الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 311-350

كالتمتام الذي يكرر التاء 1، وكمن لا يفصح ببعض الحروف، أو يصرع أحيانًا.
وإن ترك الإمام ركنًا، أو شرطًا مختلفًا فيه مقلدًا، صحت صلاته، ومن صلى خلفه معتقدًا بطلان صلاته أعاد، ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.
ومن اقتدى بمن لا يعرف حاله، لم يجب البحث عن كونه قارئًا، عملًا بالغالب، فإن قال بعد سلامه: سهوت عن الفاتحة، لزمه ومن معه الإعادة.
وكره أن يؤم رجل امرأة أجنبية فأكثر، لا رجل فيهن ولا ذات محرم، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن خلوة الرجل بالمرأة 2، أو أن يؤم قومًا وهم له كارهون بحق، لخلل في دينه أو فضله، لحديث أبي أمامة: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون" 3 رواه الترمذي.
فإن كرهوه بغير حق لم يكره أن يؤمهم.
ولا تكره إمامة ولد زنا، أو لقيط 4، أو منفي بلعان، وخصي، وجندي، وأعرابي، إذا سلم دينهم وصلحوا لها، لعموم حديث: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه" 5، وقالت عائشة في ولد الزنا: "ليس عليه من وزر أبويه شيء" قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ

أُخْرَى 1} 2 ولا بأس أن يأتم متوضئ بمتيمم لأنه متطهر، والمتوضئ أولى، ويصح ائتمام مؤدي صلاة بقاضيها وعكسه، إذا اتفقتا في الاسم، لا مفترض بمتنفل، ويصح العكس، لحديث: "ألا رجل يتصدَّق على هذا فيصلي معه" 3. (وسن وقوف المأمومين) اثنان فأكثر (خلف الإمام) لأنه عليه الصلاة والسلام كان إذا قام إلى الصلاة تقدم، وقام أصحابه خلفه 4، إلا إمام العراة، فيقف بينهم وسطًا وجوبًا، إن لم يكونوا عميًا أو في ظلمة، وإلا امرأة أمت نساءً، فتقف وسطًا بينهن ندبًا، روي عن عائشة 5، ورواه سعيد عن أم سلمة 6، ولأنه أستر لها.
(والواحد) يقف (عن يمينه) أي: الإمام (وجوبًا) "لإدارته -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن عباس، وجابرًا إلى يمينه لما وقفا عن يساره" رواه مسلم 7. قال في "المبدع" 8: ويندب تخلفه قليلًا، خوفًا من التقدم، ومراعاة للمرتبة، فإن

بان عدم مصافته له، لم تصح صلاته.
(والمرأة) تقف (خلفه) أي الإمام ندبًا، لحديث أنس: "أن جدَّته مُلَيْكةَ دعتْ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لطعام صنعته، فأكل ثم قال: قوموا لأصلِّي لكم.
فقمت إلى حصير قد اسودَّ من طُول ما لبث، فنضحته بماء، فقام عليه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقمت أنا واليتيم وراءه، وقامت العجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين، ثم انصرف" 1 رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
وإن أمَّ خنثى امرأة وقفت خلفه، لاحتمال أن يكون ذكرًا، فإن أمت أنثى أنثى، فعن يمينها، وإن وقفت المرأة عن يمين الإمام، صحت صلاتها، وصلاة من خلفها من الصفوف إن كان.
(ومن صلى) مأمومًا (عن يسار الإمام مع خُلُوِّ يمينه، أو) صلى (فذًّا ركعة) فأكثر (لم تصح صلاته)، لأنه خالف موقفه، "لإدارته -صلى اللَّه عليه وسلم- ابن عباس وجابرًا، لما وقفا عن يساره" 2، فإن كان عن يمينه أحد صحت عن يساره -أيضًا-.
وأما الفذ 3 فلا تصح صلاته، سواء كان عالمًا أو جاهلًا أو ناسيًا أو عامدًا، لحديث وابصة بن معبد: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا يصلي خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة" 4 رواه الإمام أحمد، والترمذي وحسنه،

[ورواه] 1 ابن ماجه، ورجاله ثقات.
وعن علي بن شيبان -مرفوعًا-: "لا صلاة لفرد خلف الصف" 2 رواه أحمد وابن ماجه، وإن ركع فذًّا لعذر كخوف فوت الركعة، ثم دخل الصف قبل سجود الإمام صحت صلاته، أو ركع فذًّا لعذر، ثم وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت أيضًا، لأن أبا بكرة -واسمه نفيع- ركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل الصف، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "زادك اللَّه حرصًا ولا تعد" 3. رواه البخاري، وفعله زيد بن ثابت، وابن مسعود 4، فإن لم يكن له عذر لم تصح، لأن الرخصة وردت في المعذور فلا يلحق به غيره.
(وإذا جمعهما) أي: الإمام والمأموم (مسجدٌ، صحت القدوة مطلقًا)، سواء رأى الإمام، أو رأى من وراءه، أو لم يره (بشرط العلم بانتقالات الإمام) ليتمكن من متابعته، وإن لم يجمعهما مسجد، كما إذا كان الإمام في المسجد والمأموم خارجه، أو بالعكس (شرط رؤية الإمام أو) رؤية (مَنْ وراءه أيضًا)، فلا يكفي سماع التكبير إذًا، (ولو) كانت الرؤية للإمام، أو مَنْ وراءه (في بعضها) أي: الصلاة.
وإن كان بين الإمام والمأموم نهر تجري فيه السفن، لم تصح، أو كان بينهما طريق ولم تتصل فيه الصفوف حيث صحت [فيه] 5 كجمعة، وعيد، = الصف وحده (1/ 321)، قال الترمذي: حديث حسن.
اهـ ونقل الحافظ في "الفتح" (2/ 268) تصحيحه عن أحمد وابن خزيمة.
اهـ.

