الفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصراتصفحات 111-150

الصلاة لغة: الدعاء 1. قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ 2 أي ادعُ لهم.
وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصلِّ" 3. وشرعًا: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم.
للخبر 4. سميت صلاة لاشتمالها على الدعاء، مشتقة من الصلوين، تثنية صلا،

كعصى، وهما عرقان من جانبي الذنب أو عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، لأن رأس المأموم عند صلوي إمامه 1. وفرضها بالكتاب، والسنة، والإجماع 2، وكان في ليلة الإسراء 3 بعد بعثه عليه الصلاة والسلام بنحو خمس سنين 4. وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين.
(تجب) الصلوات (الخمس) وفي اليوم والليلة (على كل مسلم) ذكر أو أنثى أو خنثى، حُرٍّ أو عبدٍ أو مُبعَّضٍ (مكلف) أي: بالغ عاقل (إِلا حائضًا ونفساء) فلا تجب عليهما، كما تقدم 5، وإلا لأمرتا بقضائها.
(ولا تصح) أي الصلاة (من مجنون) لعدم النية، ولا تجب عليه؛ لأنه ليس من أهل التكليف، أشبه الطفل.
ولا على الأبله 6 الذي لا يفيق.

(ولا) تصح الصلاة من (صغير غير مميز) وأما من المميز فتصح، وهو من بلغ سبع سنين (وعلى وليِّه) أي ولي المميز (أمره بها) أي الصلاة (لـ) تمام (سبع) سنين (وضربه على تركها لعشر) سنين تامَّة.
لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشرٍ، وفرِّقوا بينهم في المضاجع".
رواه أحمد، وأبو داود 1. والأمر والتأديب لتمرينه عليها حتى يألفها ويعتادها، فلا يتركها.
وأما وجوب تعليمه إياها والطهارة، فلتوقف فعلها عليه، فإن احتاج إلى أجرة، فمن مال الصغير، فإن لم يكن، فعلى من تلزمه نفقته.
(ويحرم تأخيرها) أي الصلاة عن وقت الجواز -وهو الوقت المختار فيما له وقتان- (إلى وقت الضرورة) لأنه تارك للواجب، مخالف للأمر، ولئلا تفوت فائدة التأقيت (إِلا) لعذر، كـ (من) يباح (له الجمع) من مريضٍ ومسافرٍ ونحوهما (بنية) في وقت الأولى إذا نواه تأخيرًا، (و) إِلا من (مشتغل بشرط لها) أي الصلاة (يحصل قريبًا) كمن بسترته خرق وليس عنده غيرها، واشتغل بخياطته حتى خرج الوقت، ونحو ذلك، فلا إثم عليه، بل ذلك واجب.
فإن كان تحصيل الشرط بعيدًا صلى على حسب حاله ولم يؤخر، ويجوز له تأخير فعلها في الوقت مع العزم عليه، فإن لم يعزم على فعلها فيه أثم، ما لم يظن مانعًا من فعلها في الوقت، كموت، وقتل، وحيض فيتعين أول الوقت؛ لئلا تفوته بالكلية، أو أداؤها.

(وجاحدها) أي: الصلاة (كافر) أي: من جحد وجوبها، فهو كافر، أي: مرتد 1، لأنه مكذب للَّه ورسوله، وإجماع الأمة.
وكذا لو تركها تهاونًا أو كسلًا إذا دعاه إمام أو نائبه لفعلها وأبى حتى تضايق وقت التي بعدها، بأن يدعى للظهر مثلًا فيأبى حتى يتضايق وقت العصر عنها، فيقتل كفرًا، لقوله عليه الصلاة والسلام: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة".
رواه مسلم 2. ولقوله: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر".
رواه أحمد وغيره 3، ولقوله: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة" 4. قال أحمد: كل

شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء 1. وقال عمر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة 2. وقال علي: من لم يصل فهو كافر 3. وقال عبد اللَّه بن شقيوق: لم يكن أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة 4. ولا قتل ولا تكفير قبل الدعاية، ولم يقتل بترك الأولى لأنه لا يُعلم أنه عزم على تركها إِلا بخروج وقتها، فإذا خرج = الحديث صحيح على كل حاله، فإن له شواهد كثيرة... اهـ من ذلك ما أخرجه عبد الرزاق (3/ 363)، وابن أبي شيبة (4/ 93)، والخرائطي (1/ 178)، والطبراني في "الكبير" (9/ 153، 361) والبيهقي في "سننه" -كتاب الوديعة- (6/ 289) والخطيب في "تاريخ بغداد" (12/ 80) من طريق شداد بن معقل عن ابن مسعود أنه قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة.
وهو موقوف له حكم الرفع، لأنه لا يقال بالرأي.
وشداد بن معقل ذكره ابن حبان في "الثقات" (4/ 357)، وقال: الحافظ في "التقريب" (ص 206): صدوق له ذكر في البخاري.
اهـ وذكر البخاري له في "التفسير" باب من قال لم يترك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إِلا ما بين الدفتين (6/ 106) حدثنا قتيبة حدثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس... إلخ وقد تابع شدادًا أبو الزعراء عبد اللَّه بن هانئ، أخرجه ابن أبي شيبة (4/ 102)، والطبراني في "الكبير" (9/ 412). قال: البخاري في أبي الزعراء: لا يتابع على حديثه.
اهـ وثقه ابن حبان في "الثقات" (5/ 14) وابن سعد في "الطبقات" (6/ 171)، والعجلي في "الثقات" (ص 498)، واقتصر الحافظ في "التقريب" (ص 269) على توثيق العجلي.

علم تركه لها، لكنها فائتة لا يقتل بها، فإذا ضاق وقت الثانية وجب قتله.
ويستتاب ثلاثة أيام بلياليها، فإن تاب بفعلها مع إقرار الجاحد لوجوبها به خُلي سبيله، وإلا ضربت عنقه بالسيف، لحديث: "وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة".
رواه مسلم 1.

فصل في الأذان

(الأذان) لغة: الإعلام 1. قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ 2 أي أعلمهم به.
وشرعًا: إعلام بدخول وقت الصلاة، أو قربه لفجرٍ فقط 3. (والإقامة) مصدر أقام، وحقيقته إقامة القاعدةُ، فكأن المؤذن إذا أتى بألفاظ الإقامة أقام القاعدين، وأزالهم عن قعودهم 4. وشرعًا: إعلامٌ بالقيام إلى الصلاة 5.

والأذان والإقامة (فرضا كفاية) لحديث "إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم".
متفق عليه 1. والأمر يقتضي الوجوب.
وعن أبي الدرداء مرفوعًا: "ما من ثلاثة لا يؤذن، ولا تقام فيهم الصلاة إِلا يستحوذ عليهم الشيطان".
رواه أحمد، والطبراني 2. ولأنهما من شعائر الإسلام الظاهرة كالجهاد.
ولا يشرعان لكل من في المسجد، بل يكفيهم المتابعة، وتحصل لهم الفضيلة، كقراءة الإمام قراءة للمأموم.
والأذان أفضل من الإمامة، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي 3. والأمانة أعلى [من الضمان، والمغفرة أعلى] 4 من الإرشاد، وإنما لم يتولَّ 5 النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفاؤه من بعده الأذان لضيق وقتهم.
قال عمر: "لولا = والرسالة.
اهـ

الخلِّيفى 1 لأذنت" 2. ويشهد لفضل الأذان قوله عليه السلام: "المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة".
رواه مسلم 3. وقوله: "من أذن سبع سنين محتسبًا [كتبت] 4 له براءة من النار".
رواه ابن ماجه 5. والأحاديث في ذلك كثيرة.
والأصل في مشروعيته ما روى أنس قال: لما أكثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشيء يعرفونه.
فذكروا أن يوقدوا نارًا، أو يضربوا ناقوسًا.
فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
متفق عليه 6. وحديث عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه.
رواه أحمد، وغيره 7.

