(ولا حد لأكثره) أي الطهر بين الحيضتين، لأنه لم يرد تحديده شرعًا.
ومن النساء من تطهر الشهرين والثلاثة والسنة فأكثر، ومنهن من لا تحيض أصلًا.
والطهر زمن حيض خلوص النقاء، بأن لا تتغير معه قطنة احتشت بها.
ولا يكره وطؤها فيه.
فمن كانت عادتها مثلًا ستًّا أو سبعًا، وطهرت لثلاث، واغتسلت! يكره وطؤها؛ لأنه تعالى وصف الحيض بكونه أذًى، فإذا انقطع واغتسلت فقد زال الأذى.
(وحرم عليها) أي الحائض (فعل صلاة) إجماعًا 1، فلا تقضيها، (و) فعل (صوم) إجماعًا 2؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أليست إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ " قلن: بلى يا رسول اللَّه.
رواه البخاري 3. (ويلزمها قضاؤه) أي الصوم إجماعًا، لحديث معاذة قالت: سألت عائشة، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؛ فقالت: أحرورية 4 أنت؟ فقلت: لست = وإنما يدل -إذا صح الأثر- أن المرأة قد يجتمع لها في شهر واحد ثلاثة أقراء، وذلك نادر جدًّا، وكذلك طلب البينة على ذلك.
وإلا فقول المرأة مقبول في حيضها وطهرها... إلخ انتهى ينظر: "الإنصاف" (2/ 396)، و"المنح الشافيات شرح المفردات" (1/ 173)، و"مجموع الفتاوى" (19/ 237)، و"بدائع الفوائد" لابن القيم (4/ 14)، و"الفروع" (1/ 179)، و"المختارات الجلية" لابن سعدي (ص 33).
بحرورية، ولكن أسأل.
فقالت: كنا نحيض على عهد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.
متفق عليه 1.
(ويجب بوطئها في الفرج) الكفارة (دينار أو نصفه) على التخيير؛ لحديث ابن عباس -مرفوعًا- في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدق بدينار أو نصف دينار".
رواه أحمد وغيره 2. = لمن يعقد مذهب الخوارج: حروري؛ لأن أول فرقة منهم خرجت على عليٍّ بالبلدة المذكورة فاشتهروا بالنسبة إليها.
قال الحافظ: من أصولهم المتفق عليها بيهم الأخذ بما دل عليه القرآن ورد ما زاد عليه من الحديث مطلقًا.
ينظر: "معجم البلدان" (2/ 245)، و"فتح الباري" (1/ 422)، و"الأنساب" للسمعاني (4/ 134 - 135)، و"الفرق بين الفرق" (ص 75)، و"الملل والنحل" (1/ 115)، و"خبيئة الأكوان" لصديق حسن (ص 28).
وتخييره بين الدينار ونصفه، كتخيير المسافر بين القصر والإتمام.
تنبيه
:
وقد ذكر في "الإنصاف" 1 أن الكمال دينار.
فإن قيل: فما معنى تشبيهه بتخيير المسافر بنت القصر والإتمام، مع أن القصر في السفر مباح أفضل من الإتمام.
وهنا الكمال الدينار، فما معنى تشبيهه بذلك.
أجاب شيخنا -أيده اللَّه تعالى الشيخ محمد بن عبد اللَّه بن فيروز 2 - أنه لا يلزم منه كونُ المشبه كالمشبه به.
انتهى.
ثم ألقى اللَّه -سبحانه وتعالى- في روعي شاهدًا من القرآن العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ 3 إلخ فعلمت يقينًا صحة ما أجاب به شيخنا -حفظه اللَّه تعالى- 4 ثم وقفت بعد ذلك على قول أبي تمام 5 -رحمه اللَّه تعالى-:
لا تُنكروا ضربي له من دونه... إلخ 1
فحمدتُ اللَّه تعالى على فهم هذه الدقيقة، التي هي بإدامة شكر [و] حمد المنعم على الحقيقة خليقة.
والدينار هنا المثقال من الذهب 2 مضروبًا 3 أو لا.