وجنازة، ونحوها، للضرورة، لم تصح، للآثار 1، فإن اتصلت الصفوف حيث صحت فيه، صحت، أو كان المأموم في غير شدة خوف في سفينة، وإمامه بأخرى غير مقرونة بها، لم يصح الاقتداء.
(وكره علو إمام على مأموم) لحديث أبي داود، عن حذيفة -مرفوعًا-: "إذا أمَّ الرجل القوم، فلا يقومنَّ في مكان عال أرفع من مكانهم" 2 ومحل الكراهة إذا كان ارتفاعه (ذراعًا فأكثر) لا دونه، كدرجة منبر، فلا يكره، لحديث سهل بن سعد: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جلس على المنبر في أول يوم وضع، فكبر وهو عليه، ثم ركع، ثم نزل القهقرى، فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال: يا أيها الناس إنما فعلت ذلك؛ لتأتموا بي ولتتعلموا صلاتي" متفق عليه 3. (ولا بأس) بالعلو (لمأموم، ولو كان كثيرًا) كما لو صلى على سطح والإمام تحته، لما روى الشافعي عن أبي هريرة أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الإمام 4، (ولا) يضر (قطع الصف) خلف الإمام وعن يمينه (إلا) إذا كان (عن يساره، بقدر مقام ثلاثة) رجال فتبطل صلاته.
قلت: ظاهر عبارات الأصحاب أن ذلك إذا كان عن يسار الإمام في الصف الذي يقف فيه الإمام، بخلاف قطع الصف الذي خلفه من يساره فلا يضر، ولم أقف على من صرح بذلك.
(و) كره (صلاته) أي: الإمام (في محراب يمنع مشاهدته) روي ذلك

عن ابن مسعود، وغيره 1، فيقف عن يمين المحراب، نصًّا 2، إن لم يكن حاجة، وإن لم يمنع مشاهدته لم يكره.
(و) كره (تطوعه) أي: الإمام (موضع المكتوبة) نصًّا 3، لحديث المغيرة بن شعبة -مرفوعًا-: "لا يصلِّ الإمام في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة، حتى يتنحى عنه" 4 رواه أبو داود، ولأن في تحوله إعلامًا بأنه صلى، فلا ينتظر.
(و) كره لإمام (إطالته الاستقبال بعد السلام) إن لم يكن ثَم نساء، لحديث عائشة: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام" 5 رواه مسلم، ويستحب للمأموم أن لا ينصرف قبله؛ للخبر 6. (و) كره (وقوف مأموم بين سوار تقطع الصفوف عرفًا) لقول عمر: "كنا نتقي هذا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-" 7 رواه الإمام أحمد، وغيره، قال

أحمد: لأنه يقطع 1. فإن كان الصف صغيرًا قدر ما بين الساريتين، لم يكره (إلا لحاجة في الكل) من قوله: (وكره علو إمام) إلى هنا.
(وينحرف إمام إلى مأموم) بعد صلاته استحبابًا؛ لحديث سمرة: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صلى صلاة، أقبل علينا بوجهه" 2 رواه البخاري، (جهة قصده) إن قصد جهة (وإلا عن يمينه) فتلي يساره القبلة.
(و) كره (حضور مسجد و) حضور (جماعة لمن رائحته كريهة، من بصل أو غيره)، كثوم، وكراث، (وفجل حتى يذهب ريحه) للخبر 3، ولو لم يكن بالمسجد أحد لتأذي الملائكة، ويستحب إخراجه.
وفي معناه من به نحو صُنان 4 أو جُذام 5. ومن الأدب وضع إمام نعله عن يساره، ومأموم بين يديه، لئلا يؤذي.

فصل في صلاة أهل الأعذار

(ويعذر بترك جمعة وجماعة مريض) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما مرض تخلف عن المسجد، وقال: "مروا أبا بكر، فليصل بالناس" 1 متفق عليه، وكذا خائف حدوث مرض، لأنه في معنى المريض، وتلزم الجمعة دون الجماعة من لم يتضرر بإتيانها راكبًا أو محمولًا (و) يعذر بترك جمعة وجماعة (مدافع أحد الأخبثين): البول والغائط، لأنه يمنعه من كمال الصلاة، وخشوعها (ومن بحضرة طعام يحتاج إليه) أي: الطعام، وله الشبع، نصًّا 2؛ لخبر أنس في الصحيحين: "ولا تعجلنّ حتى تفرغ منه" 3 (وخائف ضياع ماله) كغلة ببيادرها أو فواته، كشرود دابته، وإباق عبده، وسفر نحو غريمه، أو ضرر فيه، كاحتراق خبز ونحوه، أو يخاف ضررًا في مال استؤجر لحفظه، أو (موت قريبه أو رفيقه) في غيبته عنه (أو) خائف (ضررًا من سلطان) يأخذه، (أو) ضررًا من (مطر ونحوه)، كوحل 4 -بفتح الحاء- وثلج، وجليد، وريح، شديدة باردة بليلة مظلمة، لحديث ابن عمر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ينادي مناديه في الليلة الباردة أو المطيرة صلوا في رحالكم" 5 رواه ابن ماجه، أو

يخاف أذى بتطويل إمام.
ولا يعذر بترك جمعة ولا جماعة من عليه حد للَّه تعالى.
أو كان بطريقه إلى المسجد منكر.
أو كان بالمسجد منكر، كدعاء لبغاة، فلا يعذر بذلك في ترك الجمعة والجماعة، نصًّا 1، وينكر المنكر بحسب قدرته.
(أو) خائف من (ملازمة غريم) له (ولا وفاء له) لأن حبس المعسر ظلم (أو) خائف (فوت رفقته) بسفر مباح (ونحوهم) أي: المريض وما عطف عليه، فيعذرون بترك الجمعة والجماعة لذلك.
= ولم يقل في السفر.
اهـ البخاري، كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله (1/ 162)، مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، (1/ 484).

فصل في صلاة المريض

(يصلي المريض) المكتوبة (قائمًا) إن قدر عليه، ولو كراكع، أو معتمدًا إلى شيء، أو مستندًا إليه (فإن لم يستطع) القيام، أو شق عليه، لضرر يلحقه به، أو زيادة مرض، أو بطء برء (فقاعدًا) على قياس ما سبق، ولو معتمدًا، أو مستندًا (فإن لم يستطع) القعود (فعلى جنب) يصلي، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمران بن حصين: "صل قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" 1 رواه الجماعة إلا مسلمًا، زاد النسائي: "فإن لم تستطع فمستلقيًا" 2 (و) الجنب (الأيمن أفضل) لحديث علي 3. (وكره) صلاة المريض (مستلقيًا) على ظهره، ورجلاه إلى القبلة (مع قدرته) على الصلاة (على جنب) فإن لم يقدر على الصلاة على جنب (وإلا تعين) أن يصلي على ظهره، ورجلاه إلى القبلة، لحديث علي مرفوعًا: "يصلي المريض قائمًا إن استطاع، فإن لم يستطع، فقاعدًا، فإن لم يستطع أن يسجد أومأ إيماءً، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يستطع أن يصلي قاعدًا، صلى على جنبه الأيمن مُستقبلَ القبلة، فإن لم يستطع، صلى مستلقيًا، ورجلاه مما يلي القبلة" 4. رواه الدارقطني.

