الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 191-230

(و) سن (بسط) يده (اليسرى) في التشهد فلا يقبض من أصابعها شيئًا (ثم يتشهد) وجوبًا، ويسر به استحبابًا (فيقول: التحيات للَّه) جمع تحية، أي: العظمة، روي ذلك عن ابن عباس 1. وعن أبي عمرو 2: الملك والبقاء 3. وعن ابن الأنباري 4: السلام 5. وجُمِعَ لأن ملوك الأرض يحيون بتحيات مختلفة.
(والصلوات) قيل: الخمس.
وقيل المعلومة في الشرع.
وقيل: الرحمة.
وقال الأزهري: العبادات كلها 6. وقيل: الأدعية، أي هو المعبود بها 7. (والطيبات) أي: الأعمال الصالحة، روي ذلك عن ابن عباس 8. أو من الكلام.
قاله ابن الأنباري 9. (السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته) جمع بركة، وهي النماء والزيادة.
(السلام علينا) أي الحاضرين من إمام ومأموم وملائكة.
(وعلى عباد اللَّه الصالحين) جمع صالح، والصالح القائم بحقوق اللَّه تعالى، وحقوق عباده، والمكثر من العمل الصالح بحيث

لا يعرف منه غيره 1، ويدخل فيه النساء، ومن لا يشاركه في صلاته، لقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإنكم إذا قلتموها، أصابت كل عبد صالح للَّه في السماء والأرض" 2. (أشهد أن لا إله إلا اللَّه) أي: أخبر بأني قاطع بالوحدانية، ومن خواص لا إله إلا اللَّه أن حروفها كلها جوفية ليس فيها حرف شفوي، لأن المراد به الإخلاص، فيأتي بها من خالص 3 جوفه وهو القلب لا من الشفتين، وكل حروفها مهملة دالة على التجرد من كل معبود سوى اللَّه تعالى.
(وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) لحديث ابن مسعود قال: كنا إذا جلسنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في الصلاة قلنا: السلام على اللَّه من عباده, السلام على جبرائيل، السلام على فلان.
فسمعنا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "إن اللَّه هو السلام، فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات... إلخ.
قال: ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيدعو به" 4. وفي لفظ: علمني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- التشهد كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن 5. قال الترمذي: هو أصح حديث في التشهد.
والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة -رضي اللَّه عنهم- والتابعين 6. وليس في المتفق عليه حديث غيره.
رواه -أيضًا- ابن عمر 7،...........

وجابر 1، وأبو هريرة 2، وعائشة 3. ويترجح بأنه اختص بأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمره بأن يعلمه الناس.
رواه أحمد 4. (ثم ينهض) قائمًا (في) صلاة (مغرب ورباعية) كظهر (مكبرًا) لأنه انتقال إلى قيام فأشبه القيام من السجود الأولى 5 (ويصلي الباقي) من صلاته، وهو ركعة من مغرب، وركعتان من رباعية (كذلك) أي كالركعتين الأول، إلا أن قراءته هنا تكون (سرًّا) ويكون (مقتصرًا على الفاتحة) للأخبار الصحيحة 6. (ثم يجلس) للتشهد الثاني (متوركًا) بأن يفترش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ويخرجهما من تحته عن يمينه ويجعل إليتيه على الأرض 7. لقول أبي حميد في صفة صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم-: فإذا كان في الرابعة أفضى إلى الأرض بوركه اليسرى، وأخرج قدميه من ناحية واحدة.
رواه أبو داود 8.

وخُص التشهد الأول بالافتراش، والثاني بالتورك خوف السهو، ولأن الأول خفيف والمصلي بعده يبادر للقيام بخلاف الثاني، فليس بعده عمل، بل يسن مكثه لنحو تسبيح ودعاء.
وإن سجد لسهو بعد السلام في ثلاثية أو رباعية تورك في تشهد سجوده، وفي ثنائية [و] 1 وتر يفترش.
(فيأتي بالتشهد الأول) كما تقدم (ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم) أي إبراهيم وآله (إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) لحديث كعب بن عجرة قال: قلنا: يا رسول اللَّه قد علمنا أو عرفنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا: "اللهم صلِّ على محمد... إلخ".
متفق عليه 2. (وسن أن يتعوذ) من أربع (فيقول: أعوذ باللَّه من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات) أي: الحياة والموت (ومن فتنة المسيح الدجال) لحديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليتعوذ باللَّه من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال".
رواه مسلم وغيره 3. والمسيح بالحاء المهملة على المعروف 4. = لهيعة.
وفيه مقال.
اهـ

