الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتكتاب الجهاد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

مصدر جاهد جهادًا ومجاهدة، من جهد، أي بالغ في جهاد عدوه، فهو لغة: بذل الطاقة والوسع 1. وشرعًا: قتال الكفار خاصة 2. و(هو فرض كفاية) لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ 3، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 4، مع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً.
. .﴾ 5 الآية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإلا أثموا كلهم.
وسن بتأكد مع قيام من يكفي به، للآيات 6، والأخبار 7 الدالة على فضله.
ولا يجب جهاد إلا على ذكر، لحديث عائشة: هل على النساء جهاد؟ فقال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة 8. ولا يجب على خنثى

الجزء: 1 - الصفحة: 640

مشكل للشك في شرطه.
مسلم كسائر فروع الإسلام حُرٍّ، فلا يجب على عبد، لما روي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد، ويبايع العبد على الإسلام دون الجهاد 9، مكلَّفٍ، فلا يجب على صغير، ولا على مجنون، لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة" 10، سليم من العمى والعرج والمرض، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ 11 الآية، وكذا لا يلزم أشل، ولا أقطع يد أو رجل، واجد بملك، أو بذل إمام ما يكفيه ويكفي أهله في غيبته لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ.
. .﴾ 12 الآية.
ويسن تشييع غاز، لا تلقيه، نصًّا 13 (إلا إذا حضره) أي حضر صف القتال (أو حصره، أو) حصر (بلده عدو) تعين عليه إن لم يكن عذر، لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ 14. وقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)﴾ 15 (أو كان النفير عامًّا) بأن استنفره من له استنفاره، من إمام أو نائبه (فـ) هو حينئذ (فرض عبر) لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ 16. وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا استنفرتم فانفروا" 17 متفق عليه.
= (4/ 102): وأصله في صحيح البخاري.
اهـ

الجزء: 1 - الصفحة: 641

وأفضل تطوع به من العبادات: الجهاد.
قال أحمد: لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد 18. قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ 19 الآية، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ إلى ﴿غَفُورًا رَحِيمًا (96)﴾ 20، ولحديث أبي سعيد قال: قيل: يا رسول اللَّه، أي الناس أفضل؟ قال: "من يجاهد في سبيل اللَّه بنفسه وماله" 21 متفق عليه.
ولأن الجهاد بذل المهجة والمال، ونفعه يعم المسلمين كلهم، وغيره لا يساويه في نفعه، فلا يساويه في فضله.
وغزو البحر أفضل من غزو البر، لحديث ابن ماجه مرفوعًا: "شهيد البر يغفر له كل شيء إلا الدَّين، ويغفر لشهيد البحر كل شيء حتى الدين" 22. (ولا يتطوع به) -أي الجهاد- (مَنْ أحد أبويه حر مسلم إلا بإذنه) = الجهاد، وباب وجوب التنفير، وباب لا هجرة بعد الفتح (3/ 200، 210، 4/ 38)، ومسلم، في الحج (2/ 986) من حديث ابن عباس.

الجزء: 1 - الصفحة: 642

لحديث عبد اللَّه بن عمرو: جاء رجل إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسول اللَّه، أجاهد؛ قال: "لك أبوان؟ " قال: نعم.
قال: "ففيهما فجاهد" 23. وعن ابن عباس نحوه 24، ولأن بر الوالد فرض عين، والجهاد فرض كفاية، ولا يعتبر إذن جد وجدة، لورود الأخبار في الأبوين، وغيرهما لا يساويهما في الشفقة، ولا يعتبر إذن الأبوين في سفر لواجب، من حج، أو علم، أو جهاد.
ولا يتطوع به مدين لآدمي لا وفاء له، حالًّا أو مؤجَّلًا، إلا بإذن رب الدَّين، أو رهن، أو كفيل مليء، ولا يحل للمسلمين فرار من مثليهم، ولو واحد من اثنين.
قال ابن عباس: من فز من اثنين فقد فرّ، ومن فر من ثلاثة فما فر 25. إلا متحرفين لقتال، أو متحيزين إلى فئة، وإن بَعُدَت، للآية 26. ومعنى التحرُّف للقتال: التحيز إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، كانحرافهم عن مقابلة شمس، أو ريح، أو استناد إلى نحو جبل، ومعنى التحيز إلى فئة: أن يصير إلى فئة من المسلمين، ليكون معهم، فيتقوى بهم.
قال القاضي: لو كانت الفئة بخراسان، والزحف بالحجاز، جاز التحيز إليهم 27. لحديث ابن عمر مرفوعًا: أنا فئة لكم.
وكانوا بمكان بعيد منه.
وقال عمر: أنا فئة لكل مسلم.
وكان بالمدينة، وجيوشه بالشام، ومصر،

الجزء: 1 - الصفحة: 643

والعراق، وخراسان (1)، رواهما سعيد.
(وسن رباط) في سبيل اللَّه، لحديث سلمان مرفوعًا: "رباط ليلة في سبيل اللَّه خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان" (2) رواه مسلم.
(وأقلُّه ساعة)، قال أحمد (3): يوم رباط، وليلة رباط، أو ساعة رباط.
وسمي المقام بالثغور رباطًا، لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم، والثغر: كل مكان يخيف أهله العدو، ويخيفهم (4). (وتمامه) أي الرباط (أربعون يومًا) رواه أبو الشيخ مرفوعًا (5)، وأفضله ما كان أشد خوفًا، وهو أفضل من المقام بمكة.
والصلاة بالمساجد الثلاثة أفضل من الصلاة فيه.

تتمة

: تجب الهجرة على كل عاجز عن إظهار دينه، بمحل يغلب فيه حكم كفر، أو بدع مضلة، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
. .﴾ 33 الآية.2829303132

الجزء: 1 - الصفحة: 644

إن قدر عليها، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ.
. .﴾ 34 إلى آخر الآية.
وعنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أنا بريء من مسلم بين مشركين، لا ترى ناراهما" 35 رواه أبو داود والترمذي.
أي لا يكون بموضع يرى نارهم به، ويرون ناره إذا أوقدت.
وسن هجرة لقادر على إظهار دينه، بنحو دار كفر، ليتخلص من تكثير الكفار، ويتمكن من جهادهم، وعلم مما تقدم: بقاء حكم الهجرة، لحديث: "لا تنقطع الهجرة بعد الفتح" 36 أي من مكة.
(وعلى الإمام منع مخذِّل) أي: منفر 37 للناس عن الغزو، ومزهدهم في القتل والخروج إليه، كقوله: الحر والبرد شديد، أو المشقة شديدة، أو لا تؤمن هزيمة الجيش (و) عليه منع (مرجف) كمن يقول: هلكت سرية المسلمين، ولا طاقة لهم بالكفار، ونحوه.
وعليه منع مكاتب بأخبارنا، ومعروف بنفاق، وصبي ولو مميزًا، أو نساء إلا عجوزًا لسقي ماء ونحوه.
وتحرم استعانة بكافر، إلا لضرورة، أو بأهل الأهواء في شيء من أمور

الجزء: 1 - الصفحة: 645

المسلمين، لأنهم دعاة، واليهود والنصارى لا يدعون إلى أديانهم.
(وعلى الجيش) أي: يلزمهم (طاعته) أي: طاعة الإمام، أو الأمير، برأيه وقسمته الغنيمة، وإن خفي عليه صواب عرفوه، ونصحوه، لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ 38، ولحديث: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن عصى أميري فقد عصاني" 39. رواه النسائي، ولحديث: "الدين النصيحة" 40 (و) عليهم (الصبر معه) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ 41. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ 42. ولأنه من أقوى أسباب النصر والظفر.
(وتمُلك الغنيمةُ باستيلاء عليها) ولو (في دار حرب) لأن الاستيلاء التام سبب الملك، وقد وجد، لثبوت أيدينا عليها حقيقة، ولزوال ملك كفار عنها، لأنه لا ينفذ عتقهم لعبد منها، والملك لا يزول إلى غير مالك.
ويجوز قسمتها بدار الحرب، وبيعُها، فلو غلب عليها العدو بمكانها فمن مال مشتر فرط أو لا، لحديث: "الخراج بالضمان" 43، وشراء الأمير لنفسه منها، إن وكل من يُجهل أنه وكيله، صح، وإلا حرم، للمحاباة، وتضم غنيمة سرايا الجيش إلى غنيمته.

الجزء: 1 - الصفحة: 646

ويبدأ في قسم بدفع سلب إلى مستحقه، ثم بأجرة جمع 44 وحفظها وحملها، ثم يخمس الباقي على خمسة أسهم (فيُجعل خُمسها خمسة أسهم) أيضًا (سهم للَّه ولرسوله) -صلى اللَّه عليه وسلم- مصرفه كالفيء في مصالح المسلمين (وسهم لذوي القربى: وهم بنو هاشم و) بنو (المطلب) بن عبد مناف، دون غيرهم من بني عبد مناف، لحديث جبير بن مطعم قال: "لما قسم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من خيبر بين بني هاشم وبني المطلب، بقيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول اللَّه، أما بنو هاشم، فلا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك اللَّه به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ ! فقال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام، وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد"، وشبك بين أصابعه 45. رواه أحمد، والبخاري.
ولا يستحقه منه مولى لهم، ولا من أمه منهم دون أبيه، يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنهم يستحقون بالقرابة، كالميراث، غنيهم وفقيرهم فيه سواء، لعموم الآية 46، ولأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يعطي أقاربه كلهم وفيهم الغني، كالعباس (وسهم لليتامى الفقراء) وهم من مات أبوه ولم يبلغ، لحديث: "لا يتم بعد احتلام" 47 واعتبر فقرهم، لأن الصرف إليهم لحاجتهم، ويسوى فيه بين ذكرهم وأنثاهم (وسهم للمساكين) أي: أهل الحاجة، فيدخل فيهم الفقراء (وسهم لأبناء السبيل) فيعطون، كما يعطون في زكاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 647

(وشرُط في) سهم (من يسهم له: إسلام) لأنه عطية من اللَّه تعالى، فلا حق لكافر فيه، كزكاة.
ومن فيه سببان فأكثر، ممن يستحق من الخمس، أخذ بها (ثم يقْسمُ) إمامٌ (الباقي) بعد ما ذكر (بين من شهد الوقعة) أي: الحرب، لقصد قتال، قاتل أو لم يقاتل، أو بعث في سرية، أو لمصلحة، كرسول، ودليل، ونحوهما، فيقسم (للراجل) ولو كافرًا (سهمٌ، وللفارس على فرس عربي) ويسمى: العتيق (ثلاثة) أسهم، سهم له، وسهمان لفرسه، لحديث ابن عمر أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له 48. متفق عليه.
(و) للفارس (على) فرس (غيره) أي: غير العربي، كالهجين: وهو ما أبوه فقط عربي، أو مقرف: وهو ما أمه فقط عربية، أو برذون: وهو ما أبواه نبطيان 49 (اثنان) سهم له، وسهم لفرسه، لحديث مكحول: أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أعطى الفرس العربب سهمين، وأعطى الهجين سهمًا 50. رواه سعيد.
(ويُقسم لحرٍّ) لا لعبد لم يأذن له سيده في غزو، ولعصيانه (مسلم) فلا يقسم لكافر لم يأذن له الأمير.
مكلَّف، فلا يقسم لصبي ولا مجنون، لأنهما لا يصلحان لقتال (ويرضخ لغيرهم) أي غير من يقسم له، وهو: العطاء دون السهم، لمن لا سهم له من الغنيمة، فيرضخ لمميز، وعبد، وخنثى، وامرأة، على ما يراه الإمام أو نائبه، ولا يرضخ الكافر.

الجزء: 1 - الصفحة: 648

(وإذا فتحوا) أي الغزاة (أرضًا بالسيف، خُيِّرَ الإمام بين قسمها) بين الغانمين، كمنقول فيه (و) بين (وقفها على المسلمين) بلفظ يحصل به الوقف (ضاربًا عليها خراجًا مستمرًا يؤخذ ممن هي في يده) من مسلم، وذمي، هو أجرتها كل عام.
الثانية: ما جُلُّوا عنها، خوفًا منا، وحكمها كالأولى.
الثالثة: المصالح عليها، وهي نوعان: فما صولحوا على أنها لنا، ونقرها معهم بالخراج، فهي كالعنوة في التخيير.
والثاني: ما صولحوا على أنها لهم، ولنا الخراج عنها، فهي كجزية، إن أسلموا، أو انتقلت إلى مسلم؛ سقط 51، ويقرون فيها بلا جزية، لأنها ليست بدار إسلام.
ويجب على الإمام فعل الأصلح، ويرجع في خراج، وفي جزية، إلى تقديره.
(وما أُخذ من مشرك بلا قتال كجزية وخراج وعُشر) تجارة من حربي، ونصفه من ذمي.
وما ترك من كفار فزعًا، أو ترك عن مسلم، أو كافر لا وارث له (فيءٌ) من فاء الظل، إذا رجع نحو المشرق، سمي به المأخوذ من الكفار، لأنه رجع منهم إلى المسلمين، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ 52 الآية.
ومصرف الفيء (لمصالح المسلمين، وكذا خمسُ خمس الغنيمة) يصرف في مصالح المسلمين -أيضًا- لعموم نفعها، ودعاء الحاجة إلى تحصيلها، ويبدأ بالأهم فالأهم من سد ثغر، وكفاية أهله، وحاجة من يدفع عن المسلمين، ثم بالأهم فالأهم، من سد بثق، أي: المكان المنفتح من جانب النهر 53. ومن كراء نهر، أي: تنظيفه مما يعوق الماء عن جريه.
ومن عمل قنطرة، ورزق قضاة، وغير ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 649

فصل في عقد الذمة

(ويجوز عقد الذمة) وهي لغة: العهد، والضمان، والأمان 54. لحديث: "يسعى بذمتهم أدناهم" 55. ومعنى عقد الذمة: إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بذل الجزية، والتزامِ أحكام الملة 56. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.
. .﴾ 57 الآية.
ولا تعقد الذمة إلا (لمن له كتاب) وهم اليهود، والنصارى، ومن تدين بالتوراة كالسامرة، أو تدين بالإنجيل، كالإفرنج، والصابئين، والروم، والأرمن (أو) من له (شُبهته) أي الكتاب كالمجوسي، فإنه يروى أنه كان لهم كتاب فرفع، فذلك شبهة لهم أوجبت حقن دمائهم، بأخذ الجزية منهم، ولأخذه -صلى اللَّه عليه وسلم- الجزية من مجوس هجر 58. رواه البخاري.
ونصارى العرب، ويهودهم، ومجوسهم، من بني تغلب، وغيرهم، لا جزية عليهم ولو بذلوها، ويؤخذ عوضها زكاتين من أموالهم، لأن عمر ضعفها عليهم 59، ومصرفها كمصرف جزية.
(ويُقاتَل هؤلاء) أي: أهل الكتاب، ومن له شبهته (حتى يُسلموا، أو

الجزء: 1 - الصفحة: 650

يُعطوا الجزية) للآية 60 (و) يقاتل (غيرهم) أي: غير أهل الكتاب أو من له شبهته (حتى بُسلموا، أو يُقتلوا) لحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه" 61. خص منه أهل الكتاب، ومن ألحق بهم، لما تقدم، وبقي ما عداهم على الأصل.
(وتؤخذ منهم) أي الجزية (ممتهنين مصغَّرين) حالان، فتجرُّ أيديهم عند أخذها، ويطال قيامهم، حتى يألموا ويتعبوا، وتؤخذ منهم وهم قيام، والآخذ جالس، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ 62 ولا يقبل منهم إرسالها مع غيرهم، لزوال الصغار.
ويجوز أن يشترط مع الجزية، ضيافة من يمر بهم من المسلمين (ولا تؤخذ) الجزية (من صبي وعبد وامرأة) لأنهم لا يقتلون، وهي بدل القتل، (و) لا تؤخذ من (فقير عاجز عنها) لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ 63، ونحوهم -أي الصبي وما عطف عليه- كأعمى، ومجنون، وشيخ فانٍ، وراهب بصومعته، لأنهم لم يُقتلوا.
(ويلزم أخذهم) أي: أهل الذمة (بحكم الإسلام فيما يعتقدون تحريمه من نفس، وعرض، ومال، وغيرها) كإقامة حد في زنا، ولا يحدون فيما يحلونه، كخمر، وأكل خنزير، ونكاح ذات محرم، ولأنهم يقرون على كفرهم، وهو أعظم جرمًا وإثمًا من ذلك، إلا أنهم يمنعون من إظهاره.

الجزء: 1 - الصفحة: 651

(ويلزمهم التميُّز عن المسلمين) بلباسهم، وبقبورهم، ونحو ذلك، (ولهم ركوب غير خيل بغير هج) بل بإكاف، أو برذعة عرضًا، رجلاه إلى جانب، وظهره إلى جانب.
(وحَرُمَ تعظيمهم) وقيام لهم.
والمبتدع يجب هجره.
وتصديرهم في المجالس (وبُداءَتهُم بالسلام) وبكيف أصبحت؟ أو كيف أمسيت؟ وتهنئتهم وتعزيتهم، وعيادتهم، وشهادة أعيادهم، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تبتدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى ضيقها" 64 رواه أحمد، ومسلم، وغيرهما، وما عدا السلام مما ذكر ففي معناه.
ومن سلم على ذمي لا يعلمه ثم علمه، سن قول: رُدَّ علي سلامي، لما روي عن ابن عمر 65. فإن كان مع الذمي مسلم، سلَّم ناويًا المسلم، نصًّا 66، وإن سلم ذمي على مسلم لزم رده، فيقول: وعليكم.
لحديث أحمد، عن أنس قال: "نهينا أو أمرنا أن لا نزيد أهل الذمة على: وعليكم" 67. وإن شمَّته كافر، أجابه: بيهديكم اللَّه.
وكذا إن عطس الذمي، فحمد، لحديث أبي موسى: إن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- رجاء أن يقول لهم: يرحمكم اللَّه، فكان يقول لهم: "يهديكم اللَّه، ويصلح

الجزء: 1 - الصفحة: 652

بالكم" 68. رواه أبو داود، وغيره.
ويمنعون من حمل سلاح ونحو ذلك، ومن تعلية بناء على مسلم، ومن إحداث كنائس، وبِيَع، ومجتمع يجتمعون فيه لصلاتهم، ومن بناء ما استهدم منها، ولو كلها، ومن إظهار منكر، وعيد، وصليب، وإظهار أكل وشرب نهار رمضان، ومن رفع صوت على ميت، ومن قراءة قرآن، ومن ضرب ناقوس، وجهر بكتابهم، ومن دخول حرم مكة لقمله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 69، والمراد به الحرم.
ويمنعون بإقامة بالحجاز، كالمدينة، واليمامة، وخيبر، لحديث عمر أنه سمع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلا أنزل فيها إلا مسلمًا" 70. قال الترمذي: حسن صحيح.
وليس لكافر دخول مسجد، ولو أذن فيه مسلم.
ويجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وإن تحاكموا إلينا بعضهم من بعض فلنا الحكمُ، والتركُ، ويجب بين مسلم وذمي، ويلزمهم حكمنا، ويمنعون من شراء مصحف، وكتب حديث، وفقه.
(وإن تعدى الذمي على مسلم) بقتل، أو فتنته عن دينه، انتقض عهده، لأنه ضرر يعم المسلمين، أشبه ما لو قاتلهم (أو ذكر اللَّه، أو كتابه، أو رسوله بسوء) ونحوه، كقوله لن سمعه يؤذن: كذبت (انتقض عهده) لما روي أنه قيل لابن عمر: إن راهبًا يشتم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: لو سمعته

الجزء: 1 - الصفحة: 653

قتلته، إنا لم نُعطِ الأمان على هذا 71. أو أبى بذل جزية، أو الصغار، أو التزام أحكامنا، أو قاتلنا، أو لحق بدار حرب مقيمًا، أو زنا بمسلمة، أو أصابهم باسم نكاح، أو قطع طريقًا، أو تجسس، أو آوى جاسوسًا، انتقض عهده، سواء شرط عليهم ذلك، أو لا (فـ) حينئذ (يخير الإمام فيه) أي 72 المنتقض عهده، ولو قال: تبتُ (كأسير حربي) بين قتل، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ 73، واسترقاق، ومَنٍّ، وفداءِ، لأنه كافر لا أمان له، قدرنا عليه في دارنا، بغير عهد، ولا عقد، وماله فيء، ولا ينتقض عهد نسائه، ولا أولاده، حيث انتقض عهده، نصًّا 74، لوجود النقض منه دونهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 654

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات تأليف عثمان بن عبد اللَّه بن جامع الحنبلي . . . - 1240 هـ تحقيق الدكتور عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم الجزء الثاني

الجزء: 2 - الصفحة: 683

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الجزء: 2 - الصفحة: 684

الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات 2

الجزء: 2 - الصفحة: 685

بسم اللَّه الرحمن الرحيم غاية في كلمة مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الأولى 1424 هـ - 2003 م جميع الحقوق محفوظة 2003 م. لا يُسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكِّن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.
ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

الجزء: 2 - الصفحة: 686

فصول الكتاب · 8 فصل
جارٍ التحميل