وأجمعوا على وجوب نفقة الزوجة على الزوج إذا كانا بالغين ولم تكن ناشزا ذكره ابن المنذر وغيره 1، ولأن الزوجة محبوسة لحق الزوج فيمنعها ذلك عن التصرف والكسب، وتجب نفقتها عليه ولو كانت معتدة من وطئ بشبهة غير مطاوعة؛ لأن للزوج أن يستمتع منها بما دون الفرج، فإن طاوعت عالمة فلا نفقة لها؛ لأنها في معنى الناشز.
(من مأكول ومشروب وكسوة وسكنى 2 بالمعروف)، ويعتبر ذلك حاكم إن تنازعا في قدره أو صفته بحالهما يسارا وإعسارا لهما أو لأحدهما؛ لأن النفقة والكسوة للزوجه فكان النظر يقتضي أن يعتبر ذلك بحالها كالمهر، لكن قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ...﴾ الآية فأمر الموسر بالسعة في النفقة ورد الفقير إلى استطاعته، فاعتبر حال الزوجين في ذلك رعاية لكلا الجانبين، ولاختلاف حال الزوجين رجع فيه إلى = الحاج، كتاب المناسك برقم (1850) سنن الدارمي 2/ 67 - 71، وجميعهم بدون لفظ: "عوان عندكم" وبهذا اللفظ: أخرجه الترمذي عن عمرو بن الأحوص، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، كتاب الرضاع برقم (1163) الجامع الصحيح 3/ 467، وقال: "حسن صحيح"، وأخرجه ابن ماجة، باب حق المرأة على الزوج، كتاب النكاح برقم (1851) سنن ابن ماجة 1/ 594، وأحمد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه برقم (20172) المسند 6/ 69.
اجتهاد الحاكم، (فيفرض) الحاكم (لموسرة مع موسر عند) الـ (تنازع) كفايتها (من أرفع خبز البلد وأدمه عادة الموسرين) بمحلهما، ويفرض لها لحما وما يحتاج إليه في طبخه، وتنتقل زوجة متبرمة من أدم إلى غيره، ولا بد من ماعون الدار لدعاء الحاجة إليه، ويكتفى بماعون خزف وخشب، والعدل ما يليق بهما، (و) يفرض حاكم لموسرة من الكسوة (ما يلبس مثلها) من حرير وخز وجيد كتان وجيد قطن على ما جرت به عادة مثلها من الموسرات بذلك البلد، (و) ما (ينام عليه) مثلها عادة من فراش ولحاف ومخدة وإزار في محل جرت العادة بالنوم فيه، وما يجلس عليه بساط ورفيع الحصر.
(و) يفرض حاكم (لفقيرة مع فقير كفايتها من أدنى خبز البلد وأدمه) وما تستصبح به ولحم، وذكر جماعة لا يقطعها اللحم فوق أربعين وقدم في "الرعاية" كل شهر مرة 1، (و) يفرض لها (ما يلبس مثلها وينام) عليه (ويجلس عليه).
(و) يفرض (لمتوسطة مع متوسط وموسرة مع فقير وعكسها) 2، أي فقيرة مع موسر (ما بين ذلك) لأنه اللائق بحالهما؛ لأن في إيجاب الأعلى لموسرة تحت فقير إضرارا عليه بتكليفه ما لا يسعه حاله، وإيجاب الأدنى ضرر عليها فالمتوسط أولى، وإيجاب الأعلى لفقيرة تحت موسر زيادة على ما يقتضيه حالها، وقد أمر بالإنفاق من سعته فالمتوسط أولى، والواجب على زوج دفع قوت من خبز وأدم ونحوه لزوجة وخادمها وكل من وجبت نفقته، (لا) دفع (القيمة) كالدراهم عن نفقة أو كسوة، ولا يلزمها
قبوله؛ لأنه ضرر عليها لحاجتها إلى من يشتريه لها وقد لا يحصل، أو فيه مشقة بخروجها له وتكليف من يمن عليها به، ولا دفع حب ولا يلزمها قبوله لا فيه من تكليفها طحنه وعجنه وخبزه، ولقول ابن عباس في قوله 1 تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ 2 قال: "الخبز والزيت" 3 وعن ابن عمر: "الخبز والسمن والخبز والزيت والتمر وأفضل ما تطعموهن الخبز واللحم" 4.
ويكون الدفع أول نهار كل يوم لأنه أول وقت الحاجة إليه فلا يجوز تأخيره عنه، فإن طلبت مكان الخبز حبا أو دقيقا أو دراهم لم يلزمه ذلك (إلا برضاها) لأن الحق لا يعدوهما، ولكل منهما الرجوع عنه بعد التراضي في المستقبل، ولا يجبر من أبي ذلك منهما لعدم وجويه، ولا يملك الحاكم فرض غير الواجب كدراهم مثلا إلا باتفاقهما، ولا يعتاض عن الواجب الماضي بربوي، كإن عوضها عن الخبز حنطة أو دقيقا فلا يصح ولو تراضيا عليه لأنه ربا.
(وعليه) -أي الزوج- لزوجته (مؤنة نظافتها) من سدر ودهن وثمن ماء وثمن مشط وأجرة قيمة -بتشديد الياء التحتية- التي تغسل شعرها وتسرحه وتظفره، و (لا) يلزمه (دواء و) لا (أجرة طبيب) إن مرضت؛ لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة
بل لعارض فلا يلزمه، (و) كذا لا يلزمه (ثمن طيب) وحناء وخضاب أو ما يحمر به وجه أو يسود به شعر لأنه ليس بضروري، وإن أراد منها تزينا به أو قطع رائحة كريهة وأتى به لزمها استعماله، ولا يلزمه لزوجته خف ولا ملحفة للخروج لأنه ليس من حاجتها الضرورية المعتادة، وعليها ترك زينة وحناء نهى الزوج عنهما ذكره الشيخ تقي الدين 1. وعليه لمن بلا خادم ويخدم مثلها ليسار أو كبر أو صغر أو مرض خادم واحد، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 2 ومن المعروف إقامة الخادم لها إذن، ولأن ذلك من حاجتها كالنفقة ولا يلزمه أكثر من واحد؛ لأن المستحق عليه خدمتها في نفسها وذلك حاصل بالواحد، ويجوز كون الخادم امرأة كتابية؛ لأنه يجوز نظره إليها، ونفقة الخادم وكسوته على الزوج كنفقة فقيرة مع فقير ولو أن الخادم لها، ولا يجب لخادم دهن ولا سدر ولا مشط ونحوه؛ لأنه يراد للزينة وللتنظيف ولا يراد ذلك من الخادم، ونفقة خادم مكرى ومعار على مكر ومعير؛ لأن المكري ليس له إلا الأجرة والمعير لا تسقط منه النفقة بإعارته، وإن قالت زوجة: أنا أخدم نفسي وآخذ ما يحب لخادمي، أو قال الزوج: أنا أخدمك بنفسي وأبى الآخر [لم يجبر] 3 الممتنع منهما أما الزوج فلأن في إخدامها غيرها توفيرا لها على حقوقه وترفها لها ورفعا لقدرها وذلك يفوت بخدمهتا نفسها، وأما الزوجة فلأن غرضها من الخدمة قد لا يحصل به لأنها تحتشمه وفيه غضاضة عليها.