(ويؤمئ بركوع وسجود) عاجز عنهما (ويجعله) أي: السجود (أخفض) للخبر 1، وللتمييز، وإن سجد على شيء رُفع له وانفصل عن الأرض، كُره، وأجزأه، نصًّا 2، لأنه أتى بما أمكنه منه، أشبه ما لو أومأ، ولا بأس بسجود على وسادة ونحوها بلا رفع، واحتج بفعل أم سلمة 3، وابن عباس 4، وغيرهما (فإن عجز) عن الإيماء بركوع وسجود (أومأ بطرْفه) أي عينِه (ونوى بقلبه، كأسير خائف) أن يعلموا بصلاته، [فإن عجز فبقلبه مستحضر القولِ والفعلِ] 5 لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 6. (ولا يسقط فعلها) أي: الصلاة عن المكلف (ما دام عقله ثابتًا) ولا ينقص أجر مريض عجز عن قيام، أو قعود، إذا صلى على ما يطيقه، لخبر أبي موسى مرفوعًا: "إذا مرض العبد، أو سافر، كُتب له ما كان يعمل، مقيمًا صحيحًا" 7. (فإن طرأ عجز) لقادر (أو) طرأ (قدرة) لعاجز (في أثنائها) أي الصلاة (انتقل) إليه، لتعينه عليه، والحكم يدور مع علته (وبنى) على ما تقدم من صلاته.
= (2/ 42) البيهقي، كتاب الصلاة، باب ما روي في كيفية الصلاة على الجنب أو الاستلقاء (2/ 307، 308).

ومن قدر على قيام وقعود، دون ركوع وسجود، أومأ بركوع قائمًا، وسجود قاعدًا، ليحصل الفرق بين الإيمائين.
ومن قدر أن يقوم منفردًا، أو يجلس في جماعة، خُيّر.
قال في "الشرح" 1: لأنه يفعل في كل منهما واجبًا، ويترك واجبًا.
وقيل: يلزمه أن يصلي قائمًا منفردًا، لأن القيام ركن، بخلاف الجماعة.
ولمريض ولو أرمد يطيق قيامًا، الصلاة مستلقيًا، لمداواة، بقول طبيب مسلم ثقة، لأنه أمر ديني، فلا يقبل فيه كافر، ولا فاسق، كغيره من أمور الدين.
ولا تصح مكتوبة في سفينة قاعدًا لقادر على قيام، كمن بغير سفينة، ويدور إلى القبلة، كلما انحرفت في فرض.
وتصح مكتوبة على راحلة، واقفةً أو سائرة، لتأذٍّ بوحل، ومطر، ونحوه، لحديث يعلى بن أمية: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- انتهى إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلَّةُ من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام، ثم تقدم النبي -عليه الصلاة والسلام- فصلى بهم -يعني إيماءً- يجعل السجود أخفض من الركوع" 2 رواه أحمد، والترمذي، وقال: العمل عليه عند أهل العلم.
فإن قدر على نزول بلا مضرة، لزمه، وقام وركع، كغير حالة المطر.
وتصح مكتوبة على راحلة -أيضًا- لخوف انقطاع عن رفقة بنزوله، أو خوف على نفسه من عدو، ونحوه، أو عجزه عن ركوب إن نزل.
والمرأة إن خافت تبرزًا 3 وهي خفرة 4، صلت على الراحلة.

وعلى مصل على الراحلة لعذر: الاستقبال، وما يقدر عليه من ركوع، أو سجود، أو إيماء بهما، وطمأنينة، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 1. ومن أتى بكل فرض، وشرطٍ لصلاة، وصلى على راحلة، أو بسفينة، ونحوها، سائرة أو واقفة، صحت صلاته، ولو بلا عذر.
ومن بماء وطين، لا يمكنه الخروج منه، يومئ بركوع وسجود، كمصلوب، ومربوط.
ويسجد غريق على متن الماء، ولا إعادة في الكل، ويعتبر المقر لأعضاء السجود، لحديث: "أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم" 2 فلو وضع جبهته على قطن منفوش ونحوه، مما لا تستقر عليه الأعضاء، لم تصح صلاته، وتصح على ما منع صلابة الأرض، كفراش محشو بنحو قطن.

فصل في القصر

وهو جائز إجماعًا 1 لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ 2 الآية، وقول يعلى 3 لعمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنهما-: ما لنا نقصر وقد أمنّا! فقال: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "صدقة تصدق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا صدقته" 4 رواه مسلم.
(ويسن قصرُ) الصلاة (الرباعية) وهي الظهر والعصر والعشاء إلى ركعتين، ولا تقصر صبح ولا مغرب (في سفر طويل) يبلغ ستة عشر فرسخًا تقريبًا، برًّا أو بحرًا، وهي يومان قاصدان، بسير الأثقال، ودبيب الأقدام.
والفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية.
وبأميال بني أمية: ميلان ونصف، والميل الهاشمي: اثنا عشر ألف قدم، وهي: ستة آلاف ذراع، بذراع اليد.
والذراع: أربعة وعشرون إصبعًا، معترضة، معتدلة، عرض كل إصبع ست حبات شعير، بطون بعضها إلى بعض، عرض كل شعيرة ست شعرات برذون.
وهو بالبرد أربعة، لحديث ابن عباس -مرفوعًا-: "يا أهل مكة لا تقصروا في أقل من أبيبعة بُرد، من مكة إلى عسفان" 5 رواه الدارقطني.
وروي موقوفًا عليه 6. قال الخطابي 7: هو أصح الروايتين عن ابن