وتجزئ قيمته من الفضة فقط 4.
(كفارة، وتباح المباشرة فيما دونه) أي الفرج لما روى عبد بن5678
حميد 1، وابن جرير 2 عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ 3: أي اعتزلوا نكاح فروجهن 4. ولأن المحيض اسم لمكان الحيض، كالمقيل والمبيت، فيختص التّحريم به، ولهذا لما نزلت هذه الآية قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "اصنعوا كل شيء إِلا النكاح".
رواه مسلم 5.
ويسن ستر الفرج حين استمتاعه بما دونه، لحديث عكرمة عن بعض أزواج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه كان إذا أراد من الحائض شيئًا ألقى على فرجها خرقة.
رواه أبو داود 6.
(والمبتدأة) أي في زمن يمكن أن يكون حيضًا، وهي التي رأت الدم، ولم تكن حاضت (تجلس) أي: تدع الصلاة والصيام ونحوهما بمجرد رؤيته، سواء كان أحمر أو أصفر أو كدرًا (أقله) أي: أقل الحيض يومًا وليلة (ثم تغتسل) بعده، سواء انقطم لذلك أم لا (وتصلي) وتصوم، لأن ما زاد على أقله يحتمل الاستحاضة، فلا تترك الواجب بالشك، ولا تصلي قبل الغسل لوجوبه للحيض (فإن لم يجاوز حيضها أكثره) أي الحيض، بأن انقطع لخمسة عشر فما دون (اغتسلت أيضًا إذا انقطع) وجوبًا، لصلاحية أن يكون حيضًا، (فإن تكرر ثلاثًا) في ثلاثة أشهر ولم يختلف (فهو حيض) أي صار عادة لها، تنتقل إليه، فتجلس جميعه في الشهر الرابع، لتيقنه حيضًا و (تقضي ما وجب فيه) من نحو صوم رمضان، وقضائه، ونذر، وطواف، ونحوه لأنا تبيَّنَّا فساده، لكونه في الحيض (وإن أيست قبله) أي: قبل تكراره ثلاثًا، (أو لم يعد) الدم إليها، (فلا) تقضي، لأنا لم نتحقق كونه حيضًا، والأصل براءتها.
(وإن جاوزه) أي: جاوز دم مبتدأةٍ أكثر حيض (فـ) هي (مستحاضة) لأنه لا يصلح أن يكون حيضًا 1.
والاستحاضة سيلان الدم في غير زمن الحيض من عرق، يقال له: العاذل -بالذال المعجمة- وقيل: المهملة، من أدنى الرحم دون قعره 1؛ لأن المرأة لها فرجان: داخل بمنزلة الدبر، منه الحيض، وخارج بمنزلة الأليتين منه الاستحاضة.
والمستحاضة من جاوز دمها أكثر الحيض.
والدم الفاسد أعم من الاستحاضة.
(تجلس المتميز إن كان) ثم تمييز 2 لأنها لا تخلو من حالين:
إما أن تكون مميزة أو لا.
فإن كانت مميزة، كمن رأت بعض دمها ثخينًا وبعضه رقيقًا، أو بعضه أسود وبعضه أحمر، أو بعضه منتنًا وبعضه غير منتن (وصلُح) ضم اللام وفتحها؛ أي الثخين أو الأسود أو المنتن أن يكون حيضًا بأن لم ينقص عن أقله، ولم يجاوز أكثره (في الشهر الثاني) متعلق بـ (تجلس)، أو تدع زَمَنَهُ الصوم والصلاة ونحوهما مما يشترط له الطهارة، فإذا مضى اغتسلت وفعلت ذلك، لحديث عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبَيْش إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما ذلك دم عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي".
متفق عليه 3. ولو لم يتوال 4 بأن كانت ترى يومًا أسود، ويومًا أحمر إلى = و"المغني" (1/ 408)، و"الإنصاف" (2/ 399)، و"الاختيارات" (ص 57)، و"فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم" (2/ 99).
