الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 888-927

نصا 1؛ لأن المخرج أخرجه بقوة صاحبه ومعونته أو دخل أحدهما فقربه من النقب وأدخل الآخر يده فأخرجه، أو وضعه وسط النقب فأخذه الخارج منهما قطعًا لما سبق.
وإن رماه إلى الخارج أو ناوله إياه فأخذه أولا قطع الداخل منهما وحده؛ لأنه المخرج للنصاب فاختص القطع به.
وإن هتكه أحدهما وحده ودخل الآخر فأخرج المال فلا قطع عليهما؛ لأن الأول لم يسرق والثاني لم يهتك الحرز.
ومن هتك الحرز وأمر غير مكلف بإخراج النصاب فأخرجه قطع الآمر؛ لأن غير المكلف لا حكم لفعله.
ولو علم إنسان قردا أو نحوه السرقة فسرق قليلًا أو كثيرا فعلى معلمه الغرم دون القطع؛ لأنه لم يهتك الحرز.
(و) الشرط الخامس: (إخراجه) أي النصاب (من حرز مثله) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلا من مزينة سأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثمار فقال: ما أخذ من غير أكمامه واحتمل ففيه قيمته ومثله معه، وما كان من الجران 2 ففيه القطع إذا بلغ ثمن المجن" رواه أبو داود وابن

ماجه 1، وهو مخصص للآية فلو سرق من غير حرز فلا قطع.
(وحرز كل مال ما حفظ به) ذلك المال (عادة) لأن معنى الحرز: الحفظ، ومنه احترز من كذا 2، ويختلف الحرز باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته؛ لأنه لما ثبت بالشرع أعتباره من غير تنصيص على بيانه علم أنه رد ذلك إلى العرف؛ لأنه طريق إلى معرفته رجع إليه كما رجع إلى معرفة القبض والفرقة في البيع.
فحرز جوهر ونقد وقماش في الأبنية الحصينة المسكونة من البلد بدار ودكان = 1/ 447، وينظر: لسان العرب 13/ 87. وقال ابن الأثير في النهاية 1/ 263: "هو موضع تجفيف التمر، وهو له كالبيدر للحنطة".

وراء غلق وثيق من قفل خشب أو حديد، فإن كانت الأبواب مفتحة ولا حافظ فيها فليست حرزا، وإن كان فيها خزائن مغلقة فالخزائن حرز لما فيها.
وصندوق بسوق وثم حارس حرز، وحرز خشب وحطب الحظائر 1، وحرز ماشية من إبل وبقر وغنم الضمير جمع صيرة أي حظيرة الغنم 2، وحرز ماشية في مرعى براع يراها غالبًا فما غاب عن مشاهدته خرج عن الحرز، وحرز سفن في شط بربطها به على العادة، وحرز إبل باركة معقولة بحافظ حتى نائم، فإن لم تكن معقولة فبحافظ يقظان، وحرز بيوت بصحراء وبيوت في بساتين بملاحظ يراها إن كانت مفتوحة، وإن كانت مغلقة فبنائم فيها، وهذا خيمة وبيت شعر، وحرز ثياب في حمام وأعدال وغزل بسوق أو في خان 3 بحافظ يراها، كقعوده على متاع وتوسده، فإن فرط حافظه فنام أو اشتغل فلا قطع على سارق؛ لأنه لم يسرق من حرز وضمن حافظ معد للحفظ وإن لم يستحفظ لتفريطه، وأما من ليس معدا للحفظ كجالس بمسجد وضع عنده متاعه فلا ضمان عليه ما لم يستحفظ.
ويقبل صريحا ويفرط.
وحرز كفن مشروع بقبر على ميت، فمن نبش قبرًا وأخذ منه كفنا أو بعضه

يساوي نصابًا قطع لعموم الذي؛، وقول عائشة: "سارق أمواتنا كسارق أحيائنا" 1، وروي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا 2، فإن كان الكفن غير مشروع كان كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف والمرأة في أكثر من خمسة فسرق الزائد عن المشروع، أو ترك الميت في تابوت فأخذ التابوت، أو ترك معه طيب مجموع، أو نحو ذهب أو فضة فأخذ فلا قطع؛ لأنه سفه وإضاعة مال فلا يكون محرزا بالقبر، وهذا إن أكل الميت ونحوه وبقي الكفن فلا قطع على سارقه كما لو زال نائم بنحو مسجد عن ردائه ثم سرق، والكفن ملك للميت والخصم فيه الورثة لقيامهم مقامه، فإن عدموا فنائب الإِمام وإنه ولي من لا ولي له.
وحرز باب تركيبه بموضعه مفتوحا كان أو مغلقا لأنه العادة، وحرز حلقته بتركيبها فيه، وتأزير 3 وجدار وسقف كباب، ونوم على رداء ونعل برجل حرز، فيقطر سارقه إذا بلغ نصابًا، وكذا لو سرق باب الكعبة.

