شيء معين، أو موصوف) بصفات كالسلم (فيشترط تقديرها بعمل، أو مدة، كبناء دار) يذكر الآلة ونحوها كما تقدم 1 (و) كـ (خياطة) ثوب يذكر جنسه، وقدره، وصفة الخياطة (وشُرط معرفة ذلك وضبطه) بما لا يختلف به العمل (و) شُرط (كون أجير فيها) أي الإجارة (آدميًّا، جائز التصرف) لأنها معاوضة على عمل في الذمة، ويسمى الأجير فيها مشتركًا 2 لتقدير نفعه بالعمل، ولأنه يتقبل أعمالًا لجماعة، فمنفعته مشتركة بينهم، وشرط: أن لا يجمع بين تقدير مدة وعمل، كقوله: استأجرتك لتخيط هذا الثوب، في يوم.
ويلزمه الشروع في العمل عقب العقد، لجواز مطالبته به إذًا.
(و) شرط (كون عمل) معقود عليه (لا يختص فاعله، أن يكون من أهل القربة) ككونه مسلمًا، ولا يقع ذلك العمل إلا قربة لفاعله، كأذان، وإقامة، وإمامة، وتعليم قرآن، وفقه، وحديث، ونيابة في حج، ويحرم أخذ أجرة على ذلك.
لحديث عثمان بن أبي العاص: كان آخر ما عهد إلينا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن نتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا.
قال الترمذي: حديث حسن 3. وعن عبادة بن الصامت قال: علَّمت أناسًا من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوسًا، قال: قلت: قوس، وليست بمال.
قال: قلت: أتقلدها في سبيل اللَّه، فذكرت ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقصصت عليه القصة، قال: "إن سرك أن يقلدك اللَّه قوسًا من نار
فاقبلها" 1، وعن أُبي بن كعب: أنه علَّم رجلًا سورة من القرآن، فأهدى له خميصة أو ثوبًا، فذكرت ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "إنك لو لبستها لألبسك اللَّه مكانها ثوبًا من نار" رواه الأثرم في سننه 2. ولأن من شَرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى اللَّه، فلا يصح أخذ الأجرة عليها، كما لو استأجر إنسانًا يصلي خلفه الجمعة أو التراويح.
ولا يحرم أخذ جعالة على ذلك، لأنها أوسع من الإجارة، ولهذا جازت مع جهالة العمل والمدة، ولا على رقية، نصًّا 3، لحديث أبي سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب رسول اللَّه شير في سفرة سافروها، حتى نزلوا
على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يُضيِّفوهم.
فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء.
فقال بعضهم: لو أتيتم هذا الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عندهم بعض شيء، فأتوهم، فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ قال بعضهم: إني واللَّه لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يَتْفِلُ عليه، ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبة 1، فأوفوهم جُعْلَهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا، حتى نأتي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمرنا به، فقدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذكروا له ذلك، فقال: "وما يدريكم أنها رقية؟ "، ثم قال: "أصبتم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهمًا" وضحك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رواه الجماعة إلا النسائي 2. كما لا يحرم أخذ على ذلك بلا شرط، وحديث القوس والخميصة قضيتان في عين.
وأما ما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، كتعليم خط، وحساب، وشعر مباح، وبناء مسجد، وقناطر، وذبح هدي، وأضحية، وتفريق صدقة، ونحو ذلك، فيجوز الاستئجار له، وأخذ الأجرد عليه، لأنه يقع تارة قربة، وتارة غير قربة، أشبه غرس الأشجار، وبناء البيوت.
ولا يحرم أخذ رزقٍ 1 من بيت المال، أو من وقف على متعد نفعه، كقضاء، وتعليم قرآن، وحديث، وفقه، ونيابة في حج، وتحمل شهادة، وأدائها، وأذان، لأنه من المصالح، فجرى مجرى الوقف على من يقوم بها، وليس بعوض، بل رزق للإعانة على الطاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة، ولا يقدح في الإخلاص، وإلا لما استحقت الغنائم، وسلب المقاتل.
ولا يجوز أخذ رزق على قاصر من القرب على فاعله، كصوم، وصلاة خلفه، ونحوهما، كحجه عن نفسه، واعتكافه، لأنه ليس من المصالح، إذ لا تدعو حاجة بعض الناس إلى بعضٍ من أجله.
وصح استئجار لحجم كافصد، ولا يحرم أجره، لحديث ابن عباس: احتجم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأعطى الحجام أجره، ولو علمه حرامًا لم يعطه 2 متفق عليه.
وكره لحر أكل أجرته، وأكل مأخوذ بلا شرط عليه، ويطعمه رقيقًا وبهائم، لحديث: "كسب الحجام خبيث" 3 متفق عليه، وقال: "أطعمه ناضحك ورقيقك" 4. فدل على أنه ليس بحرام، وقد سمى -صلى اللَّه عليه وسلم- الثوم والبصل خبيثين 5 مع عدم تحريمهما، وإنما كرهه للحر تنزيهًا له، لدناءة
هذه الصناعة، وكذا أجرة كسح كنيف.
(و) يجب (على مؤجر) مع إطلاق (كل ما جرت به عادة) أ (وعرف، كزمام 1 مركوب) ليتمكن به من التصرف فيه، ورحله، وحزامه 2، وقَتَب 3 بعير، ولفرس: لجامٌ، وسرج، ولحمار وبغل: بردعة وإكاف 4، لأنه العرف، فيحمل عليه الإطلاق.
(و) على مؤجر (شد، ورفع، وحط) لمحمول عليه، لأنه العرف، وبه يتمكن المكتري من الانتفاع، وعليه لزوم دابة لنزول لحاجة، وواجب كفرض صلاة، وتبريك بعير لامرأة، وشيخ، ومريض، لركوب ونزول، لأنهم لا يتمكنون منه إلا بذلك، وعليه ما يتمكن به مستأجر من نفع كترميم دار بإصلاح منكسر، وإقامة مائل من حائط وسقف، وعمل باب، وتطيين سطح، وتنظيفه، وإصلاح بركة 5 دار، وأحواض، وحمام، ومجاري مياهه، وسلاليم الأسطحة، لأن بذلك وشبهه يتمكن مستأجر من النفع المعقود عليه.
(و) يجب (على مكتر) بمعنى أنه لا يلزم المؤجر، بل إن أراده مكتر فمن ماله (نحو مُحَمِلٍ) قال في "القاموس" (1): كمجلس، شقتان (2) على البعير يحمل عليهما العَدِيْلان (3) (ومظلة) بالكسر والفتح: الكبير من الأخبية، قاله في "القاموس" (4) ووطاء فوق الرحل ودليل إن جهلا الفريق.
وعلى مكتري دار وحمام (و) نحوه (تعزيل نحو بالوعة) وكنيف (5) ودار من قمامة، وزبل، ورماد (إن تسلمها فارغة، وعلى مكتر تسليمها فارغة كذلك).
تتمة
: إذا اكتراه للحج ركب إلى عرفة، ثم العود إلى مكة، ثم إلى منى، ثم إلى رمي الجمار، وإن اكترى إلى مكة لم يتجاوزها.12345
فصل
(وهي) أي الإجارة (عقد لازم) من الطرفين ليس لأحدهما فسخها بلا موجب؛ لأنها عقد معاوضة كالبيع، (فإن تحول مستأجر) من مؤجرة (في أثناء المدة بلا عذر، فعليه كل الأجرة) لاقتضاء الإجارة تمليك المؤجر الأجرة، والمستأجر النفع، فإذا تركه مستأجر اختيارًا منه لم تنفسخ الإجارة، ولم يزل ملكه عن المنافع، كمن اشترى شيئًا وقبضه فتركه.
