فَصْلٌ في الذَّكَاةِ
وهي تمامُ الشيءِ، ومنه الذَّكاةُ في السِّنِّ أي تمامه، سمي الذبح ذكاة لأنه إتمام الزهوق 1.
وأصله قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 2 أي أدركتموه وفيه حياة فأتممتموه 3، ثم استعمل في الذبح سواء كان بعد جرح سابق أو ابتداءً ذكره الزَّجَّاج 4، يقال: ذَكَّى الشاة ونحوها تذكية أي ذبحها.
و(لا يُبَاحُ حَيَوانٌ يَعِيْشُ في الْبَرِّ) مباح أكله (غير جَرَادٍ) إلا بذبحه أو نحره بقطع
حُلْقُومٍ ومَريءٍ أو عَقْرِ مُمتنعٍ لأنه تعالى حرم الميتة وما لم يذك فهو ميتة، فذبح نحو كلب وسبع لا يسمى ذكاة.
ويباح جراد (ونحوه) بدونها، وسمك وما لا يعيش إلا في الماء، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "أُحِلَّ لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطِّحَال" رواه أحمد وغيره 1، وسواء مات الجراد بسبب ككبسه وتغريقه أولا، ولا بين الطافي من السمك وغيره، ولا فرق بين ما صاده مجوسي من سمك أو جراد أو صاده غيره.
ولا يباح ما يعيش في الماء والبر كسلحفاة وكلب ماء إلا بالذكاة، قال أحمد: كلب الماء تذبحه ولا أرى بأسا بالسلحفاة إذا ذبح 2 إلحاقا لذلك بحيوان البر لكونه يعيش فيه احتياطا، ويحرم بلع سمك حيا ذكره ابن حزم
إجماعا 1، وكره شيه حيا؛ لأنه تعذيب له ولا حاجة إليه لأنه يموت بسرعة لا شي جراد حيا؛ لأنه لا يموت في الحال.
(وشروطه) 2 أي الذبح (أربعة): -
أحدها: (كون ذابح) أو ناحر أو عاقر (عاقلا) ليصح منه قصد التذكية، فلا يباح ما ذكاه مجنون أو طفل لم يميز؛ لأنهما لا قصد لهما، وكونه (مميزا) فتحل ذبيحته كالبالغ ولو متعديا كغاصب أو مكرها أو قنا أو جنبا أو أنثى، لحديث كعب بن مالك عن أبيه: "أنهم كان لهم غنم ترعى بسلع 3، فأبصرت جارية لنا بشاة من غنمها موتا، فكسرت حجرا فذبحتها به فقال لهم: لا تأكلوا حتى أسأل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنه سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك أو أرسل إليه فأمر بأكلها" رواه أحمد والبخاري 4، ففيه إباحة ذبيحة المرأة والأمة والحائض والجنب؛ لأنه عليه السلام لم
يستفصل عنها، وفيه أيضًا إباحه الذبح بالحجر وما خيف عليه الموت وحل ما يذبحه غير المالك بغير إذنه، (ولو) كان الذابح (كِتَابيًّا) لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ 1، قال البخاري: قال ابن عباس: "طعامهم ذبائحهم" 2 ومعناه عن ابن مسعود 3، أو كان من نصارى بني تَغْلب 4، ولا تحل ذبيحة مَنْ أحَدُ أبويه غير كتابي، ولا ذبيحة وثني، ولا مجوسي، ولا زنديق، ولا مرتد، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ولا تحل ذبيحة = 306، والدارمي، باب ما يجوز به الذبح، كتاب الأضاحي برقم (1971) سنن الدارمي 2/ 112.
سكران؛ لأنه لا قصد له.
(و) الشرط الثاني: (الآلةُ: وهي كل مُحَدَّدٍ) حتى حجر وقصب وخشب وذهب وفضة وعظم (غير سِنِّ وظُفُرٍ) نصًّا 1، لحديث: "ما أنهر الدَّم فَكُلْ، ليس السِّنّ والظفر" متفق عليه 2، ولو كان المحدد مغصوبا لعموم الخبر.
(و) الشرط الثالث: (قَطْعُ حُلْقُوْمٍ) أي مجرى النفس (ومَرِيْءٍ) بالمد أي مجرى الطَّعام سواء كان القطع فوق الغَلْصَمَةِ 3 أو دونها، ولا يعتبر قطع شيء غيرهما ولا إبانتهما، ولا يضر رفع يده إن أتم الذكاة على الفور كما لو لم يرفعها، فإن تراخى ووصل الحيوان إلى حركة المذبوح فأتمها لم يحل، (وسُنَّ قَطْعُ الوَدْجَيْنِ) وهما عرقان محيطان بالحلقوم.
والسنة مخر إبلٍ بطَعْنٍ في لَبَّتِهَا -وهي الوَهْدَةُ بين أصل الصدر والعنق- وذبح
غيرها، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)﴾ 1 وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ 2، وثبت أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "نَحَر بَدَنَةً" 3 و"ضَحَّى بكَبْشَيْنِ ذبحهما بيده" متفق عليه 4، ومن عكس فذبح الإبل ونحر غيرها أجزأ، قالت أسماء: "نحرنا فرسًا على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأكلنا ونحن بالمدينة" 5، وعن عائشة: "نحر رسول اللَّه في حجة الوداع بقرةً واحدةً" 6.
(وما عُجِزَ عنه كواقعٍ في بِئْرٍ ومُتَوَحِّشٍ ومُتَرَدٍّ) مِنْ عَالٍ (يكفي جَرْحُهُ حَيْثُ كان) من بدنه، ورُويَ عن علي 1 وابن مسعود 2 وابن عباس 3 وعائشة 4، لحديث رافع بن خديج قال: "كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فَنَدَّ بعيرٌ، وكان في القوم خيل يسيرة فطلبوه، فأعياهم، فأَهْوَى إليه رجلٌ بسهم فحبسه اللَّه عز وجل، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: إن لهذه البهائم أوَابِدَ 5 كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ منها فاصنعوا به هكذا" وفي لفظٍ: "فَمَا نَدَّ عليكم فاصنعوا به هكذا" متفق عليه 6، واعتبار الحيوان بحال الذكاة لا بأصله، بدليل الوحشي [إذا قدر
عليه، والمتردى إذا لم يقدر على تذكيته يشبه الوحشي] 1 بالعجز عن تذكيته.
(فَإِنْ أَعَانَهُ) أي الجارح 2 على قتله (غيره ككونِ رأسهِ) أي الواقع في نحو بئر (في الماءِ ونحوه) مما يقتله لو انفرد (لَمْ يَحْل) لحصول قتله بمبيحٍ وحاظرٍ فغلب الحظر، كما لو اشترك مسلم ومجوسي في ذبحه.
وما ذبح من قفاه ولو عمدًا إن أتت الآلة على محل ذبحه وفيه حياة مستقرة حل لبقاء الحياة مع الجرح في القفا وإن كان غائرًا ما لم يقطع الحلقوم والمريء، كَأَكيلَةِ السبع إذا أدركت وفيها حياة مستقرة فذبحت حلت وإن كانت لا تعيش مع ذلك غالبًا، وإلا تأتي الآلة على محل الذبح وفيه حياة مستقرة لم يحل، وتعتبر الحياة المستقرة بالحركة القوية، فإن شك هل فيها حياة مستقرة قبل قطع حلقوم ومريء، فإن كان الغالب بقاء ذلك لحدة الآلة وسرعة القطع حل، وإن كانت الآلةُ كَالَّةً وأبطأ قطعه وطال تعذيبه لم يبح.
ولو بأن رأسه حَلَّ مُطْلَقًا سواء كان من جهة وجهه أو قفاه أو غيرهما، لقول
علي في من ضرب وجه ثور بالسيف: "تلك ذكاة" 1، وأفتى بأكلها عمران بن حصين 2 ولا مخالف لهما، ولأنه اجتمع قطع ما لا تبقى معه الحياة مع الذبح.
وحيوان مُلْتَوٍ عنقه كمَعْجُوْز عنه.
وما أصابه سبب الموت من حيوانٍ مَأكولٍ من مُنْخَنِقَةٍ ومَوْقُوْذَةٍ ومُتَرَدِّيَةٍ ونَطِيْحَةٍ وأكِيْلَةِ سبع ومريضة، وما صيد بشبكة أو شَرَكة أو أحبولة أو فخّ ولو وصل إلى حد لا يعيش معه فذكاه وحياته تمكن زيادتها على حركة مذبوح حل ولو مع عدم تحركه بنحو يد، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ 3 مع أن ما تقدم ذكره أسباب للموت، والاحتياط أن لا يؤكل ما ذبح من ذلك إلا مع تحركه ولو بيد أو رجل أو طرف عين أو تحرك ذنب وضرب الأرض به.
وما قطع حلقومه أو أبِيْنَتْ حشوته مما لا يبقى معه حياة فوجود حياته كعدمها فلا يحل بذكاةٍ.
(و) الشرط الرابع: (قَوْلُ بِسْمِ اللَّه عِنْدَ تَحْرِيْكِ يَدِهِ) بذبح لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ 4، والفِسْقُ
الحرام 1، وذكر جماعة: وعند الذبح قريبًا منه ولو فصل بكلام كالتسمية على الطهارة، واختص بلفظ اللَّه؛ لأن إطلاق التسميه: ينصرف إليه، ويجزئ أن يسمي بغير عربية ولو أحسنها؛ لأن المقصود ذكر اللَّه تعالى، وقياسه الوضوء والغسل والتيمم بخلاف التكبير والسلام فإن المقصود لفظه، ويجزئ أن يشير أخرس بالتسمية برأسه أو طَرَفه إلى السَّماء لقيامها مقام نُطْقِ النَّاطِقِ.
(وتَسْقُطُ) التَّسْميَةُ (سَهْوًا لا جَهْلًا)، لحديث راشد بن سعد 2 مرفوعًا: "ذييحة المسلم حلال وإن لم يسم إذا لم يتعمد" أخرجه سعيد 3، ولحديث:
"عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" 1 والآية محمولة على العمد جمعًا بين الأخبار، ومتى لم يعلم هل سمى الذابح أو لا؟ فالذَّبِيْحَةُ حَلَالٌ، لحديث عائشة: "أنهم قالوا: يا رسول اللَّه! إنَّ قَوْمًا حديثو عهد بشركٍ يأتوننا بلحم لا ندري أذكَرُوْا اسمَ اللَّه عليه أو لم يذكروا؟ قال: سَمُّوْا أنتم وكلوا" رواه البخاري 2، ويضمن أجير ترك التسمية على الذبيحة إن حرمت 3 بأن تركها عمدًا.
ومن ذكر عند الذبح مع اسم اللَّه غيره حرم عليه لأنه شركٌ ولم تحل الذبيحةُ رُوي = في السنن الكبرى 9/ 239 - 240، ولكنها لا تخلوا من مقالٍ.
وينظر: المحلى 7/ 413، والتلخيص الحبير 4/ 137، وفتح الباري 9/ 539، وإرواء الغليل 8/ 169 - 170.
عن عليّ.
1
(وذَكاةُ جَنِيْنٍ) مباح (خَرَجَ) من بطن أمه المذكاة (ميتًا ونحوه) كتحرك كحركة مذبوح أشعر أولا (بذكَاةِ أُمِّهِ) رُوي عن عليٍّ 2 وإبن عُمَرَ 3، لحديث جابرٍ مَرفوعًا: "ذكَاةُ الْجَنِيْنِ ذكاةُ أمِّهِ" 4 أشبه أعضاءها، واستحب
أحمد ذبحه ليخرج دمه ولم يبح مع حياةٍ مُستقرَّةٍ إلا بذبحه نَصًّا 1؛ لأنه نفس أخرى مستقل بحياته.
وقوله في الحديث: "ذكَاةُ أمِّهِ" فيه الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف والنصب قال ابن مالك 2: على معنى ذكاة الجنين في ذكاة أمه 3، فيكون موافقًا لرواية الرفع المشهورة.
(وكُرِهَتْ) الذكاة (بآلةٍ كَالَّةٍ)، لحديث شداد بن أوس مرفوعًا: "إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا الْقِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدكم شَفْرَتَهُ، وليُرحْ ذبيحته" رواه أحمد وغيره 4، ولأن الذَّبح بالكَالَّةِ تعذيبٌ للحيوان.
(و) كُرِهَ (حَدُّهَا بحضرةِ) حيوانٍ (مُذَكَّى)، لحديث ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أَمَرَ أنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ وأنْ تُوَارَى عن البهائم" رواه أحمد وابن ماجة 1.
(و) كرِهَ (سَلْخُ) حيوان (وكَسْرُ عُنُقـ) ــــه (قَبْلَ زُهُوق) نفسه لحديث: "لا تَعْجَلُوْا الأَنْفُسَ أَنْ تُزْهَقَ" 2، (و) كُرِهَ (نَفْخُ لَحْمٍ لبيعٍ) لأنه غِشٌّ.
(وسُنَّ تَوْجِيْهُهُ) أي المذكى 3 بجعل وجهه (إلى القِبْلَةِ على شِقِّهِ الأَيْسَرِ)، فإن كان لغيرها حل ولو عمدًا، (و) سنَّ (رِفْقٌ به) وحمل على الآلة بقوة والإسراع بالشَّحْطِ، (و) سن (تَكْبِيْر) مع التسمية أي قول: بسم اللَّه واللَّه
أكبر، وكان ابن عمر يقوله 1، ولا خلاف أن قول بسم اللَّه يجزئه، ولا تُسَنُّ الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند الذبح؛ لأنه لم يرد ولا يليق بالمقام كزيادة الرحمن الرحيم.
وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه يقينًا كذي الظفر، أي ليس بمفرج الأصابع من إبل ونعام وبط، أو ذبح ما يحرم عليه ظنًّا فكان كما ظنَّ أو لا، كحال الرِّئَةِ 2، أو ذبح لعيده، أو لِتَقَرُّبٍ لشيءٍ يُعظمُه لم يحرم علينا إذا ذكر اسم اللَّه فقط نصًّا 3؛ لأنه من جملة طعامهم فدخل في عموم الآية.
وإن ذبح الكتابي ما يحل له لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم، ويحرم بولُ حيوانٍ طاهرٍ مأكول وكَرَوْثِهِ؛ لأنه رجيعٌ مُستخبثٌ، ويجوز التداوي ببول إبل
للخبر 1، وإسماعيل هو الذبيح عليه السَّلام 2.
فَصْلٌ في الصَّيْدِ
مصدر صَادَ يَصِيْدُ 1.
وشرعًا: اقْتِنَاصُ حيوانٍ حَلَالٍ متوحش طبعًا غير مقدور عليه ولا مملوكٍ.
2
(والصَّيْدُ مُبَاحٌ) لقاصده، ويكره الصيد لهوًا لأنه عبث، وهو أفضل مأكولٍ؛ لأنه من اكتساب الحلال الذي لا شبهة فيه، والزراعة أفضل مكتسب؛ لأنه أقرب إلى التوكل لخبر: "لا يغرس مُسلمٌ غرسًا، ولا يَزْرَعُ زَرْعًا، فيأكل منه إنسانٌ ولا دَابَّةٌ ولا شيءٌ [إلَّا] 3 كانت له صدقة" 4، وأفضل المعاش التجارة، وأفضل التجارة في بَزٍّ وعِطْرٍ وعلى زرعٍ وغرسٍ ومَاشيةٍ، وأبغضها في رقيقٍ
وصَرْفٍ لتمكن الشبهة فيهما، وأفضل الصِّنَاعة خياطة ونصَّ أحمد: أن كل ما نَصح فيه فهو حسن 1 وقال الْمَرُّوْذِيُّ 2: حثني أبو عبد اللَّه على لزوم الصنعة للخبر 3. قال أحمد: لم أرَ مثل الغنى عن الناس، وقال في قوم لا يعملون ويقولون نحن متوكلون: هؤلاء مبتدعةٌ.
4، وأدنى الصناعة حِيَاكةٌ وحِجَامَة ونحوهما، كقُمَامَةٍ وزُبَالةٍ وذَبْحٍ، وفي الحديث: "كسب الحجام
خبيث" 1، وأشدها كراهة صِبْغٌ وصِيَاغَة وحِدَادَةٌ وجِزَارَةٌ لما يدخلها من الغش ومخالطة النجاسة، قال في "الفُرُوع" 2: والمراد مع إمكان ما هو أصلح منها، وقاله ابن عقيل.
ومن أدرك صيدًا مجروحًا مُتحرِّكًا فوق حركة مذبوح واتسع الوقت لتذكيته لم يبح إلا بها؛ لأنه مقدورٌ عليه وفي حكم الحي، وحتى لو خشي موته ولم يجد ما يذكيه به، وإن امتنع بِعَدْوهِ فلم يتمكن من ذبحه حتى مات تعبًا فهو حلال بشروطه الآتية؛ لأنه غير مقدور على تذكيته.
(وشُروطُهُ) أي شروط إباحة الصَّيْد (أَربعةٌ): -
أحدها: (كَونُ صَائِدٍ مِنْ أَهْلِ) الـ (ذَكَاة) أي تحل ذبيحته لقوله عليه
السلام: "فَإِنَّ أخْذَ الكلبِ ذكاة" متفق عليه 1، والصائد بمنزلة المذكي ولو كان أعمى.
(و) الشَّرْطُ الثَّانِي: (الآلةُ، وهي) نوعان، أحدهما: مُحَدَّدٌ فهو كـ (آلة ذكاة) فيما تقدم تفصيله، وشُرِطَ جرح الصيد به لحديث: "ما أنهر الدم وذكر اسم اللَّه عليه فكل" 2، فإن قتل الصيد بثقله كشبكة وفخ وعصًا وبندقة ولو مع شدخ أو قطع حلقوم أو مريء ولم يجرحه لم يبح أكله لحديث عدي بن حاتم 3 قال: "قلت: يا رسول اللَّه! إني امرؤ أرمي بالْمِعْرَاضِ الصيد فأصيب، فقال: إذا رَمَيْتَ بالمعراض فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل" متفق عليه 4 والمعراض خشبةٌ مَحدودة
الطرف وربما جعل في رأسه حديدة.
ولم يُحَل ما قُتِلَ بمحدد فيه سُمٌّ مع احتمال إعانته على قتله تغليبًا للتحريم، وما رمي من صَيْد فوقع في ماءٍ أو تردى من عُلُوٍّ أو وطئ عليه شيءٌ وكل من ذلك يقتل مثله لم يحل لحديث عدي بن حاتم قال: "سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الصَّيْدِ فَقَالَ: إذا رميت سهمك فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّه، فإن وجدته قد قَتَلَ فَكُلْ إلا أن تجده وَقَعَ في ماءٍ، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك" متفق عليه 1، والتردي والوطء عليه كالماء في ذلك، فإن كان لا يقتل مثل ذلك بأن كان رأس الحيوان خارج الماء أو كان من طيره حل إذ لا شك أن الماء لم يقتله.
وإن رماه بالهواء أو على شجرة أو حائط فسقط فمات حل؛ لأن موته بالرمي ووقوعه بالأرض لا بد منه، فلو حرم به لأدى إلى أن لا يحل صيدٌ أبدًا، أو رمى صيدًا ثم غابَ ولو لَيْلًا ثم وجد ولو بعد يومه الذي رماه فيه ميتًا حل، لحديث عدي بن حاتم قال: "سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أرضنا أرض صيد، فيرمي أحدنا الصيد، فيغيب عنه ليلة أو ليلتين، فيجد فيه سهمه، فقال: إذا وجدت سهمك ولم تجد فيه أثر غيره، وعلمت أن سهمك قتله فَكُلْهُ" رواه أحمد والنسائي 2.
ويَحرُمُ عضو أبانَهُ صائد بمحدد مما به حياة مُسْتَقِرَّةٌ، لحديث: "ما أبيْنَ من حَيٍّ فهو ميت" 1، لا إن مات الصيد المبان منه في الحال كما لو لم يبق فيه حياة مستقرة، أو كان من حوت ونحوه مما تحل ميتته، وإن بقي المقطوع مُعَلَّقًا بجلده حل بحله لأنه لم يبن.
والنوع الثاني من آلة الصيد ما أشار إليه بقوله: (أَوْ جَارِحٌ مُعَلَّمٌ) مما يصيد بنابه كالفهود والكلاب، أو بمخلبه من الطير لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ = يرمي الصيد فيغيب عنه، كتاب الصيد برقم (1468) الجامع الصحيح 4/ 55، والبيهقي، باب الإرسال على الصيد يتوارى عنك ثم تجده مقتولًا، كتاب الصيد والذبائح، السنن الكبرى 9/ 242، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح"، وصحّحه الألباني كما في صحيح سنن النسائي 3/ 900.
الآية 1، قال ابن عباس: "هي الكلابُ المعلمةُ، وكُلُّ طَيْرٍ تعلم الصيد والفهود والصقور وأشباهها" 2. والجَارحُ لغةً: الكاسب 3 قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ 4 أي: كسبتم 5، ويقال: فلان جراحة أهله أي كاسبهم، ومُكَلِّبِيْنَ من التَّكْلِيْبِ (وهُو) الإغراءُ 6، غير كلبٍ أسود بهيمٍ وهو ما لا بياض فيه نَصًّا 7 فيحرم صيده لأنه عليه الصلاة والسَّلام: "أمر بقتله وقال: إنه
شيطان" رواه مسلم 1، وكذا يحرم اقتناؤه وتعليمه لما ذكر ويجب قتل كلب عَقُور لدفع شَرِّهِ عن الناس لا إن عقرت كلبةٌ مَنْ قَرُبَ من ولدها أو خرقت ثوبه فلا يباح قتلها بذلك؛ لأن عقرها ليس عادة لها.
ثم تعليم ما يصيد بنابه بثلاثة [شروط] 2 أشياء: بـ (أَنْ يَسْترسِلَ إذا أُرْسِلَ، ويَنْزَجِرَ إذا زُجِرَ) قال في "المغني" 3: إلا في وقت رؤية الصيد.
ومعناه في "الوجيز" 4 (وإِذَا أَمْسَكَ) صيدًا (لَمْ يَأْكُلْ) منه لحديث: "فإن أكَلَ فلا تَأْكُلْ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه" 5، ولأن عادة المعلم أن ينتظر صاحبه ليطعمه ولا يعتبر تكرر ذلك بل يحصل بمرة لأنه تعلم صنعة أشبه سائر الصنائع، فلو أكل بعد أن صاد صيدًا ولم يأكل منه لم يخرج بذلك عن كونه
معلمًا، ولم يحرم ما تقدم من صيده؛ لأنه صاده حال كونه معلمًا، ولم يبح ما أكل منه للخبر، ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ 1 وهذا إنما أمسكه على نفسه، ثم إن صاد بعد حل ما لم يأكل منه ولو شرب الصائد دمه لم يحرم نَصًّا 2؛ لأنه لم يأكل منه، ويجب غسل ما أصابه فم كلب لتنجسه كما لو أصاب ثوبه ونحوه.
وتعليم ما يصيد بمخلبه كبَاز وصَقْرٍ وعُقَابٍ بأمرين: أن يسترسل إذا أرسل، ويرجع إذا دعي لا بترك الأكل، لقول ابن عباس: "إذا أكل الكلب فلا تأكل، وإن أكل الصَّقْرُ فكُلْ" رواه الخلال 3، ويعتبر لحل صيد ذي نابٍ أو مخلبٍ جرحه للصيد؛ لأنه آلة القتل كالمحدد، فلو قتله بصدم أو خنق لم يبح.
(و) الشرط الثالث: (إِرسَالها) بأن يرمي السهم أو ينصب نحو المنجل أو يرسل الجارح (قَاصِدًا) للصيد؛ لأن قتل الصيد 4 أمر يعتبر له الدين فاعتبر له القصد كطهارة
الحدث لحديث: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم اللَّه عليه فكُلْ" متفق عليه 1، ولأن إرسال الجارح جعل بمنزلة الذبح ولهذا اعتبرت التسمية معه.
(فَلو اسْتَرْسَل جَارِحٌ بنَفْسِهِ فَقَتَلَ صَيْدًا لم يَحِلَّ) ولو زجره ربه ما لم يزد في طلبه بزجره فيحل حيث سمى عند زجره.
ومن رمى هدفًا فقتل صيدًا أو رمى رائد صيدًا ولم يره فقتل صيدًا لم يحل؛ لأنه لم يقصد صيدًا على الحقيقة، وإن رمى صيدًا فأصاب غيره أو رمى صيدًا واحدًا فأصاب عددًا حل الكل، وكذا جارح أرسل.
وتحل طَريدَةٌ وهي الصيد بين قوم يأخذونه قطعًا حتى يؤتى عليه وهو حي، روى أحمد بإسناده عن الحسن: أنه كان لا يرى بالطَّرِيْدَةِ بأسًا، كان المسلمون يفعلون ذلك في مَغَازيْهِم، وما زال النَّاسُ يفعلونه في مغازيهم 2، قال أحمد وليس هو عندي إلا الصيد يقع بينهم لا يقدرون على ذكاته فيأخذونه قطعًا.
3، ومن أثبت صيدًا ملكه؛ لأنه أزال امتناعه بإثباته كما لو قتله، فإن تحامل ومشى غير ممتنع فأخذه غيره لم يملكه، وإن لم يثبته فدخل محل غيره فأخذه رب المحل ملكه، أو وَثَبَ حوتٌ فوقع حِجْرِ شخصٍ ولو لِسَفِينة ملكه بذلك لسبقه إلى مباح، أو دخل ظبي داره فأغلق بابها ولو جهله أو لم يقصد تملكه ملكه، أو فَرَّخَ في برجه طائر غير مملوك ملكه صاحب
البرج لحيازته له، وإن وقعتْ سَمكةٌ بسفينةٍ لا بحجر أحد فلِرَبِّ السَّفينةِ لأنها ملكه ويده عليها.
ويحرم صيد سمك وغيره بنجاسةٍ كعذرةٍ ومَيْتَةٍ ودَمٍ؛ لأنه يأكلها فيصير كالجلالة، ويكره صيد الطَّير بالشِّبَاشِ، وهو طائر كالبُوْمَةِ تخاط عيناه أو تربط لأن فيه تعذيبًا للحيوان، ولا يكره الصيد ليلًا أو بما يُسكره.
ومن وَجَدَ فيما صاده علامة مُلْكٍ كقِلَادَةٍ يِرَقَبة وكحَلَقَةٍ بأذنه وكقَصِّ جناح طائر فهو لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهُ وَاجِدُهُ.
(و) الشرط الرابع: (التَّسْمِيَةُ) أي قول بسم اللَّه (عِنْدَ رَمْي) نحو سهم (أو) عند (إِرْسَال) جَارحَه كما تعتبر في ذكاة، وتجزئ بغير العربية ولو ممن يحسنها، صحّحه في "الإنصاف" 1، (ولا تَسْقُطُ) التسمية في الصيد (بحالٍ) بخلاف الذكاة فتسقط سهوًا كما تقدم.
ولا يضر تقدم يسير عرفًا للتسمية على الإرسال أو الرمي، وكذا لا يضر تأخيرٌ يَسيرٌ للتسمية في جارح إذا زجره فانزجر إقامة ذلك مقام ابتداء إرساله.
ولو سمى على صيد فأصاب غيره حل لا إن سمى على سهم ثم ألقاه ورمى بغيره، أو سمى على شاة وذبح غيرها بتلك التسمية لم تحل، سواء أرسل الأولى أو ذبحها؛ لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية، (وسُنَّ تَكْبِيرٌ معها) أي التسمية كما يسن مع الذكاة.
(ومَنْ أَعتَقَ صَيْدًا) أو أرسله ولم يقل: أعتقته، (أَوْ أَرْسَلَ بَعِيْرًا أو غَيْرَهُ) من بهيمة الأنعام (لم يَزُلْ مُلْكُهُ عنه) ذكره ابن حزم إجماعًا 1 وكَانْفِلَاتِهِ منه، قال ابن عقيل: ولا يجوز أعتقتك في حيوان مأكول؛ لأنه فعل الجاهلية.
انتهى 2، فلا يملكه آخذه بإعراضه عنه، بخلاف نحو كسرة أعرض عنها فإنه يملكها آخذها؛ لأنه مما لا تتبعه الهمة وعادة الناس الإعراض عن مثلها.
بَابُ الأَيْمَانِ
واحدها يَمينٌ وهي: القَسَمُ -بفتح القاف والسين الهملة- والإيلاءُ والْحَلفُ بأيمان مخصوصة تأتي، وأصل اليمين اليد المعروفة سمي بها الحلف لإعطاء الحالف يمينه فيه كالعهد والمُعَاقَدَة.
1
فاليمين: تَوكيدُ حُكْم بذكرِ مُعَظَّمٍ على وجه مخصوص وهي وجوابها كشرطٍ وجزاءٍ 2.
وهي مشروعة في الجملة إجماعًا 3 لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ 4 وحديث: "إذا حَلَفْتَ عَلَى يَمينٍ ثم رأيت غيرها خيرًا منها فَأْتِ الذي هُوَ خيرٌ وكَفِّرْ عن يمينك" متفق عليه 5.
و (تَحرُمُ) اليمين (بغيرِ) ذات (اللَّهِ، أَوْ) بغير (صِفَةِ مِنْ صِفَاتِهِ) تعالى، (أَوْ) بغير (القرآن) لحديث ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمع عمر يحلف بأبيه فقال: إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف باللَّه أو ليصمت" متفق عليه 1، وعن ابن عمر مرفوعًا: "من حلف بغير اللَّه فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي وحسّنه 2، وهو على التغليظ، ولا كفارة في الحلف بغير اللَّه ولو حنث؛ لأنها وجبت في الحلف باللَّه تعالى وصفاته صيانة لأسمائه تعالى، وغيره لا يساويه في ذلك، واليمين الموجبة للكفارة بشرط الحنث هي التي باسم اللَّه تعالى الذي لا يسمى به غيره كقوله: واللَّه أو والرحمن، لقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ
ادْعُوا الرَّحْمَنَ} الآية 1، فجعل لفظة اللَّه ولفظة الرحمن سواء في الدعاء، فيكونان سواء في الحلف، والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر ليس الذي بعده شيء، وخالق الخلق، ورازق الخلق، ورب العالمين، والعالم بكل شيء، ومالك يوم الدين، ورب السماوات والأراضين، واسم اللَّه الذي لم يسم به غيره، ولم ينو الحالف الغير كالرحيم قال اللَّه تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ 2، والعظيم، والقادر، والرب، والمولى، والرازق، والخالق، والسيد من الأسماء المشتركة، أو بصفة له تعالى كوجه اللَّه تعالى نَصًّا 3 قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ 4 وعظمته وكبريائه، وعزته وعهده وميثاقه، وحقه وأمانته، وإرادته وقدرته وعلمه، ولو نوى مراده ومقدوره أو معلومه سبحانه وتعالى، لأنه بالإضافة إليه صار [يمينا] 5 بذكر اسم اللَّه تعالى معه، وإن لم يضفها لم تكن يمينًا إلا أن ينوي بها صفته تعالى، وأمَّا [ما] 6 لا يُعَدُّ من أسمائه تعالى
كالشيء، والموجود، والذي لا ينصرف إطلاقه إليه تعالى ويحتمله، كالحي، والواحد، والكريم، فإن نوى به اللَّه تعالى فهو يمينٌ لنيته بلفظه ما يحتمله كالرحيم والقادر، وإلا ينوِ به اللَّه تعالى فلا يكون يمينًا.
وقول الحالف: وأيْمُ اللَّه يمينٌ كقوله: وأيْمن اللَّه، وهمزته همزة وصل عند البصريين، وهو بضم الميم والنون، قال أبو عبيد: "وهو مُشْتَقٌّ من اليُمْنِ 1 يعني البَرَكَةَ".
2
أو قوله: لَعَمْرُ اللَّه يمينٌ ومعناه الحلف ببقائه وحياته، والعَمرُ -بفتح العين وضمها- الحياة، والمستعمل في القَسَمِ المفتوح خاصة واللام للابتداء وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوفٌ وُجوبًا أي قسمي.
3
وأقْسَمتُ باللَّه أو أقْسِمُ باللَّه، وشَهِدْتُ 4 أو أشْهَدُ، وحَلَفْتُ أو أحْلِفُ، وعَزَمتُ أو أعزِمُ، وآلَيْتُ أو أُوْلِيْ، وقَسَمًا وحَلِفًا، وألِيَّةً وشهادةً، وعزيمةً باللَّه يمين نواه بذلك أو أطلق قال اللَّه تعالى: {فَيُقْسِمَانِ
بِاللَّهِ} 1 ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ 2 ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ 3، ولأنه لو قال: باللَّه لأفعلن بلا قسم ونحوه صار يمينًا، فإذا ضم إليه ما يؤكده كان أولى، وإنْ نَوَى بذلك خبرًا فيما يحتمله كقوله: نويت بأقْسَمْتُ باللَّه ونحوه الخبر عن يمين سبق قُيلَ منه لاحتماله.
والحلف بكلام اللَّه تعالى والمصحف والقرآن أو سورة منه أو آية يمينٌ؛ لأنه صفة من صفات اللَّه تعالى، والمصحف يتضمن القرآن الذي هو صفته تعالى 4، ولذلك أطلق عليه القرآن في الحديث: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" 5، وقالت عائشة: "ما بين دَفَّتَيْ المصحف كلام اللَّه" 6.
وفي اليمين بشيء من ذلك فيه 1 كفارة واحدة، لأنه يمين واحدة، وكذا الحلف بالتوراة ونحوها من كتب اللَّه.
فَصْلٌ
وحروف القسم ثلاثةٌ: -
باء: وهي الأصل، ويليها مُظهر، كباللَّه، ومضمر كاللَّه أقْسِمُ به.
والثاني: واوٌ، وَيَليها مظهر فقط، كواللَّه والنجم، وهي أكثر استعمالًا.
والثالث: تاء، وأصلها الواو، ويليها اسم اللَّه تعالى خاصةً نحو: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ 1 وشَذَّ تالرَّحْمنِ وتَربِّ الكعبة ونحوها فلا يقاس عليه، كان ادَّعَى من أتى بأحد الحروف الثلاثة في موضعه المستعمل فيه أنه لم يرد القسم لم يقبل منه؛ لأنه خلاف الظاهر.
وقوله: باللَّه لأفعلن يمينٌ، ولو قال: أردت أني أفعله بمعونة اللَّه ولم أرد القسم لم [يقبل] 2، وقوله: أسالك باللَّه لتفعلن إن نوى به اليمين انعقدتْ، وإن نوى السؤال دون اليمين لم تنعقد.
ويصح قسم بغير حروفه كقوله: اللَّه لأفعلن جرًا للاسم الكريم [ونصبًا] 3؛ لأن كلًّا منهما لغة صحيحة
كقوله عليه السلام لرُكانَةَ 1 لما طلق امرأته: "آللَّه ما أردت إلا طلقةً واحدةً؟ " 2، وقال ابن مسعود: لما أخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بقتل أبي جهل وقال له: "آللَّهِ إِنَّكَ قَتَلْتَهُ؟ قال: آللَّه إِنِّيْ قَتَلْتُهُ" 3، فإن نصب المقسم به مع واو القسم أو رفعه معها أو بدونها فذلك
يمينٌ؛ لأن من لا يعرف العربية لا يفرق بين الجر وغيره، والظاهر منه مع اقترانه بالجواب إرادة اليمين إلا أن لا ينويها من يحسن العربية فلا يمينًا؛ لأن القسم به لا يكون مرفوعًا وإنما هو مبتدأ أو عطف على شيء متقدم، ولا يكون منصوبًا مع الواو إذ لا تكون إلا عاطفة، فعدوله عن الجر ظاهر في إرادة غير اليمين، فإن نوى به اليمين فيمين؛ لأنه لَاحِنٌ، واللحن لا يقاوم النية كلحنه في القرآن لا يخرجه عن كونه قرآنًا.
ويجاب قسم في إيجاب بإنْ بكسر الهمزة خفيفة كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4)﴾ 1 وثقيلة كقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ 2 وبلام التوكيد كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾ 3، ونُؤنَيْ توكيدٍ كقوله تعالى: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ 4 ويقَدْ كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾ 5 بعد {والشَّمْسِ = وعزاه لأحمد والبزار، وقال: "وهو من رواية أبي عبيدة عن أبيه ولم يسمع منه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح".
وَضُحَاهَا 1} (1) وبِبَلْ عند الكوفيين كقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ﴾ 2 وقال البصريون: الجواب محذوف 3 واختلفوا في تقديره، ويجاب قسم في نفي بما كقوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)﴾ 4، وبإنْ بمعناها كقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ 5، وبلا كقول الأعشى 6:
فآليت لا أرثي لها من كلالةٍ... ولا منحفًا حتى تلاقي محمدا 1 وتحذف لا لفظًا من جواب قسم إذا كان الفعل مضارعًا نحو: والله أفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ 2. ويكره حلف بالأمانة لحديث: "من حلف بالأمانة فليس منا" رواه أبو داود 3، كما يكره الحلف بعتق وطلاق لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تحلفوا إلا باللَّه ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون" رواه النسائي 4.
(فمَنْ حَلَفَ) على فعل شيء أو تركه (وحَنِثَ) بأن لم يبر في حلفه (وَجَبَتْ عَليهِ الكَفَّارَةُ، ولوجُوبِها) أي كفارة اليمين (أربعةُ شروطٍ): -
أحدها: (قَصدُ عَقْدِ الْيَمِينِ) لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ 1 فلا تنعقد لغوًا بأن سبقت على لسانه بلا قصدٍ كقوله: لا واللَّه، وبلى والله في عُرضِ حديثه فلا كفارة فيها، لحديث عائشة مرفوعًا: "اللغو في اليمين كلام الرجل في بيته: لا واللَّه، وبلى واللَّه" رواه أبو داود 2، والعُرْضُ بالضم الجانب وبالفتح خلاف الطُّول 3، ولا تنعقد من نائمٍ وصغيرٍ ومجنونٍ ومُغْمًى عليه ومعتوهٍ لأنهم لا قصد لهم.
(و) الشرط الثاني: (كونُهَا) أي اليمين (على مُسْتَقْبَلٍ) ممكن يتأتى يرُّهُ وحِنْثُهُ، (فَلا تَنْعَقِدُ) اليمين بحلف (على ماضٍ كاذبًا عالمًا به) أي بكذبه (وهي) اليمين