تنبيه

: فرض الكفاية مهم 1 يُقْصدُ حصولُهُ من غير نظرٍ بالذات إلى فاعله.
بمعنى: أنه واجب فعله في العموم، بحيث لو قام به من يكفي، لم يطالب بفعله من سواه، وإن تركه الكل أثم وأثموا 2. وإنهما فرضان (على الرجال الأحرار) اثنين فأكثر، لا الواحد، ولا النساء والخناثى، ولا الأرقَّاء، ولا الصبيان (المقيمين) لا المسافرين.
ويُسَنَّانِ للمنفرد، لحديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية 3 للجبل، يؤذن بالصلاة ويصلي، فيقول اللَّه عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني، قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة".
رواه النسائي 4. = (1/ 337) والترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان (1/ 358) وابن ماجه، كتاب الأذان، باب بدء الأذان (1/ 232). قال الترمذي: حديث عبد اللَّه بن زيد حسن صحيح.
اهـ وصححه البخاري كما حكاه البيهقي في سننه (1/ 391) عن الترمذي عنه.
وابن خزيمة -كما في صحيحه- (1/ 196) وقال ابن عبد البر: إسناده حسن.
ينظر: "نيل الأوطار" (2/ 16)، وصححه النووي في "المجموع" (3/ 76)، وقال الخطابي في "المعالم" (1/ 152): قد روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة، وهذا الإسناد أصحها.
اهـ وينظر: تخريج الحافظ ابن رجب في "فتح الباري" (5/ 189) لهذا الحديث.

ويسنَّانِ في السفر، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لمالك بن الحويرث ولابن عمٍّ له: "إذا سافرتما فأذّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما".
متفق عليه 1. ويسنان -أيضًا- لمقضيَّة من الخمس، لحديث عمرو بن أمية الضمري قال: كنا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في بعض أسفاره، فنام عن الصبح حتى طلعت الشمس، فاستيقظ فقال: "تنحوا عن هذا المكان".
قال: ثم أمر بلالًا فأذن، ثم توضأ وصلى ركعتي الفجر، ثم أمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلى بهم صلاة الصبح.
رواه أبو داود 2. ولا يرفع صوته إن خاف تلبيسًا، كما لو أذن في غير وقت الأذان.
ويكرهان للنساء، ولو بلا رفع صوت، لأنهما وظيفة الرجال، ففيه نوع تشبه بهم 3. = الصلاة، باب الأذان في السفر (2/ 90). قال المنذري في "مختصر السنن" (2/ 50): رجال إسناده ثقات.
اهـ وينظر: "إرواء الغليل" (1/ 230).

(لـ) لصلوات (الخمس) دون المنذورة وغيرها (المؤداة) لا المقضيات (والجمعة) عطف على الخمس.
(ولا يصح) الأذان (إِلا مرتبًا) لأنه ذكر يعتد به، فلا يجوز الإخلال بنظمه، كأركان الصلاة (متواليًا) عرفًا، ليحصل الإعلام، ولأن مشروعيته كانت كذلك (منويًّا) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 1. (من ذكر) لا أنثى ولا خنثى، واحدٍ، فلو أذَّن واحدٌ بعضه، وكمَّله آخر لم يصح.
(مميز) فغير المميز لا يجزئ أذانه.
= خفض الصوت.
ومنها: يستحبان.
ومنها: تسن الإقامة لهن دون الأذان.
وقد روى أبو نعيم الفضل بن دكين في "كتاب الصلاة" (ص 206)، وابن أبي شيبة (1/ 223) وابن المنذر في "الأوسط" (3/ 53)، والبيهقي (1/ 408) عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم.
وفي إسناده ليث بن أبي سليم، ضعيف.
قال الحافظ في "التقريب" (ص 450): صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك.
اهـ. وأما حديث أم ورقة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أذن لها أن يؤذن لها وتؤم نساء أهل دارها.
رواه أبو نعيم في "الصلاة" (ص 207)، وعنه البيهقي (3/ 130)، وهو في "سنن أبي داود" (1/ 396 - 397) وغيره.
فليس فيه الإذن لها هي بتولي الأذان والإقامة.
بل جاء في رواية لأبي داود، قال عبد الرحمن بن خلاد: فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا.
وقد جاءت آثار عن الصحابة والتابعين في هذه المسألة، منها ما يؤيد مشروعية الأذان والإقامة للنساء، ومنها ما يؤيد مشروعية الإقامة لهن، ومنها ما يؤيد عدم المشروعية مطلقًا.
ينظر لذلك: "المصنف" لابن أبي شيبة (1/ 222 - 223)، و"الأوسط" لابن المنذر (3/ 53)، و"المحلى" لابن حزم (3/ 174). كما ينظر: للروايات عن أحمد في هذا الباب: "التمام" لابن أبي يعلى (1/ 114)، و"المغني" (2/ 80)، و"الفروع" (1/ 218)، و"الإنصاف" (3/ 48 - 49) وقد علم مما تقدم أن الأذان والإقامة غير واجبين على النساء قولًا واحدًا.
ينظر: "الإفصاح" لابن هبيرة (1/ 108).