ولا يجوز لمؤجر تصرف فيها، فإن فعل ويد مستأجر عليها، كأن سكن الدار، وآجرها لغير مستأجر، فعليه أجرة المثل لمستأجر، وعلى المستأجر الأجرة المعقود عليها له، وإن تصرف قبل تسليمها، أو امتنع منه حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة، وإن سلمها له في أثنائها انفسخت فيما مضى، ووجب أجر الباقي بالحصة (وإن حوله) أي المستأجر (مالك) الدار ونحوها قبل انقضاء مدة الإجارة (فلا شيء له) من الأجرة لما سكن قبل أن يحوله.
وإن امتنع مؤجر دابة من تسليمها في أثناء المدة، أو أثناء المسافة المؤجرة للركوب، أو الحمل إليها، فلا أجرة لركوبه، أو حمله عليها قبل المنع منه، أو امتنع الأجير من تكميل العمل، فلا أجرة له مما عمله قبل، لأن كلًّا منهم لم يسلم إلى المستأجر ما وقع عليه عقد الإجارة، فلم يستحق شيئًا.
وإن شردت دابة مؤجرة، أو تعذر باقي استيفاء 1 النفع بغير فعل أحدهما فعلى المستأجر من الأجرة بقدر ما استوفى من النفع قبل ذلك، لعذر كل منهما، وإن كانت الإجارة على عمل موصوف بذمة، كخياطة ثوب، أو بناء حائط، وحمل إلى محل معلوم، وهرب الأجير استؤجر من ماله من يعمله، كالمسلم إليه إذا هرب، ونحوه، فإن تعذر استئجار من يعمل من
ماله خُيِّر مستأجر بين فسخ إجارة وبين صبر إلى قدرة عليه، فيطالبه بعمله، لأن ما في ذمته لا يفوت بهربه.
وإن هرب جمَّال، ونحوه، أو مات وترك بهائمه، وله مال، أنفق عليها منه حاكم، لوجوب نفقتها عليه وهو غائب، والحاكم نائبه، وإلا يكن له مال، فأنفق عليها مكتر بإذن حاكم، أو بنية رجوع، رجع على مالكها بما أنفقه، سواء قدر على استئذان الحاكم أو لا، أشهد عليه بنية الرجوع أو لا، لقيامه عنه بواجب، وإن اختلفا فيما أنفقه، وكان الحاكم قدَّره، قبل قول مكتر في ذلك دون ما زاد، وإن لم يقدره قُبِلَ قولُهُ في قدر النفاقة بالمعروف، فإذا انقضت الإجارة باعها حاكم، ووفاه ما أنفاقه على البهائم؛ لأن عليه حفظ مال الغائب.
(وتنفسخ) الإجارة (بتلف معقود عليه) كدابة، أو عبد مات، ودار انهدمت قبضها المستأجر أو لا، وإن تلف في المدة، وقد مضى منها ماله أجرٌ، انفسخت فيما بقي من المدة.
(و) تنفسخ الإجارة بـ (موت مرتضع) أو امتناعه من الرضاع منها، لتعذر استيفاء المعقود عليه.
(و) تنفسخ بـ (انقلاع ضرس) اكتري لقلعه (أو) اكترى مدة معلومة لـ (برئه) لتعذر استيفاء المعقود عليه كالموت، فإن لم يبرأ، أو امتنع مستأجر من قلعه لم يجبر (ونحوه) أي تنفسخ الإجارة بنحه ما ذكر، كمن استؤجر ليقتص من الآخر، أو يحده، فمات، أو ليداويه، فبرئ.
(ولا يضمن أجير خاص) وهو من قدر نفعه بالزمن (ما جنت يده خطأ) ما لم يتعد أو يفرط (ولا) يضمن (نحو حجَّام) أو ختَّان (وطبيب وبيطار) خاصًّا كان أو مشتركًا (عرف حذفهم) أي معرفتهم في صناعتهم، لأنه إذا لم يكن كذلك لم تحل له مباشرة الفعل، فيضمن سرايته، كما لو تعدى.
(إن أذن فيه) أي الفعل (مكلف) وقع الفعل به (أو) أذن فيه (ولي
غيره) أي غير المكلف، كصغير ومجنون (ولم تجن أيديهم) فإن جنت أيديهم كأن تجاوز بالختان إلى الحشفة 1، أو بقطع السِّلْعة 2 ونحوها محل القطع، أو قطع في وقت لا يصلح فيه القطع، أو بآلة كالّةٍ، أو لم يؤذن له فيه ضمن، لأنه فعل غير مأذون فيه.
(ولا) يضمن (راع ما لم يتعد أو يفرط) بنوم، أو غيبة الماشية عنه، أو إسراف في ضرب، أو سلوكه موضعًا يتعرض لتللها به، لأنه أمين على حفظها، فإن تعدى أو فرَّط ضمن كالوديع، فإن اختلفا في تعدّ أو تفريط، فقول راع، لأنه أمين، وإن فعل فعلًا، واختلفا في أنه تعد، رجع إلى أهل الخبرة، وإن ادّعى موتًا، قبل قوله بيمينه، ولو لم يحضر جلدًا ولا غيره منها؛ لأنه أمين، ولأنه مما تتعذر إقامة البينة عليه في الغالب.
(ويضمن) أجير (مشترك ما تلف بفعله) من تخريق قصار لثوب بدقه، أو مده، أو عصره، أو بسطه، وغلط خياط في تفصيل ونحوه، ويضمن جمَّال ما تلف بقوده وسوقه، وانقطاع حبل شد به حمله، ويضمن حامل ما تلف بزلقه، أو عثرته، وسقوطه عنه كيف كان، ويضمن -أيضًا- ما تلف بخطئه في فعل، كصباغ أمر بصبغ ثوب أصفر فصبغه أسود، وخياط أمس بتفصيله قباء ففصله قميصًا، أو ثوب رجل ففصله قميص امرأة، لأن عليًّا -رضي اللَّه عنه- كان يضمِّن الصباغ والصياغ ويقول: لا يصلح الناس إلا ذلك 3. ولأن عمل الأجير المشترك مضمون عليه، فما تولد منه يجب أن
يكون مضمونًا عليه، كالعدوان بقطع عضو، فإن تبرع قصار ونحوه بعمله لم يضمن جناية يده، نصًّا 1، لأنه أمين محض، فإن اختلفا في أنه أجير أو متبرع، فقول قصار ونحوه، لأن الأصل براءته.
و(لا) يضمن أجير ما تلف (من حرزه) أو بسبب غير فعله، إن لم يتعد أو يفرط، نصًّا 2، (ولا أجرة له) لعمله فيه، سواء عمل فيه في بيت ربه، أو غيره، لأنه لم يسلم عمله إلى المستأجر إذ لا يمكن تسليمه إلا بتسليم المعمول، فلم يستحق عوضه، كمكيل بيع، أو تلف قبل قبضه، وله حبس معمول على أجرته إن أفلس ربه، وإلا فليس له ذلك.
(و) الأجير (الخاص) هو (من قُدِّر نفعه بالزمن) كما تقدم 3 (و) الأجير (المشترك) من قدر نفعه (بالعمل).
(وتجب) أي تملك (الأجرة) في إجارة عين، أو إجارة على منفعة في ذمة، كحمل معين إلى مكان معين (بالعقد) شرط فيه الحلول، أو أطلق، كما يجب الثمن بعقد البيع، وحديث: "أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه" 4 لا يعارض ذلك، لأن الأمر بالإتياء في وقتٍ لا يمنع وجوبه قبله (ما لم تؤجل) الأجرة، فإن شرط تأجيلها عمل به، لأن المؤمنين على شروطهم.
= ذلك، ثم رواه بسنده.
وتستحق الأجرة كاملة بتسليم عين معينة كانت أو موصوفة أو بذلها، وتستقر بفراغ عمل وبانتهاء المدة.