ويلزمه لزوجته مؤنسة لحاجة كمخوف مكانها وعدو تخاف على نفسها منه؛ لأنه ليس من المعاشرة بالمعروف إقامتها بمكان لا تأمن فيه على نفسها، وتعيين المؤنسة إلى الزوج، ويكتفى بتأنيسه هو لها.
ولا يلزمه أجرة من يوضيء امرأة مريضة؛ لأنه ليس من حوائجها المعتادة بخلاف رقيقه المريض فيلزمه أجرة من يوضئه إن لم يمكنه الوضوء بنفسه؛ لأن النفقة عليه لتملكه إياه بخلاف الزوجة فهي للاستمتاع بها ولا دخل للوضوء فيه.
(وتجب) نفقة وكسوة ومسكن (لـ) مطلقة (رجعية) لأنها زوجة لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 1، ولأنه يلحقها طلاقه وظهاره أشبه ما قبل الطلاق، (و) لـ (بائن حامل) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 2، وفي بعض أخبار فاطمة بنت قيس: "لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملا" 3، ولأن الحمل ولد المبين فلزمه الإنفاق عليه ولا يمكنه ذلك إلا بالإنفاق عليها فوجب كأجرة الرضاع.
وتجب النفقة لحمل ملاعنة لو عنت وهي حامل لأنه لم ينتف بلعانها إذن إلا أن ينفيه بلعان آخر بعد وضعه فتسقط، فإن عاد واستلحقه لزمه ما مضى، ومن أنفق على بائن منه يظنها حاملا فبانت حائلا رجع عليها بما أنفقه عليها، لأخذها منه ما لا
تستحقه، كأخذ دين ادعاه ثم ظهر كذبه، وكذا إن ادعته رجعية فأنفق عليها أكثر من مدة عدتها ثم تبين عدمه رجع بالزائد، ومن ترك الإنفاق على مبانته يظنها حائلا 1، فبانت حاملا لزمه نفقة ما مضى لتبين استحقاقها للنفقة 2 فيه فترجع بها عليه كالدين.
والنفقة على الحامل للحمل نفسه؛ لأنها من أجله فتجب لناشز حامل، وتجب لحامل من وطئ شبهة أو نكاح فاسد للحوق نسبه فيهما، ولحامل في ملك يمين ولو أعتقها؛ لأن النفقة للحمل وهو ولده.
وتجب نفقة حامل من مال حمل موسر لأن الموسر لا تجب نفقته على غيره، ولا تجب نفقة حمل على زوج رقيق لولده، فإن بيان حرا فنفقته على وارثه بشرطه، وإن كان رقيقا فعلى مالكه.
وتسقط نفقة حمل بمضي الزمان كسائر الأقارب، قال المنقح: "ما لم تستدن حامل على أبيه بإذن حاكم أو تنفق بنية الرجوع".
انتهى 3.
و(لا) تجب نفقة (لمتوفى عنها) زوجها أو لأم ولد ولو مات سيدها، ولا سكنى ولا كسوة لها ولو كانت حاملا لانتقال التركة للورثة، ولا سبب للوجوب عليهم.
(ومن) امتنعت من تسليم نفسها أو (حبست) عنه حبسها ولي أو غيره بعد دخول ولو لقبض صداقها الحال، (أو نشزت) سقطت نفقتها.
(أو صامت نفلا، أو) صامت (لكفارة أو قضاء رمضان ووقته متسع، أو حجت نفلا
بلا إذنه) سقطت نفقتها لمنعها نفسها لا من جهته، (أو سافرت لحاجتها بإذنه سقطت) نفقتها لتفويتها التمكين لحظ نفسها وقضاء إربها إلا أن يكون مسافرا معها متمكنا منها.
وتتشطر نفقة لناشز ليلا أو نهارا، أو ناشز بعض أحدهما فتعطى نصف نفقتها أيضا لا 1 بقدر الأزمنة 2، وبمجرد إسلام زوجة مرتدة مدخول بها تلزمه نفقتها.
(ولها) -أي الزوجة- (الكسوة) والغطاء والوطاء ونحوهما (كل عام مرة في أوله) -أي العام-؛ لأنه أول وقت الحاجة إلى ذلك فيعطيها السنة؛ لأنه لا يمكن ترديد الكسوة شيئا فشيئا، بل هو شيء واحد يستدام إلى أن يبلى، وتملك زوجة ذلك بقبض فلا بدل على زوج لما سرق [من] 3 ذلك أو بلي، وتملك التصرف فيه على وجه لا يضر بها ولا ينهك بدنها من بيع وهبة ونحو ذلك كسائر مالها، فإن ضر ذلك ببدنها أو نقص في استمتاعه بها منعت منه لتفويت حق زوجها به.
وإن أكلت زوجة معه عادة أو كساها بلا إذن منها وكان ذلك بقدر الواجب عليه سقطت نفقتها وكسوتها عملا بالمعروف، ومتى انقضى العام والكسوة التي قبضتها له باقية فعليه للعام الجديد اعتبارا بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة، كما أنها لو بليت قبل ذلك لم يلزمه بدلها، بخلاف ماعون ونحوه إذا انقضى العام وهو باق فلا يلزمه بدله اعتبارا بحقيقة الحاجة لا المتاع، وألحق به ابن نصر اللَّه غطاء ووطاء وقواه في "تصحيح الفروع" 4.
وإن قبضت الكسوة ثم مات الزوج قبل مضي العام، أو ماتت، أو بانت منه قبل مضيه رجع بقسط ما بقي من العام لتبين عدم استحقاقها له، وكذا بقية نفقة تعجلتها.
(ومتى لم ينفق) على زوجته، أو غاب عنها مدة ولم ينفق عليها فيها فإنها (تبقى في ذمته)، وتلزمه للزمن الماضي لاستقرارها في ذمته ولو لم يفرضها حاكم؛ لأن عمر: "كتب لأمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، يأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى" 1، ولأنه حق يجب مع الإيسار والإعسار فلم يسقط بمضي الزمن كأجرة العقار بخلاف نفقة الأقارب فإنها صلة [يعتبر فيها يسار المنفق وإعسار من تجب له] 2.
[وذمية] 3 في نفقة وكسوة ومسكن كمسلمة لعموم النصوص، (وإن أنفقت من ماله) -أي مال زوجها- (في غيبته فبان ميتا رجع عليها وارث) ببقية ما أنفقت من ماله بعد موته لارتفاع وجوب النفقة عليها بموته، فلم تستحق ما قبضته، (ومن تسلم) من زوج (من يلزمه تسلمها) وهي التي يوطأ مثلها أي بنت تسع فأكثر، (أو = و"تصحيح الفروع" من تأليف شيخ الذهب، العلامة، علي بن سليمان المرداوي، المتوفى سنة (885 هـ) واسم الكتاب: (الدر المننقى والجوهر المجموع في معرفة الراجح من الخلاف المطلق في الفروع).
وهو مطبوع بهامش كتاب الفروع لابن مفلح.
بذلته هي) أي بتسليم نفسها للزوج تسليما تاما، (أو وليها وجبت نفقتها) وكسوتها وتوابعهما (ولو مع صغره) -أي الزوج- (ومرضه وعنته وجبه) أي قطع ذكره بحيث لا يمكنه وطء أو مع تعذر وطئها لحيض أو نفاس أو رتق أو قرن، أو لكونها نضوة أو مريضة، أو حدث شيء من ذلك عنده لزمه نفقتها وكسوتها لعموم قوله عليه السلام في حديث جابر: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" 1، ويجبر ولي مع صغر زوج على بذل ما وجب عليه من مال الصبي لنيابته عنه في أداء واجباته، كأروش جناياته وديونه.
لكن لو امتنعت زوجة من بذل نفسها وهي صحيحة ثم مرضت، فبذلته فلا نفقة لها ما دامت مريضة عقوبة لها بمنعها نفسها في حال يمكنه الاستمتاع بها فيها وبذلها في ضدها.
ومن بذلت التسليم وزوجها غائب لم يفرض لها حاكم شيئا؛ لأنه لا يمكن زوجها تسلمها إذن حتى يراسله بأن يكتب إلى حاكم البلد الذي هو به، فيعلمه ويستدعيه ويمضي زمن يمكن قدومه في مثله، فإن سار إليها أو وكل من حملها إليه وجبت النفقة إذن بالوصول، وإلا فرض عليه الحاكم نفقتها من الوقت الذي كان يمكن وصوله إليها فيه، وإن غاب زوجها بعد تمكينها إياه ووجوب النفقة عليه لم تسقط بغيبته.
(ولها) -أي الزوجة- (منع نفسها قبل دخول لقبض مهر حال) لا بعد دخول، سواء كان الصداق مسمى أو مفوضة، حكاه ابن المنذر إجماعا 2، ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذر عليها استيفاء المهر لم يمكنها استرجاع بدله بخلاف المبيع، (ولها) -أي الزوجة- (النفقة) زمن منع نفسها لقبض حال مهر؛ لأن الحبس
من قبله نصا 1، وبقاء درهم منه كبقاء جميعه كسائر الديون، ولو قبضت حال مهرها وسلمت نفسها ثم بأن معيبا فلها منع نفسها حتى تقبض بدله، ولو أبي كل من الزوجين تسليم ما عليه أجبر زوج أولا ثم زوجة، وإن بادر أحدهما به أجبر الآخر.
وإن دخل بها الزوج، أو خلا بها مطاوعة لم تملك منع نفسها منه بعد ذلك، فإن وطئها مكرهة لم يسقط حقها من الامتناع.
وإن أعسر زوج بمهر حال ولو بعد دخول فلزوجة حرة مكلفة الفسخ لتعذر الوصول إلى العوض، كما لو أفلس مشتر بثمن ما لم تكن عالمة بعسرته حين العقد لرضاها بذلك.
ومن سلم أمته ليلا ونهارا فهي كحرة لعموم النص، وإن سلمها ليلا فقط فنفقة نهار على سيد؛ لأنها مملوكته والزوج غير متمكن منها إذن، ونفقة ليل كعشاء ووطاء وغطاء ودهن مصباح ووسادة على زوج؛ لأنه من حاجة الليل دون النهار، ولا يصح تسليمها نهارا فقط؛ لأنه ليس محلا للتفرغ للاستمتاع، ولهذا كان عماد قسم الزوجات الليل.
(وإن أعسر) زوج (بنفقة معسر) فلم يجد القوت (أو) أعسر بـ (بعضها) أي ببعض نفقة المعسر، أو أعسر بكسوة العسر أو ببعضها، [أو] 2 بمسكنه، أو صار لا يجد النفقة إلا يوما دون يوم خيرت الزوجة بين فسخ للحوق الضرر الغالب بذلك بها، إذ البدن لا
يقوم بدون كفايته، وسواء كانت حرة بالغة رشيدة أو صغيرة أو سفيهة أو رقيقة دون سيدها أو وليها، فلا خيرة له ولو كانت مجنونة، لاختصاص الضرر بها، وهو قول عمر وعلي وأبي هريرة 1 [لقوله تعالى] 2 ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 3 والإمساك مع ترك النفقة ليس إمساكا بالمعروف، ولحديث أبي هريرة مرفوعا في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: "يفرق بينهما" رواه الدارقطني 4، وقال ابن المنذر: "ثبت [على] 5 أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى" 6؛ ولأن جواز الفسخ بذلك أولى من العنة لقلة الضرر؛ لأنه فقد شهوة يقوم البدن بدونها، فتملك الزوجة الفسخ فورا ومتراخيا؛ لأنه خيار لدفع ضرر يشبه خيار العيب في البيع، فتخير بين الفسخ وبين مقام معه مع منع نفسها وبدونه، ولا يمنعها تكسبا.
ولا يحبسها مع عسرته إذا لم تفسخ؛ لأنه إضرار بها، وسواء كانت غنية أو فقيرة؛ لأنه إنما يمل لحبسها إذا كفاها المؤنة وأغناها عما لا بد لها منه، ولها الفسخ بعد رضاها بالمقام معه لتجدد وجوب النفقة كل يوم، فيتجدد لها ملك الفسخ كذلك.
ولا يصح إسقاطها نفقتها فيما لم يجب لها كإسقاط الشفيع الشفعة قبل البيع، وكذا لو قالت: رضيت عسرته أو تزوجته عالمة به فلها الفسخ لما يتجدد لها من وجوب النفقة كل يوم.
وتبقى نفقة معسر وكسوته ومسكنه لزوجته إن أقامت 1 معه ولم تمتنع نفسها منه دينا في ذمته لوجوبها على سبيل العوض كالأجرة، ويسقط ما زاد عن نفقة معسر.
ومن قدر يكتسب ما ينفق على زوجته أجبر عليه المفلس لقضاء دينه وأولى، ومن تعذر عليه كسب أو بيع في بعض زمنه أياما يسيرة فلا فسخ، أو مرض أياما يسيرة فعجز عن الكسب فلا فسخ؛ لأنه يمكنه الاقتراض إلى زوال 2 العارض.
(إلا) إن أعسر (بما في ذمته) من نفقة ماضية، أو أعسر بنفقة موسر أو متوسط، أو أعسر بأدم أو بنفقة الخادم فلا فسخ لإمكان الصبر عن ذلك ويبقى دينا في ذمته لوجوبه عليه كالصداق.
وإن منع زوج موسر نفقة أو كسوة أو بعضهما عن زوجته وقدرت على أخذ ذلك من ماله أخذت كفايتها وكفاية ولدها وخادمها بالمعروف بلا إذنه، لقوله عليه السلام لهند
بنت عتبة 1 حين قالت: له إن أبا سفيان 2 رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" 3 فرخص لها عليه السلام في أخذ تمام الكفاية بغير علمه؛ لأنه موضع حاجة إذ لا غنى عن النفقة ولا قوام إلا بها، وتتجدد بتجدد الزمن شيئا فشيئا، فتشق المرافعة [بها] 4 إلى الحاكم، فيأمره بدفعه لها، فإن امتنع أجبره حاكم، فإن أبي حبسه ودفعها منه يوما بيوم؛ لقيام الحاكم مقامه عند امتناعه مما وجب عليه كسائر الديون، فإن لم يجد إلا عرضا أو عقارا باعه وأنفق منه، فإن غيب ماله وصبر على الحبسر فلها الفسخ لتعذر النفقة عليها من جهته كالمعسر.
(أو غاب) موسر عن زوجته (وتعذرت) نفقته عليها بأن لم يترك لها نفقة ولم تقدر له على مال ولم يمكنها تحصيل نفقتها (باستدانة أو نحوها) 5 أي اقتراض أو نحوه عليه
(فلها الفسخ) لتعذر الإنفاق عليها من ماله كحال الإعسار بل أولى، ولأن في الصبر ضررا أمكن إزالته بالفسخ، ولا يصح الفسخ في ذلك كله إلا (بحاكم)، فيفسخ الحاكم بطلبها، أو تفسخ هي بأمره للاختلاف فيه.
(وترجع) زوجة (بما استدانته) على زوجها الغائب الموسر (لها أو لولدها الصغير مطلقًا) بإذن الحاكم وبدونه، وإن دفع لها زوجها نفقة حرام لم يلزمها قبولها.
فصل في نفقة الأقارب والمماليك
والمراد بالأقارب: من يرثه المنفق بفرض أو تعصيب 1 فيدخل فيهم العتيق.
و[نفقة] 2 المماليك من الآدميين والبهائم.
وأجمعوا على وجوب نفقة الوالدين والمولودين 3 لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ 4 وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ 5، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما، وحديث هند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" متفق عليه 6، وعن عائشة مرفوعا: "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" رواه أبو داود 7، ولأن ولد
الإنسان بعضه، وهو بعض والده، فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه فكذلك على بعضه وأهله.
(وتجب) النفقة (عليه) -أي المنفق-[إذا لم يكن معه] 1 من يشركه في الإنفاق، أو إكمالها إن وجد المنفق عليه بعضها (بمعروف) أي بحسب ما يليق بهم من حلال لا حرام، وإنما تجب بثلاثة شروط: -
الأول: كون منفق من عمودي نسبه، أو وارثا له، وإليه الإشارة بقوله: (لكل من أبويه وإن علوا، وولده وإن سفل) حتى ذوي الأرحام منهم، (ولو حجبه معسر) كجد مع أب معسر، وكابن مع ابن ابن موسر، فتجب النفقة في المثالين على الموسر ولا أثر لكونه محجويا، وكذا جد مع ابن بنته لأن بينهما قرابة قوية توجب العتق ورد الشهادة فأشبه القريب.
(و) تجب النفقة (لكل من يرثه) قريبه الغني (بفرض) كأخ لأم، (أو تعصيب) كابن عم لغير أم، (لا برحم) كخال ممن (سوى عمودي نسبه)، سواء ورثه الأخر كأخ للغني أو لا كعمة وعتيق، فإن العمة لا ترث ابن أخيها بفرض ولا تعصيب، وهو يرثها = المجتبى 7/ 241، وابن ماجة، باب ما للرجل من مال ولده، كتاب التجارات برقم (2290) سنن ابن ماجة 2/ 768 - 769، وأحمد برقم (23512) المسند 7/ 49، والدارمي، باب في الكسب وعمل الرجل بيده، كتاب البيوع برقم (2537) سنن الدارمي 2/ 321، والحاكم، باب ولد الرجل من كسبه..، كتاب البيوع، المستدرك 2/ 46، والحديث قال عنه الترمذي: "حسن صحيح"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في الإرواء 6/ 65.
بالتعصيب، وكذا العتيق لا يرث مولاه وهو يرثه، فتجب النفقة على الوارث بالمعروف لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إِلى قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فأوجب على الأب نفقة الرضاع، ثم أوجب على الوارث مثل ما أوجب على الأب، ولحديث: "من أبر؟ قال: أمك، وأباك، وأختك، وأخاك" وفي لفظ: "ومولاك الذي هو أدناك حقا واجبا ورحما موصولا" رواه أبو داود 1، فألزمه البر والصلة، والنفقة من الصلة وقد جعلها حقا واجبا.
والشرط الثاني: حاجة متفق عليه، وذكره بقوله: (مع فقر من تجب له وعجزه عن كسب)؛ لأن النفقة إنما تجب على سبيل المواساة، والغني يملكه، والقادر على الكسب مستغن عنها، ولا يعتبر نقص المنفق عليه في خلقة كزمن، أو حكم كصغر وجنون، فتجب النفقة لصحيح مكلف لا حرفة له لأنه فقير.
الشرط الثالث: أن يفضل ما ينفقه عليهم عن حاجته، وإليه أشار بقوله: (إذا كانت فاضلة عن قوت نفسه) أي المنفق، (و) قوت (زوجته ورقيقه يومه وليلته كفطرة) وكسوة ومسكن لهم من حاصل بيده، أو استحصل من صناعة أو تجارة أو أجرة عقار
أو ريع وقف ونحوه، فإن لم يفضل عنده عما 1 ذكر شيء فلا شيء عليه، لحديث جابر مرفوعا: "إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، فإن كان فضل فعلى عياله فإن كان فضل فعلى قرابته" 2 وفي لفظ: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" حديث صحيح 3؛ ولأن وجوب النفقة على سبيل المواساة وهي لا تجب مع الحاجة.
و(لا) تجب النفقة على قريب (من رأس مال) تجارة لنقص الربح بنقص رأس ماله، وربما أفنته النفقة فيحصل له الضرر وهو ممنوع شرعا، (و) لا تجب النفقة من (ثمن ملك) [و] 4 لا من ثمن (آلة صنعة).
ومن قدر يكتسب بحيث يفضل من كسبه ما ينفقه على قريبه أجبر عليه؛ لأن 1 تركه مع قدرته عليه تضييع لمن يعول وهو منهي عنه.
ولا تجبر امرأة على نكاح إذا رغب فيها بمهر لتنفقه على قريبها الفقير؛ لأن الرغبة في النكاح قد تكون لغير المال بخلاف التكسب.
وزوجة من تجب له النفقة كهو؛ لأن ذلك من حاجة الفقير اليومية لدعاء الضرورة إليه، فإذا احتاج ولم يقدر عليه ربما دعته نفسه إلى الزنا، ولذلك وجب إعفافه.
(وتسقط) النفقة (بمضي زمن) [ما لم يفرضها حاكم] 2؛ لأنها تأكدت بفرضه كنفقة الزوجة، (أو) ما لم (تستدن بإذنه) أي الحاكم.
(وإن امتنع من وجبت عليه) نفقة من زوج أو قريب بأن تطلب منه فيمتنع (رجع عليه منفق بنية الرجوع)؛ لأنه قام عنه بواجب كقضاء دينه وتقدم.
(وهي على كل) من الورثة (بقدر إرثه) ممن وجبت له النفقة، فمن له -من المحتاجين للنفقة ولو كان حملا- وارث دون أب فنفقته عليهم على قدر إرثهم منه؛ لأنه تعالى رتب النفقة على الإرث لقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 3، فمن له جد وأخ لغير أم النفقة بينهما سواء لأنهما يرثانه كذلك تعصيبا، أو له أم أم وأم أب فالنفقة عليه بينهما سواء؛ لأنهما يرثانه كذلك فرضا وردا، ومن له أم وجد أو أخ وأخت النفقة بينهما أثلاثا كإرثهما له، ومن له أم وبنت النفقة عليهما أرباعا ربعها على الأم وباقيها على البنت؛ لأنهما يرثانه كذلك، وهكذا.
فلا تلزم النفقة أبا أم مع أم موسرة، ولا ابن بنت معها؛ لأنه محجوب بها، ولا تلزم أخا مع ابن ولو معسرا؛ لأنه محجوب به.
ومن له ورثة بعضهم موسر وبعضهم معسر كأخوين أحدهما موسر والآخر معسر تلزم نفقته موسرا منهما مع فقر الآخر بقدر إرثه فقط؛ لأنه إنما يجب جمليه مع يسار الآخر ذلك القدر فلا يتحمل عن غيره إذا لم يجد الغير ما يجب عليه إذا لم يكن من عمودي النسب.
(وإن كان أب) غنيا (انفرد بها) أي نفقة ولده، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ 1 وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 2، وتلزم نفقة جدا موسرا لابن ابنه الفقير ولو كان معه أخ مع فقر أب لعدم اشتراط الإرث في عمودي النسب لقوة قرابتهم، وتلزم جدة موسرة مع فقر أم لما تقدم.
ومن لم يكف ما فضل عن كفايته جميع من تجب نفقته عليه لو أيسر بجميعها بدأ بزوجته؛ لأن نفقتها معاوضة فقدمت على ما وجب مواساة، ولذلك تجب مع يسارهما وإعسارهما بخلاف نفقة القريب، فنفقة رقيقه لوجوبها مع الإيسار والإعسار كنفقة الزوجة، فنفقة أقرب فأقرب، لحديث طارق المحاربي 3: "ابدأ بمن
تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك" 1 أي الأدنى فالأدنى، ولأن النفقة صلة وبر، ومن قرب أولى بالبر ممن بعد، ثم مع الاستواء في الدرجة يبدأ بالعصبة، كأخوين لأم أحدهما ابن عم، ثم التساوي، فيقدم ولد على أب لوجوب نفقته بالنص، ويقدم أب على أم لانفراده 2 بالولاية واستحقاقه الأخذ من مال ولده، وقد أضافه عليه السلام بقوله: "أنت ومالك لأبيك" 3، وتقدم أم
على ولد ابن؛ لأنها تدلى إليه بلا واسطة ولها فضيلة الحمل والرضاع والتربية، ويقدم ولد ابن علي جد كما يقدم الولد على الأب، ويقدم جد على أخ؛ لأن له مزية الولادة والأبوة، ويقدم أبو أب على أبي أم لامتيازه بالتعصيب، وأبو أم مع أبي أبي أب مستون لتميز أبي الأم بالقرب والآخر بالتعصيب فتساويا.
ولمستحق النفقة الأخذ من مال منفق بلا إذنه مع امتناعه كما يجوز ذلك للزوجة.
ولا نفقة مع اختلاف دين بقرابة ولو من عمودي نسب؛ لأنهما لا يتوارثان إلا بالولاء، فتجب للعتيق على معتقه بشرطه وإن باينه في دينه، لأنه يرثه فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ 1، فإن مات مولاه فالنفقة على وارثه من عصبة مولاه.
= برقم (2292) سنن ابن ماجة 2/ 769، وأحمد برقم (6640) المسند 2/ 374، وحسن إسناده الألباني في الإرواء 3/ 325.
فصل
ويجب إعفاف من تجب له النفقة من عمودي نسبه وغيرهم لأنه مما تدعو حاجته إليه ويتضرر بفقده، فيجب إعفاف من تجب نفقته ممن تقدم، ويقدم الأقرب فالأقرب كالنفقة، بزوجة حرة أو سرية تعفه، ولا يملك من أعف بسرية استرجاعها مع غنى الفقير كالزكاة، ولا أن يزوجه أمة، وإن عين أحدهما امرأة والآخر غيرها يقدم تعيين قريب منفق على تعيين زوج إذا استوى المهر لأنه المطلوب بنفقتها وتوابعها، وليس له تعيين عجوز قبيحة المنظر أو معيبة، ويصدق أنه تائق للنكاح بلا يمين، لأنه مقتضى الظاهر.
ويكتفى في الإعفاف بواحدة، فإن ماتت أعفه ثانيا؛ لأنه لا صنيع له في ذلك لا إن طلق بلا عذر، أو أعتق السرية ولم يجعل عتقها صداقها، فليس له أن يعفه ثانيا؛ لأنه المفوت على نفسه.
ويلزم إعفاف أم كأب قال القاضي: "ولو سلم فالأب آكد" 1. ولأنه لا يتصور الإعفاف لها إلا بالتزويج، ونفقتها على الزوج، قال في "الفروع" 2: "ويتوجه تلزمه نفقته إن تعذر تزويج بدونها".
وبنت ونحوها كأم.
ويلزم من وجبت عليه نفقة خادم للجميع لحاجة إليه كالزوجة؛ لأنه من تمام الكفاية.
وعلى من تلزمه نفقة صغير نفقة مرضعة حولين كاملين، ولا يفطم قبلهما إلا برضا أبويه أو برضا سيده إن كان رقيقا، ولأبيه منع أمه من خدمته؛ لأنه يفوت حق
الاستمتاع بها في بعض الأحيان، ولا يمنعها من إرضاعه ولو أنها في حباله، والأم أحق بإرضاع ولدها بأجرة مثلها حتى مع متبرعة أو مع زوج ثان وبرضا، لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ 1، فإن طلبت الأم أكثر من أجرة مثلها ووجد الأب من يرضعه بأجرة مثله أو متبرعة فله أخذه منها، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ 2، وإن منع الأم زوجها مخير أبي الطفل من رضاعه سقط حقها لتعذر وصولها إليه، ويلزم حرة إرضاع ولدها مع خوف تلفه بأن لم يقبل ثدي غيرها حفظا له عن الهلاك كما لو لم يوجد غيرها، ولها أجرة مثلها، فإن لم يخف تلفه لم تجبر، ولزوج ثان منعها من إرضاع ولدها من الأول إلا لضرورة بأن لا يوجد من يرضعه غيرها، أو لا يقبل ثدي غيرها، أو بشرطها ذلك في العقد فلها شرطها كما تقدم.
(وتجب) النفقة (عليه) أي السيد (لرقيقه) والكسوة والمسكن بالمعروف (ولو) كان رقيقه (آبقا) أو مريضا، أو (و) انقطع كسبه، أو كان أمة (ناشزا)، أو كان ابن أمته من حر؛ لأنه تابع لأمه حيث لا شرط ولا غرور، من غالب قوت البلد، ولمبعض بقدر رقه من ذلك والباقي عليه لاستقلاله بجزئه الحر، وللسيد أن يجعل نفقة رقيقه في كسبه، وأن ينفق 3 عليه من ماله ويأخذ كسبه أو يستخدمه وينفق عليه من ماله؛ لأن الكل له.
(و) يجب أن (لا يُكَلِّفَهُ) أي الرقيق (مُشِقًّا كثيرًا) لحديث أبي ذرٍّ 1 مرفوعًا: "إخوانكم خَوَلُكُمْ 2، جعلهم اللَّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، [فإن كلفتموهم] 3 فأعينوهم عليه" متفق عليه 4. (و) يجب أن (يُرِيْحَهُ وَقْتَ قَائِلَةٍ و) وقت (نَوْمٍ ولـ) أداء (صَلاةِ فَرْضٍ) لأنه العادة، ولأن تركه إضرار بهم، ولا يجوز تكليف أمة رَعيا؛ لأن السفر مظنة الطمع فيها لبعد من يدفع عنها، وسُنَّ لسيد مداواتهم إذا مرضوا، وإطعامهم من طعامه وإلباسهم من لباسه، لحديث أبي ذر، وأن يسوي بين عبيده في الكسوة وبين إمائه إن
كُنَّ للخدمة أو للاستمتاع، وإن اختلفن فلا بأس بتفضيل من هي للاستمتاع 1 في الكسوة لأنه الأعرف، ومن ولي الطعام من رقيقه فيأكل معه أو يطعمه، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أتى أحدَكم خادمُه يطعامه قد كفاه علاجه ودخانه، فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله أكلة أو أكلتين" متفق عليه 2، ولأن نفس المباشر تتوق إلى ما لا تتوق نفس غيره عليه.
وللزوج والأب والسَّيد تأديب زوجته وولده ولو كان مكلفا ورقيق إذا أذنبوا بضرب غير مُبَرِّحٍ، وسن مرة أو مرتين، ولا يجوز بلا ذنب ولا أن يضربوا ضربًا مُبَرِّحًا لحديث: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلَّا في حد من حدود اللَّه تعالى" رواه الجماعة إلا النسائي 3، ولسيد رقيق أن يُقَيِّدَهُ إن خاف عليه إباقًا نصًّا 4، ولا يشتم أبويه الكافرين، قال أحمد: "لا يعود لسانه الخنا والرَّدى" ولا يدخل الجنة سيءُ المَلكة.
5
وهو الذي يسئ إلى مماليكه.
وحرم أن يسترضع أمة لها ولد لغير ولدها إن لم يفضل عنه شيء؛ لأن فيه إضرارا بالولد إلا بعد ريه فيجوز استرضاعها لاستغناء ولدها عنه، ولا يجوز جبر قن على مخارجة وهي جعل سيد على رقيق كل يوم أو كل شهر شيئا معلوما له إلا باتفاقهما إن كانت قدر كسبه فأقل بعد نفقته لما روي أن أبا طيبة 1: "حجم النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فأعطاه أجره، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه" 2 وكان كثير من الصحابة يضربون على رقيقهم خراجا، فروي: "أن الزبير كان له ألف مملوك على كل واحد كل يوم درهم" 3، فإذا زاد على كسبه لم يجز لأنه تكليف لا يغلبه، وكذا إن لم يكن له = والمعنى المشار إليه بأنه لا يدخل الجنة سيء الملكة ورد من حديث أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- مرفوعا: أخرجه الترمذي، باب ما جاء في الإحسان إلى الخدم، كتاب البر والصلة برقم (1946) الجامع الصحيح 4/ 295، وابن ماجة، باب الإحسان إلى المماليك، كتاب الأدب برقم (3691) سنن ابن ماجة 2/ 1217، وأحمد برقم (14) المسند 1/ 9، والحديث قال عنه الترمذي: "غريب"، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزياداته 6/ 89 - 90.
كسب، ولا يتسرى عبد مطلقا، قال "التنقيح" 1: "ولا يتسرى ولو أذن له سيده؛ لأنه لا يملك إلا على قول مرجوح بإذن سيده قال: وهو أظهر، ونص عليه في رواية الجماعة، واختاره كثير من المحققين".
انتهى.
وقال في "الإنصاف" 2: "وهي الصحيحة من المذهب، وهي طريقة الخرقي، وأبي بكر وغيرهم".
وعلى رواية التسري بإذن سيده لا يملك سيد رجوعا في أمة أذن في التسري بها [بعد] 3 تسر نضا 4؛ لأن العبد يملك به البضع فلا يملك سيده فسخه قياسا على النكاح، ولمبعض وطء أمة ملكها يحزئه الحر بلا إذن أحد لأنها خالص ملكه، ويجب على سيد امتنع مما يجب لرقيقه 5 عليه من نفاقة وكسوة وإعفاف إزالة ملكه عنه بطلبه ببيع أو هبة أو عتق، كفرقة زوجة امتنع مما لها عليه إزالة للضرر 6، وفي الخبر: "عبدك يقول: أطعمني وإلا فبعني، وامرأتك تقول: أطعمني أو طلقني" 7.
.................................. = النكاح، سنن الدارقطني 3/ 297، والبيهقي، باب الرجل لا ينفق نفقةَ امرأته، كتاب النفقات، السنن الكبرى 7/ 471، لكن قوله (تقول المرأة: إما أن تطعمني... الخ) من كلام أبي هريرة أدرجه في الحديث، يدل لذلك ما في رواية البخاري آخر الحديث (قالوا: يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة) وبدل لذلك أيضًا ما في رواية أحمد حيث جاء فيها بعد قوله (وابدأ بمن تعول)، قال: سئل أبو هريرة من تعول؟ قال: امرأتك تقول أطعمني... الخ).
فَصْلُ
(وعَليْهِ) أي مالك البهائم (عَلفُ بَهائِمِهِ) أو إقامة من يرعاها، (و) عليه (سَقْيُهَا)، لحديث ابن عمر: " عُذِّبت امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خَشَاشِ الأرض" متفق عليه 1.
(وإِنْ عَجَزَ) عن نفقتها (أُجْبِرَ على بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ ذَبْح مَأْكُوْلٍ) إزالة لضررها وظلمها، ولأنها تتلف بتركها بلا نفقة، وإضاعة المال منهي عنها 2.
فإن أبي فعل حاكم الأصلح من الثلاثة، أو اقترض عليه ما ينفق على بهيمته لقيامه مقامه في أداء ما وجب عليه عند امتناعه، كقضاء دينه.
ويجوز انتفاع بالبهائم لغير ما خلقت له، كبقر لحمل وركوب، وإبلٍ وحُمْرٍ لحرث ونحوه؛ لأن مقضتى الملك جواز الانتفاع بها فيما يمكن وهذا منه، كالذي خلقت له، وبه جرت عادة بعض الناس، ولهذا يجوز أكل الخيل واستعمال اللولؤ في الأدوية وإن لم يكن المقصود منهما ذلك.
(وَحَرُمَ تَحْمِيْلُهَا) أي البهيمة (مُشِقًّا)، لأنه تعذيب لها، (و) حرم (لَعْنُهَا) لحديث
عمر أنه عليه السَّلام كان في سفر فلعنت امرأةٌ ناقةً فقال: "خذوا ما عليها، ودعوها مكانها ملعونة، فكأنِّي أراها الآن تمشي في الناس ما يعرض لها أحدٌ" وحديث أبي بَرْزَةَ 1: "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنةٌ" رواهما أحمد ومسلم 2. (و) حرم (حَلْبُهَا مَا يَضُرُّ بوَلَدِهَا) لأن لبنه مخلوق له أشبه ولد الأمة، وحرم ذبح حيوان غير مأكولٍ لإراحته من مرض ونحوه؛ لأنه إتلاف مالٍ وقد نُهي [عنه] 3. (و) حرم (ضَرْبُ وجهٍ وَوَسْمٍ فيهِ) أي الوجه لأنه عليه السَّلام: "لعن من وَسَمَ أو
ضرب الوجه" 1 و [نهى] 2 عنه 3 ذكره في "الفروع" 4. وهو في الآدمي أشد، قال ابن عقيل: "لا يجوز الوسم إلا لمداواة"، وقال أيضا: "يحرم لقصد المثلة".
5
(ويجوز) الوسم (في غيره) أي الوجه (لغرض صحيح) كالمداواة.
ويكره خصاء في غنم وغيرها إلا خوف غضاضة 6 نصا 7 وحرمه ابن عقيل
والقاضي 1 كالآدمي، ذكره ابن حزم إجماعًا 2.
ويكره جَزُّ مَعْرَفَةٍ 3 وناصية وذنب وتعليق جَرَسٍ أوْ وَتَرٍ للخبر 4، ويكره إطعامه فوق طاقته وإكراهه على الأكل [على] 5 ما اتخذه الناس عادةً لأجل التَّسمين، ويكره نَزْوُ 6 حمار على فرس.
وتستحب نفقة المالك على ماله [غير] 7 الحيوان وفي "الفروع" 8: "ويتوجه وجوبه لئلَّا يضيع".
نتهى.
(فَصْلٌ) في الحَضَانَةِ
مُشتقَّةٌ من الْحِضْنِ وهو: الْجَنْبُ، لضم المربي والكافل الطفل ونحوه إلى حضنه 1. (وَتَجِبُ الحَضَانَةُ لحِفْظِ صَغيرٍ ومَجْنونٍ ومَعتُوْهٍ) -وهو مختل العقل- عما يضرهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم من غسل بدنهم وثيابهم ودهنهم وتكحيلهم ونحو ذلك، ومستحقها رجل عصبة كأبٍ وجَدٍّ وأخٍ وعمٍّ لغير أمٍّ، أو امرأة وارثة 2 كأمٍّ وجَدَّةٍ، أو أختٍ، أو قريبةٍ مُدليةٍ بوارثٍ كخَالَةٍ وبنت أختٍ 3، أو مدلية بعصبة كعَمَّةٍ وبنت أخٍ وبنت عمٍّ لغير أمٍّ، وذو رحم كأبي أمٍّ وأخٍ لأمٍّ، ثم حاكم؛ لأنه يلي أمور المسلمين وينوب عنهم في الأمور العامة، وحضانة الطفل ونحوه إذا لم يكن له قريب تجب على جميع المسلمين.
(والأَحَقُّ بِهَا) أي حضانة الطفل (أُمٌّ) له، لحديث ابن عمرو 1: "أن امرأةً قالت: يارسول اللَّه! إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحِجْرِيْ له حواء، وأنَّ أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنت أحق به ما لم تَنْكِحِيْ" رواه أبو داود وغيره 2، ولأنها أشفق والأب لا يلي حضانته بنفسه وإنما يدفعه لامرأته أو غيرها من النساء، وأمه أولى ممن يدفعه إليها ولو بأجرة مثلها، كرضاع حيث كانت أهلًا، (ثُمَّ) إن لم تكن أمٌّ أو لم تكن أهلًا للحضانة فـ (أُمَّهَاتُهَا القُرْبَى فالقُربى)؛ لأنهنَّ نساءٌ لهنَّ ولادةٌ مُتحققةٌ أشبهن الأمّ، (ثُمَّ) بعدهن (أبٌ)؛ لأنه الأصل وأحق بولاية المال، (ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ كَذلك) أي القربى فالقربى لإدلائهن بعصبةٍ قريبةٍ، (ثُمَّ جَدٌّ) لأبٍ لأنه في معنى الأب الأقرب فالأقرب، (ثُمَّ أمَّهاتُه كَذلك) لإدلائهنَّ بعصبةٍ، (ثُمَّ أخْتٌ لأبَوَيْنِ) لمشاركتها له في النسب وقوة قرابتها، (ثُمَّ) أختٌ (لأُمٌّ) لإدلائها بالأم كالجدات، (ثُمَّ) أخت (لأَبٍ، ثُمَّ خَالةٌ) لأبوين، ثم خالةٌ لأمٍّ ثم خالةٌ لأبٍ لإدلاء
الخالات بالأم، (ثم عمة) كذلك لإدلائهن بالأب وهو مؤخر في الحضانة عن الأم، ثم خالة أم كذلك، ثم خالة أب، ثم عصته، (ثم بنت أخ) لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، (و) بنت (أخت) كذلك، (ثم بنت عم) لأبوين، ثم لأم ثم لأب، (و) بنت (عمة) كذلك، (ثم بنت عم أب) 1 كذلك، (و) بنت (عمته) أي الأب (على ما فصل) سابقا، فيقدم من لأبوين ثم لأم ثم لأب، (ثم) الحضانة (لباقي العصبة)، أي عصبة المحضون (الأقرب فالأقرب)؛ لأن لهم ولاية وتعصيبا بالقرابة فثبتت لهم الحضانة كالأب، (وشرط كونه) أي الحاضن (محرما لأنثى) محضونة بلغت سبع سنين؛ لأنها محل الشهوة، ويسلمها غير محرم كابن عم تعذر غيره إلى ثقة يختارها أو يسلمها إلى محرمه؛ لأنه أولى من أجنبيٍّ وحاكم، وكذا أمٌّ تزوجت وليس لولدها غيرها فتسلم ولدها إلى ثقةٍ تختاره أو محرمها كما تقدم.
(ثُمَّ) الحضانة (لذِي رَحِمٍ) ذكرًا وأنثى غير من تقدم؛ لأن لهم رحمًا وقرابةً يرثون بها عند عدم من تقدم أشبهوا البعيد من العصبات، وأولاهم بحضانة أبو أمٍّ فأمَّهاته فأخٌ لأمٍّ فخال 2، (ثُمَّ) بعد من ذكر الحضانة لـ (لحَاكِمٍ)؛ لأن له ولاية على من لا أب له ولا وَصِيَّ والحضانة ولايةٌ، وتنتقل حضانة مع امتناع مستحقها أو عدم أهليته إلى مَنْ بعده.
(ولا تَثْبُتُ) الحضانة (لمَنْ فِيْهِ رِقٌّ) وإن قَلَّ؛ لأنها ولايةٌ كولاية النكاح، (ولا) تثبت (لكافِرٍ عَلى مُسلمٍ)؛ لأن ضرره عظيمٌ؛ لأنه يفتنه عن دينه
ويخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته عليه، وفي ذلك كله ضرر، (ولا) تثبت (لفاسق) ظاهر الفسق؛ لأنه لا وثوق به في أداء واجب الحضانة، ولاحظ للمحضون في حضانته، لأنه ربما نشأ على أحواله ولا سيما إن كان من أهل البدع، (ولا) تثبت (لمزوجة بأجنبي من محضون من زمن 1 عقد) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنت أحق به ما لم تنكحي"؛ ولأن الزوج يملك منافعها بمجرد العقد، ويستحق منعها من الحضانة أشبه ما لو دخل بها، فإن تزوجت بقريب محضونها ولو غير محرم له لم تسقط حضانتها، ولو رضي زوج بحضانة ولدها من غيره لم تستحق الحضانة بذلك، بخلاف رضاع كما تقدم، وبمجرد زوال مانع ولو بطلاق رجعي ولم تنقض عدتها، وبمجرد رجوع ممتنع من حضانة يعود الحق له في الحضانة لقيام سببها مع زوال المانع.
(وإن 2 أراد أحد أبويه) أي المحضون (نقله إلى بلد آمن وطريقه) أي البلد (مسافة قصر فأكثر ليسكنه) وكان الطريق أيضًا آمنا (فأب أحق)؛ لأنه الذي يقوم عادة بتأديبه وتخريجه وحفظ نسبه، فإذا لم يكن ببلد أبيه ضاع، ومتى اجتمع الأبوان عادت 3 الحضانة للأم، (أو) أراد أحد أبويه نقله (إلى) بلد (قريب) دون المسافة من بلد الآخر (للسكنى فأم) فتبقى على حضانتها؛ لأنها أتم شفقة كما لو لم يسافر أحدهما، (و) إن أراد أحد أبويه سفرا (لحاجة) ويعود (مع بعد)
البلد الذي أراده (أو لا) أي مع عدم بعده 1 (فمقيم) من أبويه أحق بحضانته إزالة لضرر السفر، وهذا كله إن لم يقصد المسافر به مضارة الآخر وإلا فأم أحق كما ذكره في "الهدي" 2 وقواه غيره 3.
فصل
(وإذا بلغ صبي) محضون (سبع سنين عاقلا) أي تمت له سبع سنين (خير بين أبويه)، لحديث أبي هريرة: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- خير غلاما ما بين أبيه وأمه" رواه سعيد والشافعي 1، ولأبي هريرة أيضا: "جاءت امرأة إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: يا رسول اللَّه! إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة 2 وقد نفعني فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما
شئت، فأخذ بيد أمه فانطلقت به" رواه أبو داود 1 وعن عمر: "أنَّه خَيَّرَ غلامًا بين أبيه وأمه" رواه سعيد 2 وعن عمارة الجرمي 3: "خَيَّرَني عليٌّ بين أمِّي وأبي وكنت ابن سبع أو ثمان" 4، وروي نحوه عن أبي هريرة 5، ولأن