الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 514-553

بفتح الحاء لا كسرها في الأشهر، وعكسه شهر الحجة 1. ذكره شارح المنتهى 2. وهو لغة: القصد إلى من تعظمه 3، وشرعًا: قصد مكة، لعمل مخصوص، في زمن مخصوص يأتي بيانه 4. وهو أحد أركان الإسلام ومبانيه، وفرض سنة تسع عند الأكثر 5، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ

حِجُّ الْبَيْتِ} 1 الآية.
والعمرة، وهي لغة: الزيارة 2. وشرعًا: زيارة البيت الحرام، على وجه مخصوص يأتي بيانه 3. وينبغي لمن أراده المبادرة به، والاجتهاد في رفيق صالح، ويكون خروجه يوم خميس أو اثنين بكرة، ويقول إذا خرج، أو نزل منزلًا، ونحوه، ما ورد 4، ويصلي في منزله ركعتين.
(يجبان) أي الحج والعمرة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 5، وحديث عائشة قالت: "يا رسول اللَّه، هل على النساء من جهاد؟ قال: نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج = 61) و"القرى" للطبري محب الدين (ص 63) و"زاد المعاد" (2/ 101) و"التلخيص الحبير" (2/ 233).

والعمرة" 1 رواه أحمد، وابن ماجه، بإسناد صحيح.
وإذا ثبت في النساء فالرجال أولى.
ولمسلم عن ابن عباس: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" 2 وإنما يجبان (على) من كمل فيه شروط خمسة: وهو (المسلم، الحر، المكلف المستطيع) فالإسلام والعقل، شرطان للوجوب والصحة، فلا يصحان من كافر ومجنون، ولو أحرم عنه وليُّه، والبلوغ وكمال الحرية، شرطان للوجوب والإجزاء دون الصحة، واكتفى بالتكليف عن ذكر البلوغ والعقل طلبًا للاختصار، والاستطاعة شرط للوجوب دون الإجزاء، للآية والأخبار 3، ولا تبطل بجنون، ولو مطبقًا، فيحج عنه، وهي: ملك زاد يحتاجه في سفره ذهابًا وإيابًا، من مأكول، ومشروب، وملبوس.
ولا يلزمه حمله إن وجد بثمن مثله، أو أزيد يسيرًا بالمنازل في طريق الحاج، لحصول المقصود.
وملك راحلة لركوبه بآلتها، تصلح لمثله، لحديث أحمد، عن الحسن: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 4 قال رجل: يا رسول اللَّه، ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة" 5. وذلك لمن منزله عن مكة مسافة قصر، فلا يعتبر ملك راحلة فيما دونها، للقدرة على

المشي فيها غالبًا، إلا العاجز عن مشي، كشيخ كبير، فيعتبر له ملك الراحلة.
ولا يلزمه السير حبوًا، ولو أمكنه ذلك، وأما الزاد فيعتبر، قربت المسافة أو بعدت.
أو ملك ما يقدر به على تحصيل الزاد والراحلة، فإن لم يملك ذلك؛ لم يلزمه الحج.
لكن يستحب لمن أمكنه المشي والكسب بالصنعة، ويكره لمن حرفته المسألة.
فاضلًا عما يحتاج من كتب، ومسكنٍ، وخادم، ولباس صالح لمثله، وعن ما لا بد منه، وعن قضاء دينه حالًّا أو مؤجلًا، وعن مؤنته ومؤنة عبده، لحديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" 1. على الدوام، من عقار، أو بضاعة، أو صناعة، ولا يصير مستطيعًا ببذل غيره له ما يحتاجه لحجه وعمرته، ولو أباه أو أُمَّه 2 للمنة.
ومن الاستطاعة سعة وقت، وأمن طريق يمكن سلوكه، ولو بحرًا، لحديث: "لا يركب البحر إلا حاجًّا، أو معتمرًا، أو غازيًا" 3. رواه أبو داود وسعيد.
أو كان بلا خفارة 4 في الطريق، فإن لم يمكنه سلوكه إلا بها،

لم يجب، ولو يسيرة في ظاهر كلامه.
وإنما يجبان (في العمر مرة) لحديث أبي هريرة: "خطبنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول اللَّه؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم" 1 رواه أحمد ومسلم والنسائي.
(على الفور) من غير تأخير لمن كملت شروطه.
(فإن زال مانع حج) بأن أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صغير، أو عتق قِنٌّ مكلف، والحال أنه (بعرفة) قبل أن يدفع منها، أو بعده، إن عاد فوقف بها في وقته، أجزأه حجه، ويلزمه العود حيث أمكن أ (و) زال مانع (عمرةٍ) بأن بلغ، أو عتق محرم بعمرة (قبل طوافها) أي العمرة (وفُعلا) إذن، أي بعد بلوغ وعتق (وقعا فرضًا).
ويكون صغير بلغ محرمًا، وقن عتق محرمًا، كمن أحرم بعد بلوغه وعتقه، لأنها حال تصلح لتعيين الإحرام، كحال ابتداء الإحرام.
ولا يجزئ حج عن حجة الإسلام مع سعي قن وصغير بعد طواف القدوم، قبل وقوف، ولو أعاده بعد بلوغه أو عتقه، لأن السعي لا تشرع مجاوزة عدده، ولا تكراره، بخلاف الوقوف، فاستدامته مشروعة، ولا قدر له محدود 2. ويصح الحج، وكذا العمرة، من صغير ذكر، أو أنثى، ولو ابن ساعة، لحديث ابن عباس: أن امرأة رفعت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- صبيًّا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: "نعم، ولك أجر" 3. رواه مسلم.

ويُحرم ولي في مال عن من لم يميز، لتعذر النية منه، فإن لم يكن ولي فيحرم عنه من يتولاه، كفي قبول زكاة وهبة، ولو كان الولي محرمًا أو لم يحج ويقع لازمًا، وحكمه كالمكلف، نصًّا (1). ويُحرم مميز عن نفسه بإذن وليه، لأنه يصح وضوؤه، فيصح إحرامه، كالبالغ، ويفعل ولي عن مميز وغيره ما يعجزهما من أفعال حج وعمرة، لكن لا يبدأ ولي في رمي جمرات إلا بنفسه، كنيابة حج، ولا يعتد برمي حلال لا عن نفسه، ولا عن غيره، وإن أمكن مناولة صغير نائبًا الحصى ناوله، وإلا استحب وضعه في كفه، ثم أخذه منه، ويرمي عنه.
ويُطاف بالصغير لعجزه عن طواف بنفسه، راكبًا، أو محمولًا، ككبير عاجز، ويعتبر لطواف صغير نية طائف به، لتعذر النية منه، ولا يعتبر كون الطائف به طاف عن نفسه، ولا كونه محرمًا، بخلاف الرمي.
وكفارة حج صغير، وما زاد عن نفقة الحضر، في مال وليه إن أنشأ السفر به تمرينًا على الطاعة، لأنه الذي أدخله فيه، ولو تركه لم يتضرر بتركه، وإن لا ينشئ السفر، بل سافر به لتجارة، أو خدمة، أو ليستوطن بمكة، ونحو ذلك، فلا تجب على الولي، بل من مال الصغير، لأنه لمصلحته.
وعمد صغير ومجنون؛ خطأ، لا يجب فيه إلا ما يجب في خطأ مكلف، أو في نسيانه لعدم اعتبار قصده.

تتمة

: لا يمنع زوج امرأته من حج فرض كملت شروطه، كبقية الواجبات، ويستحب لها استئذانه، وإن كان غائبًا كتبت إليه، فإن أذن، وإلا حجت بمحرم.
ولكل من أبوي حر بالغ، حرين، منعه من إحرام بنفل حج، أو1

عمرة، أو جهاد، للأخبار 1، وما يفعله في الحضر من نفل نحو صلاة وصوم فلا يعتبر فيه إذن، وكذا السفر لواجب، كحج، وعلم، لأنه فرض عين، كالصلاة، وتجب طاعتهما في غير معصية، قال الشيخ تقي الدين 2: فيما فيه نفع لهما، ولا ضرر عليه، ولو شق عليه، ولا يحللانه إذا أحرم.
ولا يحلل غريم مدينًا أحرم بحج أو عمرة، لوجوبهما بالشروع (وإن عجز) من وجب عليه الحج والعمرة عن السعي (لكبر، أو مرض لا يُرجى برؤه) لنحو زمانة، أو لثقل، بحيث لا يقدر معه على ركوب إلا بمشقة شديدة، أو لكونه نِضْوَ 3 الخلقة، لا يقدر ثبوتًا على راحلة إلا بمشقة غير محتملة (لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر) حديث ابن عباس: أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول اللَّه، إن أبي أدركته فريضة اللَّه في الحج شيخًا كبيرًا، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: "حجي عنه" 4. متفق عليه، وعلم من الحديث جواز نيابة المرأة عن الرجل، فعكسه أولى (من حيث وجبا) أي من بلد العاجز، لأنه وجب عليه كذلك.

ويكفي أن ينوي النائب عن المستنيب وإن لم يسمه لفظًا، وإن نسي اسمه ونسبه نوى عمن دفع إليه المال ليحج ضنه (ويجزئه) 1 أي المستنيب فعل نائب (ما لم يبرأ قبل إحرام نائب) فإن برأ قبل إحرام نائبه لم يجزئه، لقدرته على المبدل قبل الشروع في البدل، ومن يُرجى برؤه لا يستنيب، فإن فعل لم يجزئه.
(وشرط لـ) وجوب حج أو عمرة على (امرأة مَحْرَم أيضًا) نصًّا 2، قال: المحرم من السبيل 3. فمن لم يكن لها محرم لم يلزمها الحج بنفسها ولا بنائبها، ولا فرق بين الشابة والعجوز نصًّا 4، ولا بين طويل السفر وقصيره، لحديث ابن عباس: "لا تسافر امرأة إلا مع محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم.
فقال رجل: يا رسول اللَّه، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج؟ فقال: أخرج معها" 5. رواه أحمد.
والمحرم معتبر لمن لعورتها حكم، وهي بنت سبع سنين، فأكثر.
ونفقة المحرم عليها، ولا يلزمه مع بذلها ذلك له سفر معها، وتكون كمن لا محرم لها (فإن أيست) المرأة (منه) أي من المحْرَم (استنابت) من يفعل النسك عنها، ككبير عاجز، والمراد أيست بعد أن وجدت المحرم، وفرطت بالتأخير، حتى فقد، لما قدمناه من نص الإمام 6، وإن حجت بدون محرم حرم وأجزأ، وإن مات بالطريق مضت في حجها، إذ لا تستفيد برجوعها شيئًا، لأنها مع غير محرم.

(وإن مات من لزماه) أي الحج والعمرة، بأصل الشرع، أو بإيجابه على نفسه، ولو قبل التمكن من فعله (أخرجا من تركته) أي أخرج عنه من جميع مالِه حجة وعمرة من بلده، نصًّا 1، لأن القضاء يكون بصفة الأداء، ولو لم يوص بذلك، لحديث ابن عباس، أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه، إن أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: "نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دَيْن أكنت قاضيته؟ اقضوا اللَّه، فاللَّه أحق بالوفاء" 2 رواه البخاري.
ويجزئ أن يستناب عن معضوب 3، أو ميت له وطنان، من أقرب وطنيه، ويجزئ من خارج بلده، إلى دون مسافة قصر.
ويسقط حج عمن وجب عليه، ومات قبله، بحج أجنبي عنه بدون مال، ودون إذن وارث، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- شبَّهه بالدين، وكذا عمرة، ولا يسقط عن حي معضوب، بفعل أجنبي إلا بإذنه، كدفع زكاة مال حي عنه بلا إذنه، بخلاف الدين، لأنه ليس بعبادة.
ومن وجب عليه نسك، ومات قبله، وضاق ماله عن أدائه من بلده، استنيب عنه من حيث بلغ، أو لزمه دَيْن وعليه حج، وضاق ماله عنهما، أخذ من ماله لحج بحصته كسائر الديون، وحج به من حيث بلغ، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" 4. ولا يصح ممن لم يحج عن نفسه حج عن غيره، فرضًا، ولا نذرًا، ولا نفلًا، حيًا كان المحجوج عنه، أو ميتًا، فإن فعل انصرف إلى حجة الإسلام، لحديث ابن عباس: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال:

حججت عن نفسك؟ قال: لا.
قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" 1. رواه الإمام أحمد، واحتج به.
ولو أحرم بنذر أو نفل من عليه حجة الإسلام، وقع حجه عنها، والنائب كالمنوب عنه.
(وسنَّ لمريد إحرام) قال ابن فارس 2: هو نية الدخول في التحريم، كأنه 3 يحرم على نفسه الطيب والنكاح وأشياء من اللباس، كما يقال: أشتى إذا دخل في الشتاء، وأربع إذا دخل في الربيع.
وشرعًا: نية النسك 4 -أي نية الدخول فيه- لا نية أن يحج أو يعتمر.
وسن لمريده (غسل) للخبر 5، ولو حائضًا أو نفساء لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل 6 رواه مسلم.
وأمر عائشة أن

تغتسل لإهلال الحج وهي حائض 1. متفق عليه.
(أو تيمم لعذر) من عدم ماء، أو عجز عن استعماله، لنحو مرض، لعموم الآية 2، ولا يضر حَدَثُه بين غسل وإحرام، كغسل الجمعة.
(و) سن له (تنظف) بأخذ شعره، وظفره، وقطع رائحة كريهة، ولأن الإحرام يمنع أخذ الشعر والأظفار، فاستحب قطعه قبله.
(و) سن له (تطيب في بدن) بما تبقى عينه كمسك، أو أثره كماء ورد وبخور، لقول عائشة: كنت أطيب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت.
وقالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو محرم 3. متفق عليه.
(وكُره) لمريد إحرام تطيب (في ثوب) وله استدامة لبسه في إحرامه ما لم ينزعه، فإن نزعه، لم يلبسه حتى يغسل طيبه، لزومًا، لأن الإحرام يمنع الطيب، ولبس المطيب، دون الاستدامة.
ومتى تعمد محرم مسَّ طيب على بدنه، أو نحاه عن موضعه ثم رده إليه، أو نقله إلى موضع آخر؛ فدى، لا إن سال بعَرَقٍ، أو شمس.
(و) سن لمريده (إحرام بإزار ورداء أبيضين) نظيفين جديدين، أو غسيلين، ونعلين، لحديث: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين" 4 رواه

أحمد، ويكون لبسه ذلك بعد تجرد ذكر من مخيط، كقميص، وسراويل، وخُفٍّ، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم-"تجرد لإهلاله" 1 رواه الترمذي.
وسن إحرامه (عقب) صلاة (فريضة، أو) عقب صلاة (ركعتين) نفلًا، نصًا 2، لأنه عليه السلام "أهل في دبر صلاة" 3 رواه النسائي (في غير وقت نهي) لتحريم النفل إذن، ويستحب أن يستقبل القبلة عند إحرامه، صح ذلك عن ابن عمر 4. (ونيته) أي الإحرام (شرط) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" 5 ولأنه عمل وعبادة محضة، فافتقر إليها، كالصلاة.
(والاشتراط فيه) أي الإحرام (سُنة) لحديث ضباعة بنت الزبير حين قالت له: إني أريد الحج، وأجدني وجعة.
قال: حجي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني" 6 متفق عليه.
زاد النسائي في رواية إسنادها = المنذر في الأوسط، وأبي عوانة في صحيحه بسند على شرط الصحيح.
اهـ

جيد: "فإن لك على ربك ما استثنيت" 1، فيقول: اللهم إني أريد النسك الفلاني، فيسره لي، وتقبله مني، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.
فيستفيد أنه متى حبس بمرض، أو عدو، ونحوه؛ حل، ولا شيء عليه، نصًّا 2، ولو شرط أن يحل متى شاء، وإن أفسده، لم يقضه؛ لم يصح شرطه، لأنه لا عذر له فيه.
ويبطل إحرام ويخرج منه بردة، لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ 3 ولا يبطل بجنون، وإغماء وسكر كموت، ولا ينعقد إحرام مع وجود أحدها لعدم صحة القصد.
ويُخير مُريد إحرام بين ثلاثة أشياء: تمتع، فإفراد، فقران، وأفضل الثلاثة التمتع، كما قال: (وأفضل الأنساك التمتع) نصًّا 4، فإنه آخر ما أمر به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ففي "الصحيحين" أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر أصحابه لما طافوا وسعوا أن يجعلوها عمرة، إلا من ساق هديًا 5، وثبت على إحرامه لسوقه الهدي، وتأسف بقوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديًا، ولأحللت معكم" 6 ولا ينقل أصحابه إلا إلى الأفضل، ولا يتأسف إلا عليه، ولما في التمتع من اليسر والسهولة مع كمال أفعال النسكين.

(وهو) أي التمتع (أن يحْرِمَ بعمرة في أشهر الحج) نصًا 1، وهي: شوال، وذو القعدة، وتسع من ذي الحجة، نصًا 2. قال الأصحاب: (ويفرغ منها)، وفي "المستوعب" 3: ويتحلل (ثم) يحرم (به) أي الحج (في عامه) من مكة أو قربها أو بعيد منها، فلو كان أحرم قبل أشهر الحج لم يكن متمتعًا، ولو أتم أفعالها في أشهره.
(ثم) بعد التمتع في الأفضلية (الإفراد) لأن فيه كمال أفعال النسكين، (وهو) أي الإفراد (أن يحرم بحج) ابتداء (ثم) يحرم (بعمرة بعد فراغه منه) أي الحج مطلقًا.
(و) صفة (القِران أن يحرم بهما) أي الحج والعمرة (معًا أو) يُحرم (بها) أي العمرة ابتداء (ثم يدخله) أي الحج (عليها)، أي العمرة، لما في الصحيحين أن ابن عمر فعله، وقال: هكذا صنع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 4. ويكون إدخال حج عليها (قبل الشروع في طوافها) أي العمرة، فلا يصح بعد الشروع فيه لمن لا هدي معه، كما لو أدخله عليها بعد سعيها، وسواء كان في أشهر الحج، أو لا.
ويصح إدخال حج على عمرة ممن معه هدي ولو بعد سعيها، بل يلزمه، لأنه مضطر إليه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 5 ومن أحرم بالحج، ثم أدخل العمرة عليه، لم يصح إحرامه بها، لأنه لم يرد به أثرٌ، ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق، فلا يصير قارنًا،

وعمل قارن كمفرد، نصًّا 1، ويسقط ترتيبها، ويصير الترتيب للحج، كما يتأخر الحلاق إلى يوم النحر، فوطؤه قبل طواف القدوم لا يفسد عمرته، إذا وطئ وطئًا لا يفسد الحج، مثل إن وطئ بعد التحلل الأول.
(و) يجب (على كلِّ من متمتع وقارن إذا كان أُفقيًّا)، أي لم يكن من حاضري المسجد الحرام (دم نسك) لا دم جبران، إذ لا نقص في التمتع يجبره، وهذا في التمتع، والقران مقيس عليه، أما المتمتع فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 2 وذلك إجماعًا 3، وأما القارن فلأنه ترفه بسقوط أحد السفرين، كالمتمتع (بشرطه) المعتبر له، وهو: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام للآية 4، وهم أهل الحرم، ومن كان منه دون مسافة قصر، فمن كان له منزلان متأهل بهما، أحدهما دون مسافة قصر من الحرم، والآخر فوقها أو مثلها، لم يلزمه دم تمتع، ولو أحرم من أبعدهما.
الثاني: أن يعتمر في أشهر الحج، فلو أحرم بالعمرة في رمضان، ثم حل منها في شوال، لم يكن متمتعًا، كما تقدم آنفًا 5، وإن أحرم الأفقي بعمرة في غير أشهر الحج، ثم أقام بمكة، واعتمر في الحل في أشهر الحج، وحج من عامه، فهو متمتع، نصًّا 6، وعليه دم، لعموم الآية.
الثالث: أن يحج من عامه.
الرابع: أن لا يسافر بين الحج والعمرة مسافة قصر فأكثر، فإن فعل، فأحرم بالحج، فلا دم عليه، نصًّا 7، لما روي عن عمر، أنه قال: إذا اعتمر

في الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن خرج ورجع فليس بمتمتع 1. وعن ابن عمر نحو ذلك 2. الخامس: أن يحل من العمرة قباب إحرامه بالحج، فإن أحرم به قبل حله منها صار قارنًا.
السادس: أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده، أو من مسافة قصر من مكة، فلو أحرم من دون مسافة قصر من مكة، لم يكن عليه دم تمتع، ويكون حكمه حكم حاضري المسجد الحرام.
ولا يعتبر لوجوب دم تمتع وقران وقوع الحج والعمرة عن واحد، فلو اعتمر عن واحد، وحج عن آخر، وجب الدم بشرطه.
ولا تعتبر هذه الشروط في كون الآتي بالحج والعمرة يسمى متمتعًا، فإن المتعة تصح من المكي كغيره، لكن ليس عليه دم متعة، كما تقدم، ويلزم الدم بطلوع فجر يوم النحر.
ولا يسقط دم تمتع وقران بفساد نسكهما، لأن ما وجب الإتيان به في الصحيح وجب في الفاسد، كالطواف، وغيره، وسن لمفرد، وقارن؛ فسخ نيتهما، نصًا 3، وينويان بإحرامهما عمرة مفردة، فمن كان منهما قد طاف وسعى، قصَّر وحلّ من إحرامه، وإن لم يكن طاف وسعى، فإنه يطوف ويسعى ويقصر ويحل، فإذا حلّا، أحرما بالحج، ليصيرا متمتعين، ما لم يسوقا هديًا، فإن ساقاه لم يصح الفسخ للخبر 4، وكذا إن وقفا بعرفة، لم

يصح الفسخ أيضًا لعدم ورود ما يدل على إباحته.
وإن ساق الهدي متمتع، لم يكن له أن يُحلَّ من عمرته، فيحرم بحج إذا طاف وسعى لعمرته، قبل تحلل بحلق، لحديث ابن عمر: تمتع الناس مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالعمرة إلى الحج، فقال: "من كان معه هدي فإنه لا يحل من شيء حرم عليه حتى يقضي حجه" 1 فإذا ذبحه يوم النحر منهما معًا، نصًا 2، لأن التمتع أحد نوعي الجمع بين الحج والعمرة كالقران، ولا يصير قارنًا، لاضطراره لإدخال حج على عمرته.
(وإن حاضت متمتعة) أو نفست، قبل طواف العمرة (فخشيت فوات الحج) أو خشي غيرها فوات الحج (أحرمت به) أي الحج، وجوبًا (وصارت قارنة) لحديث مسلم: أن عائشة كانت متمتعة، فحاضت، فقال لها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أهليِّ بالحج" 3، ولم تقض هي، ولا غيرها، طواف القدوم، لفوات محله، كتحية المسجد.
ويجب على قارن وقف قبل طواف وسعي دمُ قران، إن لم يكن من حاضري المسجد الحرام، قياسًا على التمتع كما تقدم 4، فإن كان أحرم بالعمرة، وطاف وسعى لها، ثم أدخل الحج عليها، لسوقه الهدي، فعليه دم تمتع، وليس بقارن، كما تقدم، وتسقط العمرة عن القارن، فتندرج أفعالها في الحج، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "من أحرم بالحج والعمرة، أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما، حتى يحل منهما جميعًا" إسناده جيد، رواه النسائي، والترمذي، وقال: حسن غريب 5.

ومن أحرم فلم يعين نسكًا، صح إحرامه، وصرفه لما شاء من الأنساك، وما عمل قبل صرفه لأحدها فهو لغو، لا يعتد به، لعدم التعيين، وإن أحرم بما أو بمثل ما أحرم به فلان، وعلم ما أحرم به قبل إحرامه أو بعده، انعقد إحرامه بمثله، لحديث جابر، أن عليًا قدم من اليمن، فقال له النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بمَ أهللت؟ قال: بما أهل به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال: فأهل وامكث حرامًا" 1، وعن أبي موسى نحوه، متفق عليهما 2. فإن تبين إطلاق الثاني صرفه لما شاء.
ومن أحرم بحجتين أو بعمرتين، انعقد بأحدهما، لأن الزمن لا يصلح لهما مجتمعين، فصح بواحد منهما كتفريق الصفقة.
ومن أحرم بنسك، أو بنذر، فنسيه قبل طواف، صرفه إلى عمرة استحبابًا، لأنه اليقين، ويجوز إلى غيرها، فإن صرفه إليه صح حجًّا فقط، لاحتمال أن يكون المنسي حجًا مفردًا، فلا يصح إدخال عمرة عليه، فلا تسقط بالشك، ولا دم عليه، لأنه ليس بمتمتع ولا قارن، وإن صرفه إلى تمتع فكفسخ حج إلى عمرة، فيصح، إن لم يقف بعرفة، ولم يسق هديًا، كما تقدم 3، ويلزمه دم متعة بشروطه المتقدمة، ويجزئه تمتعه عن الحج والعمرة، لصحتهما بكل حال.
ومن أخذ من اثنين حجتين ليحج عنهما في عام واحد أدِّبَ على فعله = مناسك الحج، باب طواف القارن (5/ 225، 226)، قال الترمذي: صحيح غريب، وقد رواه غير واحد عن عبد اللَّه بن عمر.
ولم يرفعوه.
وهو أصح.
اهـ وابن ماجه، في المناسك، باب طواف القارن (2/ 991).

ذلك، لأنه فعل محرمًا، وإن أحرم عن أحدهما بعينه، صح، ولم يصح إحرامه للآخر في تلك السنة.
(وتسن التلبيةُ) لمن أحرم، عين نسكًا، أو لم يعينه، عقب إحرامه، لقول جابر: فأهل رسول اللَّه بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك... الحديث متفق عليه 1. فتسن التلبية كتلبيته -صلى اللَّه عليه وسلم-.
والتلبية من ألبَّ بالمكان إذا لزمه 2، كأنه قال: أنا مقيم على طاعتك وأمرك.
وثنيت وكررت، ولفظ لبيك مثنى، ولا واحد له من لفظه، ومعناه التكثير 3، ولا تستحب الزيادة عليها.
وسن ذكر نسكه في التلبية، والقارن يبدأ بذكر العمرة لحديث أنس سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لبيك عمرة وحجًا" 4 متفق عليه.
ويسن الإكثار من التلبية، لحديث "ما من مسلم يَضحى للَّه، يلبي حتى تغيب الشمس، إلا غابت بذنوبه، فعاد كما ولدته أمه" 5 رواه ابن ماجه.
(وتتأكد) التلبية (إذا علا نشزًا) بالتحريك، أي مكانًا

مرتفعًا 1 (أو هبط واديًا أو صلى مكتوبة، أو أقبل ليل، أو) أقبل (نهار، أو التقت الرفاق، أو ركب) دابته (أو نزل) عنها (أو سمع ملبيًا، أو رأى البيت، أو فعل محظورًا ناسيًا) لحديث جابر: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يلبي في حجته إذا لقي راكبًا، أو على أكمة، أو هبط واديًا، وفي أدبار الصلوات المكتوبة، وفي آخر الليل" 2. وسن جهر ذكر بها، لقول أنس: سمعتهم يصرخون بها صراخًا 3. رواه البخاري، وخبر السائب بن خلاد: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" 4 رواه الخمسة، وصححه الترمذي.
ولا تسن التلبية في مساجد الحلِّ، وأمصاره، بخلاف البراري، وعرفات، والحرم، ومكة.
قال أحمد: إذا أحرم في مصره، لا يعجبني أن يلبي حتى يبرز، لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة: إن هذا لمجنون، إنما التلبية إذا برزت 5. ولا يلبي في طواف القدوم، والسعي بعده، لئلا يخلط على الطائفين والساعين.
وتشرع التلبية بالعربية لقادر عليها، وإلا فبلغته.

وسن دعاء بعدها، فيسأل اللَّه الجنة، ويستعيذ به من النار، ويدعو بما أحب، لحديث الدارقطني، عن خزيمة بن ثابت: أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا فرغ من تلبيته، سأل اللَّه مغفرته ورضوانه، واستعاذ برحمته من النار 1. وسن صلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدها، لأنه موضع شرع فيه ذكر اللَّه، فشرع فيه ذكر رسوله، كأذان.
ولا يسن تكرارها في حالة واحدة.
قاله أحمد 2. لعدم وروده.
وكره لأنثى جهر بتلبية، مخافة الفتنة بها، ولا يكره لحلال تلبية، كسائر الأذكار.
(وكره إحرام) بحج أو عمرة (قبل ميقات) وينعقد، لما روى سعيد، عن الحسن، أن عمران بن حصين أحرم من مصره، فبلغ ذلك عمر، فغضب، وقال: يتسامع الناس أن رجلًا من أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أحرم من مصره 3. وقال البخاري: كره عثمان أن يحرم من خراسان وكرمان 4.

ولحديث أبي يعلى الموصلي 1، عن أبي أيوب مرفوعًا: "يستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه" 2. (و) كره إحرام (بحج قبل أشهره) قال في "الشرح" 3: بغير خلاف علمناه.
وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، منها يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر، لحديث ابن عمر مرفوعًا: "يوم النحر يوم الحج الأكبر" 4 رواه البخاري، وقال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ 5 أي في أكثرهن، وإنما فات الحج بفجر يوم النحر، لفوات الوقوف، لا لفوات الحج، ثم الجمع يقع على اثنين وبعض آخر، والعرب تغلب التأنيث في العدد خاصة لسبق الليالي فتقول: سرنا عشرًا.
وينعقد إحرام الحج بحج في غير أشهره، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 6 وكلها مواقيت للناس، فكذا = وكرمان، بالكسر، والفتح وهو أشهر بالصحة، وهي: ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان.. "معجم البلدان" (4/ 454).

الحج كالميقات المكاني، وقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ أي: معظمه فيها، كحديث "الحج عرفة" 1. وقول ابن عباس: السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج 2. على الاستحباب، والإحرام تتراخى الأفعال عنه، فهو كالطهارة، ونية الصوم، بخلاف نية الصلاة.

فصل في المواقيت

جمع ميقات، وهو لغة: الحد 1، وعرفًا: مواضع وأزمنة معينة لعبادة مخصوصة من حج وغيره 2، والكلام هنا في الحج والعمرة.
(وميقات أهل المدينة) المنورة ذو (الحُليفة) بضم الحاء وفتح اللام، أبعد المواقيت من مكة، بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة (3)، وبينها وبين مكة عشر مراحل، وتعرف الآن بالإحساء.
(و) ميقات أهل (الشام ومصر والمغرب الجُحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة، قرية جامعة على طريق المدينة، خَرِبَة قرب رابغ، على يسار الذاهب لمكة، تعرف الآن بالمقابر، وكان اسمها مَهْيَعَة، فجحف السيل بأهلها، فسميت بذلك، وتلي ذا الحُليفة في البُعد، وبينها وبين مكة ثلاث مراحل، أو أربع، وبينها وبين المدينة ثمان مراحل 3. ومن أحرم من رابغ فقد أحرم قبل الميقات بيسير.
(و) ميقات أهل (اليمن يلملم) بينه وبين مكة مرحلتان، ثلاثون ميلًا 4. (و) ميقات أهل (نجد) الحجاز، وأهل نجد اليمن، وأهل الطائف (قَرْن) بفتح القاف وسكون الراء، ويقال له: قرن المنازل، وقرن الثعالب،5

تنبيه

" (ص 137) و"المطلع" (ص 164) و"هداية السالك" (2/ 448).

على يوم وليلة من مكة 1. (و) ميقات أهل (المشرق) أي العراق وخراسان وباقي المشرق (ذات عِرْق) منزل معروف، سمي بذلك لعرق فيه -أي جبل صغير- أو أرض سبخة تنبت الطَّرفاء 2. وهذه المواقيت لأهلها المذكورين، ولمن مر بها من غير أهلها، كالشامي يمر بالمدينة (ويحرم من بمكة لحج منها) للخبر 3، ويصح أن يحرم من الحل له، ولا دم (و) يحرم من بمكة (لعمرة من الحلِّ) لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم 4. متفق عليه 5. ولأن أفعال العمرة كلها من الحرم، فلم يكن بد من الحل، ليجمع في إحرامه بينهما، بخلاف الحج، فإنه يخرج إلى عرفة، فيحصل الجمع، ويصح إحرامه من مكة لعمرة، وعليه دم، لتركه واجبًا، كمن جاوز ميقاتًا بغير إحرام، وتجزئه عن عمرة الإسلام، لأن الإحرام من الحل ليس شرطًا لصحتها.
ومن لم يمر بميقات، أحرم بحج أو عمرة وجوبًا، إذا علم أنه حاذى

أقربها منه، لقول عمر: انظروا حذوها من قُديد (1). رواه البخاري.
وسن له أن يحتاط ليخرج من عهدة الوجوب، فإن لم يحاذ ميقاتًا، أحرم عن مكة بقدر مرحلتين.
(وأشهر الحج، شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة) منها يوم النحر، كما تقدم.

تنبيه

: لا يحل لمكلف حر مسلم أراد مكة، أو أراد نسكًا، تجاوز ميقات بلا إحرام، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَّت المواقيت، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه تجاوز ميقاتًا بلا إحرام.
وعلم منه أنه يجوز الإحرام من أول الميقات ومن آخره، لكن أوله أولى.
إلا إن تجاوزه لقتال مباح، لدخوله -صلى اللَّه عليه وسلم- يوم فتح مكة وعلى رأسه المغفر 2، ولم ينقل عنه، ولا عن أحد من أصحابه أنه دخل مكة محرمًا ذلك اليوم، أو تجاوزه لخوف، أو حاجة تكرر، كحطاب وحشاش، ونحو ذلك، ثم إن بدا لمن لم يلزمه الإحرام أن يحرم، أو بدا لمن لم يرد الحرم،1

كقاصد عُسفَان 1 أن يحرم، فمن موضعه يحرم، لأنه حصل دون الميقات على وجه مباح، فأشبه ذلك المكان، ولا دم عليه، لأنه لم يجاوز الميقات حال وجوب الإحرام عليه بغير إحرام.
ومن تجاوزه يريد نسكًا بلا إحرام، أو كان النسك فرضًا، ولو كان جاهلًا أنه الميقات، أو ناسيًا، لزمه أن يرجع إلى الميقات، فيحرم منه، حيث أمكن، كسائر الواجبات، إن لم يخف فوت حج، أو غيره، كعلى نفسه، أو ماله، ولا دم عليه، نصًّا 2، فإن خاف، لم يلزمه رجوع، ويحرم من موضعه، ويلزمه دم، لما روى ابن عباس مرفوعًا: "من ترك نسكًا فعليه دم" 3. وقد ترك واجبًا، وسواء كان لعذر، أو غيره.
ولا يسقط الدم إن أفسد النسك، نصًّا 4؛ لأنه كالصحيح نصًّا 5، كدم محظور.
(ومحظورات) أي ممنوعات (الإحرام) أي المحرمات بسببه (تسعة: ) أحدها: (إزالة شعر) من بدن كله، ولو من أنفه، بلا عذر، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 6 وألحق بالحلق: القلع، والنتف، ونحوه، وبالرأس: سائر البدن، بجامع الترفه.
(و) الثاني: (تقليم أظفار) من يد، أو رجل أصلية أو زائدة، أو قصه، ونحوه، لأنه إزالة جزء من بدن يترفه به، أشبه الشعر بلا عذر، فإن زال شعره، أو ظفره، لعذر، لم يحرم، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ

بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 1، ولحديث مسلم، عن كعب بن عُجْرة وفيه: وكأن هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل.
فقال: "فاحلقه واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين" 2، فإن أزاله لأذاه، كما لو خرج بعينه شعر، أو انكسر ظفره، فأزالهما؛ فلا فدية، لأنه أزيل لأذاه، أشبه قتل الصيد الصائل عليه، أو زال الشعر والظفر مع غيرهما، كقطع جلد عليه شعر، أو أنملة بظفرها، فلا يفدي، لأنهما بالتبعية لغيرهما، والتابع لا يفرد بحكم.
ومن طُيِّب، أو حُلق رأسه مثلًا، أو قلم ظفره بإذنه، أو سكت ولم ينهه، ولو بغير أذنه، أو حلق رأس نفسه، أو قلم ظفره كرهًا، فعليه الفدية دون الفاعل، ولو محرمًا، لأنه تعالى أوجب الفدية بحلق الرأس، مع أن العادة أن غيره يحلقه، ولأن المفعول به ذلك مفرط بسكوته، وعدم نهيه.
وإن حلق رأسه مكرهًا بيد غيره، أو نائمًا، فالفدية على حالق، وكذا من طيَّب غيره مكرهًا، أو ألبسه ما يحرم عليه، ولا فدية بحلق محرم شعر حلال، أو تطييبه بلا مباشرة طيب.
ويباح لمحرم غسل شعره بسدر، ونحوه، نصًّا 3 في حمام، وغيره، بلا تسريح، وله -أيضًا- حك بدنه، ورأسه برفق، ما لم يقطع شعرًا.
(و) الثالث: (تغطية رأس ذكر) إجماعًا 4، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبس العمائم والبرانس 5 وقوله في المحرم الذي وقصته 6 ناقته: "ولا تخمروا

رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا" 1. متفق عليهما.
وتقدم أن الأذنين من الرأس 2، وكذا البياض فوقهما، فمتى غطى رأسه بلاصق معتاد، كبرنس، وعمامة، أو غيره، ولو بقرطاس به دواء، أو لا، أو غطاه بطين، أو نورة، أو حناء، أو عصبة، ولو بسير، حرم بلا عُذْر، وفدى، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها" 3. ونهى أن يشد الرجل رأسه بالسير، ذكره القاضي 4، وكذا يحرم ستره بغير لاصق، كأن يستظل بمحمل، ونحوه، أو بثوب، ونحوه، كخوص، وريش يعلو الرأس ولا يلاصقه، راكبًا أو لا، بلا عذر، ويفدي، أشبه ما لو ستره بشيء يلاصقه، بخلاف نحو خيمة.
ولا يحرم أن يحمل على رأسه شيئًا، كطبق، ومكتل، أو نصب حياله شيئًا يستظل به، لأنه لا يقصد استدامته، أشبه الاستظلال بحائط، أو شجرة، أو بيت، لحديث جابر في حجة الوداع: وأمر بقبة من شر فضربت

له بنمرة، فأتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس 1. رواه مسلم.
وكذا لو غطى وجهه لم يحرم ولا فدية، لأنه لم يتعلق به سنة التقصير، فلم يتعلق به سنة التخمير.
قلت: ومثل حمله على رأسه شيئًا، كما لو وضع رأسه على نحو وسادة، فالظاهر أنه لا يحرم ولا فدية، ولم أقف على من صرح بذلك.
(و) الرابع: (لبسُه) أي الذكر (المخيط) في بدنه أو بعضه، وهو ما عُمل على قدر ملبوس، ولو درعًا منسوجًا، أو لبدًا 2 معقودًا، ونحوه (إلا سراويل لعدم إزار و) إلا (خفين لعدم نعلين) لحديث ابن عباس: سمعت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يخطب بعرفات يقول: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل" 3 متفق عليه، ولا فدية عليه، لظاهر الخبر.
ولا يعقد محرم عليه رداء ولا غيره ولا يخله 4 بنحو شوكة، ولا يزره في عروته، ولا يغرزه في إزاره، فإن فعل أثم، وفدى، لأنه كمخيط، ولقول ابن عمر لمحرم: ولا تعقد عليك شيئًا 5، رواه الشافعي، والأثرم.
وقال الإمام أحمد في محرم حزم عمامته على وسطه: لا يعقد، ويدخل بعضها في بعض 6. إلا إزاره، فله عقده، لحاجته ليستر عورته، وإلا

مِنطقة 1، أو همِيانًا 2 فيهما نفقته، لقول عائشة: أوثق عليك نفقتك 3. وروي معناه عن ابن عمر وابن عباس 4، فله عقدها، فإن ثبت هميان بغير عقد، بأن أدخل السيور بعضها في بعض، لم يعقده، لعدم الحاجة.
ويتقلد محرم بسيف لحاجة، لقصة صلح الحديبية، رواها البخاري 5، ولا يجوز بلا حاجة، نصًّا 6، ويحمل محرم جرابه وقربة الماء في عنقه، لا في صدره، نصًّا 7، فلا يدخل حبلها في صدره، وله أن يتزر بقميص، وأن يلتحف به، وأن يرتدي به.
وإن طرح على كتفه قباء 8، ولو لم يدخل يديه في كمه، فدى، لنهيه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن لبسه للمحرم 9. رواه البخاري، عن علي.
وإن غطى خُنثى مشكل وجهه ورأسه؛ فدى، أو غطى وجهه، ولبس

مخيطًا، فدى، لا إن لبسه، ولم يغط وجهه، أو غطى وجهه وجسده بلا لبس مخيط للشك.
(و) الخامس من محظورات الإحرام: (الطيب) إجماعًا 1، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ولا ثوبًا مسه ورس ولا زعفران" 2، وأمْره يعلى بن أمية بغسل الطيب 3، وقوله في المحرم الذي وقصته ناقته: "لا تحنطوه" 4 متفق عليه، ولمسلم: "لا تمسوه بطيب" 5. فمتى طيَّب محرم ثوبه، أو بدنه، أو شيئًا منهما، حرم، وفدى، وكذا إن استعمله في أكل، أو شرب، أو ادِّهان، أو اكتحال، أو استعاط، أو احتقان، أو قصد شم دهن مطيب، أو مسك، أو كافور، أو عنبر، أو زعفران، أو ورس، أو عود، أو ما ينبته آدمي لطيب، ويتخذ منه كورد، وبنفسج، وياسمين، ونحوه، لا إن شم شيئًا من ذلك بلا قصد، أو مس ما لا يعلق به، كقطع عنبر، وكافور، لأنه غير مستعمل للطيب، أو شم ولو قصدًا فواكه من نحو تفاح، أو أترج، أو نبات صحراء، كشيحٍ ونحوه، وما ينبته آدمي لا لطيب، كحناء، وعصفر، وقرنفل، ودارصيني 6.

(و) السادس: (قتل صيد البر) إجماعًا 1، لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 2، أو اصطياده، وإن لم يقتله، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 3، وهو الوحشي المأكول، والمتولّد منه ومن غيره، وغير المأكول، كسبع، تغليبًا للتحريم، والاعتبار في كونه وحشيًّا أو أهليًّا بأصله، كحمام، وبط، وهو الأوز، ولو استأنس، يحرم قتله، واصصياده، ويجب جزاؤه، وإن توحش أهلي من إبل وبقر ونحوها، لم يحرم أكله، ولا جزاء فيه.
قال أحمد في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها 4، لأن الأصل فيها الإنسية.
فمن أتلف شيئًا من صيد البر الوحشي المأكول، أو المتولد منه، ومن غيره، وهو محرم، أو أتلف بعضه بمباشرة، أو سبب، ولو بجناية دابة متصرف فيها، أو بإشارة لمريد صيده، أو دلالته إن لم يره، أو إعانته، حرم وفدى.
وإن دلَّه، أو أشار إليه بعد رؤية صائدٍ له، أو ضحك، أو استشرف عند رؤية الصيد، ففطن له غيره، أو أعاره آلة لغير صيد، فاستعملها فيه، فلا إثم، ولا ضمان.
ولا تحرم دلالة محرم على طيب ولباس، لأنه لا ضمان فيهما بالسبب.
وإن دل محرمٌ محرمًا على صيد فقتله، فالجزاء بينهما، لأنهما اشتركا في التحريم، فكذا في الجزاء.
ولو دل حلال حلالًا على صيد بالحرم، فقتله، = بتخوم الصين كالرمان لكنه سبط.
وأوراقه كأوراق الجوز، إلا أنها أدق، ولا بزر له.
والدارصيني قشر تلك الأغصان لا كل الشجر.. ينظر: "قصد السبيل" (2/ 8) و"قاموس التداوي بالنبات" (ص 525).

فكدلالة محرم محرمًا، فالجزاء بينهما، نصًّا 1. وحرم أكل المحرم من ذلك كله، وكذا ما ذُبح له، أو صِيد لأجله، نصًّا 2، لحديث الصحيحين: أن الصعب بن جثَّامة أهدى للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حمارًا وحشيًّا، فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قار: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم 3 "، وكذا ما أخذ من بيض الصيد، أو لبنه لأجله.
ويلزم المحرم بأكل ما صيد لأجله، الجزاء.
وما حرم عليه لدلالته، أو إعانة عليه، أو صيد لأجله، لا يحرم على محرم غيره، كما لا يحرم على حلال، لما روى مالك، والشافعي: أن عثمان أتى بلحم صيد، فقال لأصحابه: كلوا.
فقالوا: ألا تأكل.
فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد لأجلي 4. وإن نقل محرم بيض صيد سليمًا ففسد، أو حلب صيدًا، ضمنه بقيمته مكانه 5، نصًّا 6. ومن قتل صيدًا صائلًا عليه دفعًا عن نفسه، وهو محرم، لم يحل، ولم يضمنه، ولا تأثير لحرم وإحرام في تحريم حيوان إنسي، كبهيمة الأنعام، ودجاج، لأنه ليس بصيد، ولا في محرم الأكل، ككلب، وخنزير، وذئب، ونحو ذلك.
ويحرم بإحرام قتل قمل وصيبانه من رأسه، أو بدنه، أو ثوبه، ولو

برميه، لما فيه من الترفه بإزالته، أشبه قطع الشعر، ولا جزاء فيه، لأنه لا قيمة له، أشبه البراغيث، ولا يحرم قتل براغيث وقراد 1 ونحوهما، لأن ابن عمر قرد 2 بعيره بالسقيا 3 ورماه 4، وهذا قول ابن عباس 5. ويسن قتل كل مؤذٍ في الحل والحرم، غير الآدمي، لحديث عائشة: أمر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بقتل خمس فواسق في الحرم: الحدأة، والغراب، والفأرة، والعقرب، والكلب العقور" 6 متفق عليه.
وفي معناها: كل مؤذٍ.
وأما الآدمي، غير الحربي، فلا يحل قتله إلا بإحدى الثلاث، للخبر 7. ويباح للمحرم وغيره -لا بالحرم- صيد ما يعيش في الماء كسمك 8،

ولو عاش في بر أيضًا كسلحفاة وسرطان لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ 1، وأما البحريَ في الحرم، فيحرم صيده، لأن التحريم فيه للمكان، فلا فرق فيه بين صيد البر والبحر، وطير بري، لأنه يبيض ويفرخ في البر، فيحرم على محرم صيده، وفيه الجزاء، ويضمن جراد إذا أتلفه محرم بقيمته، لأنه غير مثلي.
ولمحرم احتاج إلى فعل محظور، فعله، ويفدي، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ 2 الآية، وحديث كعب بن عجرة 3. وألحق بالحلق باقي المحظورات.
ومن ببدنه شيء لا يحب أن يطلع عليه أحد، لبس، وفدى، نصًّا 4، وكذا لو اضطر إلى ذبح صيد، فله ذبحه، وأكله، وهو ميتة في حق غيره، فلا يباح، إلا لمن يباح له أكلها.
(و) السابع: (عقد نكاح)، فيحرم، ولا يصح من محرم، فلو تزوج محرم، أو زوَّج، أو كان وليًّا، أو وكيلًا فيه، لم يصح، نصًّا 5، تعمَّده، أو لا، لحديث مسلم، عن عثمان مرفوعًا: "لا ينكحُ المحرم ولا يُنكح" 6. ولمالك، والشافعي: أن رجلًا تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر نكاحه 7. وعن علي، وزيد معناه 8، ورواه أبو بكر النيسابوري.

ولأن الإحرام يمنع الوطء، ودواعيه، فمنع عقد النكاح، كالعدة، إلا في حق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فليس محظورًا، لحديث ابن عباس: تزوج النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ميمونة وهو محرم 1. متفق عليه، وهذا الحديث له معارض 2، فإن ثبت

فهو من خصائصه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولا فدية في عقد المحرم، لأنه عقد فاسد، للإحرام، كشراء الصيد، وسواء كان الإحرام صحيحًا، أو فاسدًا، والاعتبار بحالة العقد، فلو وكل حلالًا، صح عقده بعد حل موكله.
وتكره خطبة محرم، لحديث عثمان يرفعه: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب" 1 كما يكره له حضور نكاح بين حلالين، وشهادة فيه، ولا تكره رجعته لمطلقته الرجعية، لأنها إمساك، ولا شراء أمة للوطء، لأن الشراء واقع على عينها، وهي تراد للوطء، وغيره.
(و) الثامن: (جماع) وهو تغييب حشفة أصلية في فرج أصلي، قُبلًا كان أو دبرًا، من آدمي أو غيره، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ 2، قال ابن عباس: هو الجماع، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ 3 وهو يفسد النسك قبل التحلل الأول، حكاه ابن المنذر إجماعًا 4، ولو بعد وقوف، نصًّا 5، لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج، ولم يستفصلوا، وحديث: "من وقف بعرفة فقد تم حجه" 6 = بينهما.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
اهـ وقال ابن مفلح "الفروع" (3/ 383): إسناده جيد.
اهـ

أي قاربه، وأمن فواته.
ولا فرق بين عامد وجاهل، وناس وعالم، ومكره وغيره، وعلى الواطئ والموطوءة المضي في فاسده، ولا يخرج منه بالوطء، روي عن عمر، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس 1، وحكمه كالإحرام الصحيح، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 2، وروي مرفوعًا أمر المجامع بذلك 3، فيفعل بعد الإفساد كما كان يفعله قبله، من وقوف، وغيره، ويجتنب ما يجتنبه قبله، ويفدي لمحظور فعله بعده.
ويقضي من فسد نسكه بالوطء، كبيرًا كان أو صغيرًا، فرضًا كان الذي أفسده أو نفلًا، لقول ابن عمر: فإذا أدركت قابلًا حج واهد 4. وعن ابن عباس مثله 5 رواه الدارقطني، والأثرم.
إن كان المفسد نسكه مكلفًا، لأنه لا عذر له في التأخير، وإلا فيقضي بعد حجة الإسلام فورًا، لزوال عذره.
ويحرم من أفسد نسكه في القضاء من حيث أحرم أولًا، إن كان إحرامه = (5/ 263)، وابن ماجه في الحج، باب من أتى عرفة قبل الفجر (2/ 1004) قال الترمذي: حسن صحيح.
اهـ

به قبل ميقات، لأن القضاء يحكي الأداء، وإلا فمنه.
ومن أفسد القضاء قضى الواجب الذي أفسده أولًا فقط، ونفقة قضاء نسك مطاوعة عليها، ومكرهة على مكره، ولو طلقها، لإفساده نسكها.
وسن تفرق واطئ وموطوءة في قضاء من موضع وطء، فلا يركب معها في محمل، ولا ينزل معها في فسطاط، أو نحوه، إلى أن يحلا من إحرام القضاء، لحديث ابن وهب بإسناده عن سعيدبت المسيب، أن رجلًا جامع امرأته وهما محرمان، فسأل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال لهما: "أتما حجكما ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى من قابل، حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما، فأحرما، وتفرقا ولا يؤاكل أحد منكما صاحبه، ثم أتما مناسككما، واهديا" 1 وروى سعيد، والأثرم، عن عمر، وابن عباس نحوه 2. والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد نسكه، لقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: ينحران جزورًا بينهما، وليس عليه حج من قابل 3، رواه مالك، ولا يعرف له مخالف من الصحابة.
وعلى الواطئ بعد تحلل أول شاة لفساد إحرامه، وعليه المضي إلى الحل، فيحرم منه، ليجمع في إحرامه بين الحل والحرم، ليطوف للزيارة محرمًا، لأن الحج لا يتم إلا به، لأنه ركن، ثم يسعى إن لم يكن سعى قبلُ

جارٍ التحميل