(ولا ضمان على مستأجر) تلفت العين تحت يده (إلا بتعد، أو تفريط) (والقول قوله) بيمينه (في نفيهما)، أي التعدي والتفريط.
فائدة
: من وجب عليه دراهم بعقد بيع أو إجارة أو غيرها، فأعطى عنها دنانير أو غيرها، بأن عوض عنها عوضًا، ثم انفسخ العقد، رجع بالدراهم، لأنها عوض العقد، والبائع ونحوه إنما أخذ الدنانير أو نحوها بعقد آخر، ولم ينفسخ، أشبه ما لو قبض الدراهم، ثم صرفها بدنانير، أو اشترى بها عرضًا منه.
فصل في المسابقة
من السَّبْق -بسكون الباء- وهو: بلوغ الغاية قبل غيره، والسبَق -بفتح الباء- والسبقة: الجُعل الذي يسابق عليه 1. وهي: المجاراة بين الحيوان ونحوه، كرماح، ومناجق 2.
والمناضلة من النضل المسابقة بالرمي 3. سميت بذلك لأن السهم التام يسمى نضلًا، فالرمي به عمل بالنضل.
(وتجوز المسابقة على أقدام و) بـ (سهام و) في (سفن و) بـ (مزاريق) (وسائر حيوان) كإبل، وخيل، وبغال، وحمير، وفيلة.
وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة 4، لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ 5 وحديث مسلم: أن سلمة بن الأكوع سابق رجلًا من الأنصار بين يدي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 6.
ويكره الرقص، ومجالس الشعر، وكل ما يسمى لعبًا؛ إلا ما كان معينًا على قتال العدو.
ويستحب اللعب بآلة الحرب، قال جماعة: والثِّقاف 7، لأنه يعين على قتال العدو، ويتعلم بسيف خشب لا حديد،
نصًّا 1، وليس من اللهو المحرم ولا المكروه تأديب فرسه، وملاعبة أهله، ورميه عن قوسه، لحديث عقبة مرفوعًا: "كل شيء يلهو به ابن آدم فهو باطل" 2 ثم استثنى هذه الثلاثة، رواه أحمد وغيره.
والمراد ما فيه مصلحة شرعية، ويدخل فيه تعليم الكلب للصيد والحراسة، وتعليم السباحة، ومنه ما في الصحيحين: من لعب الحبشة بدرقهم وحرابهم، وتوثبهم بذلك على هيئة الرقص، في يوم عيد، في مسجد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وستر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشة وهي تنظر إليهما.
ودخل عمر فأهوى إلى الحصى يحصبهم، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "دعهم يا عمر" 3 متفق عليه.
وكره لمن تعلم الرمي أن يتركه كراهة شديدة لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من علم الرمي ثم تركه فهي نعمة كفرها" 4، وتجوز المصارعة، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صارع ركانة فصرعه 5. رواه أبو داود.
ويجوز رفع الأحجار لمعرفة الأشد، لأنه
في معنى المصارعة.
وأما اللعب بالنرد، والشطرنج 1، ونطاح الكباش، ونقار الديوك -قلت: ومثله معاض الحمير- فلا يباح بعوضٍ ولا بغيره، وهي بالعوض أشد حرمة.
ولا تجوز مسابقة (بعوض) أي مال، لمن سبق (إلا على) مسابقة (إبل، وخيل، وسهام) أي نُشَّاب 2 ونبل للرجال، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر" 3 رواه الخمسة، ولم يذكر ابن ماجه: "نصل".
وذكر ابن عبد البر تحريم الرهن في غير الثلاثة إجماعًا 4.
(وشرط) لصحتها خمسة شروط:
أحدها: (تعيين المركوبين) في المسافة، وتعيين الرماة في المناضلة برؤية فيهما، سواء كانا اثنين أو جماعتين، لأن القصد في المسابقة معرفة ذات المركوبين المسابق عليهما، ومعرفة عدوهما، وفي المناضلة معرفة حذق الرماة، ولا يحصل ذلك إلا بالتعيين بالرؤية، ولا يشترط تعيين الراكبين، = المرام" (ص 216). ورواه البيهقي في "السنن" (كتاب السبق والرمي (10/ 18) عن سعيد بن جبير مرسلًا وقال: مرسل جيد.
اهـ
ولا القوسين.
(و) الشرط الثاني: (اتحادهما) أي المركوبين بالنوع في المسابقة، أو اتحاد القوسين بالنوع في المناضلة، لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة، أشبها الجنسين، فلا تصح بين عربي وهجين 1، ولا بين قوس عربية وفارسية (و) شرط (تعيين رماة) في المناضلة كما تقدم آنفًا.
(و) الشرط الثالث: (تحديد مسافة) بالابتداء والغاية، وتحديد مدى رمي بما جرت به العادة، أما في المسابقة فلأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصل إلا بالتساوي في الغاية، لأن من الحيوان ما يقصر في أول عدوه، ويسرع في انتهائه، وبالعكس، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه، فإن استبقا بلا غاية لينظر أيهما يقف أولًا، لم يجز، وأما في المناضلة فلأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد، فإن قيد بمدى تتعذر فيه الإصابة غالبًا، لم يصح، لأنه يفوت به الغرض المقصود به الرمي.
(و) الشرط الرابع: (علم عوض) لأنه مال في عقد، فوجب العلم به كسائر العقود، ويعلم بالمشاهدة أو الوصف، ويجوز حالًّا ومؤجلًا، وبعضه حالًّا وبعضه مؤجل، كالبيع (وإباحته) أي العوض وهو تمليك للسابق بشرط سبقه.
(و) الشرط الخامس: (خروج) بالعوض (عن شبه قِمار) -بكسر القاف- يقال: قامره قمارًا ومقامرة فقمره، إذا راهنه فغلبه 2، بأن لا يخرج جميعهم العوض، لأنه إذا أخرجه كل منهم، لم يخل أن يغنم أو يغرم، وهو شبه القمار، فإن كان الجُعل من الإمام، أو من غيره، جاز، على أن من سبق فهو له، لما فيه من المصلحة، والقربة، والحث على تعلم الجهاد، ونفع
المسلمين، أو كان الجُعل من أحد المتسابقين، أو من اثنين منهم فأكثر، إذا كثروا، وثمَّ من لم يُخرج، على أن من سبق أخذه جاز، فإن جاءا معًا فلا شيء لهما من الجعل، لأنه لم يسبق أحدهما الآخر، وإن سبق مخرج أحرزه ولم يأخذ من صاحبه شيئًا لئلا يكون قمارًا، وإن سبق الذي لم يخرج أحرز سبق صاحبه، فيملكه، كسائر ماله، كالعوض في الجعالة إذا وفَّى بالعمل، وإن أخرجا معًا لم يجز، إلا بمحلل لا يخرج شيئًا، ولا يجوز كون المحلل أكثر من واحد يكافئ مركوبه مركوبيهما في المسابقة، أو يكافئ رميه رمييهما في المناضلة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أدخل فرسًا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فليس قمارًا، ومن أدخل فرسًا بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار" 1 رواه أبو داود.
وإن سبق المخرجان المحلل، ولم يسبق أحدهما الآخر، أحرزا سبقهما، ولا شيء للمحلل، لأنه لم يسبق أحدهما، ولم يأخذا منه شيئًا، لئلا يكون قمارًا، وإن سبق هو أحرز السبقين، أو سبق أحدهما صاحبه والمحلل أحرز السبقين لوجود شرطه، وإن سبق المحلل وأحد المخرجين معًا، أحرز السابق منهما مال نفسه لسبقه، ويكون سبق المسبوق بين السابق والمحلل نصفين، وإن وصلوا الغاية دفعة واحدة أحرز كل واحد منهما سبق نفسه، لأنه لا سابق، ولا شيء للمحلل، لأنه لم يسبق.
والمسابقة جعالة، لا يؤخذ بعوضها رهن ولا كفيل، ولكل فسخها، ما لم يظهر الفضل لصاحبه، ويبطل سباق بموت أحدهما كسائر العقود الجائزة، أو بموت أحد المركوبين، لتعلق العقد بعينه، ولا يبطل بموت أحد الراكبين، أو تلف أحد القوسين، لأنه غير المعقود عليه، كموت أحد المتبايعين.
ويحصل سبق في خيل متماثلي العنق برأس، وفي خيل مختلفيهما بكتف، وفي إبل بكتف، ويعتبر لمسابقة بعوض إرسال الفرسين، أو البعيرين، دفعة واحدة، وأن يكون عند أول المسافة من يشاهد إرسالهما، وعند الغاية من يضبط السابق منهما، لئلا يختلفا في ذلك.
ويحرم أن يجنب أحدهما مع فرسه أو وراءه فرسًا لا راكب عليه، يحرضه على العدو، وأن يصيح به في وقت سباقه، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا جلب ولا جَنَبَ في الرهان" 1 رواه أبو داود.
فصل في العارية
بتخفيف الياء، وتشديدها، من عار الشيء إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للبطال: عيار، لتردده في بطالته، وأعاره وعاره لغتان كأطاعه وطاعه، أو من العري، وهو: التجرد لتجردها من العوض، أو من التعاور، وهو: التناوب، لجعل المالك للمستعير نوبة في الانتفاع بها 1.
(والعارية سنة) لأنها من البر والمعروف، ولا تجب لحديث: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك" 2 رواه ابن المنذر، ولحديث: "ليس في المال حق سوى الزكاة" 3 ونحوه، فيرد ما خالفه إليه جمعًا بين الأخبار.
وتنعقد بكل قول أو فعل يدل عليها: كأعرتك هذه الدابة، أو أركبها إلى كذا أو استرح عليها، ونحوه، وكدفعه دابة لرفيقه عند تعبه، وتغطيته بكسائه لبرده، وإذا ركب الدابة، أو استقر الكساء عليه، كان قبولًا (وكلُّ ما ينتفع به) من الأعيان (مع بقاء عينه) كرقيق ودواب ودور ولباس وأوان (نفعًا مباحًا تصح إعارته) بخلاف ما لا ينتفع به، إلا مع تلف عينه، كأطعمة، وأشربة، وبخلاف غير مباح النفع، لأن الإعارة لا تبيح إلا ما
أباحه الشرع، فلا تصح إعارة لغناء، أو زمر، ونحوه، ولا إناء من أحد النقدين، ولا حلي محرم، ولا أمة ليطأها، أو يقبِّلها، ونحوه (إلا البضع) بضم الباء أي الفرج، فلا تصح إعارته، لأنه لا يباح إلا بملك، أو نكاح (و) إلا (عبدًا مسلمًا لكافر) فتحرم إعارته له للخدمة خاصة، كما تحرم إجارته لها (و) إلا (صيدًا ونحوه) كطيب (لِمُحْرِمٍ) فلا تصح إعارته له، لأنه معاونة على الإثم والعدوان (و) إلا (أمة وأمرد لغير مأمون) فلا تصح إعارته لخدمة، ولا غيرها، لأنه إعانة على الفاحشة.
(وتضمن) العارية (مطلقًا) فرط أو لم يفرط، لما روى الحسن عن سمرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" 1. رواه الخمسة وصححه الحاكم.
وعن صفوان أنه -عليه السلام- استعار منه يوم حنين أدراعًا فقال: "أغاصب يا محمد؟ فقال: "بل عارية مضمونة" 2 رواه أحمد وأبو داود، ويكون ضمانها (بمثل مثلي) لأنه أقرب إليها من القيمة (و) بـ (قيمة غيره) أي المثلي، وهو المتقوم، لأنه حينئذ يتحقق فوات العارية، فوجب الضمان به، ويلغو شرط عدم ضمانها، كإلغاء شرط ضمان أمانة، لأن مقتضى العقد في العارية الضمان، وفي الأمانة عدمه، فإذا شرط خلافه فسد، لمنافاته مقتضى العقد (يوم تلف) ووقته ليلًا كان أو نهارًا و (لا) تضمن (إن تلفت) بعض أجزائها (باستعمال بمعروف كخمل منشفة) وطنفسة
-بكسرتين- وهي: بساط له خَمْل ونحوهما 1، أو تلفت كلها بمرور الزمان، فلا تضمن، لأنه تلف بالإمساك المأذون فيه، أشبه تلفه بالفعل المأذون فيه، ولو جرح ظهر الدابة الحمل وجب الضمان، سواء كان الحمل معتادًا، أو لا، لأنه غير مأذون به.
(ولا) تضمن العارية (إن كانت وقفًا ككتب علم) ونحوها، كأدراع موقوفة على الغزاة (إلا بتفريط) أو تعد (وعليه) أي المستعير (مؤنة ردها) لحديث: "العارية مؤداة" 2. وحديث: "وعلى اليد ما أخذت حتى ترده" 3. وليس عليها مؤنتها زمن انتفاعه بها، كالمؤجرة، ويقبل قول مستعير بيمينه أنه لم يتعد الاستعمال بالمعروف، لأنه منكر.
(وإن أركب) إنسان دابته (منقطعًا، للَّه) تعالى فتلفت تحته (لم يضمنـ) ـها، لأنها غير مقبوضة، لأنها بيد صاحبها، وراكبها لم ينفرد بحفظها، أشبه ما لو غطى ضيفه بلحاف، فتلف عليه، لم يضمنه.
ومن قال لرب دابة: لا أركب بأجرة، فقال ربها: ما آخذ منك أجرة، ثم ركبها فعارية، لأن ربها لم يبذلها إلا كذلك، أو استعمل مودع الوديعة بإذن ربها، فعارية.
ولا يضمن ولد عارية سُلِّم معها بتلفه عند مستعير، ولا زيادة حدثت عنده في معار إلا بتعد أو تفريط.
وإن اختلف المالك والقابض، فقال المالك: آجرتك، قال: بل أعرتني قبل مضي مدة لها أجرة، فقول قابض بيمينه، وإن كان بعدها، فقول مالك فيما مضى بيمينه، ويجب له أجرة المثل، أو قال قابض: أعرتني أو أجرتني، فقال مالك: غصبتني، فقول مالك بيمينه، وإن قال مالك: أعرتك، وقال قابض: أودعتني، فقول مالك، وكذا في عكسها.
فصل في الغصب
مصدر غصب يغصب، ويقال: اغتصبه يغتصبه اغتصابًا، والشيء مغصوب وغصب، وهو لغة: أخذ الشيء ظلمًا 1. وشرعًا: استيلاء غير حربي على حق غيره، قهرًا، بغير حق 2، ومنه المأخوذ مُكسًا 3، ونحوه.
(والغصب) محرم إجماعًا بالكتاب والسنة 4. وهو (كبيرة) والكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة 5. قال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من ظلم شبرًا من أرض طوَّقه اللَّه يوم القيامة من سبع أرضين" 6 متفق على معناه، وفي لفظ: "من غصب شبرًا من الأرض" 7 (فمن غصب كلبًا يُقتنى) ككلب صيد (أو خمر ذمي محترمة) أي مستورة لزمه (ردهما) لأنهما غير ممنوع من إمساكهما، وكذا لو غصب دهنًا متنجسًا، لأنه يجوز الاستصباح به في غير مسجد، أو خمر خلّال.
وإن تخلل خمر في يد غاصب، لزمه رده، فإن تلف ضمنه، و (لا) يلزمه رد (جلد ميتة) غصب، لأنه لا يطهر بدبغ، فلا سبيل إلى إصلاحه.
(وإتلاف الثلاثة) أي الكلب المقتنى، وخمر الذمي، وجلد الميتة (هدر) لأنه ليس لها عوض شرعي، لأنه لا يجوز بيعها، كخنزير، وكخمر غير مستورة، ولو لذمي، وتجب إراقة خمر المسلم غير الخلّال، لأنه لا يقر على اقتنائه.
(وإن استولى) إنسان (على حر مسلم) كبيرًا كان أو صغيرًا، بأن حبسه، ولم يمنعه الطعام والشراب فمات عنده (لم يضمنه) لأنه ليس بمال (بل) يضمن (ثياب) حر (صغير وحليَّه) ولو لم ينزعهما عنه، وعلى من أبعده عن بيت أهله رده إليه، وعليه مؤنته.
ولا يضمن دابة غصبت وعليها مالكها الكبير ومتاعه، لأنها في يد مالكها (وإن استعمله) أي الحر (كرهًا) في خدمة أو غيرها (أو حبسه) مدة لها أجرة (فعليه أجرته) مدة حبسه، لأنه فوت منفعته زمن الحبس، وهي مال يجوز أخذ العوض عنه (كـ) منافع الـ (قن) لا إنْ منع شخصًا العمل من غير حبس، فلا أجرة، لأنه في يد نفسه.
(ويلزمه) أي الغاصب (رد مغصوب بزيادته) متصلة كانت أو منفصلة، إلى محله إن قدر عليه، ولو كان رده بأضعاف قيمته، لحديث: "على اليد ما أخذت حتى ترده" 1. رواه أبو داود وغيره.
وإن قال رب مغصوب مبعد، لغاصب أبعده: دعه بالبلد الذي هو بها، وأعطني أجرة رده إلى بلد غصبه، في يلزم الغاصب إجابته إلى ذلك، لأنها معاوضة، وإن أراد مالك من غاصب رده إلى بعض الطريق فقط، لزمه، لأنه يلزمه إلى جميع المسافة، فلزمه إلى بعضها، وكذا إن طلب إبقاءه بمحله، ويجوز ما اتفقا عليه من ذلك.
(وإن نقص) مغصوب عند غاصب (لغير تغير سعر، فعليه أرشه) فيقوَّم صحيحًا وناقصًا، ويغرم الغاصب ما بينهما، لأنه ضمان مال من غير جناية، فكان الواجب ما نقص.
وإن نقص مغصوب بتغير السعر، بأن نزل السعر لذهاب نحو موسم، لم يضمن الغاصب ما نزل السعر، وإن سمر غاصب بالمسامير بابًا، أو غيره، قلعها وجوبًا، وردها لربها، للخبر 1، ولا أثر لضرره لأنه بتعديه.
وإن زرع الغاصب الأرض، فليس لربها بعد حصد الزرع إلا أجرة المثل، من وضع يده على الأرض إلى ردها، ويخير قبل حصاد بين تركه إليه بأجرته، أو تملكه بنفقته، وهي مثل البذر، وعوض لواحقه من حرث وسقي ونحوهما، لحديث رافع بن خديج مرفوعًا: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته" 2. رواه أبو داود والترمذي وحسنه، قال أحمد: إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانًا على خلاف القياس 3.
ولا يجبر غاصب على قلع زرعه، لأنه أمكن رد المغصوب إلى مالكه بلا إتلاف مال الغاصب على قرب من الزمان، فلم يجز إتلافه، كسفينة غصبها وحمل فيها متاعه وأدخلها الُّلجَّة، بخلاف الشجر، لأن مدته تطول، ولا يعلم انتهاؤها، وحديث: "ليس لعرق ظالم حق" 4 وَرَدَ في الغرس،
وحديث رافع في الزرع 1، فعَمَلُ كل منهما في موضعه، أولى من إبطال أحدهما.
(وإن بنى) غاصب أرضًا فيها (أو غرس) فيها (لزمه قلع) بنائه وغرسه، لحديث: "ليس لعرقٍ ظالمٍ حق" 2 رواه الترمذي وحسنه (و) لزمه (أرش نقص، وتسوية) حفر (أرض) لحصوله بتعديه (و) لزمه (الأجرة) إلى تسليمها، لتلف منافعها تحت يده العادية، وكذا لو لم يتفع بها لزمه أجرتها، وأرش نقصها إن نقصت بترك زرعها ذلك العام، كأراضي البصرة، كما لو نقصت بغيره، حتى ولو كان الغاصب أحد الشريكين، أو لم يغصبها، لكن فعله بغير إذن شريكه، للتعدي.
ولا يملك رب أرض أَخْذَ غَرس أو بناء بقيمته، لأنه عين مال الغاصب، أشبه ما لو وضع فيها أثاثًا أو نحوه، ولأنه معاوضة، فلا يجبر عليها المالك، وإن وهبه لمالكها، لم يجبر على قبوله، لأن فيه إجبارًا على عقد يعتبر فيه الرضى، ورطبة ونحوها مما يتكرر حمله، كقثاء كزرع، فلربها إذا أدركه قائمًا أن يتملكه بنفقته، أو يتركه بأجرته، لأنه ليس له عرق قوي أشبه الزرع، وإن أثمر ما غرسه غاصب في مغصوبة فالثمر له.
ومتى كانت آلات البناء من مغصوب، بأن ضرب من ترابه لبنًا، وبنى به بيتًا فيها، فعليه أجرتها مبنية، لأن الأرض والبناء ملك المغصوب منه، ولا يملك غاصب هدمها، لأنه لا ملك له فيه، ولم يأذن له ربه فيه، فإن نقضه فعليه أرش نقضه.
ومن غصب أرضًا وغراسًا منقولًا من واحد، فغرسه فيها، لم يملك قلعه، لأن مالكهما واحد، ولا يتصرف غيره في ملكه بلا إذنه، وعليه إن = غريب.
اهـ ينظر: "التلخيص الحبير" (3/ 61).
فعل تسويتها، وأرش نقص، لتعديه به، أو طَلَبَ القلعَ ربهما لغرض صحيح، بأن كان لا ينتج مثله في تلك الأرض مثلًا، فعليه تسويتها، وأرش نقصها، وأرش نقص غراس، لتعديه به، فإن لم يكن لمالك غرض صحيح في قلعه، لم يجبر عليه غاصب، لأنه سفه.
وإن غصب أرضًا من واحد، وغرسًا من آخر، فغرسه فيها، فكما لو حمل السيل غراسًا إلى أرض آخر، فلرب الأرض أخذه بقيمته، أو قلعه مع ضمان نقصه، وكذا لو غصب أرضًا من واحد، وحبًّا من آخر، وزرعه فيها.
وإن غصب خشبًا، فرقع به سفينة، قُلِعَ إن كانت في الساحل، أو في لجة البحر لا يخاف عليها من قلعه، لكونه في أعلاها، ودفع إلى ربه بلا إمهال، لوجوبه فورًا، ويمهل مع خوف على سفينة بقلعه بأن يكون في محل يخاف من قلعه دخول الماء إليها، وهي في اللجة حتى ترسي، لئلا يؤدي قلعه إلى إفساد ما في السفينة من المال، مع إمكان رده بدونه في زمن يسير، فإن تعذر الإرساء لبعد البر، فلمالك خشب مغصوب أخذ قيمته، للضرر برد عينه إذن، ومتى رست، واسترجعه، رد القيمة، وعلى الغاصب أجرة الخشب إلى أخذ قيمته إن أخذها، وإلا فإلى رده، وعليه أرش نقصه.
وإن غصب ما خاط به جرحَ محترم من آدمي أو غيره، وخيف ضرر آدمي، أو تلف غيره، فقيمته لمالكه، لتأكد حرمة الآدمي، ولهذا جاز له أخذ مال غيره لحفظ حياته.
وحرمة الحيوان آكد من بقية الأموال، ولو ابتلعت شاةَ شخصٍ جوهرة آخر، ولا تخرج إلا بذبحها، وهو أقل ضررًا: ذبحت، وعلى رب الجوهرة ما نقص بالذبح، إن لم يفرط رب الشاة بكون يده عليها، وإن حصل رأسها بإناء، ولم يخرج إلا بذبحها، أو كسره، ولم يفرطا، كسر الإناء، وعلى مالكها أرشه، ومع تفريط رب الشاة، تذبح بلا ضمان، ومع
تفريط رب الإناء، يكسر بلا أرش، ويتعين في غير مأكولة اللحم كسر الإناء، وعلى ربها أرشه إن فرط.
(ولو غصب) إنسان ما -أي شيئًا- (اتجر) به، كدنانير ودراهم (أو) غصب ما (صاد) به من جارح، أو شبكة، أو شَرَك (أو) غصب ما (حصد به) أو قطع به من منجل، أو فأس (فمهما حصل بذلك) من ربح تجارة، أو صيد جارح، ونحوه، أو ما حصل بمنجل، أو قطع بفأس من حشيش، أو خشب (فلمالكه) أي مالك المغصوب لكن الصحيح أن ما حصد بمنجل، أو قطع بفأس، فهو لغاصب.
قال في "شرح المنتهى": ولو غصب منجلًا أو فأسًا، شقطع به حشيشًا أو خشبًا، فلغاصب، لحصول الفعل منه، كما لو غصب سيفًا، فقاتل به وغنم.
وفي "التلخيص": إن غصب كلبًا، وصاد به، فهو للغاصب.
انتهى 1.
(وإن خلطه) أي المغصوب غاصب (بما لا يتميز) كزيت بزيت، ونقد بنقد من جنسه، على وجه لا يتميز منه، لزمه مثله، كيلًا، أو وزنًا من المختلط، لأنه قدر على رد بعض ماله إليه، مع رد المثل في الباقي، فلم ينقل إلى بدله في الجميع، كمن غصب صاعًا فتلف بعضه، وإن خلط بدونه، أو بجزء منه من جنسه، أو خلطه بغير جنسه على وجه لا يتميز، كزيت بشيرج، ودقيق حنطة بدقيق شعير، ونحوه (أو صبغ الثوب) ولم تنقص قيمة أحدهما (فهما شريكان بقدر ملكيهما) لاجتماع ملكيهما، وهو يقتضي الاشتراك.
وإن زادت قيمة أحدهما، كأن كانت قيمة الثوب عشرة والصبغ خمسة، وصار مصبوغًا يساوي عشرين بسبب غلو الثوب، أو الصبغ، فالزيادة لصاحب الذي علا سعره، لأنها تبع لأصلها (وإن نقصت القيمة) بسبب الخلط، أو الصبغ (ضمن) غاصب النقص، لتعديه بذلك.
فصل
(ومن اشترى أرضًا فغرس، أو بنى) فيها (ثم) وجدت الأرض (مستحقة 1 وقُلع ذلك) أي الغرس أو البناء (رجع) المشتري (على بائع بما غرمه) بسبب ذلك، من ثمن أقبضه، وأجرة غارس، وبانٍ، وثمن مؤن مستهلكة، وأرش نقص بقلع، ونحو ذلك، لأن البائع غر المشتري ببيعه إياها، وأوهمه أنها ملكه، وكان سببًا في غراسه، أو بنائه، فرجع عليه بما غرمه.
ولا يرجع بما أنفق على العبد والحيوان، ولا بخراج الأرض، إذا كانت خراجية، لأنه دخل في الشراء ملتزمًا ضمان ذلك.
(وإن أطعمه) أي المغصوب غاصب (لعالم بغصبه، ضمن آكلٌ) لأنه المباشر، ولا غرر، وإن لم يعلم آكل بالغصب، فقرار الضمان على غاصب، لأنه غر الآكل، وإن أطعمه لمالكه، أو لعبده، أو دابته، فأكله عالمًا أنه له، ولو بلا إذنه، برئ الغاصب، لأن المالك أتلف ماله عالمًا من غير تغرير، فلم يكن له رجوع به على أحد.
(ويُضمن) مغصوب تلف، أو أتلفه الغاصب، أو غيره (مثلي) وهو المكيل والموزون (بمثله) كالأثمان، ولو نقرة، أو سبيكة، وكالحبوب، وكالأدهان، يضمن (وغيره) أي غير المثلي، وهو: المتقوم كالثوب والعبد والدابة (بقيمته) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من أعتق شركًا له في عبد قوّم عليه قيمة العدل" 2 متفق عليه.
فأمر بالتقويم في حصة الشريك، لأنها متلفة بالعتق،
ولم يأمر بالمثل، لأن هذه الأشياء لا تتساوى أجزاؤها، وتختلف صفاتها، فالقيمة فيها أعدل، وأقرب إليها، فكانت أولى، وتعتبر القيمة يوم تلفه في بلد غصبه من نقده، فإن كان فيه نقود فمن غالبها، ولا قصاص في المال، مثل شق ثوبه ونحوه، بل الضمان بالبدل، أو الأرش.
(وحرم تصرف غاصب) وغيره ممن علم بالحال (بمغصوب) بما ليس له حكم، من صحة وفساد، كإتلاف، واستعمال، وكذا بما له حكم بأن يوصف بأنه صحيح أو فاسد، ولذا بينه بقولى: (ولا يصح عقد) من بيع، أو إجارة، أو هبة، ونحوها (ولا) تصح (عبادة) لحديث: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" 1.
فإن اتجر غاصب بعين مغصوب أو عين ثمنه، وظهر ربح، فهو لمالك مغصوب دون غاصبه، لأنه نماء ملكه ونتيجته (والقول في) قيمة مغصوب (تالف) أ (و) في (قدره) أ (و) في (صفته) أو في حدوث عيبه، أو في صناعة فيه (قوله) أي الغاصب، بيمينه حيث لا بينة للمالك، لأنه منكر، والأصل براءته من الزائد (و) القول (في رده) أي المغصوب، إلى مالكه أو في (و) جود (عيب فيه) بأن قال الغاصب: كان العبد أعور، أو أعرج، ونحوه (قول ربه) بيمينه على نفي ذلك، لأن الأصل عدم الرد أو العيب، وإن اتفقا على أنه كان به عيب، أو قامت به بينة، فقال الغاصب: غصبته وبه العيب، وقال ربه: بل حدث عندك، فقول غاصب بيمينه، لأنه غارم.
(ومن بيده غصب، أو غيره) من رهن أو أمانة (وجهل ربَّه) أو عرف وفقد، وليس له ورثة (فله الصدقة به عنه) أي عن ربه، بلا إذن حاكم لكن (بنية الضمان) لربه إن ظهر، لأن الصدقة عنه بدون ضمان إضاعة له، لا إلى بدل، وهو غير جائز.
(ويسقط إثم غصب) عن غاصب، إثم مسروق عن سارق، ونحوه، بالصدقة به، لأنه معذور بعجزه عن الرد، لجهله بالمالك، وثوابُها لأربابها، وإن حضروا بعد الصدقة بها، خيروا بين الأجر، والأخذ من المتصدق، فإن أخذوا منه فالثواب له، نصًّا 1.
ومن لم يقدر على مباح يأكله، لم يأكل من حرام ماله غنية عنه، كحلوى، وفواكه، ويأكل عادته.
(ومن أتلف) من مكلف، أو غيره، إن لم يدفعه له ربه (ولو يسيرًا) 2 مالًا (محترمًا) لغيره (ضمنه) أي ما أتلفه لأنه فوته عليه، فوجب عليه ضمانه، كما لو غصبه فتلف عنده، وإن أكره على إتلاف مال مضمون، فمكرهه يضمنه، ولو مال نفسه، ولا يضمن المال غير المحترم بإتلاف كإتلاف صائل لم يندفع بدونه، ومال حربي، ومال بغاةٍ حالَ حرب.