عمر 1. وقول الصحابي حجة، خصوصًا إذا خالف القياس (مباح) أي ليس بحرام، ولا مكروه، واجبًا كان، كحج، وجهاد متعينين، أو مسنونًا، كزيارة رحم، أو مستوي الطرفين، كتجارة، ولو كان نزهة، أو فرجة، أو قَصَدَ مشهدًا، أو قبر نبي 2، أو مسجدًا غير الثلاثة، ونحوه.
أو عصى في سفره.
وعلم منه: أنه لا يقصر من خرج في طلب آبق، أو ضالة، ولو جاوز المسافة، لأنه لم ينوه، وأن من نواه وقصر، ثم رجع قبل استكماله، فلا إعادة عليه، لأن المعتبر نية المسافة، لا حقيقتها.
وقِنٌّ سافر مع سيده، وزوجة سافرت مع زوجها، وجندي سافر مع أمير، يكونون تبعًا لسيد، وزوج، وأمير في سفر، ونيته.
ومحل جواز القصر إذا فارق بيوت قريته العامرة، أو خيام قومه، إن استوطنوا الخيام (ويقضي) من فاته صلاة (صلاة سفر في حضر) تامة، (وعكسه) كمن فاته صلاة في حضر، وأراد أن يقضيها في سفر، فإنه يقضيها (تامة) لأنه الأصل.
(ومن نوى إقامة مطلقة بموضع) أي غير مقيدة بزمن، ولو في نحو مفازة، أو نوى إقامة ببلد (أو) مفازة (أكثر من أربعة أيام) أو نوى إقامة لحاجة، وظن أن لا تنقضي إلا بعد الأربعة (أو ائتم بمقيم) أو بمن يلزمه الإتمام، سواء ائتم به في كل الصلاة، أو بعضها، علمه مقيمًا، أم لا (أتم) في الجميع.
أو مر بوطنه، أو ببلد تزوج فيه، أتم، لأنه صار في سورة المقيم، وظاهره: ولو بعد فراق الزوجة، أو دخل وقت صلاة عليه حضرًا، ثم سافر، أو أوقع بعضها في الحضر، بأن أحرم بالصلاة مقصورة بنحو

سفينة، ثم وصلت إلى وطنه، أو محل نوى الإقامة به، أتم، تغليبًا لحكم الحضر، لأنه الأصل.
ولا يكره إتمام رباعية لمن له قصرها، لحديث عائشة: "أتمَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وقصر" 1 رواه الد ارقطني، وصححه.
والقصر أفضل من الإتمام، نصًا 2، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفاؤه داوموا عليه.
وروى أحمد، عن عمر: "إن اللَّه يحب أن تُؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" 3. (وإن حبس ظلمًا) أو حبس بمطر، أو بمرض، ونحوه (أو لم ينو إقامة) أو أقام لحاجة بلا نية إقامة، ولا يدري متى تنقضي (قصر أبدًا) لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقام بتبوك عشرين يومًا يَقْصُر الصلاة 4. رواه أحمد، "وأقام -صلى اللَّه عليه وسلم- بمكة حين فتحها تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين" 5 رواه البخاري، وقال أنس: "أقام أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- برامَهُرْمُز 6 تسعة أشهر، يَقْصرونَ الصلاة" 7 رواه البيهقي، بإسناد حسن.

فصل في الجمع

(ويُباح له) أي لمن أبيح له القصر، فلا يكره ولا يستحب (الجمع بين الظهرين والعشائين) أي: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، (بوقت أحدهما) لحديث معاذ، مرفوعًا: "كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخَّر الظهر، حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم سار، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء" 1 رواه أبو داود، والترمذي.
وقال: حسن غريب.
وعن أنس معناه 2، متفق عليه، وسواء كان نازلًا، أو سائرًا، في الجمعين.
(و) يُباح الجمع (لمريض) لحديث ابن عباس: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جمع من غير خوف، ولا مطر".
وفي رواية: "من غير خوف ولا سفر" 3 رواهما مسلم، ولا عذر بعد ذلك إلا لمرض (ونحوه) أي نحو المريض، كمرضع لمشقة كثرة النجاسة، وكمستحاضة، وذي سلس، وجرح لا يرقأ دمه، وعاجز عن طهارة، أو تيمم لكل صلاة، وعاجز عن معرفة وقت، كأعمى ومطمور، وعذر أو شغل يبيح ترك جمعة وجماعة (يلحقه) أي المريض، وما في معناه (بتركه) أي الجمع (مشقة) فإن لم يكن ثَمَّ مشقة لم يبح إلا للمسافر فقط (و) يباح الجمع (بين العشائين فقط، لمطر، ونحوه) كثلج، وجليد (يَبُلُّ

الثوبَ) أي المطر (وتوجد معه مشقة) لأن السنة لم ترد بالجمع لذلك إلا في المغرب والعشاء 1، رواه الأثرم.
وروى البخاري بإسناده: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة" 2 وفعلها أبو بكر، وعمر، وعثمان، رضي اللَّه عنهم 3، وأمر ابن عمر مناديه في ليلة باردة، فنادى: الصلاة في الرحال 4، و (لِوَحَلٍ) بفتح الحاء (وريح شديدة باردة، لا باردة فقط) لأنه لا يجمع للبرد وحده (إلا) إذا حصل ريح باردة ظاهرة، أو شديدة (بليلة مظلمة) فإنه يجمع لذلك (والأفضل فعل الأرفق) به (من تقديم) العصر وقت الظهر، أو العشاء وقت المغرب (أو تأخير) الظهر إلى وقت العصر، أو المغرب إلى العشاء، فإن استويا، فالأفضل التأخير، لأنه أحوط، خروجًا من الخلاف، سوى جمع عرفة، فالتقديم فيه مطلقًا أفضل، اتباعًا لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 5. ويشترط لجمع ترتيب مطلقًا (وكره فعله) أي الجمع (في بيته ونحوه بلا عذر) لعموم حديث: "خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" 6،

وهذا على خلاف ما في "الإقناع" 1، و"المنتهى" 2 من عدم تقييدهم عدم الكراهة في الصلاة في البيت بعذر، أو غيره، وهو الصحيح، فيباح الجمع مع هذه الأعذار المتقدمة، حتى لمن يصلي في بيته، أو يصلي في مسجد طريقه تحت ساباط 3، ولمقيم في المسجد، ونحوه، كمن بينه وبين المسجد خطوات يسيرة؛ لأن الرخصة العامة يستوي فيها وجود المشقة، وعدمها.
ويشترط لجمع تقديم نية الجمع عند إحرامها؛ لأنه محل النية، كنية الجماعة، ووجود العذر عند افتتاحهما، واستمراره إلى فراغ الثانية.
ويشترط لجمع تأخير نيته بوقت أولى، ما لم يضق الوقت عن فعلها، لفوات فائدة الجمع، وهي التخفيف بالمقارنة بين الصلاتين، ولأن تأخيرها إلى ضيق الوقت عن فعلها حرام، فينافي الرخصة، وهي الجمع، وبقاء العذر إلى دخول وقت ثانية فقط، فلو صلاهما خلف إمامين، أو خلف من لم يجمع، أو أحدهما منفردًا، والأخرى جاعة، أو صلى بمأموم الأولى، وبآخر الثانية، أو صلى إمامًا بمن لم يجمع، صح، لعدم المانع.
(ويبطل جمع تقديم براتبة بينهما) أي المجموعتين (وبتفريق) بينهما (بأكثر من وضوء خفيف وإقامة) لأن معنى الجمع المقارنة والمتابعة، ولا يحصل مع تفريق بأكثر من ذلك، ولا يضر كلام يسير، لا يزيد على ذلك، ولو غير ذكر، ولا سجود سهو.