خمسة عشر يومًا فما دون، ثم أطبق الأحمر، فتضم الأسود بعضه إلى بعض وتجلسه، وما عداه استحاضة، وكذا لو رأت يومًا أسود، وستة أحمر، ثم يومًا أسود، ثم ستة أحمر، ثم يومًا أسود، ثم أطبق الأحمر، فتجلس الثلاثة زمن الأسود، أو لم يتكرر فتجلس زمن الأسود الصالح في أول شهر وما بعده، ولا تتوقف على تكراره، وتجلسه -أيضًا- ولو انتفى التوالي والتكرار معًا؛ لأن التمييز أمارة في نفسه، فلا يحتاج إلى ضم غيره إليه.
وتثبت العادة بالتمييز إذا تكرر ثلاثة أشهر، فتجلسه في الرابع، وإن لم يكن متميزًا.
الحال الثاني: أن تكون غير مميزة، وإليه الإشارة بقوله: (وإلا) أي وإن لم يكن بعض دمها ثخينًا أو أسود أو منتنًا، وصلح حيضًا، بأن كان كله على صفة واحدة، أو الأسود منه ونحوه دون اليوم والليلة، أو جاوز الخمسة عشر، فتجلس (أقل الحيض) من كل شهر؛ لأنه اليقين (حتى تتكرر استحاضتها) ثلاثة أشهر؛ لأن العادة لا تثبت بدونه، كما تقدم 1.
(ثم غالبه) أي غالب الحيض: ستًا أو سبعًا، باجتهاد في حال الدم، لحديث حمنة بنت جحش قالت: يا رسول اللَّه: إني أستحاض حيضة شديدة كبيرة، قد منعتني الصوم والصلاة.
فقال: "تحيضي في علم اللَّه ستًّا أو سبعًا، ثم اغتسلي" 2. رواه أحمد وغيره 3.
(ومستحاضة معتادةٌ تقدِّم عادتها) ولو كان لها تمييز صالح 1، لعموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لأم حبيبة، إذ سألته عن الدم: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي".
رواه مسلم 2. ولأن العادة أقوى، لكونها لا تبطل دلالتها، بخلاف نحو اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته.
ولا تجلس ما نقصته عادتها قبل استحاضتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فصارت أربعة، ثم استحيضت، جلست الأربعة فقط، وإن لم يتكرر النقص.
(ويلزمها) أي: المستحاضة (ونحوها) ممن حدثُه دائم، كمن به سلس بول، أو مذي، أو ريح، أو جرح لا يرقى دمه أو رعاف دائم (غسل المحلِّ) الملوث لإزالته عنه (وعصبه) أي فعل ما يمنع الخارج حسب الإمكان من = حكمها: تجلس التمييز الصالح من غير تكرار.
ينظر: "حاشية عثمان على المنتهى" (1/ 107): هذا كله تفريع على المذهب.
وقد تقدم أن الراجح بالنسبة للمبتدأة أنها تجلس بمجرد ما ترى الدم ما لم تكن مستحاضة ينظر (ص 102).
حشوه بقطن وشده بخرقة طاهرة.
وتستثفر 1 المستحاضة إن أكثر دمها بخرقة مشقوقة الطرفين تشدُّها على جنبيها ووسطها على الفرج، فإن لم يمكن شدُّه كباسور، وناصور، وجرح لا يمكن شدُّه، صلى على حسب حاله.
(و) يلزم المستحاضة، ومن حدثه دائم (الوضوء لكل صلاة إن خرج شيء) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في المستحاضة: "وتتوضأ عند كل صلاة".
رواه أبو داود وغيره 2.
(ونية الاستباحة) أي: يلزم المستحاضة، ومن حدثه دائم أن ينوي بوضوئه الاستباحة؛ لأن الحدث دائم فلا ينوي رفعه.
