الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 57-96

فصل

و(يجوز المسح على خف ونحوه) كجرموق 1 وجورب (و) على (عمامة ذكرٍ محنكة، أو ذات ذؤابة و) على (خُمُر نساء مدارةٍ تحت حلوقهن) وهو رخصة، وهو أفضل من الغسل، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه إنما طلبوا الفضل.
وعنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن اللَّه يحب أن يؤخذ برخصة" 2. وفيه مخالفة أهل البدع 3. والرخصة لغة: السهولة 4. وشرعًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجحٍ.
وضدها: العزيمة وهي لغة: القصد المؤكد.
وشرعًا: ما ثبت بدليل شرعي خال عن معارض راجح 5. وهما وصفان للحكم الوضعي.
(و) يجوز المسح (على جبيرة) جمعها: جبائر، نحو أخشاب تربط على نحو كسر، سميت بذلك تفاؤلًا بالجبر (لم تجاوز قدر الحاجة) أي: ما تحتاج

إليه في ربطها (إلى حلِّها) والمسح عليها عزيمة لا رخصة، فيجوز بسفر المعصية كالتيمم.
(وإن جاوزته) أي قدر الحاجة (أو وضعها على غير طهارة لزم نزعها) ليغسل ما تحتها (فإن خاف الضرر) بنزعها (تيمم) لما زاد عن موضع الحاجة، أو وُضع على غير طهارة (مع مسح موضوعة على طهارة) فيجمع حينئذ بين غسل الصحيح، ومسح قدر الحاجة، والتيمم لما زاد عن موضع الحاجة.
أو وضع على غير طهارة.
(ويمسح) على غير جبيرة (مقيم وعاص بسفره من حدث بعد لبس يومًا وليلة و) يمسح (مسافر سفر قصر) مباح، ولو عصى في سفره (ثلاثة أيام بلياليها) من حدثٍ بعد لبس (فإن مسح في سفر ثم أقام أو عَكَسَ) بأن مسح في حضر ثم سافر، (فكمقيم) لا يزيد عن يوم وليلة.
(وشُرط) لصحة مسح الخُفِّ ونحوه (تقدم كمال طهارة) بالماء، لحديث المغيرة بن شعبة قال: كنت مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات ليلة في سفرٍ، فأفرغت عليه من الإداوة، فغسل وجهه، وغسل ذراعيه، ومسح رأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما".
متفق عليه 1. وعنه -أيضًا- قال: قلنا: يا رسول اللَّه أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: "نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان".
رواه الحميدي 2 في "مسنده" 3.

وألحق بالخف باقي الحوائل.
(و) شُرط (ستر ممسوح) من نحو خُفٍّ (محلَّ فرض) فلو ظهر منه شيء وجب الغسل، ولم يجز المسح، إذ لا يجمع بين البدل والبدل في محلٍّ واحدٍ.
وكما لو غسل إحدى الرجلين فيجب غسل الأخرى، ولو كان الستر بمخرق أو مفتق، وينضم بلبسه، (و) شرط (ثبوته بنفسه) من غير شدٍّ، فإن لم يثبت إلا بشده، لم يجز المسح عليه لفقد شرطه (و) شرط (إمكان مشي به عرفًا) فلا يصح المسح على ما لا يمكن المشي به، (و) شرط (طهارته) أي: الممسوح خفّا كان أو غيره، فلا يصح المسح على نجس العين (و) شرط (إباحته) فلا يصح المسح على نحو مغصوبٍ، وإن خاف بنزعه سقوط أصابعه من نحو بردٍ، لأن المسح رخصة، فلا تباح بالمعصية، كما لا يستبيح المسافر الرخصر بسفر المعصية.
وكذا حريرٌ وذهب ونحوه لرجل 1. (ويجب مسح أكثر دوائر عمامة) لأنها أحد الممسوحين على وجه البدل، فأجزأ مسح بعضه كالخفِّ (وأكثر ظاهر قدم خُفٍّ) ونحوه كجرموق، وجورب جعلا للأكثر كالكُلِّ، ولا يُسَنُّ استيعابه.
(و) يجب مسح (جميع جبيرة) لحديث أبي داود في صاحب الشَّجَّة: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعضد، أو يعصب على جرحه خرقة، ويمسح عليها، ويغسل سائر جسده" 2. (وإن ظهر بعض محلِّ فرضٍ أو تمَّت المدة) وهي اليوم والليلة للمقيم، والثلاثة للمسافر سفرًا مباحًا (استأنف الطهارة) لأن طهارته مؤقتة، فبطلت بانتهاء وقتها، كخروج وقت الصلاة في حق المتيمم.

فصل في نواقض الوضوء

(نواقض الوضوء) جع ناقضة، بمعنى ناقض، إن قيل: لا يجمع فاعل وصفًا مطلقًا على فواعل إلا ما شذَّ، هذا إذا كان الوصف لعاقلٍ أما إذا كان لغيره، فيجمع من غير شذوذ.
قاله شيخنا -أيده اللَّه تعالى- 1 وهي -أي: نواقض الوضوء- أي: مفسداته (ثمانية) بالاستقراء.
أحدها (خارج من سبيل مطلقًا) قُبُلًا كان أو دُبُرًا، قليلًا كان أو كثيرًا، طاهرًا كالريح، ونحو ولد بلا دم، أو نجسًا كالبول والغائط.
(و) الثاني (خارج من بقية البدن من بول وغائط) سواء كان قليلًا أو كثيرًا (و) خارج (كثير نجس غيرهما) أي: البول والغائط، كدمٍ وقيح وصديد وقيء.
(و) الثالث (زوال عقل) بسكر أو إغماء أو نوم، (إلا يسير نوم من قائم) لم يستند، (أو قاعد) لم يستند، ولم يحتبِ، ولم يتكئ، لحديث أنس: كان أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينتظرون العشاء الأخيرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤن.
رواه أبو داود 2. وإن رأى رؤيا، فهو كثير، وإن خطر بباله شيء لا يدري أرؤيا أم حديث نفس، فلا نقض.