ولا يقطع بسرقة ستارة الكعبة الخارجة نصا 1، ولو كانت مخيطة عليها، ولا بسرقة قناديل مسجد وحصره ونحوهما مما هو لنفع المسلمين، كقفص يضعون نعالهم فيه وخابية 2 يشربون منها إن كان السارق مسلمًا؛ لأن له فيه حقًا كسرقته من بيت المال، فإن كان ذميًا قطع.
(و) الشرط السادس: (انتفاء الشبهة) فلا قطع بسرقة من مال عمودي نسبه ولا من مال له فيه شرك أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه، ولا بسرقة من غنيمة لأحد ممن ذكر فيها حق قبل القسمة، ولا بسرقة مسلم من بيت المال لقول عمر وابن مسعود: "من سرق من بيت المال فلا قطع، ما من أحد إلا وله في هذا المال حق" 3.

ولا قطع بسرقة سيد من مكاتبه وعكسه كقنه إذ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وروى ابن ماجه عن ابن عباس: "أن عبدًا من رقيق الخمس سرق من الخمس، فرفع إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يقطعه، وقال: مال اللَّه سرق بعضه بعضًا" 1. ولا قطع بسرقة زوج أو زوجة من مال الآخر ولو أحرز عنه، رواه سعيد عن عمر بإسناد جيد 2، ولأن كلا منهما يرث صاحبه بغير حجب وينبسط في ماله أشبه الولد مع الوالد، وكما لو منعها نفقتها.
ولا قطع بسرقة مسروق منه أو مغصوب منه مال سارق أو غاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة؛ لأن لكل منهما شبهة في هتك الحرز إذن لأخذ عين ماله، فإذا هتكه صار كأن المسروق من ذلك الحرز أخذ من غير حرز، وإن = وقول ابن مسعود -رضي اللَّه عنه - فلم أقف على غير ما أشير إليه في رواية عبد الرزاق.

سرقه من حرز آخر أو من مال من له عليه دين قطع؛ لأنه لا شبهة له في المال ولا الحرز لا إن سرق من مال مدينه بقدر دينه لعجزه عن استخلاصه بحاكم لإباحة بعض العلماء له الأخذ إذن، فإن سرق أكثر من دينه وبلغ الزائد نصابًا قطع.
ومن سرق عينا وادعى ملكها أو ملك بعضها لم يقطع، وسماه الشافعي: السارق الظريف 1؛ لأن ما ادعاه محتمل فهو شبهة في درء الحد، أو ادعى الإذن في دخول الحرز لم يقطع لما تقدم، ويأخذها مسروق منه بيمينه أنها ملكه وحده حيث لا بينة.
(و) الشرط السابع: (ثبوتها) أي السرقة (بشهادة عدلين) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 2 والأصل عمومه لكن خولف فيما فيه دليل خاص للدليل فبقي فيما عداه على عمومه، (يصفانها) أي السرقة في شهادتهما، وإلا لم يقطع؛ لأنه حد فيدرء بالشبة؛ كالزنا، ولا تسمع شهادتهما قبل الدعوى من مالك مسروق أو من يقوم مقامه.
(أو) بـ (إقرار) السارق (مرتين)؛ لأنه يتضمن إتلافا فاعتبر تكرار الإقرار فيه كالزنا، واحتج أحمد في رواية مهنا بما حكاه عن القاسم بن عبد الرحمن 3 عن

علي: "لا تقطع يد السارق حتى يشهد على نفسه مرتين" 1، (مع وصفـ) ـها، أي السرقة، فيصفها السارق في كل مرة لاحتمال ظنه وجوب القطع عليه مع فقد بعض شروطه، (ولا يرجع عن إقراره) 2 حتى يقطع، فإن رجع ترك، ولا بأس بتلقجنه الإنكار لحديث أبي أمية المخزومي 3: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتي بلص قد اعترف فقال: ما إخالك سرقت، قال: بلى، فأعاد عليه مرتين قال: بلى، فأمر به فقطع" رواه أبو داود 4. = ينظر: تهذيب الكمال 23/ 379 - 383، وسير أعلام النبلاء 5/ 195 - 196، وتقريب التهذيب ص 450.

(و) الشرط الثامن: (مطالبة مسروق منه أو) مطالبة (وكيله أو) مطالبة (وليه) إن كان محجورا عليه لحظه؛ لأن المال يباح بالبذل والإباحة فيحتمل إباحة مالكه إياه أو إذنه له في دخول حرزه ونحوه مما يسقط القطع، فإذا طالب رب المال به زال هذا الاحتمال وانتفت الشبهة.
= السرقة، السنن الكبرى 8/ 276، من طريق أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي به.
قال الألباني في الإرواء 8/ 79: "هذا إسناد ضعيف من أجل أبي المنذر هذا فإنه لا يعرف".
وأورد الحديث في ضعيف سنن النسائي ص 206.