فصل في صلاة الخوف

(وتجوز صلاة الخوف) والخوف ضد الأمن، ومشروعيتها بالكتاب، والسنة.
وتخصيصه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالخطاب لا يقتضى اختصاصه بالحكم، لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ 1 وأجمع الصحابة -رضي اللَّه عنهم- على فعلها 2، وصلاها علي 3، وأبو موسى 4، وحذيفة 5. فتجوز (بأي صفة صحت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) في قتال مباح؛ لأنها رخصة، فلا تباح بالقتال المحرم، ولو حضرًا لأن المبيح الخوف، لا السفر (وصحت) عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- (من ستة أوجه) قال الإمام أحمد: صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاة الخوف من خمسة أوجه، أو ستة.
وفي رواية أخرى: من ستة أوجه، أو سبعة.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: تقول بالأحاديث كلها، أو تختار واحدًا منها؟ قال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن، وأما حديث سهل فأنا أختاره 6. وهي صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- في غزوة ذات الرقاع 7، وهو إذا كان العدو بغير جهة القبلة، أو بها ولم يُر، أو رؤي وخيف كَمِينٌ، قسمهم الإمام طائفتين: كل طائفة تكفي العدو، زاد أبو المعالي: بحيث يحرم

فرارها 1 طائفة منهم تذهب حِذاء العدو، وتحرس المسلمين، وهي مؤتمة بالإمام حكمًا، في كل صلاته، لأنها من حين ترجع من الحراسة، وتحرم، لا تفارقه حتى يسلم بها.
قال الشيخ منصور في "شرح المنتهى" 2: والمراد بعد دخولها معه، لا قبله.
كما نبه عليه الحجاوي 3 في "حاشية التنقيح"، فتسجد معه لسهوه، ولو في الأولى قبل دخولها، لا لسهوها إن سهت، لتحمل الإمام له.
وطائفة يحرم بها، ويصلي بها الركعة الأولى من صلاته، وهي مؤتمة به فيها فقط؛ لأنها تفارقه بعدها، فتسجد لسهوه فيها إذا أتمت صلاتها، فإذا استتم الإمام قائمًا إلى الركعة الثانية نوت المفارقة، وأتمت لنفسها منفردة، وسلَّمت، ومضت تحرس، وإن فارقته قبل قيامه إلى الركعة الثانية بلا عذر، بطلت صلاتها.
ويطيل قراءته، حتى تحضر الطائفة الأخرى، التي كانت تحرس، فتُحرمُ، وتصلي معه الركعة الثانية، ويكفي إدراكها الركوع، ويكره تأخير القراءة إلى مجيئها، وإذا فرغ منها، وجلس للتشهد، قامت لتأتي ببقية صلاتها، وانتظرها، يُكرِّر التشهد، حتى تأتي بركعة، وتشهُّد، فيُسلِّم بها، ولا يسلم قبلهم، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ 4 فيدل على أن صلاتهم كلها معه.
وتحصل المعادلة بينهما، فإن الأولى أدركت معه فضيلة الإحرام،

والثانية فضيلة السلام، وهذا الوجه متفق عليه من حديث صالح بن خوات بن جبير، عمن صلى مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاة الخوف يوم ذات الرقاع: "أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم" 1. وصح عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة مرفوعًا 2، وهذا الحديث هو الذي أشار إليه الإمام أحمد أنه اختاره؛ لأنه أنكأ للعدو، وأقل في الأفعال، وأشبه بكتاب اللَّه، وأحوط للصلاة، والحرب.
ويصلي إمام المغرب بطائفة ركعتين، وبالأخرى ركعة، ولا تتشهد الطائفة الثانية بعد صلاتها معه الركعة الثالثة، لأنه ليس محل تشهدها، بل تقوم لقضاء ما فاتها، ويصح العكس، بأن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين.
ويصلي الرباعية التامة بكل طائفة ركعتين، ويصح بطائفة ركعة، وبأخرى ثلاثًا، لحصول المطلوب بالصلاة بالطائفتين، وتفارقه الطائفة الأولى إذا صلى بها ركعتين من مغرب، أو رباعية تامة، عند فراغها من التشهد الأول، وينتظر الطائفة الثانية جالسًا، يكرر التشهد إلى أن تحضر، فإذا أتت، قام لتدرك معه جميع الركعة الثالثة، ولأن الجلوس أخف على الإمام.
(وسُنَّ فيها) أي في صلاة خوف (حمل سلاح غير مثقل) كسيف وسكين، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ 3 ولمفهوم قوله:

﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ (1) والأمر به للرفق بهم، والصيانة لهم، فلم يكن للإيجاب.
ولا يكره حمل السلاح في الصلاة بلا حاجة، في ظاهر كلام الأكثر.
وكره حمل ما منع إكمال الصلاة، كمغفر (2)، أو ضَرَّ غيره، كرمح متوسط، أو أثقله، كجوشن، وهو: الدرع.
وجاز لحاجة في صلاة خوف حمل نجس، ولا يعيد، للعذر.

تتمة

: إذا اشتد الخوف صلوا رجالًا وركبانًا، للقبلة، وغيرها، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 3، قال ابن عمر: "فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها" 4 متفق عليه، وزاد البخاري قال نافع: "لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-" 5 رواه ابن ماجه مرفوعًا 6. ولا يلزم مصل افتتاحها إليها، ولو أمكن يومئون بركوع وسجود طاقتهم، والسجود أخفض من الركوع، وكذا في حالة الهرب من عدو، أو12

سَيْلٍ، أو سَبع، أو نار، أو غريم ظالم، أو خوف فوت عدو يطلبه، لقول عبد اللَّه بن أنس: "بعثني النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى خالد بن سفيان الهذلي قال: اذهب فاقتله.
فرأيته، وقد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما يؤخر الصلاة، فانطلقت وأنا أصلي، أومئ نحوه إيماء" رواه أبو داود 1. ولأن فوت عدوه ضرر عظيم، فأبيحت له صلاة الخوف، كحال لقائه، وكذا إن خاف فوت الوقوف بعرفة، أو خاف على نفسه، أو ماله، أو أهله، أو ذب عن ذلك، أو عن نفس غيره، أو ماله، إنْ صلى آمنًا، فيصلي بالإيماء، ولا يعيد، ومن خاف أو أمن في صلاةٍ انتقل، وبنى.