وسن -أيضًا- أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم 1 و) من (المغرم 2) لما في "الصحيحين" 3 من حديث عائشة -رضي اللَّه عنها- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم ومن المغرم".
وإن دعا بما ورد في القرآن نحو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ 4 فلا بأس به.
أو دعا بما ورد في السنة نحو: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت.
فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" متفق عليه من حديث الصديق حين قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: علمني دعاء أدعو به.
قال: "قل"... فذكره 5. أو دعا بما ورد عن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- كحديث 6 ابن

مسعود [موقوفًا] 1، وذهب إليه أحمد 2. قال ابنه عبد اللَّه: سمعت أبي يقول في سجوده: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك، فصن وجهي عن المسألة لغيرك 3. أو دعا بأمر الآخرة، لعموم حديث أبي هريرة -السابق- 4 وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أما السجود، فأكثروا فيه الدعاء" 5. ولم يعين لهم ما يدعون به، فدل على إباحته لهم جميع الدعاء إلا ما خرج منه بدليل، ولقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في قنوته: "اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة" 6. ولا تبطل -أيضًا- بقوله: لعنه اللَّه، عند ذكر الشيطان.
ولا بتعويذ نفسه بقرآن لحمى ونحوها، ولا يقول: بسم اللَّه، للدغ عقرب.
(وتبطل) الصلاة (بدعاء بأمر الدنيا) نحو: اللهم ارزقني جارية حسناء، أو طعامًا طيبًا، ونحو ذلك، مما يقصد به ملاذ الدنيا وشهواتها،

لحديث: "إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن".
رواه مسلم 1. وتبطل إن دعا لشخص معين بكاف الخطاب لغير النبي 2 -صلى اللَّه عليه وسلم- (ثم يقول عن يمينه، ثم عن يساره) استحبابًا: (السلام عليكم ورحمة اللَّه) والأولى أن لا يزيد، لحديث سعد بن أبي وقاص قال: كنت أرى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-[يُسَلِّمُ] 3 عن يمينه وعن يساره حتى يُرى بياض خده.
رواه مسلم 4. ويكون تسليمه [مرتبًا] 5 (معرفًا) بأل (وجوبًا) ولا يجزئ: سلام

عليكم، ولا سلامي عليكم، ولا سلام اللَّه عليكم، ولا عليكم السلام، ولا السلام عليهم، لأن الأحاديث قد صحت بأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يقول: "السلام عليكم" 1 ولم ينقل عنه خلافه.
وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 2. وسن التفاته عن يساره أكثر من التفاته عن يمينه، لحديث عمار -مرفوعًا-: كان يسلم عن يمينه حتى يُرى بياض خده الأيمن، وإن سلم عن يساره يُرى بياض خده الأيمن والأيسر.
رواه يحيى بن محمد بن صاعد 3 بإسناده 4. وسن -أيضًا- حذف السلام، وهو: أن لا يطيله 5، لقول أبي هريرة: حذف السلام سنة.
وروي مرفوعًا، رواه الترمذي وصححه 6.

وسن جزمه 1 لقول النخعي 2: السلام جزم والتكبير جزم 3. وسن -أيضًا- نيته به لخروج من الصلاة، لتكون النية شاملة لطرفي الصلاة.
(وامرأة كرجل) في جميع ما تقدم، لشمول الخطاب لها في قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 4. إلا في صور ذكرها بقوله: (لكن تجمع نفسها) في نحو ركوع وسجود، فلا تسن لها المجافاة، لحديث يزيد 5 بن أبي حبيب، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مَرَّ على امرأتين تصليان فقال: "إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى بعض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل".
رواه أبو داود في "مراسيله" 6 ولأنها عورة، فالأليق لها الانضمام.
= وهو ضعيف، ولم يخرج له مسلم محتجًا به، بل مقرونًا بغيره... اهـ

(وتجلس متربعة أو) تجلس (مسدلة (1) رجليها عن يمينها، وهو أفضل) من تربعها، لأنه غالب جلوس عائشة (2)، وأشبه بجلسة الرجل، وأسهل عليها.
وتسر بالقراءة إن سمعها أجنبي خشية الفتنة بها.
والخنثى كالأنثى فيما تقدم احتياطًا.

تتمة

: يسن عقب مكتوبة أن يستغفر ثلاثًا، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام، لما روى ثوبان أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، ويقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ياذا الجلال والإكرام".
رواه مسلم 3. ثم يقول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا باللَّه، لا إله إلا اللَّه ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا اللَّه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
قال ابن الزبير -رضي اللَّه عنه-: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يهلل بهن دبر كل صلاة.
رواه مسلم 4. وعن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-12

يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
متفق عليه 1. ثم يقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، لما روي عن معاذ -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذ بيده وقال: "يا معاذ واللَّه إني لأحبك.
فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
رواه أبو داود والنسائي 2. ويقرأ بالمعوذتين، لما روي عن عقبة بن عامر -رضي اللَّه عنه- قال: أمرني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة.
رواه أبو داود، والنسائي وغيرهما 3، وفي رواية أبي 4 داود "بالمعوذات".
قال الإمام النووي في "الأذكار" 5: فينبغي أن يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و {قُلْ أَعُوذُ

بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ 1. ثم يقول ثلاثة وثلاثين: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، واللَّه أكبر، للخبر 2، ويفرغ من عدد الكل معًا، قاله أحمد في رواية أبي داود للنص 3. ويعقدُه أي: التسبيح والتحميد والتكبير بعقد أصابعه استحبابًا.
ويعقد الاستغفار بيده، لحديث يُسَيرة، قالت: قال لنا رسول اللَّه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "عليكن بالتهليل، والتسبيح، والتقديس، ولا تغفلن فتنسين الرحمة، واعقدن بالأصابع فإنهن مسؤولات مستنطقات".
رواه أحمد وغيره 4.

ومما ورد أيضًا: اللهم أجرني من النار.
سبع مرات بعد المغرب والفجر قبل أن يتكلم، لما روي عن عبد الرحمن بن حسان 1 عن مسلم بن الحارث التميمي 2، عن أبيه، وقيل: الحارث بن مسلم 3 عن أبيه، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أسَرَّ إليه فقال: "إذا انصرفت من صلاة المغرب فقل: اللهم أجرني من النار.
سبع مرات.
وفي رواية: قبل أن تكلِّم أحدًا، فإنك إذا قلت ذلك ثم مت في ليلتك كتب لك جوار منها، وإذا صليت الصبح فقل مثل ذلك، فإنك إذا مت من يومك كتب لك جوار منها، قال الحارث: أسر بها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ونحن نخص بها إخواننا".
رواه أبو داود 4. = الأنصارية، وتكنى أم حميضة.
قال ابن سعد: أسلمت وبايعت وروت حديثًا.
ينظر: "الإصابة" 13/ 173.

ويقرأ آية الكرسي وسورة الإخلاص بعد كل فريضة -أيضًا- لخبر أبي أمامة: "من قرأ آية الكرسي وقل هو اللَّه أحد، دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت".
إسناده جيد.
رواه الطبراني، وابن حبان 1. ويقول بعد صلاة الصبح وهو ثانٍ رجليه، وفي لفظ: والمغرب قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، لما روى الترمذي وغيره عن أبي ذر -رضي اللَّه عنه- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "من قال في دبر صلاة الصبح وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير.
عشر مرات كتبت له عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرز من كل مكروه، وحرس من الشيطان، ولم ينبغ لذنب أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك باللَّه تعالى" قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح 2. انتهى من = عند ابن حبان في صحيحه -كما في "الإحسان"- (5/ 366، 367) وقد حسنه الحافظ في "نتائج الأفكار" (2/ 310).

"الأذكار" 1. ويدعو الإمام بعد كل مكتوبة استحبابًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7)﴾ 2 ولأن إدبار المكتوبات من أوقات الإجابة، وخصوصًا بعد الفجر والعصر لحضور الملائكة فيهما فيؤمِّنون 3. قال شيخنا الشيخ عبد القادر 4 -قدس اللَّه روحه- في كتابه = قلت: وهي رواية أبي يعلى السبخي.
وهي غلط، لأن سنده مضطرب، وشهر بن حوشب مختلف في توثيقه.
اهـ والرواية التي فيها أن ذلك يقال -أيضًا- بعد المغرب، هي عند النسائي في "عمل اليوم والليلة" (57) من حديث معاذ بن جبل.
ينظر: "نتائج الأفكار" (2/ 306، 307).

"الغنية" 1: لا ينبغي للإمام والمأموم أن يخرجا من المسجد من غير دعاء، قال اللَّه -عز وجل-: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7)﴾ 2 أي: إذا فرغت من العبادة، فانصب للدعاء 3، وارغب فيما عند اللَّه، واطلبه منه.
وقد جاء في الحديث عن أنس بن مالك، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "إذا قام الإمام في محرابه، وتواتر الصفوف، نزلت الرحمة، فأول ذلك يصيب الإمام، ثم من عن يمينه، ثم من عن يساره، ثم تتفرق الرحمة على الجماعة، ثم نادى ملك: ربح فلان، وخسر فلان، والرابح من يرفع يده بالدعاء إلى اللَّه إذا 4 فرغ من صلاته المكتوبة.
والخاسر هو الذي خرج من المسجد بلا دعاء، فإذا خرج بلا دعاء، قالت الملائكة: يا فلان، استغنيت عن اللَّه؟ = فقيه، واعظ.
ولد بجيلان -وهي بلاد متفرقة وراء طبرستان- سنة (471 هـ) وقدم بغداد شابًا.
ألف كتاب "الغنية لطالب طريق الحق" وغيره.
قال الذهبي: وفي الجملة الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه، واللَّه الموعد، وبعض ذلك مكذوب عليه.
اهـ، وقد أشار ابن رجب إلى كتاب أبي الحسن الشطنوفي المصري في "أخبار عبد القادر ومناقبه"، ووصفه بأنه لا يعتمد عليه، لكثرة ما فيه من الرواية عن المجهولين.
قال: وفيه من الشطح، والطامات، والكلام الباطل ما لا يحصى، ولا يليق نسبة مثل ذلك إلى الشيخ عبد القادر -رحمه اللَّه-.
اهـ، وقال ابن رجب -أيضًا-: وانتصر أهل السنة بظهور الشيخ عبد القادر.
اهـ، توفي -رحمه اللَّه- سنة (561 هـ)، ينظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (1/ 290، 301)، و"سير أعلام النبلاء" (22/ 439، 451)، و"الأنساب" للسمعاني (3/ 462، 463)، و"التصوف في ميزان البحث والتحقيق" للسندي (1/ 509، 514). تنبيه: قول المؤلف: "شيخنا الشيخ عبد القادر... " يعني أنه شيخ طريقته الصوفية الفاسدة، التي تنسب للشيخ عبد القادر -رحمه اللَّه- وهو منها بريء.
لا أنه شيخه مباشرة.

مالك عند اللَّه حاجة؟ " انتهى 1. فحينئذ تبين لك فساد ما ذهب إليه......... ابن عبد الوهاب 2، من نهيه عن رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الأذكار

الواردة أدبار الصلوات المكتوبات، وجعله ذلك من البدع المضلة بغير علم 1، وإنما مراده مخالفة جماعة المسلمين -تولاه اللَّه بعدله- وأما الذي أغراه على إنكار رفع اليدين بالدعاء أدبار الصلوات 2 فهو ما وقف عليه من كلام الإمام ابن القيم في "الهدي النبوي" 3 من قوله: وأما الدعاء بعد = عبد الوهاب" لحسين خلف الشيخ خزعل.

السلام من الصلاة مستقبل القبلة أو المأمومين، فلم يكن ذلك من 1 هديه -صلى اللَّه عليه وسلم- 2 أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن.
انتهى.
وكلام ابن القيم ردٌّ عليه، لو فهمه؛ لأن مراده رفع اليدين بالدعاء من حين السلام، قبل التسبيح والتحميد والأذكار 3، ويدل عليه قوله بعد ذلك، قال -قدس اللَّه روحه-: إلا أن هنا نكتة لطيفة، وهي أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر اللَّه وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد ذلك، وأن يدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر اللَّه وحمده وأثنى عليه وصلى على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، استُحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد اللَّه والثناء عليه، [ثم ليصل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-] 4، ثم ليدعُ بما 5 شاء".
قال الترمذي: حديث صحيح 6. انتهى كلامه.
ومن آداب الدعاء: بسط اليدين، ورفعهما إلى الصدر، وكشفهما أوْلى.
والبداءةُ بحمد اللَّه والثناء عليه، وختمه به، والصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أوله وآخره، قال الآجري 7: ووسطه، لخبر

جابر 1. وسؤاله بأسمائه وصفاته، بدعاء جامع مأثور، بتأدب، وخشوع، وخضوع، وعزم، ورغبة، وحضور قلب، ورجاء، ويكون متطهرًا، مستقبل القبلة، ويلح في الدعاء، ويكرره ثلاثًا، ويبدأ بنفسه، ويُؤمِّن مستمع، فيكون كداع، ويؤمن داع في أثناء دعائه، ويختمه به.
وظاهر كلام جماعة 2: لا يكره رفع بصره فيه إلى السماء، ولمسلم من حديث مقداد مرفوعًا: "رفع بصره إلى السماء فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني" 3. = و"أخلاق العلماء"، و"التصديق بالنظر إلى اللَّه في الآخرة"، و"التهجد"، و"مختصر في الفقه"، توفي -رحمه اللَّه- سنة (360 هـ). ينظر: "تاريخ بغداد" (2/ 243)، و"سير أعلام النبلاء" (16/ 133)، و"النجوم الزاهرة" (4/ 60)، و"المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد" للعليمي (2/ 271)، و"مقدمة كتاب الشريعة" للدميجي (1/ 77، 166). وكلامه هذا ذكره ابن مفلح في "الفروع" (1/ 342). وغالبًا ما ينقل ابن مفلح عن كتاب "النصيحة" للآجري -كما ذكر ذلك العليمي- فلعل هذا النص منها.

ولا يكره للإمام الذي لا يُؤَمِّن لدعائه أن يخص نفسه بالدعاء.
ومن آداب الدعاء: الإخلاص 1، واجتناب الحرام؛ لأنها تبعد إجابة آكل الحرام؛ لحديث: "رُب أشعث أغبر... " الحديث 2، إلا مضطرًا أو مظلومًا، فإن دعاءه يستجاب.
(وكره فيها) أي: الصلاة (التفات ونحوه) لحديث عائشة قالت: سألت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاسٌ 3

يختلسه الشيطان من صلاة العبد".
رواه البخاري 1. (بلا حاجة) فإن كان ثم حاجة، لم يكره، كخوف ومرض، لحديث سهل بن الحنظلية قال: "ثُوِّب بالصلاة، فجعل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي، وهو يلتفت إلى الشِّعْبِ" 2. رواه أبو داود 3، قال: وكان أرسل فارسًا إلى الشعب يحرس 4، وكذا قال ابن عباس: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يلتفت يمينًا وشمالًا ولا يلوي عنقه".
رواه النسائي 5. وإن استدار بجملته، بطلت صلاته، لتركه الاستقبال، إلا في شدة خوف، وإلا إذا تغير اجتهاده؛ لأن قبلته صارت التي تغير إليها اجتهاده، فلا تبطل بذلك، فإن كان الالتفات بوجهه فقط أو به مع صدره، لم تبطل.
(و) كره فيها (إقعاء) في جلوسه، بأن يفترش قدميه، ويجلس على عقبيه 6.

(و) كره فيها -أيضًا- (افتراش 1 ذراعيه ساجدًا) لحديث جابر مرفوعًا: "إذا سجد أحدكم، فليعتدل، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح 2. (و) كره فيها (عبث) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا يعبث في الصلاة فقال: "لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه" 3. (و) كره فيها -أيضًا- (تخصُّر) أي: وضع يده على خاصرته 4؛ لحديث أبي هريرة يرفعه: "نهي أن يُصلي الرجل مختصرًا" متفق عليه 5. وكره فيها تمطٍّ 6 لأنه يخرجه عن هيئة الخشوع.

(و) كره -أيضًا- (فرقعة أصابع وتشبيكها) لقول علي مرفوعًا: "لا تقعقع أصابعك وأنت في الصلاة" رواه ابن ماجه 1. وعن كعب بن عجرة "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رأى رجلًا قد شبك أصابعه في الصلاة، ففرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أصابعه" رواه الترمذي وابن ماجه 2، وقال ابن عمر -في الذي يصلي وهو مشبك-: تلك صلاة المغضوب عليهم.
رواه ابن ماجه 3. (و) كره صلاته مع (كونه حاقنًا) -بالنون- أي: محتبس البول 4 حيث يبتدئها (ونحوه) أي: نحو الحاقن، ككونه حاقبًا -بالموحدة- أي = الصلاة.
وروى -أيضًا- عن إبراهيم قال: كان يكره التمطي عند النساء في الصلاة.

محتبس الغائط 1. (و) كره أن يبتدئها -أيضًا- مع بهونه (تائقًا) أي: مشتاقًا (لطعام ونحوه)، كشراب وجماع؛ حديث عائشة مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان 2 " رواه مسلم 3، وظاهره: ولو خاف فوت الجماعة؛ لما في البخاري: "وكان ابن عمر يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه يسمع قراءة الإمام" 4 إلا إن ضاق الوقت عن المكتوبة، فتجب، ويحرم اشتغاله بغيرها.
ويكره -أيضًا- للمصلي حمده إذا عطس، أو وجد ما يسره، واسترجاعه 5 إذا وجد ما يَغُمُّهُ، وكذا قول: بسم اللَّه إذا لُسعَ، أو: سبحان اللَّه إذا رأى ما يعجبه، ونحوه، خروجًا من خلاف من أبطل الصلاة بذلك 6. وكذا لو خاطب بشيء من القرآن، كقوله لمن دق عليه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)﴾ 7 ونحوه فيكره.
وسن لمصل تفرقته بين قدميه حال قيامه قدر شبر، ومراوحته بين قدميه؛ بأن يقف على أحدهما مرة، ثم على الأخرى أخرى، إذا طال قيامه؛ لأنه من السنة 8، وتكره كثرة المراوحة بين قدميه؛ لأنه يشبه تمايل

اليهود 1. = عن أبي عبيدة أن عبد اللَّه رأى رجلًا يصلي قد صف بين قدميه فقال: "خالف السنة، ولو راوح بينهما كان أفضل" وفى لفظ له: "أخطأ السنة، ولو راوح بينهما كان أعجب إليّ".
قال ابن الأثير في "النهاية" (2/ 274) على حديث: "كان يراوح بين قدميه من طول القيام" أي: يعتمد على إحداهما مرة وعلى الأخرق مرة، ليوصل الراحة إلى كل منهما.
اهـ

وسن لمصل رد مار بين يديه آدمي أو غيره، بلا عنف؛ لحديث أم سلمة: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي في حجرة أم سلمة، فمر بين يديه عبد اللَّه، أو عمر بن أبي سلمة، فقال بيده [هكذا] 1 فرجع، فمرت بين يديه زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا، فمضت، فلما صلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "هن أغلب" رواه ابن ماجه 2. ما لم يغلبه المار، كما تقدم في بنت أم سلمة، أو يكن المار محتاجًا إلى المرور كضيق الطريق.
وتُكره الصلاة في موضع يحتاج فيه إلى المرور إلا بمكة المشرفة، فلا يضر المرور بين يديه؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- "صلى بمكة، والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سترة" 3 رواه الإمام أحمد، وغيره 4. فإن أبى المار إلا المرور من غير حاجة، دفعه، فإن أصر على إرادة المرور ولم يندفع بالدفع، فللمصلي قتاله، لا بنحو سيف، ولو مشى إليه قليلًا، ولا تبطل صلاته به؛ لحديث أبي سعيد مرفوعًا: "إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى، فليقاتله، فإنما هو شيطان" متفق عليه 5. وتنقص صلاة من لم يرد المار بين يديه بلا عذر.

ويحرم مرورٌ بين المصلي وبين سترته، ولو كانت بعيدة؛ لحديث أبي جهم عبد اللَّه بن الحارث بن الصمة -مرفوعًا-: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ما [ذا] 1 عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين، خير له من أن يمر بين يديه" 2. ولمسلم: "لأن يقف أحدكم مائة عام، خير من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي" 3. فإن لم يكن له سترة، فإنه يحرم المرور في ثلاثة أذرع فأقل، من قدم المصلي.
ولمصل عَدُّ آي، وتسبيح بأصابعه، وقول: سبحانك قبلى إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾ 4 نصًّا 5، فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، وأما ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾ 6 ففي الخبر فيها نظر 7، ذكره في

"الفروع" 1. ولمصل قراءة في المصحف، ونظر فيه 2. وله سؤال عند آية رحمة، وتعوذ عند آية عذاب 3. وله رد السلام بإشارة 4. (وإذا نابه) أي: المصلي (شيء) أي: عرض له أمر كاستئذان عليه، وسهو إمامه، (سبَّح رجل) بإمام وجوبًا، وبمستأذن استحبابًا، ولا تبطل = سمعت أعرابيًّا يقول: سمعت أبا هريرة -رضي اللَّه عنه- يقول: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1)﴾ فانتهى إلى آخرها ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين.
ومن قرأ ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)﴾... " الحديث.
قال الترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي، عن أبي هريرة، ولا يسمى.
اهـ قال النووي في "المجموع" (4/ 67) -بعد أن نقل قول الترمذي هذا-: قلت: فهو ضعيف، لأن الأعرابي مجهول، فلا يعلم حاله.
اهـ

صلاته إن أكثر تسبيحه؛ لأنه من جنس الصلاة.
(وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) لحديث سهل بن سعد مرفوعًا: "إذا نابكم شيء في صلاتكم، فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء" متفق عليه 1، وتبطل صلاتها إن أكثر تصفيقها؛ لأنها عمل من غير جنسها.
ومن غلبه تثاؤب، كظم ندبًا، وإلا وضع يده على فِيْهِ، لحديث: "إذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليكظم 2 ما استطاع، فإن الشيطان يدخل فاهُ" رواه مسلم، وللترمذي: "فليضع يديه على فيه" 3. قال بعضهم 4: اليسرى بظهرها؛ ليشبه الدافع له.
(ويزيل) مصلٍّ (بصاقًا 5، ونحوه) كمخاط 6 ونخامة 7 (بثوبه) أي: في ثوبه (ويباح) بصاق ونحوه (في غير مسجد عن يساره) وتحت قدمه، زاد بعضهم 8: اليسرى؛ لحديث: "فإذا تنخَّع أحدكم، فليتنخع عن يساره، أو تحت قدمه، فإن لم يجد، فليقل هكذا -ووصف القاسم- 9 فتفل

في ثوبه فمسح بعضه على بعض" 1. ولحديث: "البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها" رواه مسلم 2. وهل المراد بالخطيئة: الحرمة أو الكراهة؟ قولان 3، ذكره.........

السيوطي 1. (ويكره) بصاقه ونحوه (أمامه و) على (يمينه) لظاهر الخبر 2، واحترامًا لحَفَظَة اليمين 3. ويلزم من رأى بصاقًا ونحوه في المسجد إزالته؛ لخبر أبي ذر: "وجدت في مساوئ أعمالنا النخامة تكون في المسجد لا تدفن" رواه مسلم 4. وسن صلاته إلى سترة، فإن كان في مسجد أو بيت، صلى إلى حائط أو سارية، وإن كان في فضاء، صلى إلى سترة بين يديه مرتفعة قدر ذراع فأقل؛ لحديث طلحة بن عبيد اللَّه -مرفوعًا-: "إذا وضع أحدكم بين يديه مثل = و"شرح مسلم" للنووي (5/ 41)، و"فتح الباري" لابن حجر (1/ 512)، و"تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد" للجراعي (ص 200)، و"فتح الباري" لابن رجب (3/ 128، 129)، و"الفروع" لابن مفلح (1/ 363).

مؤخرة الرحل 1 فليصل ولا يبالي من مرّ وراء ذلك" رواه مسلم 2، ومؤخرة الرحل: عود في مؤخره، وتختلف، فتارة تكون ذراعًا وتارة تكون دونه، والمراد رحل البعير وهو أصغر من القتب 3، وسواء في ذلك الحضر والسفر، خشي مارًا بين يديه أم ألا.
وكان يركز له -صلى اللَّه عليه وسلم- الحربة 4 في السفر، فيصلي إليها 5، ويعرض له البعير، فيصلي إليه 6. وعرض السترة أعجب إلى الإمام أحمد -رضي اللَّه عنه- قال: ما كان أعرض فهو أعجب إلي انتهى 7. لحديث سبرة 8 -مرفوعًا-: "استتروا في الصلاة ولو بسهم" رواه الأثرم 9، فقوله: "ولو بسهم".
يدل على أن غيره أولى منه.
ويسن قربه منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه؛ لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته" رواه أبو داود 10، وعن سهل بن سعد: (كان بين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

وبين السترة ممر الشاة) رواه البخاري 1، و"صلى في الكعبة، وبينه وبين الجدار نحو من ثلاثة أذرع" رواه أحمد والبخاري 2. وسن انحرافه عنها يسيرًا؛ لفعله عليه الصلاة والسلام، رواه أحمد وأبو داود 3. وإن تعذر غرز عصا وضعها بين يديه.
ويصح تستر ولو بخيط أو طرف حصير وكل ما اعتقده سترة، وسترة مغصوبة ونجسة كغيرها، قدمه في "الرعاية" 4 وفيه وجه، وفي "الإنصاف" 5: الصواب أن النجسة ليست كالمغصوبة.
فتكره الصلاة إلى المغصوبة كالقبر.
فإن لم يجد شيئًا خط خطًّا كالهلال، وصلى إليه؛ لحديث أبي هريرة -مرفوعًا-: "إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، وإن لم يجد، = باب الأمر بالدنو من السترة (2/ 62)، وصححه الحاكم في "المستدرك" (1/ 252)، والنووي في "المجموع" (3/ 244).

فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا، فليخط خطًّا، ثم لايضر من مر أمامه" رواء أبو داود 1، فإذا مرَّ من ورائها، لم يكره.
فإن لم تكن سترة فمر بين يديه كلب أسود بهيم 2، بطلت صلاته، وكذا لو مر بينه وبين سترته؛ لحديث أبي ذر مرفوعًا: "إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود" قال عبد اللَّه بن الصامت 3: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي، سألت رسول اللَّه عما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان" رواه مسلم وغيره 4. ولا تبطل الصلاة إذا مر بين يديه امرأة وحمار وشيطان وكلب غير أسود بهيم؛ لأن زينب بنت أم سلمة مرت بين يدي النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يقطع صلاته 5. وعن الفضل بن عباس: أتانا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ونحن في بادية، فصلى في

الصحراء ليس بين يديه سترة، وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه، فما بالى بذلك.
رواه أبو داود 1، قلت: وهذا يخالف عبارة "شرح المنتهى" للعلامة منصور 2، لكنه مخصوص بحديث أبي ذر فتدبرها، يبن لك أن كلام "الشارح" 3 غير مستقيم، وما في "شرح المنتهى" هو الصواب؛ لتخصيص حديث أبي ذر الصحيح، المتقدم آنفًا 4: أنه يقطع صلاته المرأة

والحمار والكلب الأسود، فتأمل ذلك.
وسترة الإمام سترة لمن خلفه 1، فلا يضر مرور شيء بين أيديهم، ولو مما يقطع الصلاة.
وإن مر بين الإمام وبين سترته ما يقطع صلاته، قطع صلاتهم -أيضًا-.

فصل

تنقسم أقوال الصلاة وأفعالها إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما لا يسقط عمدًا ولا سهوًا، وهي الأركان؛ لأن الصلاة لا تتم إلا بها، وسميت أركانًا؛ تشبيهأ بركن البيت الذي لا يقوم إلا به 1، وبعضهم سماها: فروضًا 2. الثاني: ما تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسقط سهوًا وجهلًا، ويجبر بالسجود، ويسمى الواجب، اصطلاحًا.
الثالث: ما لا تبطل بتركه مطلقًا، وهو السنن.
وأركان الصلاة ما كان فيها بخلاف الشروط، فإنها قبلها كما تقدم 3، (وجملة أركانها) أي: الصلاة (أربعة عشر) ركنًا بالاستقراء، وعدها في "المقنع" 4 و"الوجيز" 5 وغيرهما اثني عشر، وفي "البلغة" 6 عشرة، وعد منها النية.
الأول من الأركان: (القيام) في فرض، ولو على الكفاية لقادر؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ 7 وحديث عمران -مرفوعًا-: "صل

قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا... إلخ" رواه البخاري 1. وخص بالفرض لحديث عائشة -مرفوعًا-: "كان يصلى ليلًا طويلًا قاعدًا... " الحديث.
رواه مسلم 2، سوى خائف بالقيام، كمن بمكان له حائط يستره جالسًا فقط، ويخاف بقيامه نحو عدو، فيجوز أن يصلي جالسًا، وسوى عريان، وتقدم 3، وسوى مريض يمكنه قيام، لكن لا تمكن مداواته قائمًا، فيسقط عنه القيام لمداواته، ويصلي جالسًا؛ دفعًا للحرج، وكذا يصلي جالسًا؛ لأجل قِصَرِ سقف لعاجز عن خروج لحبس ونحوه، وكذا خلف إمام الحي، وهو الإمام الراتب، المصلي جالسًا المرجو زوال علته، ويأتي 4. (و) الثاني من الأركان: (التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام؛ لحديث أبي سعيد -مرفوعًا-: "إذا قمتم إلى الصلاة فاعدلوا صفوفكم، وسدوا الفُرَج، وإذا قال إمامكم: اللَّه أكبر، فقولوا: اللَّه أكبر" رواه الإمام أحمد 5، ولم ينقل عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه افتتح الصلاة بغيرها.
(و) الثالث: قراءة (الفاتحة) في كل ركعة، وتقدم موضحًا 6، ويتحملها إمام عن مأموم، ويأتي 7. (و) الرابع: (الركوع) إجماعًا 8 في كل ركعة؛ لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا

الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} 1 وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في حديث المسيء في صلاته -المتفق عليه-: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا" 2. (و) الخامس: (الاعتدال عنه) أي: الركوع؛ لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- في الحديث المذكور 3: "ثم ارفع" ولا تبطل إن طال اعتداله.
(و) السادس: (السجود) إجماعًا 4 في كل ركعة مرتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا﴾ 5 ولحديث المسيء في صلاته 6. (و) السابع: (الاعتدال عنه) أي: السجود.
(و) الثامن: (الجلوس بين السجدتين) لقوله عليه الصلاة والسلام للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا" 7. (و) التاسع: (الطمأنينة) في كل فعل مما تقدم؛ لأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- للمسيء في صلاته عند ذكر كل فعل منها بالطمأنينة 8، والطمأنينة: السكون وإن قل 9. (و) العاشر: (التشهد الأخير) لحديث ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على اللَّه، السلام على فلان.
فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-

جارٍ التحميل