(عدل ولو ظاهرًا) فلا يجزئ أذان ظاهر الفسق.
(و) لا يصح إلا (بعد) دخول (الوقت لغير فجر) وأما الفجر، فيصح بعد نصف الليل، لحديث: "إن بلالًا 1 يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم".
متفق عليه 2. وليتهيأ جنب ليدرك فضيلة أول الوقت.
(وسن كون المؤذن صيتًا) لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- لعبد اللَّه بن زيد: "ألقه على بلال، فإنه أندى منك صوتًا" 3. ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان.
وسنَّ أيضًا كونه (عالمًا بالوقت) ليؤمن خطؤه (أمينًا) لحديث: "أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون".
رواه البيهقي 4. والأذان خمس عشرة جملة بلا ترجيع 5، والإقامة إحدى عشرة جملة بلا تثنية.
ويكره أذان الفجر في رمضان قبل طلوع فجر ثانٍ، إذا لم يؤذن له بعده، لئلا يغز الناس فيتركوا سحورهم.

ورفع الصوت بالأذان ركن ما لم يؤذن لحاضر، فبقدر ما يسمعه، وإن شاء رفع صوته، وهو أفضل.
ويستحب رفع صوته قدر طاقته، ما لم يؤذن لنفسه.
(ومن جمع) تقديمًا أو تأخيرًا، (أو قضى فوائت، أذّن للأولى، وأقام لكل صلاة) بعدها لحديث أبي عبيدة 1 عن ابن مسعود: أن المشركين يوم الخندق شغلوا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء اللَّه، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء.
رواه النسائي، والترمذي، ولفظه له 2. ويجزئ أذان مميز لبالغين 3.

(وسن لمؤذن و) سن لـ (سامعه) أي: المؤذن (متابعة قوله سرًّا)، لحديث عمر -مرفوعًا-: "إذا قال المؤذن: اللَّه أكبر اللَّه أكبر فقال أحدكم: اللَّه أكبر اللَّه أكبر.
ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه.
ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه.
فقال: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه.
ثم قال: حي على الصلاة.
فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قال: حي على الفلاح.
فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
ثم قال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر.
فقال: اللَّه أكبر اللَّه أكبر.
ثم قال: لا إله إلا اللَّه.
فقال: لا إله إلا اللَّه مخلصًا من قلبه دخل الجنة".
رواه مسلم 1. ولو سمع مؤذنًا ثانيًا وثالثًا، ولم يكن صلى في جماعة، أجاب.
وسن -أيضًا- لمقيم، وسامعه متابعة قوله سرًّا بمثله 2 (إلا في الحيعلة) وهو قول: حي على الصلاة.
حي على الفلاح.
(فيقول الحوقلة) أي يجيبه بقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، (و) إلا (في التثويب) وهو قول: الصلاة خير من النوم، فيجيبه بقوله: (صدقت وبرِرت) بكسر الراء = ودليل الرواية الأخرى ما رواه عبد الرزاق في "المصنف" (1/ 470)، وأبو نعيم في "كتاب الصلاة" (ص 164) عن ابن جريج عن عطاء أنه كره أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم.
اهـ ينظر: "المغني" (2/ 68)، و"الفروع" (1/ 223 - 224)، و"المبدع" (1/ 327).