وإن فتح قفصًا عن طائر، أو حل قيد قن، أو أسير، أو دفع لأحدهما مِبرْدًا فبرده، أو حل فرسًا ونحوها، أو رباط سفينة، ففات ذلك، أو عقر شيء من ذلك، أو أتلف شيئًا بسبب إطلاقه؛ ضمنه، أو حل وكاء زِقٍّ مائع، أو جامد، وأذابته الشمس، أو باقي بعد حله، فألقته ريح، ونحوها، فاندفق؛ ضمنه.
ولا يضمن دافع مفتاح للص ما سرقه 3، وإن ضرب يد آخر وفيها نحو دينار، فضاع، أو ألقى عمامته عن رأسه، أو هزه في خصومة، فسقطت وضاعت، أو تلفت، ضمن.
(وإن ربط) شخص (دابة) له أو لغيره أو أوقفها (بطريق ضيق) أو
واسع، نصًّا 1، لما ذكره في "الإقناع" 2 (ضمن ما أتلفته مطلقًا) لتعديه، لأنه ليس له في الطريق حق، وطبع الدابة الجناية بفمها، أو رجلها، فإيقافها في الطريق كوضع الحجر، ونصب السكين فيه، وكذا لو ترك في الطريق طينًا، أو خشبة، أو عمودًا، أو حجرًا، أو كيس دراهم، أو أسند خشبة إلى حائط، ضمن ما تلف بسبب ذلك، لتعديه، ويضمن ما أخذه ظالم بإغرائه ودلالته، لتسببه فيه.
ومن اقتنى كلبًا عقورًا، ولو لصيد وماشية، أو اقتنى كلبًا لا يُقتنى، أو أسود بهيمًا، أو أسدًا، أو غزالًا، أو ذئبًا، أو هرًّا تأكل الطيور، وتقلب القدور عادة، مع علمه، قال المنقح 3: وعلى قياس ذلك الكبش المعلم للنطاح.
انتهى.
فعقر شيء من ذلك آدميًّا، أو دابة، أو خرق ثوب من دخل منزل المقتني بإذنه، إن لم ينبهه عن الكلب، وكذا لو خرق ثوب من هو خارج منزله، أو نفحت دابة بمكان ضيق من ضربها، فتلف بذلك شيء، ضمنه لتسببه فيه، فإن عقر، أو خرق من أدخل منزل ربه بلا إذنه، فلا ضمان.
ويجوز قتل هر يأكل اللحم ونحوه، إن لم يندفع بدونه، كصائل، ومن أجج نارًا بملكه، أو سقاه، فتعدى ذلك إلى ملك غيره، فأتلفه لا بطيران ريح، ضمنه، إن أفرط أو فرط.
ولا يضمن رب غير ضارية 4، وغير جوارح، ما أتلفته، إن لم تكن يده عليها، لحديث: "العجماء جرحها جبار" 5. متفق عليه.
يعني:
هدرًا 1.
(وإن كانت الدابة بيد راكب، أو) يد (قائد، أو) يد (سائق) مالكًا كان، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو موصى له بنفعها، قادر على التصرف فيها (ضمن جناية مقدَّمها) من لحمها وحدها (و) ضمن (وطئها برجلها) لحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "من وقف دابة في سابلة من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فوطئت بيد أو رجل فهو ضامن" 2. رواه الدارقطني.
ولا يضمن ما نفحت برجلها بلا سبب، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الرجل جبار" 3 رواه أبو داود، وخص بالنفح دون الوطء لإمكان من بيده الدابة أن يمنعها وطء ما لا يريد أن تطأه، بتصرفه فيها، بخلاف نفحها، فلا يمكنه منعها منه، ما لم يجذبها باللجام، زيادة على العادة، أو يضرب وجهها، فيضمن ما نفحته برجلها، لأنه السبب في جنايتها.
وإن تعدد راكب ضمن الأول، لأنه المتصرف فيها، أو من خلفه إن انفرد بتدبيرها، لصغر الأول، أو مرضه، أو عماه، وإن اشتركا في تدبيرها، أو لم يكن إلا سائق وقائد، اشتركا في الضمان.
ويضمن رب دابة، ومستأجر، ومستعير، ومودع، ما أفسدت من
زرع، وشجر، وغيرهما ليلًا فقط، نصًّا 1، لحديث مالك، عن الزهري، عن حرام بن سعد، عن مُحيصة: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت بالليل فهو مضمون عليهم 2. ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا، وحفظها ليلًا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا، فإذا أفسدت شيئًا ليلًا كان من ضمان من هي بيده، إن فرط في حفظها، بأن لم يضمنها، بحيث لا يمكنها الخروج، فإن فعل فأخرجها غيره، أو فتح عليها بابها، فعليه الضمان دون مالكها، لتسببه، ولا يضمن ما أفسدت نهارًا، للخبر 3، إلا غاصب، فيضمن ما أفسدت نهارًا -أيضًا- لتعديه بإمساكها.
ومن طرد دابة من مزرعته لم يضمن ما أفسدته، إلا أن يدخلها مزرعة غيره، إن لم تتصل المزارع، فإن اتصلت لم يطردها، وصبر، ليرجع على ربها ببدل ما تأكل، حيث لا يمكنه منعها إلا بتسليطها على مال غيره.
ومن قتل صائلًا عليه، ولو آدميًّا، صغيرًا أو كبيرًا، حرًّا أو عبدًا، عاقلًا أو مجنونًا، دفعًا عن نفسه، لم يضمنه، إن لم يندفع إلا بالقتل، أو قتل خنزيرًا، أو كلبًا عقورًا، لم يضمنه، أو أتلف مزمارًا، أو طنبورًا، أو عودًا، أو طبلًا، أو دفًّا بصنوج، أو حلق، أو نردًا، أو شطرنجًا، أو صليبًا، أو
كسر إناء فضة أو ذهب، أو حليًا محرمًا على ذكر لم يتخذه مالكه يصلح للنساء، أو آلة سحر، أو تنجيم، أو كتب صور خيال، أو أوثانًا، أو كتب مبتدعة مضلة، أو كتب كفر، أو كتبًا فيها أحاديث رديئة، لم يضمن الجميع.
فصل في الشفعة
بإسكان الفاء، من الشفع، وهو: الزوج، لأن نصيب الشفيع كان منفردًا في ملكه، وبالشفعة يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به 1. وهي شرعًا: استحقاق الشريك انتزاع شقص شريكه ممن انتقل إليه بعوض مالي إن كان المنتقل إليه مثله مسلمًا أو كافرًا 2.
والشفعة ثبتت بالسنة، واتفاق كافة العلماء 3، لحديث جابر: قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، فلا شفعة 4. متفق عليه.
ولا تسقط باحتيال على إسقاطها، لأنها إنما شرعت لدفع الضرر، كأن يظهر المتعاقدان في البيع شيئًا لا يؤخذ بالشفعة معه، ويتواطآن في الباطن على خلافه، كإظهار التواهب، أو زيادة الثمن، ونحوه.
(وتثبت الشفعة) للشريك في الشِّقص 5 المبيع (فورًا) أي ساعة يعلم بالبيع، إن لم يكن عذر، وإلا بطلت، نصًّا 6، لحديث: "الشفعة كحل
العقال" 1 رواه ابن ماجه، وفي لفظ: "الشفعة كنشطة العقال إن قيدت ثبتت وإن تركت فاللوم على من تركها" فإن أخر طلب الشفعة لشدة جوع، أو عطش، حتى يأكل أو يشرب، أو لطهارة، أو لإغلاق باب، أو ليخرج من حمام، أو ليؤذن ويقيم، أو ليشهد الصلاة في جماعة يخاف فوتها، أو من علم ليلًا حتى يصبح، مع غيبة مشتر في جميع هذه الصور، أو لصلاة وسننها ولو مع حضوره، لم تسقط، لأن العادة تقديم هذه الحوائج ونحوها على غيرها، أو أخر الطلب جهلًا بأن التأخير مسقط للشفعة، ومثله يجهله، لم تسقط، بخلاف ما لو تركها جهلًا باستحقاقه لها، أو نسيانًا للطلب، أو البيع، فإن لم يكن مثله يجهله، سقطت شفعته، وإن أشهد بطلبه غائب، أو محبوس، أو مريض، لم تسقط، فإن لم يشهد سقطت، أو سار في طلبها بلا إشهاد سقطت -أيضًا-.
وإنما تثبت الشفعة (لمسلم) فلا شفعة لكافر على مسلم، بخلاف عكسها، كما تقدم 2 (تام الملك) فلا تثبت الشفعة لمالك بملك غير تام، = قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في "الفتاوى" (ص 438): ذكر الأصحاب من شروط الشفعة أن يطالب بها على الفور.
والصحيح أن حق الشفعة كسائر الحقوق، لا يسقط إلا بما يدل على السقوط.
اهـ
كشركة وقف، ولو على معين، فلا يأخذ موقوف عليه بالشفعة، لقصور ملكه عليه، فتثبت له (في حصة شريكه المنتقلة) عنه (لغيره، بعوض مالي) إما بالبيع، أو ما في معناه، كما تقدم 1 (بما استقر عليه العقد) متعلق وما قبله بتثبت فخرج بقوله: في حصة شريكه: الجار، والموصى له بنفع دار، إذا باعها، أو بعضها وارث، لأن الموصى له ليس بمالك لشيء من الدار، وقولة: بعوضٍ، مخرج للموروث والموصى به، والموهوب بلا عوض، ونحوه، وقوله: مالي مخرج للمجعول عوضًا عن مهر، أو خلع، أو دم عمد صلحًا، ونحوه، وقوله: بما استقر عليه العقد: أي عقد البيع أو ما في معناه، لحديث جابر مرفوعًا: "هو أحق به بالثمن" 2. رواه الجوزجاني 3 في "المترجم"، ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع، فكان مستحقًّا له بالثمن كالمشتري، ويدفع لمشتر مثل ثمن مثلي، وقيمة ثمن متقوم، فإن تعذر مثل مثلي فقيمته، أو تعذرت معرفة المتقوم، فقيمة شقص مشفوع، وإن جهل الثمن كصبرة تلفت، أو اختلطت بما لا تتميز منه، ولم يكن ثمَّ حيلة على إسقاطها، سقطت، لأنها لا تستحق بغير بدل، فإن اتهمه شفيع أنه فعله حيلة حلفه.
(وشُرط) لثبوت الشفعة (تقدُّم مِلك شفيع) لجزء من رقبة ما منه الشقص المبيع، بأن يملكه قبل البيع، لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن
الشريك، فإذا لم يكن له ملك سابق، فلا ضرر عليه.
(و) شرط (كون شقص) مبيع (مشاعًا) أي غير مفرز (من أرض تحب قسمتها) إخبارًا بطلب من له فيها جزء، لحديث جابر مرفوعًا: "الشفعة فيما لم ينقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" 1 رواه الشافعي -رحمه اللَّه تعالى- ولحديثه -أيضًا-: "إنما جعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" 2 رواه أبو داود.
(ويدخل غراس وبناء) في الشفعة (تبعًا) لأرض، لحديث قضائه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالشفعة في كل مشترك لم يقسم ربعة أو حائطًا 3، وهذا يدخل فيه البناء والأشجار، و (لا) تدخل (ثمرة) ظاهرة (و) لا (زرع) في شفعة، لا تبعًا، ولا مفردًا، لأنه لا يدخل في البيع تبعًا، فلا يدخل في الشفعة، كقماش لدار.
(و) شرط (أخذ جميع) شقص (مبيع) دفعًا لضرر المشتري، بتبعيض الصفقة في حقه، بأخذ بعض المبيع (فإن أراد) الشريك (أخذ البعض) من المبيع، مع بقاء الكل، سقطت شفعته، وإن تلف بعضه، كانهدام بيت من دار بيع بعضها بأمر سماوي، أو بفعل آدمي مشتر، أو غيره، أخذ الشفيع باقيه إن شاء بحصته من ثمنه، فلو اشترى شقصًا من دار بألف تساوي ألفين، فباع بابها، أو هدمها، فبقيت بألف، أخذها الشفيع بخمسمائة بالحصة من الثمن نصًّا 4 (أو) إن (عجز عن بعض الثمن) أو عجز عنه كله (بعد إنظاره ثلاثًا) إن طلب الإنظار سقطت شفعته (أو قال لمشتر: بعني) ما اشتريت (أو صالحني) عليه، وأكرنيه، أو هَبْهُ لي، أو اشتريت رخيصًا،
سقطت شفعته، لأن هذا وشبهه دليل رضاه بشرائه، وتركه للشفعة (أو أخبره) إنسان (عدل) بالبيع (فكذبه) أي كذب مخبرًا له ولو واحدًا، لأنه خبر عدل يجب قبوله في الرواية والفتيا والأخبار الدينية، أشبه ما لو أخبره أكثر من عدل (ونحوه) أي نحو ما تقدم، مما يدل على رضاه بشرائه (سقطت) شفعته.
(فإن عفا بعضهم) أي الشركاء وترك شفعته، سقطت و (أخذ باقيهم الكلَّ، أو تركه) قال ابن المنذر: أجمع كل من احفظ عنه من أهل العلم على هذا 1، لأن في أخذ البعض إضرارًا بالمشتري، بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يزال بالضرر، وكما لو كان بعضهم غائبًا، فإنه ليس للحاضر إلا أخذ الكل أو تركه، فإن أخذه، فلصاحبه الخيار إذا حضر بين أخذ قدر سهمه من الشفعة وبين الترك، فإن امتنع من حضر من الشركاء من الشفعة حتى يحضر صاحبه، بطل حقه من الشفعة، لأن في تأخيره إضرارًا بالمشتري.
(وإن مات شفيع قبل طلب) مع قدرة، أو إشهاد مع عذر (بطلت) أي سقطت شفعته، لأنه نوع خيار، شرع للتمليك، أشبه الإيجاب قبل القبول، ولأنه لا يُعلم بقاؤه على الشفعة، لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل إلى الورثة ما يشك في ثبوته (وإن كان الثمن مؤجلًا أُخذ) شفيع (مليء) أي قادر على الوفاء (به) أي بالثمن المؤجل (وغيره) أي غير الملئ، يأخذه (بكفيل ملئ) نصًّا 2، لأنه تابع للمشتري في الثمن وصفته، والتأجيل من صفاته، ويعتد في قدر ثمن بما زيد فيه أو حط منه زمن خيار، لأنه كحالة العقد.
(ولو أقر بائع بالبيع، وأنكر مشتر) الشراء (ثبتت) الشفعة، لثبوت موجبها.
فصل في الوديعة
من وَدَعَ الشيء إذا تركه، لتركها عند المودَع 1، وأجمعوا على جواز الإيداع 2، لقوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 3، وحديث أبي هريرة مرفوعًا "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" 4 رواه أبو داود وغيره، ولحاجة الناس إليها.
والوديعة شرعًا: المال المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض 5، ويعتبر لها أركانُ وكالة، من كون كل منهما جائز التصرف، وتعيين وديع ونحوه، وتبطل بما يبطلها، إلا إذا عزله ولم يعلم، وإن عزل نفسه فهي أمانة بيده، كثوب أطارته الريح إلى داره، يجب رده إلى مالكه.
(ويسن قبول وديعة لمن يعلم من نفسه الأمانة) أي أنه ثقة قادر على حفظها، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" 6، قال في "المبدع" 7: ويكره لغيره إلا برضى ربها، قال في "شرح الإقناع" 8: