أو عقل مجنون، أو بلغ صغير (أو قدم مسافر مفطرًا، أو طهرت حائض أمسكوا) عن مفسدات الصوم لحرمة الوقت، (وقضوا) ذلك اليوم، لأنهم لم يصوموه.
وكذا إن تعمد مقيم، أو طاهر الفطر، فسافر المقيم، أو حاضت الطاهر، بعد فطرهما، لزمهما إمساك ذلك اليوم بعد السفر، والحيض، نصًّا 24، عقوبة، والقضاء.
وإن علم مسافر أنه يقدم غدًا بلدًا قصده، لزمه الصوم، نصًّا 25، كمن نذر صوم يوم يقدم فلان، وعلم يوم قدومه، فينويه من الليل.
(ومن) عجز عن الصوم و (أفطر لكبر) كشيخ هرم، وعجوز، يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة (أو) أفطر لـ (مرضٍ لا يُرجى برؤه، أطعم لكل يوم مسكينًا) مُدَّ بُرٍّ أو نصف صاع من غيره، لقول ابن عباس
الجزء: 1 - الصفحة: 488
في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ 26: ليست بمنسوخة، هي للكبير الذي لا يستطيع الصوم 27. رواه البخاري.
فإن كان العاجز عنه مسافرًا سفرًا مباحًا، فلا فدية لفطره بعذر معتاد، ولا قضاء لعجزه عنه، قال الشيخ منصور: فيعايا بها 28.
(وسن الفطر) وكره الصوع (لمريض يشق عليه) الصوم (و) لـ (مسافر يقصر) ولو بلا مشقة، لحديث: "ليس من البر الصيام في السفر" 29. متفق عليه، وإن صام أجزأه، نصًّا 30، لحديث: "هي رخصة من اللَّه، فمن أخذها فهو حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" 31. رواه مسلم.
وسن الفطر، وكره الصوم -أيضًا- لزيادة مرض، أو طوله بقول طبيب مسلم ثقة، لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 32، ويباح الفطر لمريض قادر على الصوم، يتضرر بترك التداوي، ولا يمكنه فيه، كمن به رمد، يخاف بترك الاكتحال.
ويجوز الوطء لمن به مرض ينتفع به فيه، كالمداواة، أو به شبق 33 ولم تندفع شهوته بدونه، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، ولا كفارة، ويقضي عدد ما أفسده من الأيام، ما لم يتعذر القضاء عليه لشبق، فيطعم عن كل يوم
الجزء: 1 - الصفحة: 489
مسكينًا، ككبير، ومتى لم يمكنه الوطء إلا بإفساد صوم موطوءة، جاز ضرورة، ووطء طاهر صائمة أولى من وطء حائض.
والأفضل لحاضر نوى صومًا، وسافر، عدم الإفطار، خروجًا من الخلاف 34.
(وإن أفطرت حامل أو) أفطرت (مرضع خوفًا على أنفسهما قضتا فقط) ولا إطعام عليهما، كالمريض، وأولى (أو) أفطرتا خوفًا (على ولديهما) قضتا (مع الإطعام ممن يمون الولَد) لكل يوم مسكينًا، ما يجزئ في كفارة، كما تقدم.
ومتى قبل رضيع ثدي غير أمه، وقدر أن يستأجر له، لم تفطر، لعدم الضرورة، وظئرٌ كأمٍّ في إباحة فطر إن خافت على نفسها، أو على الولد.
ويجب الفطر على من احتاج إليه لإنقاذ معصوم من مهلكة، كغرق، ونحوه، وليس لمن أبيح له فطر رمضان صوم غيره فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 490
تتمة
:
ينكر على من أكل في رمضان ظاهرًا، وإن كان هناك عذر (وكان أُغمي عليه أو جُنّ جميع النهار لم يصح صومه) لأن الصوم الإمساك مع النية، ولم توجد، ويصح ممن أفاق جزءًا منه حيث بيت النية بخلاف من نام جميع النهار فيصح صومه، لأن النوم عادة، ولا يزول به الإحساس بالكلية، لأنه متى نُبِّه انتبه (ويقضي المغمى عليه) فقط زمن إغمائه، لأنه مكلف، بخلاف المجنون، فلا يقضي، لأنه غير مكلف.