الأولى 1. وإلا في لفظ الإقامة فيقول: أقامها اللَّه وأدامها 2. (و) تُسنّ (الصلاة على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-) الصلاة والسلام (بعد فراغه) مكان متابعة المؤذن أو المقيم، (و) يسن (قول ما ورد) وهو: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته" 3. وهو الشفاعة العظمى في موقف القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون.
لما روى ابن [عمرو] 4 مرفوعًا: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاة، صلى اللَّه عليه بها عشرًا، ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة".
رواه مسلم 5. (و) سن (الدعاء) بعد الأذان، لحديث أنس -مرفوعًا-: "الدعاء لا

يرد بين الأذان والإقامة".
رواه أحمد، وغيره 1، ويدعو عند الإقامة -أيضًا- فعله أحمد ورفع يديه 2. ويقول عند أذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك، وأصوات دعاتك فاغفر لي" للخبر 3. (ويحرم خروج من المسجد بعد الأذان بلا عذر ونية رجوع) 4. فإن

كان لعجز قبل وقته، أو لعذر من مرض، أو مدافع لأحد الأخبثين، أو نحو ذلك، أو نية رجوع قبل فوت الجماعة، فلم يحرم.
ولا بأس بأذان على سطح بيت قريب من المسجد.
ويستحب أن لا يقوم عند الأخذ في الأذان، بل يصبر قليلًا لئلا يتشبه بالشيطان 1. = فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم -صلى اللَّه عليه وسلم-.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم -كما في "الفتاوى" (2/ 137) -:... أما إذا كان يريد الصلاة في مسجد آخر، أو له عذر، أو ناويًا الرجوع والوقت متسع، لم يحرم.
اهـ قال ابن مفلح في "الفروع" (1/ 229): ويتوجه أن يخرج لبدعة، فإن ابن عمر خرج للتثويب في الظهر والعصر.
وقال: فإن هذه بدعة، رواه أبو داود.
اهـ

فصل في شروط الصلاة

(شروط صحة الصلاة) التي تتوقف عليها إن لم يكن عذر (ستة) وأسقط منها ثلاثة: الإسلام، والعقل، والتمييز.
وإلا فهي تسعة بها.
وهذه الثلاثة شرط لكل عبادة غير الحج، فيصح ممن لم يميّز، كما سيأتي في بابه 1. والشروط: جمع شرط، وهو لغة: العلامة 2. وعرفًا: ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده 3. وليست شروط الصلاة منها، بك تجب قبلها 4، فتسبقها وتستمر فيها وجوبًا إلى انقضائها.
بخلاف الأركان.
الشرط الأول من الستة (طهارة الحدث وتقدمت)، لحديث: "لا يقبل اللَّه صلاة بغير طهور".
رواه مسلم 5. (و) الثاني (دخول وقت 6) الصلاة 7 مؤقتة، وهو المقصود هنا.
قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ 8. قال ابن عباس: دلوكها إذا فاء

الفيء 1. وقال عمر: الصلاة لها وقت شرطه اللَّه تعالى لا تصح إلا به 2. وهو حديث جبريل حين أمَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالصلوات الخمس، ثم قال: "يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك" 3. فوقت صلاة الظهر مشتقة من الظهور، لأن فعلها يكون ظاهرًا 4. وتسمى -أيضًا- الهجير، لفعلها وقت الهاجرة 5. وهي الأولى؛ لبداءة جبريل بها لما صلى بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 6.