فصل في صلاة الجمعة

(تلزم صلاة الجمعة) بتثليث الميم 1 -ذكره الكرماني- 2 سميت بذلك لجمعها لجماعات، أو لجمع طين آدم فيها، وقيل غير ذلك 3، والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 4 الآية، والسنة بها شهيرة، وهي أفضل من الظهر بلا نزاع، قاله في "الإنصاف" 5، وهي مستقلة، ليست بدلًا عن الظهر،

لجوازها قبل الزوال، ولعدم جواز زيادتها على ركعتين.
وصلاة الجمعة فرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد يبلغون أربعين مع بقاء وقت الجمعة، لم تصح ظهرهم؛ لأنهم صلوا ما لم يخاطبوا به، وتركوا ما خوطبوا به، كما لو صلوا العصر مكان الظهر.
وتؤخر فائتة لخوف فوت الجمعة؛ لأنه لا يمكن تداركها، بخلاف غيرها من الصلوات.
والظهر بدل عنها إذا فاتت، لأنها لا تقضى، فتلزم الجمعة لزوم عين (كل مسلم مكلف) لا كافر ولو مرتدًّا، ولا صغير ولو مميزًا، ولا مجنون، (ذكر) حكاه ابن المنذر إجماعًا 1، لأن المرأة ليست من أهل حضور مجامع الرجال (حر) لحديث طارق بن شهاب مرفوعًا: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، وامرأة، وصبي، أو مريض" 2 رواه أبو داود، وقال: طارق قد رأى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يسمع منه شيئًا.
وإسناده ثقات قاله في "المبدع" 3. (مستوطن ببناء) معتاد ولو من قصب، لا يرتحل عنه شتاء ولا صيفًا، ولو فراسخ، نصًّا 4، فلا جمعة على أهل الخيام، وبيوت شعر، لأن العرب كانوا حول المدينة، وكانوا لا يصلون الجمعة، ولا أمرهم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بها.
وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء؛ لأن المسجد ليس بشرط فيها إن بلغوا أربعين، أو لم يكن بينهم وبين موضعها أكثر من فرسخ تقريبًا،

فتلزمهم بغيرهم، كمن بخيام ونحوها.
ولا تجب جمعة على مسافر فوق فرسخ؛ لأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر، مع اجتماع الخلق الكثير، إلا في سفر لا قصر معه: كسفر معصية، وما دون المسافة، فتلزمه بغيره.
ومن حضرها ممن لا تجب عليه أجزأته عن الظهر، ولا يحسب من العدد، ولا تصح إمامته فيها، لئلا يصير التابعُ متبوعًا، والمريض ونحوه كخائف على نفسه، أو ماله، أو أهله، ممن له شغل، أو عذر يبيح ترك الجمعة، إذا حضرها، وجبت عليه، وانعقدت به، وجاز أن يؤم فيها.
(ومن صلى الظهر ممن عليه الجمعة قبل الإمام) أي قبل صلاة الإمام الجمعة (لم تَصِحَّ) ظهره (وإلا صحَّتْ) بأن صلى بعد فراغ الإمام من الصلاة، أو مما تدرك به الجمعة، صحت ظهره (والأفضل) في حق من لا تلزمه الجمعة، ولم يصل مع الإمام، صلاته (بعده) أي بعد الإمام، خروجًا من الخلاف 1.

(وحرم سفر من تلزمه) أي الجمعة، بنفسه، أو بغيره في يومها، (بعد الزوال) حتى يصلي الجمعة، لاستقرارها في ذمته بدخول أول الوقت، فلم يجز له تفويتها بالسفر، إن لم يخف فوت رفقة بسفر مباح، فإن خافه سقط عنه وجوبها، وجاز له السفر.
(وكره) له السفر (قبله) أي قبل الزوال لمن هو من أهل وجوبها، خروجًا من الخلاف 1، ولم يحرم، لقول عمر: "لا تحبس الجمعة عن سفر" 2 رواه الشافعي في "مسنده"، ولأنها لا تجب إلا بالزوال، وما قبله رخصة (ما لم يأت بها في طريقه) فإن أتى بالجمعة في طريقه من سافر قبل الزوال، أو بعده، لم يكره، لأداء فرضه (أو يخف فوت رفقة) كما تقدم.
(وشرط لصحتها) أي الجمعة: أربعة شروط، ليس منها إذن الإمام،

أحدها: (الوقت) لأنها مفروضة، فيعتبر لها الوقت، كبقية المفروضات (وهو) أي وقت الجمعة من (أول وقت العيد) نص عليه 1، لحديث عبد اللَّه بن سيدان 2 السلمي قال: "شهدت الجمعة مع أبي بكر -رضي اللَّه عنه- فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر -رضي اللَّه عنه- فكانت خطبته وصلاته إلى أن أقول: زال النهار.
فما رأيت أحدًا عاب تلك ولا أنكره" 3 رواه أحمد، والدارقطني، واحتج به أحمد، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود، وجابر، وسعيد، ومعاوية 4، أنهم صلوا قبل الزوال، ولم ينكر 5 فكان إجماعًا 6 (إلى آخر وقت الظهر) إلحاقًا لها بها، لوقوعها موضعها.
وتلزم بزوال؛ لأن ما قبله وقت جواز، وفعلها بعده أفضل، خروجًا من الخلاف 7، ولأنه الوقت الذي كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصليها فيه في أكثر أوقاته.

ولا تسقط بشكه في خروج الوقت، لأن الأصل عدمه، فإن خرج الوقت بأن تحقق خروجه (قبل التحريمة صلوا ظهرًا) لأن الجمعة لا تقضى (وإلا) أي وإن لم يتحقق خروجه صلوا (جمعة) نصًّا، لأن الأصل بقاؤه، وهى تدرك بالتحريمة كسائر الصلوات.
(و) الثاني والثالث من شروط صحتها: (حضور 1: أربعين بالإمام من أهل وجوبها) -أي الجمعة- واستيطانهم بقرية ولو من قصب، لما روى أبو داود عن كعب بن مالك قال: "أول من صلى بنا الجمعة في نقيع الخضمات 2 أسعد بن زرارة وكنا أربعين" 3 رواه ابن حبان، والبيهقي والحاكم، وقال: على شرط مسلم.
ولم ينقل عمن يقتدى به أنها صليت بدون ذلك (فإن نقصوا) أي الأربعين (قبل إتمامها) أي الجمعة (استأنفوا جمعة إن أمكن) إعادتها جمعة بشروطها؛ لأنها فرض الوقت (وإلا) بأن لم يمكن استئنافها لفقد بعض شروطها استأنفوا (ظهرًا) نصًّا 4؛ لأن العدد شرط، فاعتبر في جميعها.
= الصلاة قبل الزوال أجاز ذلك، ومن لم يفهم منها إلا التبكير فقط لم يجز ذلك لئلا تتعارض الأصول في هذا الباب.
اهـ ينظر: "بداية المبتدي" (ص 26)، و"الذخيرة" (2/ 331) و"مغني المحتاج" (1/ 279) و"الفروع" (1/ 546).

(ومن) أحرم بالجمعة في وقتها و (أدرك مع الإمام ركعة، أتمها جمعة) رواه البيهقي عن ابن مسعود (1)، وابن عمر (2)، وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الصلاة" (3). رواه الأثرم.

تتمة

: من أحرم مع الإمام بالجمعة، ثم زحم عن سجود بأرض، لزمه السجود، ولو على ظهر إنسان، أو رجله، لقول عمر: "إذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر أخيه" 4 رواه أبو داود الطيالسي، وسعيد، وكالمريض يأتي بما يمكنه، ويصح.
وإن احتاج إلى موضع يديه ورجليه، لم يجز وضعها على ظهر إنسان.
ذكره في "الإقناع" 5. (و) الرابع: (تقديم خطبتين) لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ 6 والذكر هو: الخطبة، والأمر بالسعي إليه دليل وجوبه، ولمواظبته عليه الصلاة والسلام على ذلك، قال ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-: "كان عليه الصلاة والسلام يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس" 7 متفق عليه.
وهما بدل ركعتين، لقول عمر وعائشة: "قصرت الصلاة من أجل123

الخطبة" 1 لأن الخطبتين بدل الركعتين من الظهر؛ لأن الجمعة ليست بدلًا عن الظهر، بل مستقلة كما تقدم (من شرطهما) أي الخطبتين (الوقت) فلا تصح واحدة منهما قبله؛ لأنهما بدل ركعتين، كما تقدم.
(وحمد اللَّه) تعالى أي قول: الحمد للَّه.
لحديث ابن مسعود: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا تشهد قال: الحمد للَّه" 2 رواه أبو داود.
وله -أيضًا- عن أبي هريرة: "كل كلام لا يبدأ فيه بحمد اللَّه فهو أجذم" 3 (والصلاة على رسوله عليه) الصلاة و (السلام) لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر اللَّه تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، كالأذان، والتشهد.
ويتعين لفض الصلاة، ولا يجب السلام عليه مع الصلاة، عملًا بالأصل (وقراءة آية) كاملة، لحديث جابر بن سمرة "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقرأ الآيات، ويُذكِّر الناس" 4 رواه مسلم.
ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، فوجب فيهما القراءة كالصلاة، ولا تجزئ آية لا تستقل بمعنى، أو حكم نحو ﴿ثُمَّ نَظَرَ (21)﴾ 5 أو ﴿مُدْهَامَّتَانِ (64)﴾ 6 ذكره أبو المعالي 7 (وحضور العدد المعتبر) للجمعة، (ورفع الصوت بقدر إسماعه) أي العدد المعتبر حيث لا مانع (والنية) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 8. (والوصية بتقوى اللَّه) تعالى،

لأنها المقصودة من الخطبة، فلو قرأ من القرآن ما يتضمن الحمد والموعظة، وصلى على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كفى (ولا يتعين لفظها) أي الوصية، وأقلها: اتقوا اللَّه، أطيعوا اللَّه، ونحوه (وأن تكونا) أي الخطبتان (ممن يصح أن يؤُمَّ فيها) أيَ الجمعة، فلا تصح خطبة من لا تجب عليه بنفسه، كعبد، ومسافر، ولو أقام لعلم، أو شغل بلا استيطان، كما تقدم، ولا يشترط أن يتولاهما واحد، فلو خطب واحد الأولى، وآخر الثانية، أجزأتا، كالأذان والإقامة و (لا ممن يتولى الصلاة) لأن كلًّا منهما عبادة بمفردها، ولا يشترط -أيضًا- حضور متولي الصلاة الخطبة، فتصح إمامة من لا يحضر الخطبة، من أن تكونا بهم حيث كان من أهل وجوبها.
(وتسن الخطبة على منبر) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر به، فعُمل له من أثل الغابة 1، فكان يرتقي عليه، وكان ثلاث درج 2. وسمي منبرًا: لارتفاعه.
والنبر: الارتفاع 3. واتخاذه سنة مجمع عليها، قاله في "شرح مسلم" 4 (أو) على (موضع عال) إن عدم المنبر؛ لأنه في معناه، ويكونان على يمين مستقبل القبلة، كما كان منبره -صلى اللَّه عليه وسلم-.
(و) يسن (سلام خطيب إذا خرج) إلى المأمومين (و) سلامه أيضًا (إذا أقبل عليهم) بوجهه، لما روى ابن ماجه، عن جابر قال: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا صعد المنبر سلم" 5 رواه الأثرم عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وابن

مسعود، وابن الزبير 1. (و) يسن أيضًا (جلوسه) أي الخطيب (إلى فراغ الأذان) لحديث ابن عمر، "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب" 2. رواه أبو داود مختصرًا.
(و) يسن أيضًا جلوسه (بينهما) أي الخطبتين (قليلًا) لقول ابن عمر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس" 3 متفق عليه.
قال في "التلخيص" 4: بقدر سورة الإخلاص.
فإن أبي أن يجلس بينهما، أو خطب جالسًا، فصل بينهما بسكتة، ليحصل التمييز، وعلم منه أن الجلوس بينهما غير واجب، لأن جماعة من الصحابة منهم علي، سردوا الخطبتين من غير جلوس 5. (و) تسن أيضًا (الخطبة قائمًا) نصًّا 6 لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 7 ولم يجب، لأنه ذكر، ليس من شرطه الاستقبال، فلم يجب له القيام، كالأذان (معتمدًا على سيف، أو عصا) لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 8، رواه أبو داود، ولأنه أمكن له، وإشارة إلى

أن هذا الدين فتح به 1، ويكون ذلك بيده اليسرى، والأخرى بحرف المنبر، ذكره في "الفروع" 2 توجيهًا، فإن لم يعتمد أمسك بيمينه شماله، أو أرسلهما (قاصدًا تلقاءه) أي: تلقاء وجهه، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 3، ولأنه أقرب إلى سماعهم كلهم، ويكون متعظًا بما يعظ به، ويستقبل الناس، وينحرفون إليه فيستقبلونه ويتربعون، وإن استدبرهم فيها كره، وصحت.
(و) يسن (تقصيرهما) أي الخطبتين (و) تكون (الثانية أكثر) تقصيرًا من الأولى، لحديث: "إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا اخطبة" 4. رواه مسلم، من حديث عمار مرفوعًا.
ويسن رفع صوته بحسب طاقته؛ لأنه أبلغ في الإعلام.
(و) يسن أيضًا (الدعاء للمسلمين): "لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا خطب يوم الجمعة دعا وأشار بإصبعيه، وأمَّن الناس" 5 رواه حرب 6 في "مسائله".

(وأبيح) دعاؤه (لمعيَّن كالسلطان) لما روي: "أن أبا موسى كان يدعو في خطبته لعمر" 1. ويباح أن يخطب من صحيفة، كقراءة في الصلاة من مصحف.
(وهي) أي صلاة الجمعة (ركعتان) بالإجماع، حكاه ابن المنذر 2. قال عمر: "صلاة الجمعة ركعتان من غير قصر، وقد خاب من افترى" 3 رواه أحمد.
ويسن أن (يقرأ في) الركعة (الأولى بعد الفاتحة) بسورة (الجمعة، و) في الركعة (الثانية) بعد الفاتحة بسورة (المنافقين) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأهما في صلاة الجمعة 4، رواه مسلم من حديث ابن عباس.
ويسن أن يقرأ في فجرها في الركعة الأولى بعد الفاتحة: آلم السجدة، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ نصًّا 5؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يفعله 6، متفق عليه من حديث أبي هريرة.
قال الشيخ تقي الدين 7: لتضمنهما خلق السموات والأرض، وخلق الإنسان إلى أن يدخل الجنة أو النار، وتكره مداومته عليهما.
قال أحمد: لئلا يظن أنها مفضلة

بسجدة 1. وقال جماعة: لئلا يظن الوجوب 2. (وحرم إقامتها) أي صلاة الجمعة (و) إقامة كصلاة (عيد في أكثر من موضع) واحد (ببلد) لأنهما لم يكونا يفعلان في عهده، وعهد خلفائه إلا كذلك، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 3 (إلا لحاجة) كضيق مسجد البلد عن أهله، وكبعد، كأن يكون البلد واسعًا، وتتباعد أقطاره، فيشق على من منزله بعيد عن محل الجمعة، وكخوف فتنة، كعداوة بين أهل البلد يخشى من اجتماعهم في محل إثارتها، ونحو ذلك، فإن عدمت الحاجة، وتعددت، فالصحيحة ما باشرها الإمام، أو أذن فيها، وإن استوتا في إذن أو عدمه، فالسابقة بالإحرام هي الصحيحة، وإن وقعتا معًا، بأن أحرم إمامهما في آن واحد بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما، ولا مزية لأحدهما على الأخرى، فترجح بها، فإن أمكن اجتماعهم، وبقي الوقت، صلوا جمعة، لأنها فرض الوقت، وإلا فظهرًا، لأنها بدل عن الجمعة إذا فاتت.
وإذا وقع عيد في يوم الجمعة، سقطت عمن حضره مع الإمام ذلك اليوم، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى العيد وقال: "من شاء أن يجُمِّع فليُجَمِّع" 4 رواه أحمد من حديث زيد بن أرقم.
(وأقل السنة) الراتبة (بعدها) أي الجمعة (ركعتان) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين" 5 متفق عليه (وأكثرها) أي السنة بعد الجمعة (ست) ركعات، لقول ابن عمر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

يفعله" 1. رواه أبو داود.
ولا راتبة لها قبلها نصًّا 2، (وسن قبلها أربع غير راتبة).
(و) سن (قراءة) سورة (الكهف في يومها) أي الجمعة، لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين" 3 رواه البيهقي، بإسناد حسن أ (و) في (ليللها) لخبر: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة وفي فتنة الدجال" 4. (و) سن (كثرة دعاء) في يوم الجمعة، وأفضله بعد العصر؛ لحديث: "إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل اللَّه شيئًا إلا أعطاه إياه".
وأشار بيده يقللها 5. متفق عليه.
قال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى فيها الإجابة، أنها بعد صلاة العصر، وترجى بعد زوال الشمس 6. (و) سن بتأكد في يومها وليللها كثرة (صلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) لحديث: "أكثروا الصلاة عليّ ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى عليّ صلاة صلى اللَّه عليه بها عشرًا" 7 رواه البيهقي، بإسناد جيد، وعن ابن مسعود مرفوعًا: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ

صلاة" 1 رواه الترمذي، وحسنه.
(و) سن أيضًا (غسل) لها في يومها لحديث عائشة: "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا" 2 ولو أحدث بعده، أو لم يتصل به المضي إليها، والأفضل كونه عن جماع، عند مضيه إليها، خروجًا من الخلاف 3، ولأنه أبلغ في المقصود.
(و) سن أيضًا (تنظف) لها، بقص شارب، وتقليم ظفر، وقطع روائح كريهة، بسواك، وغيره (وتطيب) لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن بدهن، ويمس من طيب امرأته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى" 4 رواه البخاري.
(و) سن أيضًا (لبس بياض) لأنه أحسن الثياب، وأفضلها (وتبكير

إليها) 1 أي الجمعة ولو مشتغلًا بالصلاة في منزله، بسكينة، لحديث: "ومشى ولم يركب" 2 بعد فجر لحديث: "من جاء في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة 3... إلخ" ولا بأس بركوبه لعذر.
(و) سن أيضًا (دنو من الإمام) -أي قرب منه- لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من غسّل واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ، كان له بكل خطوة يخطوها عَمَلُ سنة، أجر صيامها وقيامها" 4 رواه أحمد، وأبو داود من حديث أوس، وإسناده ثقات.
وقوله: غسّل -بالتشديد- أي جامع.
واغتسل معلوم.
وبكَّر: أي خرج في بكرة النهار، وهي: أوله.، وابتكر: أي بالغ في التبكير -أي جاء في أول البكرة- ويستقبل القبلة، لأنه خير المجالس، للخبر 5، ويشتغل بالصلاة إلى خروج الإمام للخطبة، لما في ذلك من تحصيل الأجر، فإذا خرج الإمام، وهو في نافلة، خَفَّفها.
ويحرم ابتداء نافلة إذن، غير تحية مسجد، روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر 6، ولو كان ذلك قبل الشروع في الخطبة، أو كان بعيدًا، بحيث

جارٍ التحميل