(ولا يصح صوم فرض إلا بنية معينة) لكل يوم (بجزء من الليل) لأن كل يوم عبادة مفردة، لأنه لا يفسد يوم بفساد يوم آخر، لحديث: "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له" 35 رواه أبو داود، وأول الليل، وأوسطه وآخره محل للنية، فأي جزء نوى فيه أجزأه، ولو أتى بعدها ليلًا بمناف للصوم، كأكل، وشرب، وجماع، لظاهر الخبر.
ومن قطع نية صوم نذر، أو كفارة، أو قضاء رمضان، ثم نوى نفلًا؛ صح، وكذا لو قلب نية نذر، أو كفارة، أو قضاء، إلى نفل؛ صح، كقلب
الجزء: 1 - الصفحة: 491
فرض الصلاة نفلًا، وخالف في "الإقناع" 36 ويكره ذلك إلا لغرض صحيح.
(ويصح) صوم (نفل ممن لم يفعل مفسدًا) من أكل أو شرب ونحوهما، (بنية نهارًا مطلقًا) سواء كان قبل الزوال، أو بعده، لحديث عائشة قالت: دخل علي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات يوم فقال: "هل عندكم من شيء؟ " فقلنا: لا.
قال: "فإني إذًا صائم" 37 رواه الجماعة إلا البخاري.
ويحكم بالصوم المثاب عليه من وقت النية، حديث: "إنما لكل امرئ ما نوى" 38.
الجزء: 1 - الصفحة: 492
فصل فيما يفسد الصوم فقط، أو يفسده ويوجب الكفارة، وما يتعلق بذلك
(ومن أدخل إلى جوفه) شيئًا من كل محل ينفذ إلى محل معدته (أو) أدخل إلى (مجوف في جسده كدماغ وحَلْقٍ شيئًا) سواء كان مما يغذي أو لا كحصاة، وقطعة رصاص، وحديد، ونحوها (من أي موضع كان) من جسده (غير إحليله) أفطر، وأما الإحليل فليس بمنفذ، فلو قطر في إحليله دهنًا، أو غيره؛ لم يفطر (أو ابتلع نخامة بعد وصولها إلى فمه) سواء كانت من دماغه، أو حلقه، أو صدره، ويحرم بلعها إذًا، لإفساد صومه بذلك (أو اسْتَقَاء فَقَاء) أو تنجس ريقه، فابتلعه (أو استمنى) بيده، أو غيرها (أو باشر دون الفرج فأمنى، أو أمذى، أو كرر النظر فأمنى) أفطر (أو نوى الإفطار، أو حجم أو احتجم عامدًا مختارًا ذاكرًا لصومه أفطر) لحديث: "أفطر الحاجم والمحجوم" 39. (لا إن فكر فأنزل، أو دخل ماءُ مضمضة أو استنشاق حَلْقَهُ) جاز بلا قصد (ولو بالغ أو زاد على ثلاث) لم يفطر، وكذا إن ذرعه القيء، أو أصبح وفي فمه طعام فلفظه، أو شق عليه لفظه، فبلعه مع ريقه، بلا قصد؛ لم يفطر، لمشقة التحرز منه، أو لطخ باطن قدمه بشيء، فوجد طعمه بحلقه، لأن القدم غير نافذ، أو احتلم فأنزل، ولو بعد يقظته، بغير اختياره، لم يفطر.
الجزء: 1 - الصفحة: 493
(من جامع برمضان نهارًا بلا عذر) ولو في يوم، لزمه إمساكه بلا عذر (شبق ونحوه) كمن به مرض ينتفع به فيه كالمداواة (فعليه القضاء والكفارة مطلقًا) إن لم يكن ثمَّ عذر، وإلا فعليه القضاء فقط.
وامرأة عالمة ذاكرة طاوعت كرجل في وجوب القضاء والكفارة، (ولا كفارة عليها) أي المرأة (مع العذر، كنوم، وإكراه، ونسيان، وجهل، وعليها القضاء) فقط.
(وهي) أي الكفارة (عتق رقبة) مؤمنة سليمة على ما يأتي في الظهار 40، (فإن لم يجد) رقبة، أو وجدها تباع بأكثر من ثمن المثل (فصيام شهريين متتابعين) للخبر 41، فلو قدر على الرقبة قبل شروع في صوم لا بعده؛ لزمته، (فإن لم يستطع) الصوم (فإطعام ستين مسكينًا) للخبر 42، لكل مسكين مد بر أو نصف صاع من غيره، مما يجزئ في فطرة (فإن لم يجد) ما يطعمه للمساكين (سقطت) بخلاف غيرها من الكفارات.
(وكره) لصائم فرضًا كان أو نفلًا (أن يجمع ريقه فيبتلعه) خروجًا من
الجزء: 1 - الصفحة: 494
خلاف من قال: يفطر به 43. ويفطر بغبار ابتلعه قصدًا، لإمكان التحرز منه عادة، ويفطر -أيضًا- بريق أخرجه إلى بين شفتيه ثم بلعه (و) كره له (ذوق طعام) وقال المجد: المنصوص عنه لا بأس به لحاجة ومصلحة، واختاره في "التنبيه" 44. وحكاه أحمد والبخاري عن ابن عباس 45. فعلى الكراهة متى وجد طعمه بحلقه أفطر.
وكره له ترك بقية طعام بين أسنانه، خشية خروجه، فيجري به ريقه إلى جوفه.
وكره له شم ما لا يؤمن شمه أن يجذبه نفسٌ لحلق، كسحيق مسك، وسحيق كافور، ودهن، وبخور نحو عود، خشية وصوله مع نفسه إلى جوفه.
ولا يكره شم نحو ورد، وقطع عنبر، ومسك غير مسحوق.
(و) كره له (مضغ علك لا يتحلل) منه شيء، لأنه يجمع الريق، ويحلب الفم، ويورث العطش.
(وإن وجد) صائم (طعمهما في حلقه) أي الطعام، أو العلك (أفطر).
(و) تكره (القُبلة ونحوها) كمعانقة، ولمس، وتكرار نظر (ممن تحرك) القبلة ونحوها (شهوته) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى عن القبلة شابًّا، ورخص لشيخ 46 رواه أبو داود، وهو حديث حسن، فإن لم تحرك شهوته، لم تكره، لما تقدم،
الجزء: 1 - الصفحة: 495
(ويحرم) ذلك (إن ظن إنزالًا) لتعريضه للفطر، ثم إن أنزل أفطر، وعليه القضاء.
(و) يحرم (مضغ علك يتحلل) سواء بلع ريقه، أو لم يبلعه، لأنه تعريض بصومه للفساد.
(و) يحرم (كذب، وغيبة، ونميمة، وشتم، ونحوه) كفحش (بتأكد) لحديث أنس مرفوعًا "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وظهورهم 47، فقلت: يا أخي جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم" 48 رواه أبو داود، ويحرم ذلك بتأكد في رمضان، وفي مكان فاضل، كالحرمين، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للَّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" 49 رواه البخاري.
(وسن تعجيل فطر) إذا تحقق غروب شمس، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "يقول اللَّه: إن أحب عبادي إليّ أعجلهم فطرًا" 50 رواه الإمام أحمد، ويباح فطره إذا غلب على ظنه غروب شمس إقامة للظن مقام اليقين، ولكن الاحتياط حتى يتيقن.
والفطر قبل صلاة المغرب أفضل لحديث أنس: ما رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلّي حتى يفطر ولو على شربة ماء 51 رواه ابن عبد البر.
الجزء: 1 - الصفحة: 496
وسن لصائم كثرة قراءة، وذكر، وصدقة وكف لسانه عما يكره.
ولا يفطر بنحو غيبة، قال أحمد: لو كانت الغيبة تفطر ما كان لنا صوم 52.
وسن قوله جهرًا إن شُتم: إني صائم.
لما في الصحيحين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤٌ صائم" 53.
(و) سن (تأخير سحور) إن لم يخش طلوع الفجر، لحديث زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ذلك؟ قال: قدر خمسين آية 54. متفق عليه، وتحصل فضيلة السحور بشرب، لحديث: "ولو أن يجرع أحدكم شربة من ماء" 55. وكمالها بأكل، للخبر، وأن يكون من تمر لحديث: "نعم سحور المؤمن التمر" 56 رواه أبو داود.
وسن فطر على رطب، فإن عدم فتمر، فإن عدم فماء، لحديث أنس:
الجزء: 1 - الصفحة: 497
كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء 57. رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن غريب.
(و) سن للصائم (قول ما ورد عند فطر) هـ، ومنه: "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك، اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم" لحديث الدارقطني عن أنس، وابن عباس: كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أفطر قال: "اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم" 58 وعن ابن عمر مرفوعًا: "كان إذا أفطر قال: ذهب الظمأ، وابتلت العروق، ووجب الأجر إن شاء اللَّه تعالى" 59. رواه الدارقطني.
الجزء: 1 - الصفحة: 498
وفي الحديث: "للصائم عند فطره دعوة لا ترد" 60.
ويستحب تفطير الصائم، وله مثل أجره، للخبر 61.
(و) سن (تتابع قضاء) رمضان (فورًا) نصًّا 62، مسارعة لبراءة ذمته، ولا بأس أن يفرق.
رواه البخاري 63 عن ابن عباس لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 64 وعن ابن عمر، مرفوعًا: "قضاء رمضان إن شاء فرق، وإن شاء تابع" 65 رواه الدارقطني، ولأن وقته موسع، وإنما لزم التتابع في
الجزء: 1 - الصفحة: 499
الصوم إذًا لمقيم لا عذر له، للفور، وتعين الوقت، لا لوجوب التتابع في نفسه، إلا إذا بقي من شعبان قدر ما عليه من الأيام التي فاتته من رمضان، فيجب التتابع، لضيق الوقت (وحرم) حينئذ (تأخيره) أي قضاء رمضان (إلى) رمضان (آخر بلا عذر) نصًّا 66 (فإن فعل) وأخره بلا عذر (وجب) عليه (مع القضاء) لعدد ما عليه (إطعام مسكين عن كل يوم) أخره إلى رمضان آخر ما يجزئ في كفارة، رواه سعيد 67 عن ابن عباس، بإسناد جيد، والدارقطني، عن أبي هريرة، وقال: إسناد صحيح 68. وذكره غيرهما عن جماعة من الصحابة 69.
وإن أخر القضاء لعذر، من مرض، أو سفر؛ قضى فقط (وإن مات المفرِّط) في قضاء ما عليه (ولو قبل) رمضان (آخر، أُطعم عنه كذلك) لكل يوم مسكين (من رأس ماله) لا من ثلثه، لأنه واجب عليه (ولا يُصام) عنه، لأن الصوم لا تدخله النيابة حال الحياة، فبعد الموت كذلك، كالصلاة، ولا يلزم عن كل يوم أكثر من إطعام مسكين، ولو مضت رمضانات كثيرة.
(وإن كان على الميت نذر) في الذمة (من حج أو [من] 70 صوم، أو = ابن القطان.
لا جرم قال البيهقي: حديث لا يصح، وخالف ابن الجوزي فصححه.
اهـ ينظر: "إرواء الغليل" (4/ 94) وفيه: حديث ضعيف.
الجزء: 1 - الصفحة: 500
صلاة ونحوها) كطواف، واعتكاف، لم يفعل منه شيئًا مع إمكان غير حج، فيفعل عنه مطلقًا، تمكن منه، أو لا، نجواز النيابة فيه حال الحياة، فبعد الموت أولى.
(سُنَّ لوليه قضاؤه) عنه، لحديث ابن عباس: أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: "أرأيت لو كان على أمك دَيْن فقضيتيه عنها، أكان ذلك يؤدي عنها؟ قالت: نعم.
قال: فصومي عن أمك" 71. متفق عليه.
ويجزئ صوم جماعة عن نذر ميت في يوم واحد، بأن نذر صيام عشرة أيام مثلًا، فمات، فصام عنه عشرةٌ يومًا واحدًا، لحصول المقصود به، مع إنجاز إبراء ذمته، وظاهره: ولو كان متتابعًا، ومقتضى كلام المجد: لا يصح مع التتابع، قال: وتعليل القاضي يدل على ذلك 72.
(ومع تركة) لميت عليه نذر واجب (يجب) فعل نذره على ما تقدم 73، لثبوته في ذمته، كقضاء دينه من تركته (لا مباشرة ولي) فلا تجب، فإن شاء فعله بنفسه، وإن شاء دفع مالًا لمن يفعل ذلك عنه، وكذا حجة الإسلام.
ومن مات وعليه صوم، من كفارة أو متعة، أطعم عنه من رأس ماله، أوصى به، أولًا، بلا صوم، نصًّا 74، لأنه وجب بأصل الشرع، كقضاء رمضان.
الجزء: 1 - الصفحة: 501
فصل في صوم التطوع
(يُسَنُّ صوم أيام البيض) وهي: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة، لحديث أبي ذر: "يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام فصم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" 75. رواه الإمام أحمد، والنسائي، وغيرهما، وسميت بيضًا لبياض ليلها كله بالقمر 76.
(و) يسن صوم يوم (الخميس و) يوم (الاثنين) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصومهما، فسئل عن ذلك، فقال: "إن أعمال الناس تُعرض يوم الاثنين والخميس".
رواه أبو داود، عن أسامة بن زيد، وفي لفظ: "أحب أن يُعرض عملي وأنا صائم" 77.
(و) يسن صوم (ستـ) ـة أيام (من شوال) والأولى تتابعها، وكونها عقب العيد، وصائمها مع رمضان كأنما صام الدهر، لحديث أبي أيوب مرفوعًا: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوال، فكأنما صام الدهر" 78
الجزء: 1 - الصفحة: 502
رواه أبو داود، وغيره.
(و) يسن صوم (شهر اللَّه المحرم) لحديث: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر اللَّه المحرم" 79 رواه مسلم.
(وآكده) وعبارة بعضهم: أفضله 80 (العاشر)، ويسمى عاشوراء، وينبغي التوسعة فيه على العيال، وصومه كفارة سنة، لحديث: "إني لأحتسب على اللَّه أن يكفر السنة التي قبله" 81 (ثم) يلي العاشر في الآكدية (التاسع) ويسمى تاسوعاء لحديث ابن عباس مرفوعًا: "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر" 82 رواه الخلال، واحتج به أحمد.
(و) يسن صوم (تسع ذي الحجة) حديث: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى اللَّه تعالى من هذه الأيام العشرة" 83 (وآكده يوم عرفة)، وصومه كفارة سنتين، لحديث مسلم عن أبي قتادة مرفوعًا، في صومه: "إني لأحتسب على اللَّه تعالى أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" 84 والمراد
الجزء: 1 - الصفحة: 503
الصغائر، كما حكاه في "شرح مسلم" 85 عن العلماء (لغير حاج بها) أي بعرفة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "نهى عن صيام يوم عرفة بعرفة" 86 رواه أبو داود، ولأنه يُضَعِفُه، ويمنعه الدعاء فيه في ذلك الموقف الشريف، إلا لمتمتع وقارن عدما الهدي، فيستحب أن يجعلا آخر صيام الثلاثة في الحج يوم عرفة، ويأتي في بابه 87.
ثم يلي يوم عرفة في الآكدية يوم التروية، وهو ثامن ذي الحجة لحديث: "صوم يوم التروية كفارة سنة" 88 رواه أبو الشيخ 89 في "الثواب"، وابن النجار 90، عن ابن عباس مرفوعًا.
(وأفضل الصيام صوم يوم وفطر يوم)
الجزء: 1 - الصفحة: 504
نصًّا 91، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لابن عمرو: "صم يومًا وافطر يومًا، فذلك صيام داود، وهو أفضل الصيام" قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال: "لا أفضل من ذلك" 92 متفق عليه.
(وكره إفراد رجب) بصوم، قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصوم متواليًا 93. بل يفطر فيه، ولا يشبهه برمضان.
ولهذا صح عن عمر أنه كان يضرب فيه، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت الجاهلية تعظمه 94.
(و) كره إفراد يوم (الجمعة) بصوم، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده" 95 متفق عليه.
(و) كره إفراد يوم (السبت) بصوم، لحديث: "لا تصوموا يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم" 96 حسنه الترمذي، فإن صام معه غيره لم يكره.
الجزء: 1 - الصفحة: 505
(و) كره صوم يوم (الشك) وهو الثلاثون من شعبان، إذا لم يكن غيم أو قتر، لأحاديث النهي عنه 97.
(و) كره صوم (كل عيد للكفار) كالنيروز، والمهرجان 98، وغيرهما.
(و) كره (تقدُّم رمضان بـ) صوم (يوم أو يومين) لا بأكثر، لظاهر الخبر 99، (ما لم يوافق عادة في الكل) فلا يكره، نصًا 100، لظاهر خبر أبي هريرة: "لا يتقدمنَّ أحدكم رمضان بصوم يوم، أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه" 101، وكذا إن كان عليه صوم واجب، فلا يكره له إفراد شيء منها بصوم.
وكره الوصال، بأن لا يفطر بين اليومين، فأكثر، إلا من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، لحديث ابن عمر: "واصل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل! قال: إني لست مثلكم،
الجزء: 1 - الصفحة: 506
إني أطعم وأسقى" (1) متفق عليه.
(وحرم صوم) يومي (العيدين مطلقًا) لا فرضًا، ولا نفلًا، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: نهى عن صوم يومين: يوم فطر، ويوم أضحى (2). متفق عليه (و) حرم -أيضًا- صوم (أيام التشريق) حديث: "أيام منى أيام أكل وشرب" (3) رواه مسلم (إلا عن دم متعة) أ (وقران) لمن عدمه، فيصح صومها عنه، لقول ابن عمر، وعائشة: "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا من لم يجد الهدي" (4) رواه البخاري.
(ومن دخل في فرض موسَّع) كصلاة وقضاء رمضان، ونذر، وكفارة (حرُم قطعه بلا عذر) لأنه يتعين دخوله فيه، فصار بمنزلة المتعين، وإن بطل فلا مزيد عليه، فيعيده، أو يقضيه فقط، ولا كفارة مطلقًا غير الوطء في نهار رمضان، وتقدم (5)، (أو) دخل في (نفل غير حج) أ (وعمرة؛ كره) قطعه (بلا عذر) خروجًا من الخلاف (6).
تتمة
: أفضل الأيام يوم الجمعة، قال الشيخ 108: هو أفضل أيام الأسبوع102103104105106107
الجزء: 1 - الصفحة: 507
إجماعًا.
وأفضل الليالي ليلة القدر للآية 109، وهي ليلة معظمة، والدعاء فيها مستجاب، وسميت بذلك، لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، أو لعظم قدرها عند اللَّه تعالى، أو لضيق الأرض عن الملائكة التي تنزل فيها، وهي باقية لم ترفع، وتطلب في العشر الأواخر من رمضان، فهي مختصة بها عند أحمد وأكثر العلماء من الصحابة وغيرهم.
ذكره في "الفروع" 110. وأوتاره آكد، وأرجاها سابعته، نصًّا 111، وهو قول ابن عباس 112، وأبي بن كعب 113، وزر بن حبيش، لحديث معاوية مرفوعًا: "ليلة القدر [ليلة] 114 سبع وعشرين" 115. رواه أبو داود.
وسن كون من دعائه فيها، ما في حديث عائشة، قالت: يا رسول اللَّه، إنْ وافقتها فبمَ أدعو؟ قال: قولي: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" 116. رواه أحمد، وغيره.
وأماراتها: "أنها ليلة صافية بلجة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يُرمى فيها حتى تصبح، وتطلع الشمس من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها 117، وفي بعض الروايات: "مثل
الجزء: 1 - الصفحة: 508
الطست" 118، وفي بعضها: "مثل القمر ليلة البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" 119. ورمضان أفضل الشهور، وعشر ذي الحجة أفضل من العشر الأخير من رمضان ومن غيره.
الجزء: 1 - الصفحة: 509
فصل في الاعتكاف
وهو لغة: لزوم الشيء 120، ومنه ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ 121، وشرعًا: لزوم مسلم لا غسل عليه عاقل ولو كان مميزًا، مسجدًا، ولو ساعة من ليل أو نهار، لطاعة على صفة مخصوصة، كما يأتي 122.
(والاعتكاف سنة) كل وقت، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- ومداومته عليه، واعتكف أزواجه معه، وبعده، وهو في رمضان آكد، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وآكده عشره الأخير، لحديث أبي سعيد: "كنت أجاور هذا العشر، يعني الأوسط، ثم بدا لي أن أجاور هذا العشر الأواخر، فمن كان اعتكف معي فليلبث في معتكفه" 123، ولما فيه من ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر.
وإن نذر اعتكاف العشر الأخير، فنقص الشهر أجزأه، لا إن نذر عشرة أيام من آخر الشهر، فنقص، فيقضى يومًا.
(ولا يصح) الاعتكاف (ممَّن) أي من شخص (تلزمه) صلاة (الجماعة إلا بمسجد تقام فيه) أي الجماعة (إن أتى عليه صلاة) بخلاف من نذر اعتكاف ساعة مثلًا، في مسجد، في غير وقت صلاة، فلا يشترط كونه مما تقام فيه الجماعة.
الجزء: 1 - الصفحة: 510
(وشرط له) أي الاعتكاف (طهارة مما يوجب غُسلًا)، فلا يبطل بإغماء، ولا نوم، لبقاء التكليف.
(وإن نذره) أي الاعتكاف (أو) نذر (الصلاة في مسجد غير) المساجد (الثلاثة) وهي المسجد الحرام، ومسجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، والمسجد الأقصى (فله فعله في غيره) أي غير المسجد الذي عين الاعتكاف فيه (و) إن نذره (في أحدها) أي الثلاثة (فله فعله فيه وفي الأفضل) منه، (وأفضلها المسجد الحرام) وهو مسجد مكة (ثم مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم الأقصى) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" 124 رواه الجماعة، إلا أبا داود.
(ولا يخرج من اعتكف منذورًا) أي عن منذور (متتابعًا) لتقييده نذره بالتتابع، أو بنيته، أو إتيانه بما يقتضيه كشهر (إلا لما لابد) له (منه) كإتيانه بمأكل ومشرب، لعدم من يأتيه به، نصًا 125، وكغسل متنجس يحتاجه، وكبول وغائط، وطهارة واجبة، ولو قبل دخول وقت صلاة، لأنه لابد منه للمحدث، لحديث عائشة: "السنة للمعتكف ألا يخرج إلا لما لابد له منه" 126 رواه أبو داود.
الجزء: 1 - الصفحة: 511
وله المشي على عادته، فلا يلزمه مخالفتها في سرعة، وله قصد بيته إن لم يجد له مكانًا يليق به بلا ضرر ولا منَّة (ولا يعود) المعتكف (مريضًا، ولا يشهد جنازة، إلا بشرط) بأن يشترط عند النذر الخروج إلى ما لا يلزمه الخروج إليه منهن.
(ووطء) في (الفرج يفسده) أي الاعتكاف، ولو ناسيًا، لما روى حرب، عن ابن عباس: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه، واستأنف الاعتكاف 127، ولأن الاعتكاف عبادة تفسد بالوطء عمدًا، فكذلك سهوًا كالحج (وكذا إنزال بمباشرة) دون الفرج، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 128، فإن لم ينزل لم يفسد، كاللمس لشهوة.
(ويلزم) معتكفًا (لإفساده) أي اعتكافه (كفارة يمين) وجوبًا، لإفساد نذره، ولا يكفر لوطئه إن كان اعتكافه نفلًا كبقية النوافل.
(وسن) بتأكد أي: للمعتكف (اشتغاله بالقرب) كصلاة، وقراءة، وذكر (و) سن له (اجتناب ما لا يعنبه) لحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" 129. ولا بأس أن تزوره زوجته في المسجد، وتتحدث معه، بلا التذاذ بشيء منها، وله أن يتحدث مع من يأتيه ما لم يكثر.
ولا يسن له إقراء قرآن، ولا علم، ولا مناظرة فيه، ونحوه، مما يتعدى نفعه، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-كان يعتكف، فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به.
الجزء: 1 - الصفحة: 512
ويكره الصمت إلى الليل، وإن نذره لم يف به، لحديث: "لا صمات
يوم إلى الليل" 130 رواه أبو داود.
ويحرم جعل القرآن بدلًا من الكلام: كقولك لمن اسمه يحيى ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ 131 لأنه استعمال له في غير ما هو له.
وينبغي لمن قصد المسجد أن ينوي الاعتكاف مدة لبثه فيه، لاسيما إن كان صائمًا، ولا بأس أن يتنظف المعتكف، وكره له أن يتطيب، ويستحب له ترك رفيع الثياب، والتلذذ بما يباح له قبل الاعتكاف، وأن لا ينام إلا مع غلبة، ولو مع قرب ماء، وأن لا ينام مضطجعًا بل متربعًا مستندًا، ولا يكره شيء من ذلك، ولا أخذ شعره وأظفاره.
ولا يجوز البيع والشراء للمعتكف وغيره في المسجد، نصًّا 132، قال ابن هبيرة 133: منع صحته وجوازه أحمد.
قال في "الفروع" 134: والإجارة كالبيع.
الجزء: 1 - الصفحة: 513