وفيه إشارة إلى [أن] 1 هذا الدين ظهر أمره، وسطع نوره.
وختم بالفجر لأنه وقت [ظهور فيه] 2 ضعف.
(فـ) أول (وقت الظهر من الزوال) وهو ميل الشمس إلى الغروب 3. ويمتد وقتها من الزوال (حتى يتساوى منتصب وفيؤه) أي: ظله (سوى ظل الزوال) فإذا ضبطت الظل الذي زالت عليه الشمس، وبلغت الزيادة عليه قدر الشاخص، فقد انتهى وقت الظهر.
والأفضل تعجيلها، لحديث أبي برزة: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الهجير التي يدعونها الأولى حين تدحض الشمس 4. وقال جابر: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي الظهر بالهاجرة.
متفق عليهما 5. إلا مع حرٍّ فتؤخر حتى ينكسر الحر، سواء كان في جماعة أو منفردًا، في المسجد أو في بيته، لعموم حديث: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر، فإن شدة الحر من = ولأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "المغرب وتر النهار، فأوتروا صلاة الليل".
رواه أحمد من حديث ابن عمر.
فجعل جميع الصلوات موتورة، فلو كانت الظهر هي الأولى خرجت الفجر عن أن تكون داخلة في وتر النهار أو الليل وهذا لا يجوز، ولأن الفجر هي المفعولة في أول النهار، فحقيقة الابتداء موجود فيها.
ولأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما بيّن المواقيت في المدينة بفعله في حديث أبي موسى، وبريدة، وجابر، ووصيته لمعاذ: بدأ بالفجر.
وهذا متأخر عن حديث جبريل وناسخ له، إذ كان بمكة... ولأن أكثر آيات القرآن بدأت بالفجر... اهـ

فيح 1 جهنم".
متفق عليه 2. وفيحها: غليانها وانتشار لهبها وإلا مع غيمٍ لمصلٍّ جماعة، لما روى سعيد عن إبراهيم قال: كانوا 3 يؤخرون الظهر، ويعجلون العصر في اليوم المغيم 4. فتؤخر فيه لقرب وقت العصر، للسهولة، لأنه يخاف فيه العوارض من مطر وريحٍ، فيشق الخروج بتكرره، فاستحب تأخير الأولى ليقرب وقت الثانية، فيخرج لهما خروجًا واحدًا.
غير جمعة فيسن تقديمها مطلقًا، حديث سهل بن سعد: ما كنا نقيل 5 ولا نتغدى إلا بعد الجمعة 6. وقول سلمة بن الأكوع: كنا نجمِّع 7 مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم نرجع نتتبع الفيء.
متفق عليهما 8. (ويليه) أي يلي وقت الظهر الوقت (المختار للعصر حتى يصير ظل كل شيء) منتصب (مثيله سوى ظل الزوال 9. و) وقت (الضرورة) ممتد (إلى

الغروب) وتعجيلها مطلقًا أفضل.
(ويليه) أي: وقت العصر، وقت (المغرب) ويمتد (حتى يغيب الشفق 1 الأحمر) لحديث عمر -مرفوعًا-: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق".
رواه مسلم 2. والأفضل تعجيلها، لحديث رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله.
متفق عليه 3. إلا ليلة جمع، أي: مزدلفة، فيسن تأخيرها لمحرم يباح له الجمع إن لم يوافها 4 وقت المغرب، فيصلي المغرب في وقتها ولا يؤخرها.
(ويليه) أي يلي وقت المغرب الوقت (المختار للعشاء) وهو أول الظلام.
وعرفًا: أول صلاة هذا الوقت 5. ويقال لها: عشاء الآخرة 6. = 24) قال: وهي أصح عنه.
اهـ وقال ابن مفلح في "الفروع" (1/ 208): وهي أظهر.
اهـ دليلها ما جاء في "صحيح مسلم" (1/ 427) من حديث عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس".
وروى الترمذي، والنسائي عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن للصلاة أولًا وآخرًا" وفيه "وإن وقتها -أي العصر- حين تصفار الشمس" صححه ابن عبد البر.
كما نقله عنه الزرقاني في "شرحه على الموطأ" (1/ 23) وينظر: "الانتصار في المسائل الكبار" لأبي الخطاب (2/ 137 - 138).

ويمتد وقتها المختار (إلى ثلث الليل الأول) 1 لأن جبريل -عليه السلام- صلى بالنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في اليوم الأول حين غاب الشفق.
وفي اليوم الثاني حين كان ثلث الليل الأول.
ثم قال: "الوقت فيما بين هذين".
رواه مسلم 2. وصلاتها آخر الثلث الأول أفضل، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه".
رواه الترمذي وصححه 3. ويكره تأخيرها إن شقَّ ولو على بعض المصلين.
ويكره النوم قبلها، والحديث بعدها، إلا حديثًا يسيرًا، أو مع أهل أو ضيف.
(و) وقت (الضرورة) ممتد من ثلث الليل (إلى طلوع فجر 4 ثان) وهو

البياض المعترض.
(ويليه) أي يلي وقت الضرورة للعشاء وقت (الفجر) وهو من طلوع فجرٍ ثانٍ (إلى شروق 1) أي شروق الشمس.
وكله اختيار، وتعجيلها مطلقًا أفضل.
قال ابن عبد البر 2: [صحَّ] 3 عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان أنهم كانوا يغلِّسون 4، ومحال أن يتركوا الأفضل، وهم النهاية في إتيان الفضائل 5. وحديث 6:....... = جـ - الأول بينه وبين الأفق ظلمة.
والثاني متصل بالأفق، ليس بينهما ظلمة.
ومقدار ما بين الفجرين بنحو ساعة، أو ساعة إلا ربعًا، أو قريبًا من ذلك.
ينظر: "تهذيب اللغة" (11/ 50)، و"اللسان" (5/ 45)، و"النهاية" (3/ 151)، و"النظم المستعذب" (1/ 54)، و"المطلع" (ص 59)، و"الشرح الممتع على زاد المستقنع" لابن عثيمين (2/ 107).

"أسفروا 1 بالفجر، فإنه أعظم للأجر".
رواه أحمد وغيره 2. حكى الترمذي عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق: أن معنى الإسفار أن يضيء الفجر فلا يشكُّ فيه 3. ويسن جلوسه في مصلاه بعد العصر إلى الغروب، وبعد الفجر إلى الشروق، بخلاف بقية الصلوات 4. ويكره الحديث بعد صلاة الفجر في أمر الدنيا حتى تطلع الشمس.
(وتدرك) صلاة (مكتوبة بـ) تكبيرة (إحرام في وقتها) أي: المكتوبة (لكن يحرم تأخيرها إلى وقت لا يسعها) لغير عذر، لأن ذلك تفريط منه (ولا يصلي حتى يتيقنه) أي الوقت بمشاهدة ما يعرف به الوقت (أو يغلب على ظنه دخوله إن عجز عن اليقين) باجتهاد أو تقدير الزمان بصنعةٍ أو قراءة 5، ونحو ذلك، كساعةٍ معروفة بصحة العمل 6، لأنه أمر اجتهادي، فاكتفي

فيه بغلبة الظن كغيره.
ويستحب التأخير حتى يتيقن دخول الوقت، قاله 1 ابن تميم 2 وغيره 3 (ويعيد إن) اجتهد وتبين له أنه (أخطأ) لوقوعها نفلًا (و 4) بقاء فرضه عليه.
(ومن صار أهلًا لوجوبها) أي: الصلاة (قبل خروج وقتها بـ) قدر (تكبيرة) إحرام 5 كصغير بلغ، ومجنون عقل، وحائض طهرت، ونحو ذلك (لزمته وما يجمع إليها قبلها) إن كانت 6 إذا 7 طرأ ذلك قبيل العصر، = الرشيد -الخليفة العباسي- أهدى ساعة للإمبراطور شارلماني.
وقد تطورت صناعة الساعات شيئًا فشيئًا حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، من الإتقان التام.
وللشيخ سليمان بن سحمان رسالة صغيرة سماها "القول الفصل في الساعة بين من قال إنها سحر وأنها صناعة" ردَّ فيها على من تجرّأ ووصف هذه الساعات الحديثة بأنها من السحر.
ينظر: "الموسوعة العربية الميسرة" (1/ 944)، و"دائرة معارف القرن العشرين" لمحمد فريد وجدي (5/ 5).

قضى الظهر وحدها، وإن كان قبيل الغروب قضى الظهر والعصر، وإن كان قبيل العشاء قضى المغرب، وإن كان قبيل الفجر قضى المغرب والعشاء، وإن كان قبيل الشمس قضى الفجر فقط.
(ويجب) على كل مكلف لا مانع به (فورًا قضاء فوائت مرتبًا) نصًّا 1، لحديث أحمد: أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- عام الأحزاب صلى المغرب فلما فرغ قال: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر"؟ قالوا: يا رسول اللَّه ما صليتها.
فأمر المؤذن فأقام الصلاة، فصلى العصر، ثم أعاد المغرب.
2 وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 3. (ما لم يتضرر) في بدنه لضعفه، أو يتضرر في معيشة يحتاجها له ولعياله، دفعًا 4 للحرج والمشقة.
ويسن له التحول من موضع نام فيه حتى فاتته، لفعله -صلى اللَّه عليه وسلم- 5.

(أو) ما لم (يخش فوت) صلاة (حاضرة) بخروج وقتها، فيقدمها، لأنها آكد، وتركه أيسر من ترك الصلاة في الوقت (أو) يخش فوت (اختيارها) أي الصلاة ذات الوقتين، كالعصر والعشاء، فيصاب الحاضرة في وقتها المختار، لأنه لا يجوز التأخير إلى وقت الضرورة بلا عذر، فيسقط الترتيب لضيق الوقت وبالنسيان 1. ومَن شك في قدر ما عليه من الفوائت أَبرأ ذمته بيقين.
فلو ترك عشر سجدات من صلاة شهر، قضى عشرة أيام.
ومن نسي صلاة من يوم وليلة، وجهلها قضى خمسًا، ينوي بكل واحدة أنها الفائتة.
(الثالث) أي: من شروط صحة الصلاة (ستر العورة) الستر -بفتح السين- مصدر ستر، وبكسرها ما يستر به 2. والعورة لغة: النقصان، والشيء المستقبح، ومنه كلمة عوراء، أي: قبيحة 3. وشرعًا: سوأة الإنسان، أي قُبُلُهُ ودبره 4. فيجب ستر العورة في الصلاة، ولا تصح صلاة مكشوفها مع قدرته على سترها، لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 5 وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار" 6. وحديث سلمة بن الأكوع قال:

قلت: يا رسول اللَّه: إني أكون في الصيد، وأصلي في القميص الواحد؟ قال: "نعم وازرره ولو بشوكة".
رواهما ابن ماجه والترمذي 1. وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه 2. فلو صلى عريانًا خاليًا، أو في قميص واسع الجيب 3 ولم يزرره، ولم يشد عليه وسطه، وكان بحيث يرى منه عورة نفسه في قيامه أو ركوعه ونحوه، لم تصح صلاته.
(ويجب) ستر العورة (حتى خارجها) أي: الصلاة، (و) حتى (في خلوة وظلمة) إلا لحاجة، لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول اللَّه: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
قال: قلت: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: "إن استطعت أن لا يراها أحد، فلا يرينها".
قلت: فإذا كان أحدنا خاليًا؟ قال: "اللَّه أحق أن يستحى منه".
رواه الإمام أحمد، وغيره 4. = ينظر لتصحيح الحديث: "إرواء الغليل" (1/ 214).

ولا يجب ستر العورة من جهة رجليه، ولو حصل من ينظر إليه منها، كمن صلى على حائط (بما لا يصف البشرة) مطلقًا، أي يصف لون البشرة من بياض وسواد ونحو ذلك، لأن الستر إنما يحصل بذلك، لا أن لا يصف حجم العضو، لأنه لا يمكن التحرز منه، ولو كان الستر بغير منسوج من نبات وورق، وليفٍ، وجلدٍ ونحوه، ولو مع وجود ثوب، لأن المطلوب ستر العورة وقد حصل.
لكن لا يجب الستر ببارية 1 وحصيرٍ ونحوهما مما فيه مضرة، لأن المطلوب زواله شرعًا لا حصوله.
(و) حدُّ (عورة رجلٍ) وخنثى بلغا عشرًا، (و) عورة (حرةٍ مراهقة) قاربت البلوغ، ومميزة ثم لها سبع سنين، (و) عورة (أمَةