الرفث واللغو، وطعمة للمساكين 1، فلا تجب على كافر ولو مرتدًّا (إذا كانت) أي: الفطرة (فاضلة عن نفقة واجبة) لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته (يوم العيد وليلته، و) عن (حوائج أصلية) له، أو لمن تلزمه نفقته، من مسكن، وخادم، ودابة، وثياب بذلة -بالكسر، والفتح لغة 2، أي: مهنة في الخدمة، وفرش، وغطاء، ووطاء، وماعون، وكتب يحتاجها (فيخرج عن نفسه و) عن (مسلم يمونه) من زوجة، وعبد ولو لتجارة، حتى زوجة عبده الحرة، لوجوب نفقتها عليه، وحتى شخص تبرع بمؤنته شهر رمضان، فإن لم يجد ما يكفي لجميعهم، بدأ بنفسه، لحديث "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" 3. وكالنفقة؛ لأن الفطرة تنبني عليها، فزوجته، فرقيقه، فأمه، فأبيه، فولده، فأقرب في ميراث.
ويقرع مع استواء.
(وتُسنُّ) الفطرة (عن جنين) لفعل عثمان 4. ولا تجب عنه، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه 5، ولا تجب على مستأجر أجير أو ظئر = (5/ 47، 48)، وابن ماجه، الزكاة، باب صدقة الفطر (1/ 584)، وأحمد (2/ 55، 63 وغيرهما).
بطعامهما، ولا عن زوجة ناشز، أو لا تجب نفقتها لصغر.
(وتجب) الفطرة (بغروب الشمس ليلة) عيد (الفطر)، فمتى وجد قبل الغروب موت، أو طلاق، أو عتق، أو إعسار، فلا فطرة، لزوال السبب قبل زمن الوجوب (وتجوز قبله) أي قبل غروب الشمس ليلة عيد الفطر (بيومين فقط) لقول ابن عمر: "كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين" 1 رواه البخاري، وهذا إشارة لجميعهم، فيكون إجماعًا 2.
(و) إخراجها (يومه) أي العيد (قبل الصلاة) له (أفضل) لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة في حديث ابن عمر 3، وقال في حديث ابن عباس: "من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات" 4 (وتكره في باقيه) أي يوم العيد، لتفويته الفضيلة.
(ويحرم تأخيرها عنه) أي يوم العيد، لتأخير الواجب عن وقته، ولمخالفة الأمر (وتقضى) بعده (وجوبًا) لأنها عبادة، فلم تسقط بخروج الوقت، كالصلاة.
(وهي) أي الفطرة (صاع من بر) بصاعه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهو أربعة أمداد، وهو أربع حفنات بكفي رجل معتدلة الخلقة، (أو) صاع من (شعير) أو صاع من (سويقهما أو دقيقهما) نصًّا 5 (أو) صاع من (تمر، أو) صاع من (زبيب أو) صاع من (أقط، والأفضل) إخراج (تمر) مطلقًا، نصًّا 6، لفعل ابن عمر،
قال نافع: "كان ابن عمر يعطي التمر إلا عامًا واحدًا أعوز التمر، فأعطى الشعير" 1 رواه أحمد، والبخاري.
وقال له أبو مجلز 2: إن اللَّه تعالى قد أوسع، والبر أفضل، فقال: إن أصحابي سلكوا طريقًا، فأنا أحب أن أسلكه 3. رواه أحمد، واحتج به، وظاهره أن جماعة الصحابة كانوا يخرجون التمر، ولأنه قوت وحلاوة، وأقرب تناولًا وأقل كلفة (فزبيب) لأن فيه قوتًا وحلاوة، وقلة كلفة، فهو أشبه بالتمر من البر (فبرٌّ) لأن القياس تقديمه على الكل، لكن ترك 4 اقتداءً بالصحابة في التمر، وما شاركه في المعنى، وهو الزبيب (فأنفع) في اقتيات، ودفع حاجة فقير، فإن استوت، فشعير، ثم دقيق بر، ثم دقيق شعير، ثم سويقهما (فإن عدمت) المنصوص عليها من الأصناف الخمسة (أجزأ كل حب يقتات) إذا كان مكيلًا، كالأرز، والذرة، والدخن، والماش، ونحو ذلك.
ولا يجوز إخراج معيب، كمُسِوِّس، ومبلول، وقديم تغير طعمه، ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 5 ولا خبز، لأنه خرج عن الكيل والادخار.
(ويجوز إعطاء جاعة) من أهل الزكاة (ما يلزم الواحد) من فطرة أو زكاة مال، قال في "الشرح" 6 و"المبدع" 7: لا نعلم فيه خلافًا، لأنه دفع
الصدقة إلى مستحقها، لكن الأفضل أن لا ينقص الواحد عن مُدِّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، ليحصل إغناؤه في ذلك اليوم المأمور به (و) يجوز (عكسه) أي: إعطاء الواحد ما يلزم الجماعة، نص عليه 1، لأنها صدقة لغير معين، فجاز صرفها لواحد، كالزكاة.
فصل
(ويجب إخراج زكاة) المال بعد أن تستقر (على الفور مع إمكانه) كإخراج نذر مطلق، وكفارة، لأن الأمر المطلق ومنه ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 1 يقتضي الفورية، بدليل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ 2 فوبخه إذ لم يسجد حين أمره، وعن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم أجبه، ثم أتيته، فقلت: يا رسول اللَّه إني كنت أصلي.
فقال: "ألم يقل اللَّه: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ 3. رواه أحمد، والبخاري، ولأن السيد إذا أمر عبده بشيء، فأهمله، حسن لومه وتوبيخه، عرفًا.
ولم يكن انتفاء قرينة الفور عذرًا، مع إمكانه -أي الإخراج- كما لو طولب بها، ولأن النفوس طبعت على الشح، وحاجة الفقير ناجزة، فإذا أخر الإخراج اختل المقصود، وربما فات بحدث نحو إفلاس، أو موت.
وله تأخير الزكاة لأشد حاجة، نصًّا 4، وقيده جماعة 5: بزمن يسير، ولقريب وجارٍ غائبين، لأنها على القريب، صدقة وصلة، والجار في معناه.
وله تأخيرها لحاجته إليها إلى ميسرته، نصًا 6، واحتج بحديث عمر:
أنهم احتاجوا عامًا، فلم يأخذ منهم الصدقة فيه، وأخذها منهم في السنة الأخرى 1.
وله تأخيرها لتعذر إخراجها من المال لغيبته، وغيرها، كغصبه، وسرقته، وكونه دينًا إلى قدرته عليه.
ومن جحد وجوب الزكاة عالمًا أو جاهلًا، فعُلِّم، وأصر، فقد ارتدَّ، لتكذيبه للَّه، ولرسوله، وإجماع الأمة، فيستتاب ثلاثًا، فإن تاب وإلا قُتل كفرًا، ومن منعها بُخلًا، أو تهاونًا، أخذت منه قهرًا، وعزر.
(ويخرج ولي صغير ومجنون) في مالهما (عنهما) نصًّا 2، لأنه حق تدخله النيابة، فقام الولي فيه مقام مولى عليه، كنفقة، وغرامة.
وسن لمخرج زكاة إظهارها، لينفي عنه التهمة، ويُقتدى به، وتفرقتها بنفسه، ليتيقن وصولها إلى مستحتها، وكالدين، وقوله عند دفعها: اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا -أي منقصة- لأن التثمير كالغنيمة، والتنقيص كالغرامة، لخبر أبي هريرة مرفوعًا: "إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها، أن تقولوا: اللهم اجعلها مغنمًا، ولا تجعلها مغرمًا" 3 رواه ابن ماجه، قال بعضهم 4: يحمد اللَّه على توفيقه لأدائها.
وسن قول آخذ زكاة: آجرك اللَّه فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} 1 أي ادعُ لهم، قال عبد اللَّه بن أبي أوفى: "كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان".
فأتاه أبي بصدقته فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى" 2 متفق عليه، وهو محمول على الندب، لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يأمر به سعاته.
(وشرط له) أي لإخراجها (نية) حديث: "إنما الأعمال بالنيات" 3، ولأنها عبادة يتكرر وجوبها، فافتقرت إلى تعيين النية، كالصلاة، وشرط أن يكون إخراجها من مكلف، لأنه تصرف مالي أشبه سائر التصرفات المالية، إلا أن تؤخذ منه قهرًا، فتجزئ ظاهرًا من غير نية رب المال، فلا يؤمر بها ثانيًا، والأولى قرنها بدفع، وله تقديمها بزمن يسير، كصلاة.
ولا يجزئ إن نوى صدقة مطلقة، ولو تصدق بجميع ماله، ومحل النية القلب، وتقدم 4.
وإن وكل في إخراج الزكاة مسلمًا ثقة، أجزأت نية موكّل مع قرب إخراج، وإلا نوى وكيل -أيضًا-.
ومن علم أهلية آخذ زكاة، كره أن يعلمه أنها زكاة، نصًّا 5، قال أحمد: ولمَ يُبَكِّته 6؟ يعطيه ويسكت، ما حاجته إلى أن يقرعه.
وإن عَلِمَهُ أهلًا لأخذ الزكاة، قال في "الإقناع" 7: والمراد ظنه، ويعلم من عادته أنه لا يأخذها، فأعطاه ولم يعلمه، لم يجزئه.
ولمخرج نقل زكاة إلى دون مسافة قصر من بلد المال.
نص عليه 1، لأنه في حكم بلد واحد، بدليل الأحكام، ورخص السفر (وحرم نقلها) أي الزكاة (إلى مسافة قصر) أي إلى ما تقصر فيه الصلاة، ولو كان النقل لرحم، أو شدة حاجة، أو لاستيعاب الأصناف.
والساعي، وغيره في ذلك سواء، نصًا 2، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لمعاذ حين بعثه لليمن: "أخبرهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" 3 متفق عليه, للمعومات (إن وجد أهلها).
وإن كان المال الذي وجبت فيه الزكاة ببادية، أو خلا بلدُه من مستحق لها، فرّقها، أو ما بقي منها في أقرب البلاد إليه، لأن معاذًا بعث إلى عمر صدقة من اليمن، فأنكر ذلك، وقال: لم أبعثك جابيًا، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فتردها في فقرائهم.
فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد من يأخذه مني 4 رواه أبو عبيد، فإن خالف، ونقل الزكاة إلى بلد تقصر فيه، أجزأ للعمومات (فإن كان) صاحب الزكاة (في بلد ومالُه في) بلد (آخر أخرج زكاة المال في بلد المال).
والمسافر بالمال المزكى، يفرق زكاته في موضع أكثر إقامة المال فيه، لتعلق الأطماع به غالبًا.
وقال القاضي: يفرق مكانه، حيث حال حوله 5. لئلا يفضي إلى تأخيرها.
وله نقل كفارة، ونذر، ووصية مطلقة، ولو إلى مسافة قصر، بخلاف الزكاة.
(و) أخرج (فطرتَه وفطرةً لزمتْه في بلد نفسه) لا في بلد ماله، لأن سبب الفطرة النفس لا المال.
(ويجوز تعجيلها) أي الزكاة (لحولين فقط) أي لا لأكثر من حولين،
اقتصارًا على ما ورد، مع مخالفة القياس، لحديث أبي عبيد في "الأموال" عن علي، أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تعجَّل من العباس صدقة سنتين 1 ويعضده رواية مسلم 2: "فهي عليّ ومثلها".
وكما لو عجل لعام واحد.
(ولا تدفع) الزكاة (إلا إلى الأصناف الثمانية) فلا يجوز صرفها لغيرهم: كبناء مسجد، وقناطر، وتكفين موتى، ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ 3 الآية، ولفظة "إنما" تفيد الحصر، فتثبت المذكورين، وتنفي من عداهم، وكذا تعريف الصدقات بأل، فإنها تستغرقها، فلو جاز صرف شيء منها إلى غير الثمانية لكان لهم بعضها لا كلها، ولحديث: "إن اللَّه لم يرضَ بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزَّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك" 4. رواه أبو داود.
(وهم) أي الأصناف الثمانية:
(الفقراء): وهم من لا يجد شيئًا، أو لا يجد نصف كفايته، فهو أشد حاجة من المسكين، لأنه تعالى بدأ بهم، وإنما يبدأ بالأهم، فالأهم، وقال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ 5 ولاشتقاق الفقر من فقر الظهر، بمعنى مفقور، وهو الذي نزعت فقرة ظهره، فانقطع صلبه 6.
(و) الثاني: (المساكين) وهم من يجد نصف كفايته، أو أكثرها، من
السكون، لأنه أسكنته الحاجة 1، ومن كُسر صلبه أشدُّ حالًا من الساكن.
فالفقراء الذين لا يجدون ما يقع موقعًا من الكفاية، كعميان، وزمنى، لأنهم غالبًا لا يقدرون على اكتساب يقع الموقع من كفايتهم، وربما لا يقدرون على شيء إطلاقًا، قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 2 الآية، ويعطيان تمام كفايتهما مع عائلتهما سنة من الزكاة، لأن وجوبها يتكرر بتكرر الحول، فيعطى ما يكفيه إلى مثله.
ومن ملك ولو من أثمان ما لا يقوم بكفايته، وكفاية عياله، ولو أكثر من نصاب؛ فليس بغني، فلا تحرم عليه الزكاة، لأن الغنى ما تحصل به الكفاية.
قال الميموني: ذاكرت أحمد فقلت: قد يكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة، وهو فقير، ويكون له أربعون شاة، وتكون له الضيعة لا تكفيه، يُعطى من الصدقة؟ قال: نعم.
وذكر قول عمر: أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا، قلت: فلهذا قدر من العدد أو الوقت؟ قال: لم أسمعه، وقال: إذا كان له عقار وضيعة يستغلها عشرة آلاف في كل سنة لا تقيمه -أي: تكفيه- يأخذ من الزكاة 3.
وإن تفرغ قادر على التكسب للعلم لا للعبادة، وتعذر الجمع بين التكسب والاشتغال بالعلم، أعطي من زكاة لحاجته.
(و) الثالث: (العاملون عليها): كجاب يبعثه الإمام، لأخذ زكاة من أربابها، وحافظ، وكاتب، وقاسم، ومن يحتاج إليه فيها، لدخولهم في قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ 4، وكان عليه السلام يبعث على الصدقة سعاة،
ويعطيهم عمالتهم 1.
وشرط كون العامل مكلفًا، مسلمًا، أمينًا، كافيًا، من غير ذوي القربى، لعدم حلها لهم، ولو عبدًا، أو غنيًّا، ويعطى قدر أجرته منها.
وإن عمل عليها إمام، أو نائبه، لم يأخذ شيئًا.
(و) الرابع: (المؤلفة قلوبهم): وهم: كل سيد مطاع في عشيرته، ممن يرجى إسلامه، أو يخشى شره، حديث أبي سعيد، قال: بعث عليٌّ بذهيبة فقسّمها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن عُلاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان.
فغضبت قريش، وقالوا: تعطي صناديد نجد، وتدعنا؟ فقال: "إني فعلت ذلك لأتآلفهم" 2. متفق عليه.
(و) الخامس: (في الرقاب): وهم: المكاتبون المسلمون، الذين لا يجدون وفاء ما يؤدون، ولو مع القوة والكسب.
نص عليه لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ 3، ولو قبل حلول نجم، لئلا يحل ولا شيء معه، فتنفسخ الكتابة.
ويجزئ أن يشتري من زكاته رقبة لا تعتق عليه لرحم، أو تعليق، فيعتقها عن زكاته، قاله ابن عباس 4؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهو ظاهر في القن، لأن الرقبة إذا أطلقت، انصرفت إليه.
وتجزئ أن يفدي منها أسيرًا مسلمًا، نصًّا 5، لأنه فك رقبة من الأسر، فهو كفك القن من الرق، وإعزازٌ للدين.
ولا يجزئ من عليه زكاة أن يعتق قنه
أو مكاتبه عنها.
(و) السادس: (الغارمون) وهم ضربان: الأول: تديَّن لإصلاح ذات بين، كقبيلتين، أو أهل قريتين تشاجروا في دماء، أو أموال، وخيف منه، فتوسط بينهم رجل، وأصلح بينهم، والتزم في ذمته مالًا، عوضًا عما بينهم، لتسكين الفتنة، فقد أتى معروفًا عظيمًا، فكان من المعروف حمله عنه من الصدقة، لئلا يجحف بسادة القوم المصلحين.
وكانت العرب تفعل ذلك فيتحمل الرجل الحمالة، ثم يخرج في القبائل يسأل حتى يؤديها، فأقرت الشريعة ذلك، وأباحت المسألة فيه، وفي معناه: لو تحمل إتلافًا ونهبًا عن غيره، فيأخذ من الزكاة، ولو كان غنيًا، لأنه من المصالح، إن لم يدفع من ماله ما تحمله، لأنه إذا دفعه منه لم يصر مدينًا، وإن اقترض وأوفاه فله الأخذ لوفائه، لبقاء الغرم.
الثاني: لو تديَّن لشراء نفسه من كفار، أو تديَّن لنفسه في شيء مباح، أو محرم، وتاب منه وأعسر، ويعطى وفاء دينه، كمكاتب، ولا يعطى منها دين على ميت، لعدم أهليته لقبولها، كما لو كفَّنه منها.
(و) السابع: غاز (في سييل اللَّه) لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ 1 بلا ديوان، أو له في الديوان مالًا يكفيه لغزوه، فيعطى، ولو غنيًّا ما يحتاج إليه في غزوه ذهابًا وإيابًا، وثمن سلاح، ودرع، وفرس إن كان فارسًا.
ولا يجزئ إن اشتراه رب مال، ثم دفعه لغاز، لأنه كدفع القيمة، ويجزئ أن يعطى من زكاة لحج، وعمرة فقير، ولا يجزئ أن يشتري منها فرسًا يحبسها في سبيل اللَّه، أو عقارًا يقفه على الغزاة، لعدم الإيتاء المأمور به.
(و) الثامن: (ابن السبيل) للآية، وهو المسافر المنقطع بغير بلده في سفر مباح، أو محرم وتاب منه، ولا يعطى في سفر مكروه، للنهي عنه، ولا في سفر نزهة، لأنه لا حاجة إليه.
ومن يرد إنشاء سفر إلى غير بلده فليس
بابن سبيل، لأن السبيل هي الطريق، وسمي من بغير بلده ابن سبيل لملازمته لها، كما يقال: ولد الليل، لمن يكثر خروجه فيه.
ويعطى ولو وَجَد مقرضًا ما يبلغه بلده، ولو وُجد موسرًا في بلده، لعجزه عن الوصول لماله، أو ما يبلغه منتهى قصده وعوده إلى بلده.
ويَرُدُّ غارم ومكاتب، وغاز، وابن سبيل ما فضل عن حاجتهم، وغيرهم يتصرف في فاضل بما شاء.
وتجزئ زكاة، وكفارة، ونذر مطلق، لصغير لم يأكل الطعام، ويَقْبل ويقبض له وليه في ماله، فإن لم يكن فمن يليه من أم أو غيرها، ويشترط لإجزاء زكاة تمليك المعطى، ليحصل الإتياء المأمور به، فلا يكفي إبراء فقير من دَيْنه، ولا حوالته بها.
تتمة
:
من أبيح له أخذ شيء، من زكاة، أو كفارة، أو غيرها، أبيح له سؤاله، نصًّا 1، لظاهر حديث: "للسائل حق وإن جاء على فرس" 2. ولأنه يطلب حقه الذي جُعل له، وعلم منه أنه يحرم سؤال ما لا يباح أخذه.
وقال أحمد: أكره المسألة كلها، ولم يرخص فيه، إلا أنه بين الأب والولد أيسر 3.
ولا بأس بمسألة شرب الماء، نصًّا 4، واحتج بفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 5، وقال في
العطشان لا يستسقي: يكون أحمق 1. ولا بأس بالاستعارة والاقتراض، نصًّا 2، وكذا نحو شسع النعل.
وإعطاءُ السائل مع صدقه، فرض كفاية، لحديث: "لو صدق ما أفلح من رده" 3.
ويجب قبول مال طيب أتى بلا مسألة، ولا استشراف نفس، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خذه" 4. ويحرم أخذ صدقة بدعوى غني فقرًا، ولو من صدقة تطوع، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ومن يأخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيمة" 5 متفق عليه.
(ويجوز الاقتصار على واحد من صنف) من الأصناف الثمانية، وهو قول عمر 6 وحذيفة 7 وابن عباس 8 لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ 9، ولحديث معاذ 10 حين بعثه إلى اليمن.
فلم يُذكر في الآية والحديث إلا صنف واحد (والأفضل تعميمهم) أي الأصناف = فاستسقى... الحديث.
الثمانية (والتسوية بينهم) من غير تفضيل، إن وجدت الأصناف الثمانية، وإلا عَمَّم من أمكن، خروجًا من الخلاف 1، وليحصل الإجزاء بيقين.
(وتسن) زكاته (إلى من لا تلزمه مؤنته من أقاربه) كذوي رحمه، ومن لا يرثه، من نحو أخ، وعم، على قدر حاجتهم، لحديث: "صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة" 2 رواه الترمذي، والنسائي، ويبدأ بأقرب فأقرب، ومن فيه من أهل الزكاة سببان أخذ بهما.
(ولا تدفع) أي الزكاة (لبني هاشم) أي: لا يجزئ دفعها إليهم، وهم سلالة هاشم 3، ذكورًا كانوا أو إناثًا، فدخل آل عباس بن عبد المطلب، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل بن أبي طالب، وآل الحارث بن عبد المطلب، وآل أبي لهب، أعطوا من الخمس، أو لا، لعموم "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس" 4 رواه مسلم، ما لم يكونوا
غزاة، أو مؤلفة قلوبهم، أو غارمين لإصلاح ذات بين، فيعطون لذلك، لجواز الأخذ مع الغنى، وعدم المنة فيه (و) كذا (مواليهم) أي: عتقاء بني هاشم، فلا تدفع إليهم، لحديث أبي رافع، أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأسأله.
فانطلق إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسأله فقال: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى القوم منهم" 1 أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
ويجوز دفعها لموالي مواليهم، لأنهم ليسوا بني هاشم، ولا من مواليهم.
ويجوز دفع الزكاة لأولاد هاشمية من غير هاشمي.
ولبني هاشم، ومواليهم، الأخذُ من صدقة التطوع، إلا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فإن الصدقة كانت محرمة عليه مطلقًا 2، ولا يجوز لهم الأخذ من كفارة، لوجوبها بالشرع، كالزكاة.
(ولا) تدفع أي: الزكاة (لأصل و) لا لـ (فرع) للمزكي، وإن علوا، أو سفلوا، إلا أن يكونوا عمالًا، أو مؤلفين، أو غزاة، أو غارمين لإصلاح ذات بين.
ولا يجزئ امرأة دفع زكاتها لزوجها، لأنها تعود إليها، بإنفاقه عليها.
ولا يجزئ دفع زكاة إنسان إلى من تلزمه نفقته، ممن يرثه بفرض أو تعصيب.
(و) لا تدفع الزكاة لـ (عبد) كامل رق، من قن، ومدبَّر، ومعلق عتقه
بصفة، ولو كان سيده فقيرًا، لاستغنائه بنفقته.
ولا تجزئ إلى فقير ومسكين مستغنيين بنفقة واجبة، على قريب أو زوج غنيين، لحصول الكفاية بالنفقة الواجبة لهما، أشبه من له عقار يستغني بغلته.
(و) لا تدفع الزكاة لـ (كافر) غير مُؤلَّف.
حكاه ابن المنذر إجماعًا في زكاة الأموال 1، (فإن دفعها) أي: الزكاة (لمن ظنه أهلًا) لأخذها (فلم يكن) أهلًا لذلك، كأن كان عبدًا، أو كافرًا، أو هاشميًا، أو وارثًا له، وهو لا يعلم، ثم علم حاله، لم يجزئ، لأنه ليس بمستحق، ولا تخفى حاله غالبًا، فلم يعذر بجهالته (أو بالعكس) بأن دفعها لمن ظنه غير أهل لأخذها، فبان بخلاف ذلك (لم يجزئه) ذلك الدفع، كما لو صلى ظانًّا أنه في غير الوقت، فبان في الوقت.
وترد بنمائها، فإن تلفت ضمنها قابض (إلا) إن دفعها (لغني ظنه فقيرًا) فتجزئه، لأن الغنى مما يخفى، ولذلك اكتفي فيه بقول الآخذ.
(وصدقة التطوع بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه) دائمًا بمتجر أو غلة وصنعة، (سُنة) خبر المبتدأ (مؤكَّدة) لحديث: "اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى" 2. متفق عليه.
والصدقة مسنونة كل وقت، لإطلاق الحث عليها في الكتاب، والأخبار 3، وكونها سرًّا بطيب نفس في صحة أفضل، لقوله تعالى: {وَإِنْ
تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} 1 ولحديث: "وأنت صحيح" 2.
(و) كونها (في) شهر (رمضان) أفضل، لحديث ابن عباس: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل... الحديث 3 متفق عليه، ولحديث: "من فطر صائمًا كان له مثل أجره" 4.
(و) في (زمن و) في (مكان فاضل) كالعشر الأول من ذي الحجة، وكالحرمين أفضل، لكثرة التضاعف.
وعلى ذي رحم، لا سيما مع عداوة بينهما، لحديث: "أفضل الصدقة الصدقة على الرحم الكاشح" 5 رواه أحمد وغيره، وهي عليهم صدقة وصلة للخبر 6.
وعلى جار (و) في (وقت حاجة أفضل)، لقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ = كَرِيمٌ (18)﴾.. الحديد: 18.
وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "لا يتصدق أحدكم بثمرة من كسب طيب إلا أخذها اللَّه بيمينه، يربيها كما يربي أحدكم فُلُوَّه أو قلوصه حتى تكون مثل الجبل العظيم، أو أعظم".
رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب لا يقبل اللَّه صدقة من غلول، ولا يقبل إلا من كسب طيب (2/) ومسلم، كتاب الزكاة (2/ 702).
ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16)} (1)
تنبيه
:
من تصدق بما ينقص مؤنة تلزمه، كمؤنة زوجة، أو قريب، أثِمَ، حديث: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت" 2. إلا أن يوافقه عياله على الإيثار، فهو أفضل لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ 3، وكذا يأثم من تصدق بما يضر بغريمه، أو كفيله، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" 4، ولمن وحده ويعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة: التصدق بجميع ماله.
والمن بالصدقة كبيرة، نصًّا 5، والكبيرة ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، ويبطل الثواب به لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ 6، قال في "الفروع": ولأصحابنا خلاف فيه، وفي إبطال طاعة بمعصية، واختار شيخنا: الإبطال بمعنى الموازنة، وذكر أنه قول أكثر السلف 7.1