على شيء ليفعله فتركه مكرها لم يحنث؛ لأن الترك لا يضاف إليه، أو يتركه ناسيا لم يحنث قطع به في "التنقيح" 1 و"المنتهى" 2، ومقتضى كلام جماعة يحنث في طلاق وعتق كما قبلها، وقطع به في "الإقناع" 3.
ومن يمتنع بيمين الحالف كزوجته وولده وغلامه ونحوهم وقصد بيمينه منعه كهو، فمن حلف على نحو زوجته لا تدخل دار فدخلتها ناسية أو جاهلة ليمينه فعلى ما سبق يحنث في طلاق وعتق فقط، وإن قصد أن لا يخالفه وفعله كرها لم يحنث، وإن حلف على من لا يمتنع بيمينه كأجنبي وذي سلطان حنث بالمخالفة مطلقا.
وإن حلف لا يدخل على فلان بيتا، أو لا يكلمه، أو لا يسلم عليه، أو لا يفارقه حتى يقضيه حقه، فدخل بيتا هو فيه ولم يعلم به أو سلم على قوم هو فيهم ولم يعلم به أو قضاه حقه فخرج رديئا أو أحاله به ففارقه ظنا منه أنه قد بر حنث لفعله ما حلف عنه قاصدا له، إلا في السلام إذا سلم عليه، أو سلم على قوم هو فيهم، أو كلمهم ولم يعلم به فلا حنث؛ لأنه لم يقصده بسلامه أو كلامه، وإن علم به فيهم ولم ينوه = قال الحافظ ابن حجر: "تكرر هذا الحديث في كتب الفقهاء والأصوليين بلفظ: "رفع عن أمتي" ولم نره بها في الأحاديث المتقدمة عند جميع من أخرجه" ا. هـ. التلخيص الحبير 1/ 283، وقال الإمام السخاوي: "ومجموع هذه الطرق يظهر أن للحديث أصلًا".
ا. هـ المقاصد الحسنة ص 230.
بسلام أو كلام ولم يستثنه بقلبه (حنث) 1 لأنه سلم عليه عالما به أشبه ما لو سلم عليه منفردا.
(و) إن حلف (ليفعلن شيئا) فإنه (لا يبر إلا بفعله)؛ لأن اليمين تناولت فعل الجميع فلم يبر إلا به، فمن حلف ليأكلن الرغيف لم يبر حتى يأكله (كله)، أو حلف ليدخلن الدار لم يبر حتى يدخلها يحملته (ما لم يكن له نية) تخالف ظاهر قوله فلا يحنث إذا فعل البعض، (وإن فعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا) أنه المحلوف عليه (حنث في طلاق وعتاق) فقط وتقدم.
فصل في التأويل في الحلف
(وينفع) حالف (غير ظالم) بحلفه (تأول بيمينه)، وهو أن يريد الحالف بلفظه ما يخالف ظاهره، وسواء في ذلك الحلف بالطلاق والعتاق واليمين المكفرة، كالحلف باللَّه تعالى، أو بالظهار، أو النذر، فإن بيان الحالف ظالما كالذي يستحلفه الحاكم عن حق عنده لم ينفعه تأوله، قال في "المبدع" 1: "بغير خلاف نعلمه".
وكانت يمينه منصرفة إلى ظاهر الذي عنى المستحلف، لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك" 2 وفي لفظ: "اليمين على نية المستحلف" رواه مسلم 3.
وإن كان الحالف مظلوما كالذي يستحلفه ظالم على شيء لو صدقه لظلمه أو ظلم غيره أو نال مسلما منه ضرر فهنا له تأويله، لحديث سويد بن حنظلة 1 قال: "خرجنا نريد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعنا وائل بن حجر 2، فأخذه عدو له، فتحرج القوم أن يحلفوا، فحلفت أنا أنه أخي فخلى بسبيله، فأتينا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فذكرنا له ذلك فقال: كنت [أبرهم] 3 وأصدقهم، المسلم أخو المسلم" رواه أبو داود 4، وقال = يمينه، كتاب الكفارات برقم (2120) سنن ابن ماجة 1/ 685، والبيهقي، باب اليمين على نية المستحلف في المحكومات، كتاب الأيمان، السنن الكبرى 10/ 65.
رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن في المعارض مندوحة عن الكذب" رواه الترمذي 1، قال محمد ابن سيرين 2: "الكلام أوسع من أن يكذب ظريف بذلك" 3 أي الكيس الفطن، فإنه يفطن للتأويل فلا حاجة إلى الكذب.
وكذا إن لم يكن الحالف ظالما أو مظلوما ولو كان التأويل بلا حاجة إليه؛ لأنه عليه السلام كان يمزح 4 ولا يقول إلا حقا، ومزاحه أن يوهم السامع بكلامه غير ما عناه وهو التأويل، قال عليه السلام لعجوز: "لا تدخل الجنة عجوز" 5.
ويقبل منه حكما دعوى التأويل مع قرب الاحتمال ومع توسطه لعدم مخالفة
الظاهر، ولا يقبل منه مع بعده، فمن أمثلة التأويل: أن ينوي باللباس الليل، وبالفراش والبساط الأرض، وبالأوتاد الجبال، وبالسقف والبناء السماء، وبالأخوة أخوة الإسلام، وينوي بقوله: ما ذكرت فلانا أي ما قطعت ذكره وما رأيته ما ضربت رئته، وينوي بنسائه طوالق أي نسائه الأقارب، كبناته وعماته وخالاته ونحوهن، وينوي بجواريي أحرار أي سفنه، وما كاتبت فلاتا ولا عرفته ولا أعلمته ولا سألته حاجة ولا أكلت له دجاجة ولا فروجة ولا في بيتي فرش ولا حصير ولا بارية، ويعني بالمكاتبة مكاتبة الرقيق، وبقوله: ما عرفته أي ما جعلته عريفا، ويعني بإعلامه أي جعله أعلم الشفة أي مشقوقها، وينوي بالحاجة شجرة صغيرة، وبالدجاجة الكبة من الغزل، وبالفروجة الدراعة، وبالفرش صغار الإبل، وبالحصير الحبس، وبالبارية السكين التي يبرأ بها الأقلام.
وما أكلت من هذا شيء ولا أخذت منه، ويعني بالمشار إليه الباقي بعد أكله وأخذه فلا حنث في ذلك كله حيث لم يكن ظالما؛ لأن لفظه يحتمل ما نوى.
وإن استحلفه ظالم ما لفلان عندك وديعة وهي عنده، وحلف وقصد بما الذي فكأنه قال: الذي لفلان عندي وديعة، أو نوى ماله عندي وديعة غير المطلوبة، أو نوى ماله عندي وديعة في مكان كذا فلا حنث؛ لأنه صادق، وكذا لو استحلفه ظالم بطلاق وعتاق أن لا يفعل ما يجوز فعله، أو أن يفعل ما لا يجوز فعله فحلف بالطلاق ثلاثا ونوى بقوله طالق من عمل تعمله كخياطة وغزل لا طلاق من عصمته ونوى بقوله ثلاثا ثلاثة أيام.
أو قال له ظالم: قل زوجتي طالق إن فعلت كذا، أو كل زوجة لي طالق إن فعلت كذا، ونوى زوجته العمياء أو اليهودية أو الحبشية ونحوه، أو نوى بقوله: كل زوجة
تزوجتها بالصين 1 ونحوه ولا زوجة للحالف على الصفة المذكورة لم يحنث، وكذا لو نوى إن كنت فعلت كذا بالصين أو نحوه من الأماكن التي لم يفعله فيها لم يحنث، ومن حلف ما فلان هنا وعنى موضعا ليس فيه لم يحنث لأنه صادق، ومن حلف على زوجته لا سرقت مني شيئا فخانته في وديعة لم يحنث إلا إن نوى بالسرقة الخيانة.
ولو حلف ليعبدن اللَّه تعالى عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها بر بالطواف وحده أسبوعا بعد أن يخلى له المطاف.
فصل في الشك في الطلاق
وهو التردد بين أمرين لا مرجح لأحدهما على الآخر 1، وهو هنا مطلق التردد بين وجود المشكوك فيه من طلاق أو عدده أو شرطه وعدمه، فيدخل فيه الظن والوهم.
(ومن شك في طلاق أو) شك فيـ (ما علق عليه) الطلاق ولو كان المعلق عليه عدميا، كإن لم يقم زيد يوم كذا فزوجتي طالق، وشك في قيامه في ذلك اليوم بعد مضيه (لم يلزمه) طلاق؛ لأن الأصل بقاء العصمة إلا أن يثبت المزيل، كالمتطهر يشك في الحدث، وسن ترك وطء قبل رجعة إن كان الطلاق رجعيا خروجا من الخلاف، وتمام التورع قطع الشك بها حيث أمكنت، لحديث: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" 2، أو بعقد جديد أمكن لتيقن الحل، وإلا يمكن رجعة ولا عقد بأن كان المشكوك فيه متمما 3 لعدد ما يملكه فقطع الشك بفرقة متيقنة بأن يقول: إن لم تكن طلقت فهي طالق لئلا تبقى معلقة، ومتى لم يطلقها لم تحل لغيره.
(أو) شك (في عدده) -أي الطلاق الواقع عليه- (رجع إلى اليقين) وهو الأقل لما سبق، فمن قال لامرأته: أنت طالق بعدد ما طلق زيد زوجته وجهل فطلقة؛ لأنها المتيقنة، وإن قال لامرأتيه: إحداكما طالق ونوى معينة منهما طلقت المنوية؛ لأنه
عينها بنيته أشبه ما لو عينها بلفظه، وإلا ينوى معينة أخرجت المطلقة منهما بقرعة نصا 1، روي عن علي 2 وابن عباس 3، كمعينة منسية أشبه ما لو عينها.
وكقوله: عن طائر إن كان غرابا فحفصة طالق، وإلا يكن غرابا فعمرة طالق، وذهب الطائر وجهل فيقرع بينهما، فتطلق من أخرجتها القرعة؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عينا فهما سواء، والقرعة طريق شرعي لإخراج المجهول 4، وإن ماتتا أو إحداهما وكان نوى المطلقة حلف لورثة الأخرى أنه لم ينوها أو للحية ولم يرث الميتة، وإن كان لم ينو أحدهما أقرع، وإن مات قبل القرعة أقرع ورثته لقيامهم مقامه، ويحرم وطؤه إحداهما ودواعيه قبل القرعة إن كان الطلاق بائنا لوقوع الطلاق بأحدهما يقينا فيحتصل أن يصادفها، وتجب النفقة للزوجتين إلى القرعة؛ لأنهما محبوستان لحقه في حكم الزوجية، ومتى ظهر بعد خروج القرعة لإحديهما أن المطلقة غير المخرجة بأن ذكرها بعد نسيانه ردت المخرجة لزوجها؛ لأنه لم يقع عليها طلاقه فيها بصريح ولا كناية، والقرعة لا حكم لها مع الذكر، فإذا علم المطلقة رجع إلى قوله؛ لأنه لا يعلم إلا منه، ولأنه إنما منع منها بالاشتباه فإذا زال عنها ردت إليه، كما لو علمت مذكاة بعد أن اشتبهت بميتة، ما لم تتزوج فلا ترد إليه
لتعلق حق غيره بها فلا يقبل قول في إبطاله كسائر الحقوق، أو ما لم يحكم بالقرعة، أو يقرع الحاكم بينهن؛ لأنها لا يملك الزوج رفعها كسائر الحكومات.
(وإن قال) زوج (لمن) -أي امرأة- (ظنها زوجته) سماها أم لم يسمها: (أنت طالق طلقت زوجته) اعتبارا بالقصد دون الخطاب (لا عكسها) بأن قال لامرأته ظانا أنها أجنبية: أنت طالق، أو قال: تنحي يا مطلقة لم تطلق امرأته، قاله أبو بكر 1، ونصره في "الشرح" 2 لأنه لم يردها بذلك، وصححه في "الاختيارات" 3 ومشى عليه في "الإقناع" 4، ويخرج على قول ابن حامد 5 أنها تطلق، قاله في "المبدع" 6، وجزم به في "المنتهى" 7، واعتمده صاحب
"الغاية" 1، وكذا العتق في جميع ما تقدم.
(ومن أوقع بزوجته كلمة) وجهلها (وشك) فيها (هل هي طلاق أو ظهار لم يلزمه شيء)؛ لأن الأصل عدمها ولم يتيقن أحدهما.
وإن شك هل ظاهر من زوجته أو حلف باللَّه تعالى لا يطؤها لزمه بحنث أدنى كفارتيهما وهو كفارة اليمين باللَّه تعالى؛ لأنه اليقين، وما زاد مشكوك فيه، والأحوط أعلاها.
﴿فصل﴾ فى الرجعة
وهي بالفتح: فعل المرتجع مرة واحدة، فلهذا اتفق الناس على فتحها 1. وشرعا: إعادة مطلقة طلاقا غير بائن إلى ما كانت عليه قبل الطلاق بغير عقد نكاح 2، وأجمعوا عليها 3، لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 4، وحديث ابن عمر حين طلق امرأته فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مره فليراجعها" رواه مسلم وغيره 5، و"طلق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حفصة ثم راجعها"، رواه أبو داود وغيره 6، وقال ابن المنذر: "أجمع
أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث والعبد دون الاثنتين أن لهما الرجعة في العدة" 1، (وإذا طلق حر) ظاهره ولو مميزا يعقله؛ لأن الرجعة إمساك وهو يملكه لا وليه (من) أي زوجة (دخل) بها (أو خلا بها) في نكاح صحيح طلاقا (أقل من ثلاث، أو) طلق (عبد) من دخل أو خلا بها في نكاح صحيح طلقة (واحدة) بـ (لا عوض) من المرأة أو من غيرها (فيهما) -أي في طلاق الحر والعبد- (فله) -أي المطلق حرا كان أو عبدا- رجعتها في عدتها، وظاهره ولو بلا إذن سيد زوج، (ولولي مجنون) طلق بلا عوض دون ما يملكه وهو عاقل ثم جن في عدة (رجعتها في عدتها مطلقا) رضيت أو كرهت لقيام ولي المجنون مقامه خشية الفوات بانقضاء عدتها، فإن لم يكن دخل بها أو خلا بها فلا رجعة، وكذا إذا كان النكاح فاسدا، كبلا ولي أو شهود 2 فيقع فيه الطلاق بائنا ولا رجعة.
وتحصل الرجعة بلفظ راجعتها ورجعتها وارتجعتها وأمسكتها ونحوه.
(وسن لها) -أي الرجعة- (إشهاد) وليس هو من شرطها [لأنها] 3 لا تفتقر إلى قبول كسائر حقوق الزوج 4، وكذا لا تفتقر إلى ولي ولا صداق ولا رضى المرأة ولا علمها
إجماعا 1؛ لأن حكم الرجعية حكم الزوجات، والرجعة إمساك لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ 2. (وتحصل) الرجعة (بوطئها مطلقا) ولو لم ينو الرجعة بالوطء؛ لأن الطلاق سبب زوال الملك، ومعه خيار، فتصرف المالك بالوطء في مدته يمنع عمله كوطء البائع الأمة المبيعة في مدة الخيار، ولا تحصل رجعتها بإنكار طلاقها لأنه مناف لوجوب حقه، ولا تحصل بمباشرة دون فرج ولا بنظر لفرج، وكذا خلوة لشهوة إلا على قول، قال المنقح: "اختاره الأكثر" انتهى 3، قياسا على إلحاقها بالوطء في تكميل المهر ووجوب العدة، (والرجعية زوجة) يملك زوج منها ما يملكه ممن لم يطلقها، فيصح [أن] 4 تلاعن وأن تطلق ويلحقها ظهاره وإيلاؤه، ويرث أحدهما صاحبه إجماعا 5، ويصح خلعها لأنها زوجة يصح طلاقها ونكاحها باق فلا تأمن رجعته فهي زوجة (في غير قسم) صرح به الموفق وغيره 6، ولها أن تتشرف لمطلقها وتتزين كما تزين النساء
لأزواجهن لإباحتها له كما قبل الطلاق، وله السفر والخلوة بها.
(وتصح) رجعة (بعد طهر من حيضة ثالثة قبل غسل) نصا 1، وروي عن عمر 2 وعلي 3 وابن مسعود 4؛ لأن أثر الحيض يمنع الزوج الوطء كما يمنعه الحيض، فيحرم وطؤها قبل الغسل، فوجب أن يمنع ذلك ما يمنعه الحيض ويوجب ما أوجبه الحيض كما قبل انقطاع الدم، وتنقطع بقية الأحكام من التوارث والطلاق واللعان والنفقة وغيرها بانقطاع الدم، وتصح الرجعة قبل وضع ولد متأخر إن كانت حاملا بعدد، وقبل خروج بقية ولد لبقاء العدة.
ولا يصح تعليق الرجعة بشرط كقوله: كلما طلقتك فقد راجعتك ولو عكس صح وطلقت كلما راجعها 5 (وتعود بعد عدة) بأن اغتسلت من حيضة ثالثة إن كانت من ذوات الحيض وأتمت ثلاثة أشهر أو وضعت كل حملها (بعقد جديد) لأنها بانت منه فلا
تحل إلا بنكاح جديد إجماعا 1، لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ 2 أي العدة، وتعود (على ما بقي من طلاقها) ولو كان عودها بعد وطء زوج آخر غير المطلق في قول أكابر الصحابة، منهم عمر 3 وعلي 4 وأبي 5 ومعاذ 6 وعمران بن حصين 7 وأبو هريرة 8 وزيد 9
وعبد اللَّه بن عمر 1؛ ولأن وطء الثاني لا يحتاج إليه في الإحلال فلا يغير حكم الطلاق كوطء الشبهة والسيد، ولأنه تزويج قبل استيفاء الثلاث أشبه ما لو رجعت إليه قبل وطء الثاني، وإن أشهد مطلق رجعيا على رجعتها في العدة ولم تعلم حتى اعتدت ونكحت من أصابها، ثم جاء وادعى رجعتها قبل انقضاء عدتها وأقام البينة بذلك ردت إليه لثبوت أنها زوجته وأن نكاح الثاني فاسد، ولا يطؤها الأول حتى تعتد إن أصابها الثاني احتياطا للأنساب، وكذا إن صدقه الزوج والزوجة في أنه راجعها في عدتها حيث لا بينة له؛ لأن تصديقهما أبلغ من إقامة البينة، وإن لم يثبت رجعته ببينة وأنكراه رد قوله لتعلق حق الزوج الثاني بها، والنكاح صحيح في حقهما، وإن صدقه الزوج الثاني بانت منه لاعترافه بفساد نكاحه، وعليه مهرها إن كان دخل بها، وإلا فنصفه؛ لأنه لا يصدق عليها في إسقاط حقها عنه، ولا تسلم المرأة إلى المدعي؛ لأن قول الثاني لا يقبل عليها بل في حق نفسه فقط والقول قولها بغير يمين.
قال في "الإقناع" 2: "وإن صدقته المرأة لم يقبل 3 على الزوج الثاني في فسخ نكاحه ولا يلزمها مهر الأول له لأنه استقر لها بالدخول"، لكن متى بانت من الثاني عادت للأول بلا عقد جديد، ولا يطأ حتى تعتد للثاني إن دخل بها، وإن مات الأول قبل بينونتها من الثاني فقال الموفق ومن تبعه: "ينبغي أن ترثه لإقراره بزوجيتها وتصديقها له, وإن ماتت لم يرثها الأول لتعلق حق الثاني بالإرث، وإن مات الثاني لم ترثه هي
لإنكارها صحة نكاحه 1، قال الزركشي: "ولا يمكن الأول من تزوج أختها ولا أربع سواها" 2.
(ومن ادعت انقضاء عدتها) بولادة أو غيرها (وأمكن) بأن مضى زمن يمكن انقضاؤها فيه (قبلـ) ــت دعواها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 3 قيل هو: الحيض والحمل 4 فلولا قبول قولهن لم يحرجن بكتمانه، ولأنه أمر تختص المرأة بمعرفته فقبل قولها فيه كالنية من الإنسان حيث اعتبرت.
وإن لم يمض ما يمكن انقضاء عدتها فيه رد قولها، فإن مضى ما يمكن صدقها فيه ثم ادعته فإن بقيت على دعواها المردودة لم تقبل، وإن ادعت انقضاءها في المدة كلها، أو في ما يمكن منها قبلت، و (لا) تقبل دعواها انقضاء عدتها (في شهر بحيض إلا ببينة) نصا 5، لقول شريح: "إذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في شهر، وجاءت ببينة من النساء العدول من بطانة أهلها ممن يرضى صدقه وعدله أنها رأت ما يحرم عليها الصلاة من الطمث، وتغتسل عند كل قرء وتصلي فقد انقضت عدتها، وإلا فهي
كاذبة.
فقال له علي: قالون -ومعناه بالرومية- أصبت وأحسنت" 1، وإنما لم تصدق في ذلك مع إمكانه لندرته بخلاف ما زاد على الشهر، وأقل زمن تنقضي فيه عدة حرة بأقراء تسعة وعشرون يوما ولحظة لما سبق؛ لأن الأقراء الحيض، وأقله يوم وليلة، وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما، ويكون طلقها آخر الطهر واللحظة لتحقق انقطاع الدم، وحيث اعتبر الغسل اعتبر له لحظة أيضا.
وأقل ما تنقضي فيه عدة أمة خمسة عشر يوما ولحظة، وسواء في ذلك الفاسقة والمرضية والمسلمة والكافرة، لأن 2 ما يقبل فيه إخبار الإنسان عن نفسه لا يختلف باختلاف حاله.
ومن قالت ابتداء: انقضت عدتي في زمن يمكن فيه فقال زوجها: كنت راجعتك وأنكرته فقولها، أو تداعيا معا فقولها أيضا، ولو صدقه سيد أمة رجعية نصا 3، ومتى رجعت قبل رجوعها، كجحد أحدهما النكاح ثم يعترف به، وإن سبق الزوج فقال: ارتجعتك فقالت: انقضت عدتي قبل رجعتك فقوله لسبق دعواه الرجعة إخبارها بانقضاء عدتها، والأصل بقاؤها، ودعواها ذلك بعد دعوى الزوج الرجعة تقصد به إبطال حقه فلا يقبل منها.
فصل
(وإن طلق حر) زوجته (ثلاثا أو) طلق (عبد اثنتين) ولو عتق قبل انقضاء عدتها (لم تحل له حتى يطأها زوج غيره في نكاح صحيح)، قال ابن عباس: "كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك قوله تعالى: ﴿مرتان﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ 1 " رواه أبو داود والنسائي 2، وعن عائشة قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: كنت عند رفاعة القرظي فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير -بكسر الموحدة من تحت-، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" رواه الجماعة 3، وعن ابن عمر قال: "سئل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا، فيتزوجها آخر، فتغلق الباب، وترخى الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: لا، حتى تذوق عسيلته" رواه أحمد والنسائي
وقال: " [لا] 1 حتى يجامعها الآخر" 2، وعن عائشة مرفوعا: "العسيلة: هي الجماع 3 " في قبل لأن الوطء المعتبر لا يكون في غيره بنكاح صحيح؛ لأن غير الصحيح لا يعتد به كنكاح المحلل والمتعة والشغار، ونكاح السيد إن كانت أمة؛ لأنه ليس بزوج (مع انتشار)، لحديث العسيلة؛ [لأنها] 4 لا تكون [إلا] 5 مع انتشار، ولو كان الزوج الواطئ مجبوبا 6 أو خصيا مع بقاء ذكره، أو نائما أو مغمى عليه وأدخلته في رحمها مع انتشار لوجود 7 حقيقة الوطء من زوج أشبه حال إفاقته ووجود خصيتيه، أو كان الزوج الثاني ذميا وهي ذمية لحلها له فيحلها لمطلقها الأول ولو مسلم، (ويكفي) في حلها (تغييب حشفة) أو قدرها من مجبوب الحشفة؛ لأنه
جماع يوجب الغسل ويفسد الحج، أشبه تغييب الذكر، ويكفى في حلها وطء محرم لمرض الزوجة وتضررها بالوطء، ولضيق وقت صلاة، وفي مسجد، وفي حال منع الزوجة نفسها في قبض مهرها ونحوه؛ لأن الحرمة في هذه الصور لا لمعنى فيها لحق اللَّه تعالى (ولو لم ينزل) لما تقدم أن العسيلة هي الجماع، (أو يبلغ عشرا) لعموم: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، أو ظنها أجنبية حين وطئه لوجود حقيقة الوطء من زوج في نكاح صحيح.
و(لا) يحلها وطء محرم (في حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو صوم فرض، أو ردة)، أو في دبر، أو نكاح باطل أو فاسد؛ لأن التحريم في هذه الصور لمعنى فيها لحق اللَّه تعالى، ولأن النكاح الفاسد لا أثر له في الشرع في الحل فلا يدخل في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولا يكفي في حل المطلقة وطؤها بشبهة أو ملك يمين لما تقدم، وإن كانت أمة فاشتراها مطلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره 1 للآية، ويطأها للحديث، ولو طلق عبد طلقة ثم عتق قبل ثانية ملك تتمة ثلاث؛ لأنه في حال طلاق الثانية حر فاعتبر حاله إذن، ككافر حر طلق زوجته ثنتين ثم رق فيملك الثالثة وله أن يتزوجها قبل أن تنكح زوجا غيره؛ لأن الطلقتين كانتا غير محرمتين فلا يتغير حكمهما بما طرأ بعدهما، كما لو طلق العبد ثنتين ثم عتق فليس له أن ينكحها حتى تنكح زوجا غيره، لوقوعهما محرمتين.
ومن غاب عن مطلقته ثلاثا ثم حضر، فذكرت له أنها نكحت من أصابها وانقضت عدتها، وأمكن ذلك بأن مضى زمن يتسع له -وكذا لو غابت عنه ثم حضرت وذكرت
ذلك- فله نكاحها إذا غلب على ظنه صدقها؛ لأنها مؤتمنة على نفسها وعلى ما أخبرت به عن نفسها، ولا سبيل إلى معرفة ذلك حقيقة إلا من جهتها فوجب الرجوع إليها فيه، كإخبارها بانقضاء عدتها، فإن لم يغلب على ظنه صدقها لم يحل له نكاحها؛ لأن الأصل التحريم ولم يوجد ما ينقل عنه.
ولو تزوجت امرأة رجلا وفارقها وادعت إصابته وهو منكرها فقوله في تنصيف مهر إن لم يقر بخلوة، وقولها في حلها لمطلقها ثلاثا، ووجوب العدة عليها وكل ما يلزمها بالوطء، وكذا لو أنكر أصل النكاح، ولمطلقها ثلاثا نكاحها إن غلب على ظنه صدقها.
وإن أتت امرأة حاكما وادعت أن زوجها طلقها وانقضت عدتها فله تزويجها إن ظن صدقها ولاسيما إن كان الزوج لا يعرف؛ لأن الإقرار المجهول لا يصح، وأيضا الأصل صدقها ولا منازع، والإقرار المعين إنما يثبت الحق إذا صدق مقر له.
(فصل) في الإيلاء وأحكام المولي
وهو أفعال من الألية 1 -بتشديد المثناه تحت- قال ابن قتيبة 2: " ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ 3: يحلفون، يقال: آليت من امرأتي، أولي إيلاء إذا حلف لا يجامعها" حكاه عنه أحمد 4.
(والإيلاء حرام)؛ لأنه يمين على ترك واجب فهو كظهار، وكان كل من الإيلاء والظهار طلاقا في الجاهلية.
(وهو) -أي الإيلاء- شرعا: (حلف زوج عاقل -يمكنه الوطء- باللَّه) تعالى (أو) بـ (صفة من صفاته) تعالى كالرحمن ورب العالمين (على ترك وطء زوجته) لا أمته أو أجنبية (الممكن) وطؤها (في قبل أبدا أو مطلقا، أو فوق أربعة أشهر) 5 مصرحا بها، أو ينويها بأن يحلف أن لا يطأها وينوي فوق أربعة أشهر، وسواء حلف في حال
الرضى أو غيره، والزوجة مدخول بها أو لا نصا 1. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية 2 وكان أبي بن كعب وابن عباس يقرآن "يقسمون" مكان ﴿يؤلون﴾ 3 قال ابن عباس: "كان أهل الجاهلية إذا طلب الرجل من امرأته شيئا فأبت أن تعطيه، حلف أن لا يقربها السنة والسنتين والثلاث، فيدعها لا أيما ولا ذات بعل، فلما كان الإسلام جعل اللَّه ذلك للمسلين أربعة أشهر، ونزلت الآية" 4، ويترتب حكم الإيلاء مع خصاء زوج ومع جب بعض ذكره إن بقي منه ما يمكن الجماع 5 [به] 6، ومع عارض بزوج أو زوجة يرجى زواله كحبس لا عكسه فلا يثبت حكمه مع عارض لا يرجى زواله بأحدهما كرتق وجب، ويبطله جب ذكره كله بعد إيلائه؛ لأن ما لا يصح معه ابتداء الشيء امتنع مع حدوثه [دوام] 7 ذلك الشيء، [ويبطله] 8 شلله 9
بعد إيلائه، ومرض لا يرجى برؤه لأنه لا يمكن معه الوطء.
ويصح الإيلاء من كل زوج يصح طلاقه ويمكنه الوطء من مسلم، وكافر، وحر، وقن، وبالغ، ومميز عقله، وسكران، وغضبان، ومريض يرجى برؤه، ومن لم يدخل بزوجته، ولا يصح من غير زوج ولا من مجنون ومغمي عليه؛ لأنه لا قصد لهما.
(فمتى مضى) على مول (أربعة أشهر من) حين (يمينه ولم يجامع فيها) -أي الأربعة أشهر- (بلا عذر) للمرأة، كصغر وجنون ونشوز وإحرام ونفاس ومرض وحبس وسفر، ولا تضرب له المدة مع شيء من هذه الأعذار؛ لأن المدة تضرب لامتناعه من وطئها، والمنع هنا من قبلها، بخلاف حيضها فيحسب من المدة ولا يقطعها لئلا يؤدي ذلك إلى إسقاط حكم الإيلاء إذ لا يخلو من الحيض شهر غالبا، وإن حدث عذرها في أثناء المدة استؤنفت لزواله ولم يبن على ما مضى؛ لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ يقتضي أنها متوالية، فإذا انقطعت بحدوث عذرها وجب استئنافها كمدة الصوم في الكفارة، ولا يستأنف المدة إن حدث عذره في أثنائها؛ لأن المانع من جهته، فيحسب عليه زمن عذره فيها كسفر ومرض وإحرام.
وإن كان عذر مما يعجز به عن الوطء أمره الحاكم أن يفيء بلسانه فيقول: متى قدرت جامعتك، ثم متى قدر جامع أو طلق لزوال عجزه الذي أخر لأجله، ولا كفارة ولا حنث في الفيئة باللسان؛ لأنه لم يفعل المحلوف عليه بل وعد به، فإن لم يكن له عذر (أمر به) 1 -أي بالجماع- أمره به حاكم (فإن أبى أمر بالطلاق، فإن امتنع) من
الطلاق ومن الفيئة (طلق عليه حاكم) طلقة أو ثلاثا أو فسخ؛ لأن الطلاق تدخله النيابة، وقد تعين مستحقه فقام الحاكم فيه مقام الممتنع كأداء الدين، قال في شرح المنتهى 1 لمصنفه: "وإن رأى أن يطلق ثلاثا فهي ثلاث؛ لأنه قائم مقام المولي فيقع ما يوقعه من ذلك كالوكيل المطلق" انتهى.
وإن قال حاكم: فرقت بينكما ولم ينو طلاقا فهو فسخ لا ينقص به عدد الطلاق.
وإن ادعى مول طلبته زوجته بالفيئة بقاء المدة قبل قوله؛ لأن الاختلاف فيه يرجع إلى الاختلاف في وقت حلفه، وهو أعلم به لصدوره من جهته، كما لو اختلفا في أصل الإيلاء، أو ادعى وطأها بعد إيلائه وهي ثيب قبل؛ لأنه أمر خفي تتعذر إقامة البينة عليه غالبا، ولا يعلم إلا من جهته كقول 2 المرأة في حيضها، وإن ادعت زوجة مول -ادعى وطئها- بكارة فشهد بها امرأة ثقة قبلت كسائر عيوب النساء تحت الثياب، وإلا يشهد بيكارتها قبل قوله في وطئها، وعليه اليمين في الصور الثلاث؛ لأنه حق آدمي أشبه الدين، ولعموم حديث: "ولكن اليمين على المدعى عليه" 3، وتنحل يمين مول جامع [ولو مع] 4 تحريم الجماع، كجماعه في حيض، أو نفاس، أو إحرام، أو صيام فرض من أحدهما؛ لأنه فعل ما حلف على تركه فانحلت يمينه به، (ويجب بوطئه كفارة يمين) لحنثه، (وتارك الوطء ضرارا)
بزوجته (بلا عذر) أو بلا حلف (كمول) في الحكم، ومثله من ظاهر من امرأته ولم يكفر لظهاره؛ لأنه ضرها بترك وطئها في مدة بقدر مدة المولي فلزمه حكمه كما ترك ذلك بحلفه.
(فصل) في الظهار
مشتق من الظهر، وخص به من بين سائر الأعضاء؛ لأنه موضع الركوب، ولهذا سمي المركوب ظهرا والمرأة مركوبة إذا غشيت 1, فقوله لامرأته: أنت علي كظهر أمي معناه: أنه شبه امرأته بظهر أمه في التحريم، كأنه يشير أن ركوبها للوطء حرام.
(والظهار محرم) إجماعا حكاه ابن المنذر 2 لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ 3 وقول المنكر والزور من أكبر الكبائر للخبر 4، ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم، لقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ 5، ولحديث أوس بن
الصامت 1: "حين ظاهر زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة 2، فجاءت إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تشتكيه، فأنزل اللَّه أول سورة المجادلة" رواه أبو داود وصححه الحاكم وابن حبان 3. (وهو) -أي الظهار- (أن يشبه) الرجل (زوجته أو) يشبه (بعضها) -أي بعض زوجته- كيدها وظهرها (بمن) -أي بامرأة- (تحرم عليه)، كأمه وأخته من نسب أو رضاع وحماته وزوجة أبيه، ولو كان تحريمها عليه إلى أمد، كأخت زوجته وخالتها وعمتها، (أو) يشبهها (ببعضها) -أي ببعض من تحرم عليه- (أو) يشبه زوجته (برجل مطلقا) 4 كأبيه وزيد، أو بعضو منه نحو قول الزوج لامرأته: أنت أو وجهك أو يدك
أو أذنك كظهر أو كبطن أو كرأس أو كعين أمي أو عمتي أو خالتي أو حماتي أو أخت زوجتي أو عمتها أو خالتها، أو كظهر أو كبطن أو كرأس أو عين أجنبية، أو كظهر أو بطن أو رأس أو عين أبي أو أخي أو أجنبي أو زيد أو رجل، ولا يُديّن إن قال: أردت في الكرامة ونحوها؛ لأن هذه الألفاظ صريحة في الظهار لا تحتمل غيره.
وإن قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي طالق أو عكسه لزمه الطلاق والظهار لإتيانه بصريحهما، وجزم في "الشرح" 1 و"الإقناع" 2 بأنه ليس ظهارًا في الثانية إلا أن ينويه.
وإن قال لها: أنت عليَّ كأمي أو مثل أمي أو عندي أو مني أو معي كأمى أو مثل أمي وأطلق فلم ينو ظهارًا ولا غيره فهو ظهار؛ لأنه المتبادر من هذه الألفاظ، وإن نوى في الكرامة ونحوها دين وقبل منه حكمًا لاحتماله وهو أعلم بمراده، وإن قال لها: أنت أمي أو كأمي أو مثل أمى ولم يقل علي أو عندي أو مني أو معي فليس بظهار إلا مع نية أو قرينة؛ لأن احتمال هذه الصور لغير الظهار أكثر من احتمال الصور التي قبلها له، وكثرة الاحتمالات توجب اشتراط النية في المحتمل الأقل ليتعين له، [لأنّه] 3 يصير كناية فيه، والقرينة تقوم مقام النية.
وقوله لها: أنت علي حرام ظهار ولو نوى به طلاقًا أو يمينا نصًّا 4؛ لأنه تحريم أوقعه على امرأته أشبه ما لو شبهها بظهر من تحرم عليه، وحمله على الظهار أولى من
الطلاق؛ لأن الطلاق تبين به المرأة وهذا يحرمها مع بقاء الزوجية، فحمله على أدنى التحريمين أولى، لا إن 1 زاد: إن شاء اللَّه، أو سبق بها فقال: إن شاء اللَّه أنت علي حرام فلا يكون ظهارا، كما لو قال: إن شاء اللَّه وشاء زيد.
وقوله: أنا مظاهر، أو علي ظهار، أو يلزمني الظهار، أو على الحرام، أو يلزمني الحرام، أو أنا عليك حرام، أو كظهر رجل، أو كظهر أبي مع نية أو قرينة دالة عليه ظهار؛ لأن لفظه يحتمله وقد نواه به، ولأن تحريم نفسه عليها يقتضي تحريم كل منهما على الآخر، ولأن تشبيه نفسه بأبيه يلزم منه تحريمها عليه كما تحرم [على أبيه] 2، وإلا ينو ظهارا ولا قرنية فلغو، كقوله: أمي أو أختي امرأتي أو مثلها، وكقوله: أنت علي كظهر البهيمة ووجهي من وجهك حرام فلغو نصا 3.
(لا بـ) تشبيه أو تحريم (شعر وسن وظفر وريق ونحوها)، كلبن ودم وروح وسمع وبصر بأن قال: شعرك أو ظفرك... الخ كظهر أمي أو علي حرام، فهو لغو كما سبق في الطلاق.
(وإن قالته) المرأة (لزوجها) أي نظير ما يصير به مظاهرا لو قاله أو علقت بتزويجه نظير ما يصير به مظاهرا لو قاله (فليس بظهار) لقوله تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ [مِنْكُمْ] 4
مِنْ نِسَائِهِمْ} 1 فخصهم بذلك، ولأن الظهار قول يوجب تحريما في النكاح اختص به الرجل كالطلاق، ولأن الحل في المرأة حق للزوج فلا تملك إزالته كسائر حقوقه، (وعليها كفارته) -أي الظهار-؛ لأنها أحد الزوجين, وقد أتى بالمنكر من القول والزور في تحريم الآخر عليه أشبهت الزوج، وإنما تجب الكفارة عليها (بوطئها مطاوعة)، وعليها التمكين لزوجها من الوطء قبل التكفير؛ لأنه حق للزوج فلا تمنعه كسائر حقوقه، ولأنه لم يثبت لها حكم الظهار وإنما وجبت الكفارة تغليظا وليس لها ابتداء القبلة والاستمتاع قبل التكفير، وروى الأثرم بإسناده عن النخعي، عن عائشة بنت طلحة 2 أنها قالت: "إن تزوجت مصعبا 3 فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة فرأوا أن عليها الكفارة" 4 وروى سعيد: "أنها استفتت أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-
وهم يومئذ كثير، فأمروها أن تعتق رقبة وتتزوجه، فتزوجته وأعتقت عبدا" (1) ويكره دعاء أحد الزوجين الآخر بما يختص بذي رحم، كأبي وأمي وأخي وأختي، قال أحمد: "لا يعجبني" (2).
فائدة
: إذا كفرت المرأة بالصيام وجامعها زوجها ليلا فهل يقطع ذلك تتابعها أم لا؟ أفتى شيخنا -أيده اللَّه تعالى- الشيخ محمد بن عبد اللَّه بن فيروز الأحسائي 3 أنه لا يقطعه، وقد سألته عن ذلك بما نصه: -ما قول سيدي أدام اللَّه تعالى نفعه ولا فل جمعه- في امرأة ظاهرت من زوجها إذا قلنا: يلزمها الكفارة وليس لها منع زوجها من الوطء قبلها، فهل إذا كفرت بالصيام وجامعها ليلا انقطع التتابع أم لا؟ وهل كان الوطء يقطع التتابع؟ ومنعها 4 زوجها من الصيام لحقه تنتقل إلى الإطعام أم ليس له منعها من الصيام؟ أوضحوا لنا الجواب أعظم اللَّه لكم الثواب، فأجاب أدام اللَّه إفادته بما نصه... بسم اللَّه الرحمن الرحيم، الحمد للَّه الذي فتح لمن أناخ ركاب التصريح في موج فضله أبواب المشكلات، والهادي إلى منهج الحق أفضل الصلاة، أما بعد: فأقول في الجواب بعد السؤال الهداية إلى صوب الصواب: لا ينقطع التتابع والحالة ما ذكر، لأنه ليس بظهار، وإنما ثبتت الكفارة للخبر، صرح بذلك بعض12
المحققين من المتأخرين، وليس لها الانتقال إلى الإطعام بسبب منعه لها لوجوبه، كالواجب بأصل الشرع، كما ذكروا في الأيمان أنه ليس له منع عبده من الصوم والعبد والمرأة في ذلك سواء واللَّه تعالى أعلم.
أملاه الفقير إلى اللَّه محمد بن فيروز سامحه اللَّه تعالى انتهى.
فصل
(ويصح) الظهار (ممن) -أي من كل زوج- (يصح طلاقه) مسلما كان أو كافرا، حرا أو عبدا، كبيرا أو صغيرا أو مميزا يعقله؛ لأنه تحريم كالطلاق فجرى مجراه وصح ممن يصح منه، ويكفر كافر بعتق أو إطعام؛ لأن الصوم لا يصح منه.
ويصح من كل زوجة مسلمة كانت أو ذمية حرة أو أمة وإن لم يكن وطئها، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ..﴾ الآية 1 فخصهن بالظهار، ولأنه لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فاختص بها كالطلاق، ولأنه كان طلاقا في الجاهلية فنقل حكمه وبقي محله، ولا يصح ظهار من أمته أو أم ولده، ويكفر سيد قال لأمته أو أم ولده: أنت علي كظهر أمي، أو أنت علي حرام كيمين بحنث، قال نافع: "حرم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- جاريته، فأمره اللَّه أن يكفر يمينه" 2.
وإن نجز الظهار لأجنبية بأن قال لها: أنت علي كظهر أمي صح ظهارا، رواه أحمد عن عمر 3, وكاليمين باللَّه تعالى، والآية خرجت مخرج الغالب، أو علقه بتزويجها بأن قال لها: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، أو قال: النساء علي كظهر
أمي، أو كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي، ذكره في "الشرح" 1.
أو قال لأجنبية: أنت علي حرام ونوى أبدا صح ذلك ظهارا؛ لأنه ظهار في الزوجة فكذا الأجنبية، فإن تزوجها لم يطأها حتى يكفر، ولا يكون قوله لأجنبية: أنت علي حرام ظهارا إن أطلق فلم ينو أبدا، أو نوى أنها حرام عليه إذن لأنه صادق في، حرمتها عليه قبل عقد التزويج ويقبل منه حكما لأنه الظاهر.
ويصح الظهار منجزا كما تقدم، ومعلقا كإن قمت فأنت علي كظهر أمي، فمن حلف بظهار أو بطلاق أو عتق أو حنث لزمه ما حلف به.
ويصح الظهار مطلقا كما تقدم، ومؤقتا كأنت علي كظهر أمي شهر رمضان، فإن وطئ فيه كفر، وإلا زال حكم الظهار بمضيه، لحديث سلمة بن صخر 2 وفيه: "ظاهرت 3 من امرأتي حتى ينسلخ شهر رمضان، وأخبر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه أصابها فيه، فأمره بالكفارة، ولم ينكر تقييده" 4 بخلاف الطلاق فإنه يزيل الملك، وهذا
يوقع تحريما يرفعه التكفير أشبه الإيلاء.
(ويحرم عليهما) -أي على مظاهر ومظاهر منها- (وطء ودواعيه قبل كفارته) -أي الظهار- لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 1 وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ 2 ولو كان تكفيره بإطعام، لحديث عكرمة عن ابن عباس: "أن رجلا أتى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قد ظاهر من امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول اللَّه! إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال: ما حملك على ذلك رحمك اللَّه؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك اللَّه" رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي 3، ولأن ما حرم الوطء من القول حرم دواعيه كالطلاق والإحرام، بخلاف = يجزئ أن يطعم أقل من ستين مسكينا..، كتاب الظهار، السنن الكبرى 7/ 390، والحديث قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي ا. هـ. وصححه الألباني في الإرواء 7/ 176 بشواهده.
كفارة يمين فله إخراجها قبل حنث وبعده.
وتستقر كفارة الظهار في ذمته بالعود وهو الوطء نصا 1 لا العزم، ولو كان الوطء من مجنون بأن ظاهر ثم جن، وكذا لو بانت منه ثم زنا بها لا من مكره لأنه معذور.
ويأثم مكلف بوطء ودواعيه قبل تكفير لما تقدم، ثم إن وطئ قبل أن يكفر لا يطأ بعد حتى يكفر للخبر، ولبقاء التحريم.
وتجزئه كفارة واحدة ولو كرر الوطء للخبر، ولأنه وجد العود والظهار فدخل [في] 2 عموم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ..﴾ الآيتين، كمكرر ظهار من امرأة واحدة قبل تكفير ولو كرره بمجالس وأراد بتكراره استئنافا نصا 3؛ لأن تكريره لا يؤثر في تحريم الزوجة لتحريمها بالقول الأول، فلم تجب كفارة ثانية كاليمين باللَّه تعالى، وكذا لو ظاهر من نسائه بكلمة، كقوله: أنتن علي كظهر أمي فلا يلزمه إلا كفارة واحدة، رواه الأثرم عن عمر 4 وعلي 5، ولأنه ظهار واحد، وإن ظاهر = ابن حزم في المحلى 10/ 55: "هذا خبر صحيح من رواية الثقات, لا يضره إرسال من أرسله" ا. هـ. وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح 9/ 433.
منهن بكلمات بأن قال لكل واحدة منهن: أنت علي كظهر أمي فعليه لكل واحدة كفارة؛ لأنها أيمان مكررة على أعيان متفرقة، ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالأخرى فلا تكفرها كفارة واحدة.
ويلزم إخرج كفارة ظهار بعزم على وطء نصا 1 لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا..﴾ الآيتين، وحديث "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك اللَّه" حيث أمر بالكفارة قبل التماس، وإن اشترى زوجته التي ظاهر منها وهي أمة فظهاره بحاله وله عتقها عنه، فإن عاد وتزوجها فلا كفارة، وإن أعتقها عن غيره ثم تزوجها فعليه الكفارة بالعود.
وإن بانت زوجة ظاهر منها قبل الوطء ثم أعادها فظهاره بحاله نصا 2.
وإن مات أحدهما بعد ظهار قبل الوطء سقطت كفارة الظهار؛ لأنه لم يوجد الحنث، ويرثها وترثه كما بعد التكفير.