(و) الرابع (غسل الميت) مسلمًا كان أو كافرًا، صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى، أو غسل بعضه.
والغاسل: هو مَنْ يقلب الميت ويباشره.
لا من يصب الماء، ولا ينتقض وضوءه إن يمَّمه.
(و) الخامس (أكل لحم إبل) ولو نيئًا، لحديث البراء بن عازب، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: "نعم".
قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: "لا".
رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي 1. وذلك تعبدًا، فلا نقض ببقية أجزائها كسنامها، وقلبها، وكبدها، وطحالها، وكرشها، ومصرانها، ورأسها، وكوارعها، ومرق لحمها، لأن ذلك لا يُسمى لحمًا، ولا يحنث به من حلف لا يأكل لحمًا.
(و) السادس (الرِّدة) عن الإسلام، نعوذ باللَّه من ذلك، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ 2، وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الطهور شطر الإيمان" 3. والردة تبطل الإيمان.
(و) كذلك (كل ما أوجب غسلًا) أوجب الوضوء (غير موت) فإنه يوجب الغسل، ولا يوجب الوضوء.
(و) السابع (مس فرج آدمي متصل) لا منفصل، فلا نقض بمسه (أو حلقة دبره) أي: الآدمي (بيده)، بلا حائل، لحديث بُسْرةَ بنت صفوان -مرفوعًا-: "من مس فرجه فليتوضأ".
رواه أحمد ومالك والشافعي 4.

وسواء كان الفرج أو حلقة الدبر من ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير.
(و) الثامن (لمس ذكر أو أنثى الآخر لشهوة بلا حائل فيهما) أي في لمس الذكر الأنثى، والأنثى الذكر، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ 1، وخُصَّ بما إذا كان لشهوة جمعًا بين الآية والأخبار، لحديث عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: فقدت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ليلة من الفراش، فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدمه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان.
رواه مسلم 2. ونصبهما دليل على أنه يصلي.
وعنها -رضي اللَّه عنها- "كنت أنام بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، رجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي" متفق عليه 3. والظاهر أنه (بلا حائل) لأن الأصل عدمه.
لا لمس الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر (لشعر وسن وظفر ولا) نقض باللمس (بها) أي المذكورة من الشعر والسن والظفر (ولا) نقض بلمس صغير (مَنْ دون سبع) سنين، لأنه ليس محلًا للشهوة.
(ولا ينتقض وضوء ملموس مطلقًا) من ذكر أو أنثى ولو وجد شهوة.
(ومن شك في طهارة) بعد تيقن حدث (أو) شك (في حدث) بعد تيقن طهارة، ولو كان شكه في حين صلاةٍ (بنى على تيقنه) لحديث عبد اللَّه بن زيد: شُكي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل يحيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة.
فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" متفق عليه 4. = "ذكره".
وقد صحح الحديث الإمام أحمد، وابن معين، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم.
ينظر: "التلخيص الحبير" (1/ 131).

واليقين: ما أذعنت 1 النفس للتصديق به، وقطعت به بأن قطعها صحيح.
قاله الموفق في مقدمة "الروضة" 2. وإن تيقن الحدث والطهارة معًا وجهل أسبقهما، فإن جهل حاله قبلهما تطهر.
وإن علمهما فهو على ضدها، فإن كان متطهرًا فهو إذ ذاك محدث، وإن كان محدثًا فهو متطهر.
(وحُرِّم على مُحدث مس مصحف) لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)﴾ 3، ولحديث عبد اللَّه [بن أبي بكر بن محمد] 4 بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن كتابًا، وفيه: "لا يمس القرآن إلا طاهر" رواه الأثرم 5، والنسائي، والدارقطني 6 متصلًا، واحتج به أحمد.
ورواه مالك مرسلًا 7.

ويحرم مس جلده وحواشيه وما فيه من ورق أبيض، لأنه يشمله اسم المصحف، ويدخل في بيعه بلا حائل.
ولا يرم حمله بعلَّاقة وفي كيس، وتصفُّحُهُ بكُمِّه أو بعود.
ولا يحرم مس تفسير قرآن لأنه لا يسمى مصحفًا.
ويجوز للصبي أن يمس لوحًا فيه قرآن من محل خال من الكتابة.
ويحرم مس المصحف بعنصر متنجس.
وتوسُّدُه، ويكره مد رجله إليه واستدباره.
(و) حُرِّم على محدث (صلاة) لحديث ابن عمر -مرفوعًا- "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول".
رواه الجماعة إلا البخاري 1، وسواء في ذلك الفرض والنفل، وصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وسجود الشكر، ولا يكفر من صلى محدثًا 2. = ثقات.
اهـ أما النسائي فقد روى الكتاب في "سننه" كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول (8/ 57) عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده... فذكره، ولم يأتِ فيه ذكر لمس المصحف.
وأخرجه الإمام مالك في "الموطأ" كتاب القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مسَّ القرآن (1/ 199) عن عبداللْه بن أبي بكر بن حزم، أن في الكتاب الذي كتبه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمرو بن حزم... الحديث.
وقد صححه الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه.
وللحديث شواهد يتقوى بها.
ينظر: "مسائل الإمام أحمد" للمروزي (ص 5)، و"التلخيص الحبير" (1/ 140)، و"إرواء الغليل" (1/ 158 - 161).

(و) حُرِّم على محدث (طواف) بالبيت المعظم، فرضًا كان أو نفلًا، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام".
رواه الشافعي 1. (و) حُرِّم (على جنبٍ ونحوه) كحائض ونفساء (ذلك) أي: الصلاة والطواف، ومس المصحف.
(و) حُرِّم عليه -أيضًا- (قراءة آية قرآن) فأكثر، لحديث علي -رضي اللَّه عنه- كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يحجبه -وربما قال- لا يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة.
رواه ابن خزيمة 2، والحاكم، والدارقطني، وصححاه 3. = شرعية مستحلًّا لذلك فهو كافر.
ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره.
اهـ

(و) حُرِّم عليه -أيضًا- (لبث في مسجد بغير وضوء) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ 1 وهو الطريق.
وعن جابر: كان أحدنا يمر في المسجد جنبًا مجتازًا.
رواه سعيد بن منصور 2. وسواء كان المرور لحاجة أم لا.
ومن الحاجة كونه طريقًا قصيرًا.
لكن كره أحمد اتخاذه طريقًا 3. وأما المتوضئ، فيجوز له اللبث فيه، لما روي عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤا وضوء الصلاة 4. إسناده صحيح، قاله في "المبدع" 5. = منه.
ينظر: "التلخيص الحبير" (1/ 147)، وقال الحافظ في "الفتح" (1/ 408): رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان.
وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة.
اهـ وقد خالفهم غيرهم، فقال الشافعي: أهل احديث لا يثبتونه.
وقال الخطابي: كان أحمد يوهم هذا الحديث.
وقال النووي في "الخلاصة": خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا احديث.
ينظر: "التلخيص الحبير" (1/ 147) وهو الصحيح، لأن مدار احديث على عمرو بن مُرَّة عن عبد اللَّه بن سلمة عن علي.
وابن سَلِمَة تغير حفظه في آخر عمره، ولم يدركه عمرو إلا بعد ذلك.
ينظر: "المنتقى" لابن الجارود (ص 52، 53) و"مختصر السنن" للمنذري (1/ 156) و"إرواء الغليل" (2/ 241).

وقال الشيخ تقي الدين 1: وحينئذٍ فيجوز أن ينام في المسجد كغيره 2.

فصل في أحكام الغسل

(موجبات الغسل) الأحداث التي توجب الغسل باعتبار أنواعه (سبعة) إحداها (خروج المنيِّ من مخرجه) المعتاد ولو دمًا (بلذة) من غير نائم ومغمى عليه.
وأما النائم ونحوه فبمجرد خروجه، ولو لم يجد لذة.
(و) الثاني من موجبات الغسل (انتقاله) أي المني، فيجب الغسل على الرجل لمجرد إحساس انتقال منيِّه عن صلبه.
والمرأة بانتقاله من ترائبها، لأن الجنابة تباعد الماء عن مواضعه وقد وجد ذلك 1. (و) الثالث [من] 2 موجبات الغسل (تغييب حشفة) أو قدرها من

مقطوعها (في فرج) أصلي (أو دُبُر) لأنه فرج (ولو) كان الفرج (لبهيمة أو ميت) أو طير 1 (بلا حائل) لانتفاء التقاء الختانين مع الحائل، لأنه هو الملاقي للختان 2.

(و) الرابع (إسلام كافر) ولو مرتدًّا، ذكرًا أو أنثى أو خنثى، حديث قيس بن عاصم، أنه أسلم فأمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يغتسل بماء وسدر.
رواه أحمد، وغيره 1. (و) الخامس (موت) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اغسلنها" 2، وذلك تعبدًا لا من حدث، لبقاء سببه، ولا عن نجاسة، لتعذر طهارة عين النجاسة 3. (و) السادس (حيض) ويأتي حكمه في بابه، وانقطاعه شرط لصحة الغسل.
(و) السابع خروج دم (نفاس) فلا غسل لولادة عرت منه 4، ولا = -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا التقى الختانان... " اهـ فعلى ذلك يجب الغسل بعد الجماع بالحائل الرقيق المانع المصنوع من البلاستيك ونحوه، ولو لم ينزل.
فإن أنزل وجب الغسل للإنزال.
واللَّه أعلم.

يحرم بها وطءٌ، ولا يفسد بها صوم، والولد طاهر، ومع الدم يجب غسله.
(وسُنَّ) الغسل (لـ) صلاة (جمعة) في يومها لذكرٍ حَضَرَها ولو لم تجب عليه، لحديث أبي سعيد -مرفوعًا- "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من جاء منكم [الجمعة] فليغتسل" متفق عليهما 1، وقوله: "واجب" أي: متأكد الاستحباب، ويدل على عدم وجوبه ما روى الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل".
رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي 2. وسُنَّ الغسل لغسل ميت، (و) لصلاة (عيدٍ) لحاضرها، لحديث ابن عباس أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يغتسل يوم الفطر والأضحى.
رواه ابن ماجه 3. = لأن اللَّه طهَّرها من دم الحيض والنفاس.
اهـ فائدة: أشار العلماء قديمًا إلى ما يعرف الآن بالعملية القيصرية، وبينوا حكم الولادة بها.
قال ابن الهمام في "شرح فتح القدير" (1/ 186):... لو وَلَدَتْ من قبَلِ سُرَّتها، بأن كان ببطنها جرح، فانشقت وخرج الولد منها، تكون صاحبة جرح سائل، لا نفساء، وتقضي به العدة.
وتصير الأمة أمَّ ولدٍ به... اهـ

(و) سُنَّ الغسل لصلاة (كسوف و) لصلاة (استسقاء) قياسًا على الجمعة والعيد، بجامع الاجتماع لهما.
(و) سُنَّ الغسل لإفاقةٍ من (جنون، وإغماء لا احتلام فيهما) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- اغتسل للإغماء.
متفق عليه 1. ولأنه لا يأمن أن يكون احتلم ولم يشعر.
والجنون في معناه بل أبلغ، فإن أنزل فالغسل واجب.
(و) سُنَّ الغسل لـ (استحاضة لكل صلاة) لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- به أمَّ حبيبة لما استحيضت، فكانت تغتسل لكل صلاة.
متفق عليه 2. (و) سُنَّ الغسل لـ (إحرام، و) لـ (دخول مكة و) لدخول (حرمها) أي (3/ 278) وقد ضعفه -أيضًا- الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (1/ 87) لكن جاءت الآثار الصحيحة عن السلف في إثبات الغسل للعيدين.
ففي "المصنف" لابن أبي شيبة (2/ 181)، والفريابي في "أحكام العيدين" (ص 79) عن نافع أن ابن عمر كان يغتسل للعيدين.
إسناده صحيح.
وثبت عن عليٍّ ذلك من قوله -أخرجه اليهقي في "سننه" (3/ 278) وينظر -أيضًا- "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (5/ 49)، و"أحكام العيدين" (ص 78 - 97)، و"مصنف" عبد الرزاق (3/ 308 - 310).

مكة، (و) لـ (وقوف بعرفة) روي ذلك عن علي، وابن مسعود 1، (و) لـ (طواف زيارة) وهو طواف الإفاضة (و) لطواف (وداع) للبيت، (و) لـ (مبيت بمزدلفة، و) لـ (رمي جار) في كل يوم من أيام الرمي.
(وتنقض المرأة شعرها لـ) غسل (حيض) وجوبًا، لحديث عائشة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لها: "إذا كنت حائضًا خذي ماءك وسدرك وامتشطي" ولا يكون المشط إِلا في شعر غير مضفور، وللبخاري "انقضي شعرك وامتشطي" 2.

(و) تنقضه لـ (نفاس)، و (لا) تنقضه لى (جنابة إذا روَّت أصوله)، فيعفى عن نقضه فيها؛ لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، بخلاف الحيض والنفاس.
(وسُنَّ توضؤ بمُدٍّ) من ماءٍ بمدِّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 1، لحديث أنس أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع.
متفق عليه 2. (و) سُنَّ (اغتسال بصاع) وهو أربعة أمداد 3. (وكره إسراف) في وضوء وغسل، وهو الزيادة الكثيرة، ولو على نهر = (2/ 139) و"شرح منتهى الإرادات" (1/ 82)، و"فتح الباري" للحافظ ابن حجر (1/ 418).

جار، لحديث ابن ماجة، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مر بسعد وهو يتوضأ، فقال: "ما هذا السرف؟ " فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: "نعم وإن كنت على نهر جارٍ" 1. ولا يكره إسباغ في وضوء أو غسل بدون ما ذكر لحديث عائشة -رضي اللَّه عنها- أنها كانت تغتسل هي والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من إناء واحد يَسعُ 2 ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك.
رواه مسلم 3. والإسباغ تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه فلا يكفي مسحه.
(وإن نوى) مغتسل (بالغسل رفع الحدثين) أي: الأكبر والأصغر (أو لحدث وأطلق) فلم يقيده بالأكبر ولا بالأصغر (ارتفعا) 4 بخلاف لو عيَّنَ واحدًا منهما، فلا يرتفع غيره.
(وسُنَّ لجنب) لم يغتسل في الحال (غسل فرجه، والوضوء لأكل، وشرب، ونوم، ومعاودة وطءٍ) لما روى في المتفق عليه، أن عمر سأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: يرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد" 5. (والغسل لها) أي لما ذكر من الأكل، والشرب، والنوم، ومعاودة الوطء

(أفضل) لأنه أزكى وأطيب وأطهر، كما رواه أحمد وأبو داود -رضي اللَّه عنه- حديث أبي رافع 1. (وكُره نوم جنب بلا وضوء) لمخالفته للسنة.
تذنيب: قد تقرر أن الوضوء يسنُّ بالمد، والغسل بالصاع، وحررت الصاع بأنه أربعة أمداد.
فتحتاج إلى تحرير المد وهو بالمثاقيل: مائة وعشرون مثقالًا، وبالأرطال: رطل وثلث بالعراقي، والرطل العراقي بالدراهم: مائة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، إذا عرفت ذلك عرفت مقدار 2 بقية الأرطال.

فصل في التيمم

(يصحُّ) أي (التيمم) والتيمم لغة: القصد 1، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 2، وقال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 3 أي اقصدوا.
وشرعًا: استعمال تراب مخصوص، في وجه ويدين 4. وهو بدل طهارة ماء عند عدم ماء، أو عند عدم القدرة على استعماله.
ويصح بشروط ثمانية: نيّة، وعقل، وتمييز، واستئجاء، ودخول وقت لصلاة فرض أو إباحة غيرها، وتعذر استعمال الماء، وكونه بتراب طهور كما يأتي تخصيصه في المتن في قول المصنف (بتراب) متعلّق بـ (يصحُّ) فلا يصح برمل، أو نُورةٍ، أو جصٍّ 5، أو نحت حجارة ونحوها 6 (طهور) فلا يصح بنجس، ولا

بما تناثر من يدي المتيمم ووجهه؛ لأنه استعمله في طهارة أباحت الصلاة، أشبه الماء المستعمل في طهارة واجبة 1. وإن تيمم جماعة من موضع واحد صح، كما لو توضؤوا من حوض يفترقون منه.
(مباح) فلا يصح التيمم بتراب مغصوب، كالوضوء به (له غبار) يعلق باليد، لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ 2، وما لا غبار له لا يمسح بشيء منه.
ولا يصح بمحترق كالمدقوق من نحو خزفٍ 3؛ لأن الطبخ أخرجه من أن يقع عليه اسم التراب.
(إذا عدم الماء لحبس أو غيره) كقطع عدوٍ ماء بلده، أو عجز عن تناوله (أو خيف باستعماله أو طلبه ضرر ببدن) من جرح فيه، أو من برد شديد، ولم يجد ما يسخن به الماء، ولم يتمكن من استعماله على وجه لا ضرر فيه، (أو) خيف باستعماله ضرر بـ (مال) كأن يجده يباع زائدًا على ثمن المثل زيادة غير يسيرة (أو) خيف (غيرهما) أي غير الضرر في البدن والمال، كخوف فوت رفقته، ونحو ذلك (ويُفعل) أي التيمم، بالبناء للمفعول (عن 4 كل ما = و"بدائع الفوائد" (3/ 251) و (4/ 89)، و"زاد المعاد" (1/ 200).

يفعل بالماء) لأنه بدله، إِلا ما استثني بقوله: (سوى نجاسة على غير بدن) فلا يصح التيمم عنها كعلى ثوب وبقعة، إذْ لا نصَّ فيه ولا قياس يقتضيه.
وأما النجاسةُ على البدن فيصح التيمم لها بعد تخفيفها ما أمكن، والاعتبار بصحة التيمم كما مر آنفًا (إذا دخل وقت فرض) فلا يصح أن يتيمم لفرضٍ قبل وقته، بخلاف الوضوء بالماء إذا (أبيح غيره) أي غير الفرض فلا يصح أن يتيمم لصلاة عيد ما لم يدخل وقتها، ولا لفريضة فائتة إِلا إذا ذكرها وأراد فعلها، ولا لصلاة كسوف قبل وجوده، ولا لصلاة استسقاء ما لم يجتمعوا لها، ولا لصلاة جنازة إِلا إذا غسل الميت، ولا لنافلة في وقت نهي 1.

(وإن وجد) محدث (ماءً لا يكفي لطهارته استعمله) فيما يكفي وجوبًا، (ثم تيمم.
ويتيمم للجرح عند غسله) لو كان صحيحًا؛ لئلا يفوت الترتيب (إن لم يمكن مسحه بالماء) فإن أمكن مسحه بالماء بأن كان الجرح طاهرًا ولا ضرر في مسحه، وجب مسحه بالماء وأجزأ، لأن المسح بعض الغسل، وقد قدر عليه، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 1. كمن عجز عن الركوع أو السجود، وقدر على الإيماء.
(ويغسل الصحيح) بعد مسح الجريح.
(وطلب الماء شرط) لصحة التيمم.
فلو تيمم قبله لم يصح تيممه (فإن نسي قدرته عليه) أي الماء 2، أو جهله بموضمع يمكنه استعماله ولو مع عبده 3 (وتيمم أعاد) لأن الطهارة تجب مع العلم والذِّكر، فلا تسقط بالنسيان، كمصلٍّ محدثًا ناسٍ لحدثه، وكمصلٍّ عريانًا ناسٍ للسترة، ومكفرٍ بصومٍ ناسٍ للرقبة 4. = و"الروض المربع" (1/ 356 - 357).

(وفروضه) أي التيمم أربعة في الجملة.
أحدها: (مسح وجهه) ومنه 1 اللحية، لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ 2 سوى ما تحت شعر ولو كان خفيفًا، وسوى داخل فمٍ وأنفٍ.
ويكره إدخال التراب فمه وأنفه لتقذيره.
(و) الثاني مسح (يديه إلى كوعيه) لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ 3 وإذا عُلِّق حكم بمطلق اليدين لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج.
ولحديث عمار قال: بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في حاجة فأجنبت فلما أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرت ذلك له.
فقال: "إنما يكفيك أن تقوك بيديك هكذا"، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه.
متفق عليه 4. الثالث والرابع (وفي) حدث (أصغر ترتيب وموالاة أيضًا..) لا في حدث أكبر، أو نجاسة على بدن، فلا يجب ترتيب وموالاة؛ لأن التيمم مبني = كالصيام في الظهار، ولأنه سبب للصلاة مختص بها، فلزمه الاجتهاد في طلبه عند الإعواز كالقبلة.
ووجه الرواية الأخرى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "التراب كافيك ما لم تجد الماء" ولأنه غير عالم بوجود الماء قريبًا منه، فاشبه ما لو طلب فلم يجد.
ولأن قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا...﴾ يقتضي عدم الوجدان مطلقًا عن قيد الطلب فيعمل بإطلاقه.
ينظر: "المغني" (1/ 313)، و"الشرح الكبير" (2/ 197). تنبيه: اشتراط طلب الماء إنما هو للمسافر في الفلوات.
أما من كان في العمران أو في قربها وجب عليه مطلقًا.
هذا هو الظاهر من كلام الأصحاب.

على طهارة الماء، وهما فرضان في الوضوء دون ما سواه.
والموالاة هنا بقدرها في وضوء.
(ونية الاستباحة شرط لما يتيمم له) من صلاة أو طواف فرضًا أو نافلًا أو غيرهما من حدث أصغر أو أكبر، أو نجاسة ببدن، ويكفيه لها تيمم واحد وإن تعددت مواضعها.
فإن نوى رفع حدثه لم يصح تيممه؛ لأنه مبيح لا رافع.
وكذا من هو محدث حدثًا أصغر أو أكبر لا يكفيه التيمم عن واحد إِلا بنية عنهما.
وكذا نجاسة على بدن لابد من تعيينها مع تعيين الحدث في نية التيمم.
(ولا يصلي به) أي التيمم (فرضًا إن نوى نفلًا) لأن من تيمم لشيء استباحه فما دونه على ما يستباح بالتيمم: فرض عين، فنذر، ففرض كفاية، فنافلة، فطواف فرض، فطواف نفلٍ، فمس مصحف، فقراءة قرآن، فلبث بمسجدٍ.
(أو أطلق) النية لصلاة، أو طواف، ولم يعين فرضًا ولا نفلًا، لم يستبح إِلا النفل فقط 1. (ويبطل) التيمم، حتى تيمم جنب لقراءة القرآن، ولبث بمسجدٍ، وتيمم حائض لوطءٍ (بخروج الوقت) لقول علي -رضي اللَّه عنه- التيمم لكل صلاة 2. فلو تيمم وقت الصبح بطل تيممه بعد طلوع الشمس.
وكذا

لو تيمم بعد الشروق بطل بالزوال (و) يبطل التيمم -أيضًا- بـ (مبطلات الوضوء) الثمانية (وبوجود ماءٍ) مقدور على استعماله بلا ضرر، وعلى ما تقدم 1 (إن تيمم لفقده) أي الماء.
(وسُنَّ لراجيه تأخير) للصلاة (لآخر وقت مختار) لا إلى وقت الضرورة.
(ومن عدم الماء والتراب) كمن حبس بمحل لا ماء فيه ولا تراب، (أو لم يمكنه استعمالها) أي: الماء والتراب كمن به قروح أو جراحات لا يستطيع معهما مس البشرة.
أو به مرض يعجزه عن استعمال الماء والتراب، ولا ثم من يطهر بأحدهما (صلى الفرض فقط) دون النوافل (على حسب حاله) لأن الطهارة شرط، فلم تؤخر الصلاة عند عدمه (ولا إعادة) على من عَدِمَ الماء والتراب، أو عجز عن استعماله لهما فصلى على حسب حاله؛ لأنه أتى بما أمر به فخرج من عهدته (ويقتصر على مجزئ) فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يستفتح، ولا يتعوذ، ولا يبسمل، ولا يسبح زائدًا على المرة الواحدة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة لركوع وسجود أو جلوس بين السجدتين.
وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد نهض أو سلَّم في الحاله؛ لأنها صلاة ضرورة فتقيدت بالواجب إذ لا ضرورة للزائد (ولا يقرأ في غير صلاة إن كان جنبًا) لأن قراءته في الصلاة ضرورة 2. = وابن عمرو وابن عمر.
وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في "الفتاوى" (21/ 437) إلى ضعف هذه الآثار.
قال ابن التركماني في "الجوهر النقي على سنن البيهقي" (1/ 221) على أثر عليٍّ المذكور: وفي سنده رجلان: الحجاج بن أرطأة، قال البيهقي: لا يحتج به... مشهور بالتدليس قاله الدارقطني.
والثاني: الحارث الأعور.
قال الشعبي: كان كذابًا.
اهـ بتصرف.

فصل في إزالة النجاسة الحكمية

1 (تطهر أرض) تنجست، وأجرنة حمام ونحوه.
جمع جُرْنٍ -قال في "القاموس"، الجرن بالضم حجر منقور يتوضأ منه، انتهى 2 - صغار مبنية أو كبار مطلقًا (ونحوها) أي: الأرض، والأجرنة، كأحواض وحيطان (بإزالة عين النجاسة) الجرمية، (و) بإزالة (أثرها) كاللون والريح (بالماء) ولو من غسلة واحدة؛ لحديث أنس قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره النَّاس، فنهاهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلما قضى بوله أمر بذنوب 3 من ماء، فأهريق عليه".
متفق عليه 4.

(و) يطهر (بول غلام لم يأكل طعامًا بشهوة، وقيئه، بغمره به) أي بالماء وإن لم يقطر منه شيء، ولا يحتاج إلى مرسٍ 1 وعصر، لحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل طعامًا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأجلسته في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله.
متفق عليه 2. ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح 3 من بول الذكر".
رواه أبو داود 4. وعلم منه أنه يُغْسل من الغائط مطلقًا، ومن بول الأنثى، والخنثى، ومن بول الصبي إذا أكل الطعام لشهوة، فإن كان لغير شهوة نُضِحَ، لأنه قد يَلْعَقُ العسل ساعة يولد.
والنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حنَّك بالتّمر 5. (وغيرهما) أي الأرض ونحوها، وبول الغلام وقيؤه، يطهر (بسبع غسلات أحدها بتراب ونحوه) كأشنان وصابون ونخالة (في نجاسة كلب أو خنزير فقط)، أو متولد منهما (مع زوالها)، لحديث مسلم عن أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا أولاهن بالتراب" 6. = كتاب الطهارة (1/ 236 - 237).

ولا يكفي تراب نجس ولا مستعمل، وأما سائر النجاسات غير المتنجس بالكلب والخنزير، فيكفي في تطهيرها سبع غسلات من غير تراب إذا زالت عين النجاسة 1. (ولا يضر بقاء لون أو ريح) من النجاسة (أو هما) أي اللون والريح (عجزًا) عن إزالتهما دفعًا للحرج.
(وتطهر خمرة انقلبت بنفسها خلًّا) لأن نجاستها لشدّتها المسكرة الحادثة لها وقد زالت من غير نجاسة خلفتها، كالماء الكثير يزول تغيره بنفسه، بخلاف النجاسات العينية.
ولا تطهر إن وُضِعَ فيها شيء يخللها أو نقلت لأجل التخليل، خبر النهي عن تخليلها 2، فلا تطهر إذن.

(وكذا دنُّها) وهو: وعاؤها 1 يطهر بطهارتها، لأن من لازم الحكم بطهارتها الحكمُ بطهارته.
ولا يطهر إناء طهر ماؤه بزوال تغيره بنفسه أو بإضافة أو نزح، لأن الأواني وإن كانت كبيرة لا تطهر إِلا بسبع غسلات 2، فإن انفصل عنه الماء حسب غسلة، ثم تُكمَّل 3، ولا يطهر الإناء بدون إراقته (لا دهنٌ) متنجس فلا يطهر بحال؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- سئل عن السمن يقع فيه الفأرة.
فقال: "إن كان مائعًا فلا تقربوه" رواه أبو داود 4. ولو أمكن تطهيره = داود في الأشربة، باب ما جاء في الخمر تخلل (4/ 82 - 83) واللفظ له.

لما أمر بإراقته 1. (و) لا يطهر (متشرب نجاسة) أي بنجاسة من حبٍّ 2 وعجين ولحم تشرَّبها بغسلٍ، لأنه لا يستأصل أجزاء النجاسة ممّا ذكر.
ولا تطهر أرض اختلطت بنجاسة ذات أجزاء متفرقة، كالرمم 3 والدم إذا جفَّ، والروث إذا اختلط بأجزاء الأرض، فلا تطهر بالغسل، لأن عينها لا تنقلب، بل تطهر بإزالة أجزاء المكان، بحيث يتيقن زوال أجزاء النجاسة.
= في ذلك، وهو نفسه اضطربت روايته في هذا الحديث إسنادًا أو متنًا... إلخ.
انتهى وقال ابن القيم في "التهذيب" (5/ 337)، ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة، صحح الحديث جماعة، وقالوا: هو على شرط الشيخين، وحكي عن محمد بن يحيى الذهلي تصحيحه.
ولكن أئمة الحديث طعنوا فيه، ولم يروه صحيحًا، بل رأوه خطأ محضًا.
اهـ

ولا تطهر سكين سُقيت النجاسة بغسلها.
قال أحمد في العجين: يطعم النواضح 1، ولا يطعم لشيء يؤكل في الحال، ولا يحلب لبنه، لئلا يتنجس به ويصير كالجلّالة 2. ولا يطهر صقيلٌ كسيفٍ ومرآة بمسح 3. ولا تطهر أرض بشمس وريح وجفاف 4. ولا تطهر نجاسة بنارٍ، فرمادها ودخانها نجس.
ولا تطهر نجاسة باستحالة.
فالمتولد منها نجس، كدود جرح، وصراصر كنف، وكالكلب يلقى في المملحة فيصير ملحًا 5.

(وعُفي في غير مائع و) في غير (مطعوم عن يسير دم نجس) لا كثير (ونحوه) أي الدم، كالقيح، والصديد لتولدهما منه، فهما أولى بالعفو منه (من حيوانٍ طاهرٍ) في الحياة، لا نجس، لأنه لا يعفى عن يسير فضلاته، كعرقه وريقه، فدمه أولى (لا دم سبيل) قُبُل أو دُبُر، فلا يعفى عن شيءٍ منه، لأن حكمه حكم البول والغائط (إِلا) دم (من حيضٍ) أو نفاسٍ فيعفى عن يسيره؛ لأنه يشق التحرز منه.
(وما لا نفس له سائلة) كالعقرب، والخنفساء، والعنكبوت، والنحل، والزنبور، والدود من طاهر (وقمل وبراغيث وبعوضٌ ونحوها) كالذباب والنمل (طاهرة مطلقًا) سواء كانت حية أو ميتة.
(ومائع مسكر) نجس خمرًا كان أو نبيذًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى قوله ﴿رِجْسٌ﴾ 1، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام".
رواه مسلم 2، ولأن النبيذ شراب فيه شدة مطربة أشبه الخمر، وكذا الحشيشة المسكرة، قاله في "شرح المنتهى" 3 لمصنفه 4. = ومواردها، بل وأصل الثواب والعقاب.
وعلى هذا فالقياس الصحيح تعدية ذلك إلى سائر النجاسات إذا استحالت.
وقد نبش النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبور المشركين من موضع مسجده، ولم ينقل التراب... إلخ وقد ذكر أدلة مفيدة في تقرير هذا القول والانتصار له.
ينظر: "الإنصاف" (2/ 299)، و"الفتاوى" (21/ 70)، و"إعلام الموقعين" (2/ 14)، و"بدائع الفوائد" (3/ 119 - 120).

(وما لا يؤكل من طير وبهائم مما فوق الهر خلقةً) نجس كالعقاب، والصقر، والحدأة، والبومة، والنسر، والرَّخم، وغراب البين والأبقع، والفيل والبغل، والحمار والأسد، والنمر والذئب، والفهد والكلب، والخنزير وابن آوى، والدب والقرد، وما تولد منها.
(ولبن ومني من غير آدمي) ومن غير مأكول اللحم نجس.
ومن الآدمي ومن مأكول اللحم طاهر (وبول وروث ونحوها) كالدم والقيح والصديد والقيء (من غير مأكول اللحم نجسة) ولا يعفى عن شيء منها.
ويعفى عن يسير من دم، وما تولد منه من حيوان طاهر في الحياة، كالهر والفأر في غير مائع وفي غير مطعوم، كما تقدم 1 (ومنه) أي من مأكول اللحم (طاهرة) جميع فضلاته (كممّا لا دم له سائل) وعرق وريق من حيوان طاهر في الحياة.
والبلغم من صدر أو رأس أو معدة طاهر، ولو ازرقَّ.
(ويعفى عن يسير طين شارع عرفًا) أي في العرف (إن علمت نجاسته) بيقين، (وإلا) فإن ظنَّت (فطاهر) عملًا بالأصل.
= "شذرات الذهب" (10/ 571) و"السحب الوابلة" (2/ 854) و"درر الفوائد المنتظمة" (1852).

فصل في الحيض

الحيض لغة: السيلان.
مصدر حاض، مأخوذ من حاض الوادي إذا سال.
وتحيضت المرأة قعدت أيام حيضها عن نحو صلاة 1. ومن أسمائه: الطمث، والعراك، والضحك، والإعصار، والإكبار، والنفاس، والفراك، والدراس 2. واستحيضت المرأة استمر بها الدم بعد أيامها.
وشرعًا: دم طبيعة وجُبلة -بضم الجيم وكسرها- أي سجيّة وخلقة جبل اللَّه بنات آدم عليها، ترخيه الرحم، يعتاد أنثى إذا بلغت في أوقات معلومة 3. و(لا حيض مع حمل) نصًّا 4، لحديث أبي سعيد -مرفوعًا- في سبي أوطاس 5: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض".
رواه أحمد، وأبو داود 6. فجعل الحيض علمًا على براءة الرحم، فدل على

أنه لا يجتمع معه.
وقال عليه الصلاة والسلام لما طلق ابن عمر زوجته وهي حائض: "ليطلقها طاهرًا أو حاملًا" 1 فجعل الحمل علمًا على عدم الحيض كالطهر، احتج به أحمد 2. وقال: إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم 3. ولأنه زمن لا يُرى فيه الدم غالبًا فلم يكن ما تراه حيضًا، كالآيسة، فإذا رأت دمًا فهو دم فساد، فلا تترك له الصلاة، ولا يمنع زوجها = السبايا (2/ 614) قال الحاكم في "المستدرك" (2/ 195): صحيح على شرط مسلم.
اهـ وقال الزيلعي في "نصب الراية" (4/ 556): وأعله ابن القطان بشريك القاضي.
اهـ وقال ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (1/ 617): إسناده حسن، وكذا قال الحافظ في "التلخيص" (1/ 182). وينظر: "إرواء الغليل" (1/ 200).

من وطئها.
ويستحب أن تغتسل عند انقطاعه نصًّا 1. (ولا بعد خمسين سنة) لقول عائشة -رضي اللَّه عنها-: إذا بلغت المرأة خمسين سنة، خرجت من حد الحيض 2. وعنها -أيضًا-: لن ترى المرأة في بطنها ولدًا بعد الخمسين 3. (ولا قبل تمام تسع سنين) تحديدًا؛ لأنه لم يوجد من النساء من تحيض قبل هذا السن، ولأنه خلق لحكمة تربية الولد، وهذه لا تصلح للحمل، فلا توجد فيها حكمته.
وروي عن عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة 4. وروي مرفوعًا عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- 5. والمراد حكمها حكم المرأة،

فمتى رأت دمًا يصلح أن يكون حيضًا حكم بكونه حيضًا، وببلوغها.
وإن رأته قبل هذا السن! يكن حيضًا 1. (وأقلُّه) أي: وأقل زمن يصلح أن يكون دم حيض (يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر) يومًا بلياليها، لقول علي: ما زاد على خمسة عشر استحاضة، وأقل 2 الحيض يوم وليلة 3 4. (وغالبه ست أو سبع) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لحمنة: "تحيضي في علم اللَّه ستة أيام، أو سبعة، ثم اغتسلي، وصلي أربعة وعشرين يومًا كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات" 5.

(وأقل طهر بين حيضتين ثلاثة عشر) يومًا.
روى أحمد عن علي -واحتج به- أن امرأة جاءته وقد طلقها زوجها، فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حيض.
فقال علي لشريح: قل فيها.
فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أههلها ممن يرضى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة.
فقال علي: قالون -أي جيد بالرومية- 1 قال أحمد: لا يختلف أن العدة يصح أن تنقضي في شهر إذا قامت به البينة 2، وغالبه بقية الشهر، فمن تحيض ستة أيام، أو سبعة من الشهر، فغالب طهرها أربعة وعشرون، أو ثلاثة وعشرون 3. = حنبل: هو حديث حسن صحيح.
اهـ وينظر: "فتح الباري" لابن رجب (2/ 63، 64، 161، 162).

جارٍ التحميل