(وحرم وطؤها) أي المستحاضة (إِلا من خوف زنًا) منها أو منه، لقول عائشة: المستحاضة لا يغشاها زوجها 3. فإن خاف أو خافته، أبيح وطؤها
ولو لواجد الطول خلافًا لابن عقيل 1. وكذا إن كان به = والدارقطني، كتاب الحيض (1/ 219)، والبيهقي، كتاب الحيض، باب صلاة المستحاضة واعتكافها (1/ 329) وقد رواه بعض الرواة عن شعبة موقوفًا على الشعبي.
ورجَّح ذلك البيهقي إِلا أن الإمام أحمد لم يجعل ذلك علة في وصمه إلى عائشة "العلل" (3/ 304). ينظر: "فتح الباري" لابن رجب (2/ 180 - 181).
شَبَق 1 شديد يخاف معه تشقق أنثييه.
وحيث حرم، فلا كفارة فيه؛ لأنه أخف من الحيض، ومدته تطول بخلاف الحيض، ولأن وطء الحائض قد يتعدى إلى الولد فيكون مجذومًا 2.
(وأكثر مدة النفاس) وهو بقية الدم الذي احتبس في مدة الحمل له.
مأخوذ من التنفس، وهو الخروج من الجوف.
أو من نفس اللَّه كربته، أي فرَّجها 3.
وعرفًا: دم ترخيه الرحم مع ولادة، وقبلها بيومين أو ثلاثة، بإمارةٍ على الولادة، كالتألم وإلا فلا تجلسه عملًا بالأصل 4.
(أربعون يومًا) قال الترمذي 5: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا، إِلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي 6. = القيم (2/ 54، 134).
(والنقاء منه) أي: النفاس (طهرٌ) كالحيض فتغتسل وتفعل ما تفعله الطاهرات، لكن (يكره الوطء فيه) أي النقاء منه بعد الغسل.
قال أحمد: ما يعجبني أن يأتيها زوجها (1)، لحديث عثمان بن أبي العاص، أنها أتته قبل الأربعين، فقال: لا تقربيني (2)، ولانه لا يأمن العود زمن الوطء.
(وهو كحيض في أحكامه) من تحريم الوطء، ووجوب الكفارة فيه، وتحريم العبادات من صوم، وصلاة، وطوافٍ، وقراءة قرآن، ونحو ذلك (غير عدة) فلا تثبت به، لأنه ليس بقرءٍ، فلا تتناوله الآية، (و) غير (بلوغ) لأنه حصل بالإنزال السابق للحمل.
تتمة
:
لو عاد الدم في الأربعين بعد انقطاعه، أو لم تره عند الولادة، ثم رأته فيها فهو مشكوك فيه 3، فتصوم وتصلي معه، وتقضي الصوم المفروض12 = وينظر: "نصب الراية" (1/ 268)، و"التلخيص الحبير" (1/ 181)، و"إرواء الغليل" (1/ 222، 226). وقد جاء هذا التحديد عن جماعة من الصحابة منهم: عمرو ابن عباس وأنس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمرو وأم سلمة وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن أكثره ستون يومًا، لأن المرجع في ذلك إلى الوجود، وقد وجد ذلك، روي عن الأوزاعي وعطاء.
وقال شيخ الإسلام: لا حد لأكثر النفاس، ولو زاد على الأربعين أو الستين أو السبعين وانقطع، فهو نفاس، لكن إن اتصل فهو دم فساد.
وحينئذ فالأربعون منتهى الغالب.
اهـ ينظر: "الشرح الكبير" (2/ 471)، و"مسائل أبي داود" (ص 24 - 25)، و"مسائل ابن هانئ" (1/ 34)، و"مسائل عبد اللَّه" (1/ 171)، و"الإنصاف" (2/ 471)، و"مجموع الفتاوى" (19/ 239)، و"الاختيارات" (ص 58)، و"المبدع" (1/ 293).
احتياطًا، ولا توطأُ في هذا الدم كالمبتدأه في الزائد على أقل الحيض قبل تكرره 1.
وإن وضعت ولدين فأكثر، فأول مدة النفاس من الأول.
فلو كان بينهما أربعون يومًا فلا نفاس للثاني.
= (1/ 220)