فصل

(فإذا وجب) القطع (قطعت يده اليمنى) لقراءة ابن مسعود: ﴿اقطعوا أيمانهما﴾ 1 وهو إما قراءة أو تفسير سمعه من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يثبت في القرآن شيئًا برأيه، ولأنه قول أبي بكر وعمر 2، ولا مخالف لهما من الصحابة، ولأن السرقة جناية اليمنى غالبًا فتقطع (من مفصل كفه) لقول أبي بكر وعمر: "تقطع يمنى السارق من الكوع" 3، ولأن اليد تطلق عليها إلى الكوع، وإلى المرفق، وإلى المنكب، وإرادة ما سوى الأول مشكوك فيه فلا قطع مع الشك، (وحسمت) وجوبًا لقوله عليه السلام في سارق: "اقطعوه واحسموه" 4،

وحسمها بغمسها في زيت مغلي لتنسد أفواه العروق فينقطع الدم إذ لو ترك بلا حسم لنزف الدم فأدى إلى موته، وسن تعليقها في عنقه ثلاثة أيام إن رآه الإمام لتتعظ السراق به.
(فإن عاد) من قطعت يمناه إلى السرقة (قطعت رجله اليسرى من مفصل كعبه) وترك عقبة.
أما قطع الرجل فلحديث أبي هريرة مرفوعًا في السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله" 1، ولأنه قول أبي بكر 2 وعمر 3 ولا مخالف لهما من الصحابة، وأما كونها اليسرى فقياسا

على المحاربة، ولأنه أرفق به لأن المشي على الرجل اليمنى أسهل وأمكن له من اليسرى، وأما كونه من مفصل كعبه وترك عقبة فلما روي عن علي: "أنه كان يقطع من شطر القدم ويترك له عقبا يمشي عليها" 1 (وحسمت) لما تقدم في يده، وينبغي في قطعه أن يقطع بأسهل ما يمكن بأن يجلس ويضبط لئلا يتحرك فيجنى على نفسه، وتشد يده بحبل وتجر حتى يتيقن المفصل ثم توضع السكين وتحر بقوة ليقطع في مرة.
(فإن عاد) فسوق بعد قطع يده ورجله حبس حتى يتوب، ويحرم أن يقطع لما روي عن أبي سعيد المقبري 2 عن أَبيه عن جده قال: "حضرت علي بن أبي طالب أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين، قال: أقتله إذا وما عليه القتل بأي شيء يأكل الطعام؟ بأي شيء يتوضأ للصلوات؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ بأي شيء يقوم لحاجته؟ فرده إلى السجن أيامًا، ثم أخرجه فاستشار أصحابه فقالوا: مثل قولهم الأول، وقال لهم مثل ما قال أول مرة، فجلده جلدًا شديدا، ثم أرسله" رواه

سعيد 1، ولأن في قطع يده الأخرى تفويتا لمنفعة جنس اليد وذهاب عضوين من شق، وحكمة حبسه كله عن السرقة وتعزيره.
فلو سرق شخص ويمينه ذاهبة أو رجله اليسرى ذاهبة قطع الباقي منهما؛ لأن منفعة الجنس لا تتعطل بذلك وليسا من شق واحد، وإن كان الذاهب يده اليسرى ورجله اليمنى لم يقطع منه شيء لتعطيل منفعة الجنس وذهاب عضوين من شق بذلك القطع لو فعل، ولو كان الذاهب يديه أو يسراهما لم تقطع رجله اليسرى لذهاب عضوين من شق، ولو كان الذاهب رجليه أو يمناهما قطعت يمنى يديه لأنها الآلة ومحل النص ولا يذهب بقطعها منفعة جنسها، ولو ذهبت بعد سرقته يمنى يديه أو يسرى يديه أو مع رجليه أو أحدهما سقط القطع، أما في الأولى فلتلف محل القطع كما لو مات من عليه قود، وأما سقوطه في الثانية فلذهاب منفعة الجنس بقطع يمناه، وأما في الأخيرتين فكذلك وأولى.
والشلاء من يد أو رجل ولو أمن التلف بقطعها كمعدومة، وما ذهب معظم نفعها لمن يد أو رجل وإن ذهب منها ثلاث أصابع كمعدومة لا ما ذهب منها خنصر وبنصر فقط، أو ذهب إصبع سواهما.

وإن وجب قطع يمناه فقطع قاطع يسراه بلا إذنه عمدًا فعليه القود، وإلا يتعمد فعليه دية البدل؛ لأنه خطأ ولا تقطع يمنى السارق بعد قطع يسراه لئلا يفضي إلى تعطيل منفعة الجنس.
ويجتمع على سارق القطع والضمان؛ لأنهما حقان لمستحقين فجاء اجتماعهما كالدية والكفارة في قتل الخطأ فيرد ما سرقه لمالكه إن كان باقيًا؛ لأنه عين ماله، وإن تلف فعليه مثل مثلي وقيمة غيره كمغصوب ويعيد ما خرب من حرز لتعديه.
وعليه ثمن زيت حسم حفظًا لنفسه إذ لا يؤمن عليها التلف بدونه.
(ومن سرق ثمرا) أو طلعا أو جمارا (أو ماشية) في المرعى (من غير حرز غرم قيمته مرتين) لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سئل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الثمر المعلق فقال: من أصاب منه بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة 1 فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن تؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه أحمد وغيره 2، قال أحمد: لا أعلم شيئًا يدفعه 3، واحتج أحمد أَيضًا أن عمر: "غرم حاطب

بن أبي بلتعة 1 حين نحو غلمانه ناقة رجل من مزيتة مثلي قيمتها" رواه الأثرم 2، ولا تضعف قيمتها في غير ما ذكر، (ولا قطع) عليه لحديث رافع بن خديج 3 مرفوعا: "لا قطع في ثمر ولا كثر 4 " رواه أحمد وغيره (5)، فإن كانت الشجرة بدار محرزه قطع5

وأضعفت عليه قيمته مرتين لما تقدم.
(ومن لم يجد ما) أي شيئًا (يشتريه أو) ما (يشتري به زمن مجاعة غلاء لم يقطع بسرقة) قال جماعة: ما لم يبذل له ولو بثمن غال، وفي "الترغيب": ما يحيي به نفسه 1. = كتاب قطع السارق برقم (4961، 4965) المجتبى 8/ 87، ومالك، باب ما لا قطع فيه، كتاب الحدود برقم (1583) الموطأ ص 559، والشافعي في المسند 2/ 84، والدارمي، باب ما لا قطع فيه من الثمار، كتاب الحدود برقم (2304) سنن الدارمي 2/ 228، والبيهقي، باب القطع في كل ما له ثمن إذا سرق من حرز...، كتاب السرقة، السنن الكبرى 8/ 263، من طرق عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن رافع به.
قال الألباني في الإرواء 8/ 72: "هذا إسناد رجاله ثقات، لكنه منقطع بين ابن حبان ورافع".
وقد جاء الحديث موصلا من طريقين آخرين.
ينظر: الجامع الصحيح 4/ 42 - 43 برقم (1449)، والمجتبى 8/ 87 - 88 برقم (4966 - 4967)، وسنن ابن ماجه 2/ 865 برقم (2593)، والسنن الكبرى للبيهقي 8/ 263.

﴿فصل﴾ في حد قطاع الطريق

والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا...﴾ الآية 1، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: "نزلت في قطاع الطريق من المسلمين" 2 لقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ 3 والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة عليهم وقبلها، وأما الحد فلا يسقط بالتوبة بعد وجوبه.
وهم 4: المكلفون اللتزمون من المسلمين وأهل الذمة، -وينتقض به عهدهم- ولو كان المكلف أنثى -الذين يعرضون 5 للناس بسلاح ولو عصا أو حجرًا في صحراء أو بنيان أو بحر لعموم الآية، فيغصبون مالا محترما مجاهرة 6. (وقطاع الطريق) على أربعة (أنواع): -

أشار للأول بقوله: (فمن منهم قتل مكافئا أو غيره) أي غير مكافئ كما لو قتل من لا يقاد به لو قتله في غير المحاربة (كولد)، وكقن يقتله حر، وكذمي يقتله مسلم (وأخذ المال قتل) لوجوبه لحق اللَّه تعالى كالقطع في السرقة، (ثم صلب) قاتل (مكافئ) يقاد به لو قتله في غير المحاربة لقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (حتى يشتهر) ليرتدع غيره ثم يترك، ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن ولا يقطع مع ذلك؛ لأنه لم يذكر معهما في حديث ابن عباس الذي رواه عنه الشافعي بإسناده: "إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض" 1 وروي نحوه مرفوعًا 2، ولأن القتل والقطع عقوبتان تتضمن إحداهما الأخرى؛ لأن إتلاف

البدن يتضمن إتلاف اليد والرجل فاكتفي بقتله كما لو قطع يد إنسان ورجله ثم قتله في الحال.
ولو مات محارب أو قتل قبل قتله للمحاربة لم يصلب لعدم الفائدة فيه وهي اشتهار أمره في القتل في المحاربة؛ لأنه لم يقتل فيها.
ولا يتحتم قود فيما دون نفس على محارب، فلو قطع يدا أو رجلا ونحوهما فلولي الجناية القود والعفو؛ لأن القود إنما يتحتم إذا قتل؛ لأنه حد المحاربة بخلاف الطرف فإنه يستوفى قصاصا لا حدا.
وردء محارب أي مساعده ومعينه إن احتاج إليه وطليع يكشف له حال القافلة ليأتوا إليها كمباشر كاشتراك الجيش في الغنيمة إذا دخلوا دار الحرب وباشر بعضهم القتال ووقف الباقون للحراسة ممن يدهمهم من ورائهم، وكذا العين الذي يرسله ليعرف أحوال العدو وظاهره حتى في المال.
ولو قتل بعضهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم، وإن قتل بعض وأخذ المال بعض تحتم قتل الجميع وصلبهم كما لو فعل ذلك كل منهم.
والصورة الثانية: أشار إليها بقوله: (ومن قتل) من محارب (فقط) لقصد المال (قتل حتما ولا صلب) عليه لما تقدم عن ابن عباس، ولأن جنايتهم بالقتل وأخذ المال تزيد على جنايتهم بالقتل وحده فوجب اختلاف العقوبتين.
الصورة الثالثة: ما أشار إليها بقوله: (ومن أخذ المال فقط) فلم وأخذ نصابًا لا شبهة له فيه (قطعت يده) أي يد كل من المحاربين (اليمنى ثم رجله اليسرى في مقام واحد) حتما، ولا ينتظر بقطع أحدهما اندمال الآخر؛ لأنه تعالى أمر بقطعهما بلا تعرض لتأخير والأمر للفور، (وحسمتا) لحديث: "اقطعوه

واحسموه" 1، (وخلي) سبيله لاستيفاء ما لزمه.
فلو كانت يده 2 اليسرى مفقودة قطعت رجله اليسرى فقط، أو كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قود قطعت رجله اليسرى فقط لئلا تذهب منفعة جنس اليد، وإن عدم يمنى يديه لم تقطع يمنى رجليه بل يسراهما فقط كما تقدم.
وإن حارب ثانية بعد قطع يمنى يديه وشرى رجليه لم يقطع منه شيء لما تقدم في السارق 3، وقياسه أن يحبس حتى يتوب، وتتعين دية لقود لزم بعد محارية لتقديمها بسبقها، وكذا لو مات قبل قتله للمحاربة.
الصورة الرابعة: ما أشار إليها بقوله: (وإن أخاف السبيل فقط) فلم يقتل أحدًا ولا أخذ مالا (نفي وشرد) ولو قنا لقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ 4 فلا يترك يأوي إلى بلد حتى تظهر توبته، وتنفى الجماعة متفرقة كل إلى جهة لئلا يجتمعوا على المحاربة ثانيًا.
(وشرط) لوجوب حد المحارب ثلاثة شروط: - أحدها: (ثبوت ذلك) أي قطع الطريق (ببينة أو إقرار مرتين) كالسرقة.
(و) الثاني: (حرز) بأن يأخذه من يد مستحقه وهو بالقافلة، فلو وجده مطروحا أو أخذه من سارقه أو غاصبه أو منفردا عن قافلة لم يكن محاربًا.

(و) الثالث: (نصاب) يقطع به السارق.
(ومن تاب منهم) أي المحاربين (قبل القدرة عليه سقط عنه حق اللَّه تعالى) من صلب وقطع ونفي وتحتم قتل لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وكذا خارجي وباغ ومرتد ومحارب تاب قبل قدرة عليه، وأما من تاب منهم بعد قدرة عليه فلا يسقط عنه شيء مما وجب عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، (وأخذ بحق آدمي) طلبه من قصاص في نفس أو دونها وغرامة مال ودية ما لا قصاص فيه وحد قذف، وكذا يؤخذ غير حربي من ذمي ومعاهد ومستأمن أسلم بحق اللَّه تعالى إن وجب عليه حال كفره كنذر وكفارة لا حد زنا ونحوه، وحق آدمي طلبه كما قبل الإِسلام.
(ومن وجب عليه حق 1 للَّه) تعالى من حد سرقة أو زنا أو شرب (فتاب) منه (قبل ثبوته) عند حاكم (سقط) عنه بمجرد توبته قبل إصلاح عمله لقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)﴾ 2، وقوله بعد ذكر حد السارق: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39)﴾ 3، وقوله

عليه السلام: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" 1، ولإعراضه عليه السلام عن المقر بالزنا حتى أقر أربعًا، فإن ثبت عند الحاكم لم يسقط بالتوبة لحديث: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب" رواه أبو داود والنسائي 2.

(ومن أريد) أخذ (ماله) ولو قل (أو) أريدت (نفسه) أي قصدت لتقتل أو يفعل بها الفاحشة (أو) أريدت (حرمته) كامه وأخته أو زوجته ونحوهن لزنا أو قتل فله دفع المزيد بالأسهل، لئلا يؤدي إلى تلفه وأذاه وتسلط الناس بعضهم على بعض، فيفضي إلى الهرج والمرج، ولحديث أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار" رواه أحمد ومسلم 1. (و) إن (لم يندفع المريد إلا بالقتل أبيح) قتله (ولا ضمان) عليه لظاهر الخبر، ولا يضمن بهيمة سألت عليه ولم تندفع بدون قتل فقتلها دفاعا عن نفسه أو حرمته أو ماله كصغير ومجنون صائل بجامع الصول، ولا يضمن من دخل منزله متلصصا إن لم يندفع بدون قتل.
ويجب الدفع عن حرمته إذا أريدت نصا 2، فمن رأى مع امرأته أو ابنته ونحوهما رجلًا يزني بها أو مع ولده ونحوه رجلًا يلوط به وجب عليه قتله إن لم يندفع بدونه؛ لأنه يؤدي به حق اللَّه تعالى من الكف عن الفاحشة وحق نفسه بالمنع عن أهله فلا يسعه إضاعة الحقين.

وكذا يجب في غير فتنة الدفع عن نفسه وعن نفس غيره، ويجب الدفع عن حرمة غيره، وكذا عن ماله مع ظن سلامة الدافع والمدفوع وإلا حرم.
ومن عض يد شخص فانتزعها من فمه ولو بعنف فسقطت ثناياه فهدر لحديث عمران بن حصين: "أن رجلا عض رجلا فنزع يده من فمه، فوقعت ثناياه، فاختصموا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل، لا دية لك" رواه الجماعة إلا أبا داود 1، ولإتلافها لضرورة دفع شر صاحبها كالصائل.
ومن نظر في بيت غيره من خصاص 2 باب مغلق ونحوه ولو لم يتعمد لكن ظنه رب البيت متعمدًا فخذف عينه ونحوها فتلفت فهدر، وكذا لو طعنه بعود لا إن رماه بحجر كبير أو رشقه بسهم أو طعنه بحديدة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من اطلع في بيت ففقؤا عينه فلا دية ولا قصاص" رواه أحمد والنسائي 3، وفي

رواية: "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه" رواه أحمد ومسلم 1، ولأنه في معنى الصائل بخلاف مستمع وضع أذنه في خصاص 2 الباب فليس له قصد إذنه قبل إنذاره اقتصارا على مورد النص، ولأن النظر أبلغ من السمع، فإن أنذره فأبى فله طعنه كدفع الصائل.
= -صلى اللَّه عليه وسلم-: ما كان عليك جناح أراد به نفي القصاص والدية، كتاب الجنايات برقم (6004) الإحسان 13/ 351، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 199، والبيهقي، باب التعدي والاطلاع، كتاب الأشربة والحد فيها، السنن الكبرى 8/ 338، كلهم من طريق معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة به.
وإسناده صحيح على شرط مسلم كما في الإرواء 7/ 284. وأخرجه البخاري في صحيح 9/ 75 برقم (6888) ومسلم في صحيحه 3/ 1699 برقم (2158) وغيرهما من طريق الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: (لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح).

فصل

(والبغاة) أي أهل الجور والظلم والعدول عن الحق وهم: (ذوو شوكة يخرجون على الإِمام) ولو غير عدل (بتأويل سائغ) 1 ولو لم يكن فيهم مطاع، سموا بغاة لعدولهم عن الحق وما عليه أئمة المسلمين.
والأصل في قتالهم قوله تعالي: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 2 وحديث: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، ويفرق جماعتكم، فاقتلوه" رواه أحمد ومسلم 3، وعن ابن عباس مرفوعًا: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فميتته جاهلية" متفق عليه 4، وقاتل علي

أهل النهروان 1 فلم ينكره أحد، ومتى اختل شرط من ذلك فهم قطاع طريق.
ونصب الإِمام فرض كفاية لحاجة الناس إلى ذلك لحماية البيضة والذب عن الحوزة وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(فيلزمه) أي الإِمام (مراسلتهم) أي البغاة لأنها طريق إلى الصلح ورجوعهم إلى الحق، وروي أن عليًا راسل أهل البصرة قبل وقعة الجمل 2 ولما اعتزلته الحرورية 3 بعث إليهم عبد اللَّه بن عباس فواضعوه كتاب اللَّه ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة

آلاف 1، (و) يلزمه (إزالة ما يدعونه من شبهة) ليرجعوا إلى الحق، (و) إزالة ما يدعونه من (مظلمة)؛ لأنه وسيلة للصلح المأمور به لقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، فإن نقموا مما لا يحل فعله أزاله، وإن نقموا ما يحل فعله لالتباس الأمر فيه عليهم فاعتقدوا مخالفته للحق بين لهم دليله وأظهر لهم وجهه، لبعث علي ابن عباس للخوارج لما تظاهروا بالعبادة والخشوع وحمل المصاحف في أعناقهم يسألهم عن سبب خروجهم، وبين لهم الحجة التي تمسكوا بها في قصة مشهورة 2. (فإن فاؤوا) أي رجعوا عن البغي وطلب القتال تركهم (وإلا) يفيئوا (قاتلهم قادر) لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 3، ويجب على رعيته معونته لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْر

مِنكُمْ} 1 وحديث أبي ذر مرفوعًا: "من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" رواه أحمد وأبو دواد 2 "وربقة الإسلام -بفتح الراء وكسرها 3 - استعارة لما يلزم العنق من حدود الإسلام وأحكامه.
فإن استنظروه مدة ورجى فيئتهم أنظرهم وجوبًا حفظًا لدماء المسلمين، وإن خاف مكيدة فلا.
ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه المقاتل وغيره والمال كمنجنيق ونار، ويحرم استعانة عليهم بكافر؛ لأنه تسليط له على دماء المسلمين إلا لضرورة، كعجز أهل الحق عنهم، وكفعلهم بنا إن لم نفعله بهم، فيجوز رميهم بما يعم إتلافه إذا فعلوه بنا لو لم نفعله، ويحرم أخذ مالهم؛ لأنه مال معصوم، ويحرم أخذ ذريتهم وقتلهم لأنهم معصومون لا قتال منهم ولا بغي، ويحرم قتل مدبرهم وجريحهم ولو من نحو

خوارج إن لم نقل بكفرهم، وروى سعيد عن مروان 1 قال: "صرخ صارخ لعلي يوم الجمل: لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح 2، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" 3 وعن عمار 4 نحوه 5، وكالصائل، ولأنه قتل من لم يقاتل قال في

"المستوعب" 1: "المدبر من انكسرت شوكته لا المتحرف إلى موضع".
ومجرم قتل من ترك القتال، ولا قود في قتل من يحرم قتله منهم للشبهة ويضمن بالدية لأنه معصوم.
ويكره لعدل قصد رحمه الباغي كأخيه وعمه بقتل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ 2 وقال الشافعي: "كف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أبا حذيفة بن عتبة 3 عن قتل أَبيه".
4 وتباح الاستعانة على البغاة بسلاح أنفسهم وخيلهم وعبيدهم وصبيانهم لضرورة فقط، ومن أسر منهم ولو صبيًا أو أنثى حبس حتى لا شوكة ولا حرب دفعًا لضررهم عن أهل العدل.

وإذا انقضت الحرب فمن وجد منهم ماله بيد غيره أخذه، ولا يضمن بغاة ما أتلفوه حال حرب على أهل عدل كما لا يضمن أهل عدل ما أتلفوه لبغاة حال حرب؛ لأن عليًا لم يضمن البغاة ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال 1، قال الزهري: "هاجت الفتنة وأصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- متوافرون، فأجمعوا أن لا يقاد أحد ولا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه 2، ذكره أحمد في رواية الأثرم محتجًا به".
3، ويضمنان ما أتلفاه في غير حرب.
وما أخذ البغاة حال امتناعهم من خراج وزكاة وجزية اعتد به لدافعه لهم، فلا يؤخذ منه ثانيًا إذا ظفر به أهل العدل؛ لأن عليًا لما ظفر على أهل البصرة لم يطالبهم بشيء مما جباه البغاة 4 وكان ابن عمر وسلمة بن الأكوع يأتيهم ساعي نجدة الحروري 5 فيدفعون إليه

زكاتهم 1، ولأن في ترك الاحتساب بذلك ضررا عظيمًا على الرعايا، ويقبل بلا يمين ممن عليه زكاة دعوى دفع زكاة إليهم كدعوى دفعها إلى الفقراء، ولأنها حق للَّه تعالى فلا يستحلف عليها كالصلوات، ولا يقبل دعوى دفع خراج أو جزية إليهم إلا ببينة؛ لأن كلا منهما عوض، والأصل عدم الدفع، وهم في شهادتهم وإمضاء حكم حاكمهم كأهل العدل؛ لأن التأويل السائغ في الشرع لا يفسق به الذاهب إليه، أشبه المخطئ من الفقهاء في فرع، فيقضى بشهادة عدولهم ولا ينقض حكم حاكمهم إلا ما خالف نص كتاب أوسنة أو إجماعًا، ويجوز قبول كتابه وإمضائه إن كان أهلا للقضاء، وأما الخوارج وأهل البدع إذا خرجوا عن الإِمام فلا تقبل لهم شهادة ولا ينفذ لقضائهم حكم لفسقهم.
وإن استعانوا بأهل ذمة أو أهل عهد انتقصن عهدهم وكانوا كلهم أهل حرب لقتالهم لنا كما لو انفردوا به.

فصل

وإن أظهر قوم رأي الخوارج كتكفير مرتكب الكبيرة وسب الصحابة ولم يخرجوا عن قبضة الإِمام لم يتعرض لهم لما روي: أن عليًا كان يخطب فقال رجل من باب المسجد: لا حكم إلا للَّه تعريضا بالرد عليه في ما كان من تحكيمه فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد اللَّه أن تذكروا فيها اسم اللَّه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال 1 وتجري الأحكام عليهم كأهل العدل، وإن صرحوا بسب إمام أو سب عدل عزروا كغيرهم.
ومن كفر أهل الحق والصحابة واستحل دماء المسلمين بتأويل فهم خوارج بغاة فسقة قدمه في "الفروع" 2، قال الشيخ تقي الدين: "نصوصه صريحة على عدم كفر الخوارج والقدرية 3 والمرجئة 6 وغيرهم، وإنما45

كفر الجهمية (1) لا أعيانهم (2) قال: وطائفة تحكي عنه روايتين في تكفير أهل البدع مطلقًا حتى المرجئة والشيعة المفضلة لعلي، وعن الإِمام أحمد أيضا: أن الذين كفروا أهل الحق والصحابة واستحلوا دماء المسلمين بتأويل أو غيره كفار (5) قال34 =

المنقح: وهو أظهر.
انتهى 1، وقال في "الإنصاف" 2: وهو الصواب والذي ندين اللَّه به انتهى.
وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان تضمن كل منهما ما أتلفت على الأخرى.

﴿فصل﴾ في حكم المرتد

وهو لغة: الراجع 1، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ 2. (والمرتد) شرعًا: (من كفر) بنطق أو اعتقاد أو فعل أو شك (طوعا ولو) كان (مميزًا) أو هازلا (بعد إسلامه) 3 ولو كان إسلامه كرها بحق، كما لا تقبل منه الجزية إذا قوتل على الإسلام فأسلم ثم ارتد.
وأجمعوا على وجوب قتل المرتد إن لم يتب 4، لحديث ابن عباس مرفوعًا: "من بدل دينه فاقتلوه" رواه الجماعة إلا مسلمًا 5، وروي عن

أبي بكر وعمر 1 وعثمان 2 وعلي 3 ومعاذ بن جبل 4 وخالد بن الوليد 5 وغيرهم، وسواء الرجل والمرأة لعموم الخبر، وروى الدارقطني: "أن امرأة يقال لها؛ أم مروان ارتدت عن الإسلام، فبلغ أمرها إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمر أن تستتاب، فإن تابت، وإلا قتلت" 6 وحديث النهي عن قتل المرأة الكافرة 7 [فالمراد به الأصلية] 8؛ لأنه = 4065) المجتبى 7/ 104 - 105، وابن ماجة، باب المرتد عن دينه، كتاب الحدود برقم 2535، سنن ابن ماجة 2/ 848، وأحمد برقم 1874، المسند 1/ 358.

قاله حين رأى امرأة مقتولة وكانت كافرة أصلية، ويخالف الكفر الأصلي الطارئ إذ المرأة لا تجبر على ترك الكفر الأصلي بضرب ولا حبس بخلاف المرتدة.
(فمتى ادعى النبوة) أو صدق من ادعاها كفر؛ لأنه مكذب للَّه تعالى في قوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ 1، ولحديث: "لا نبي بعدي" 2، وفي الخبر: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، كلهم يزعم أنه رسول اللَّه" 3، (أو سب اللَّه) تعالى، (أو) سب (رسوله) كفر؛ لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد به، (أو جحده) أي جحد ربوبيته أو وحدانيته، (أو) جحد (صفة من صفاته) ذاتية له كالعلم والحياة كفر، (أو) جحد (كتابًا) للَّه تعالى، (أو رسولا) مجمعًا عليه، أو ثبت بتواتر الآحاد كخالد بن سنان 4، (أو) جحد (ملكًا) للَّه

تعالى، (أو) جحد وجوب (إحدى أبي في أن الخمس) المشار إليها بقوله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" 1، ومثلها الطهارة فيكفر من جحد وجوبها وضوءا كان أو غسلا أو تيمما.
(أو) جحد (حكمًا ظاهرا) بين المسلمين، بخلاف فرض السدس لبنت الابن مع بنت الصلب (مجمعًا عليه) إجماعًا قطعيا لا سكوتيا؛ لأن فيه شبهة، كجحد تحريم زنا أو لحم خنزير، وكجحد 2 حل خبز ونحوه كلحم مذكاة بهيمة الأنعام والدجاج، أو شك في ذلك، ومثله لا لمجهله لكونه نشأ بين المسلمين أو كان يجهل مثله وعرف وأصر (كفر) لمعاندته للإسلام وامتاعه من قبول الأحكام.
= عنه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "ذاك نبي أضاعه قومه".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، فإن أبا يونس الذي روى عن عكرمة هو حاتم بن أبي صغيرة، وقد احتجا جميعا به".
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 214 عن ابن عباس قال: (ذكر خالد بن سنان عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: ذاك بني ضيعه قومه) وعزاه للبزار والطبراني، ثم قال الهيثمي: "وفيه قيس بن الربيع وقد وثقه شعبة والثوري، لكن ضعفه أحمد مع ورعه وابن معين".
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 2/ 215 - 216: خالد بن سنان: العبسي، كان رجلا صالحا له أحوال وكرامات قبل مبعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

جارٍ التحميل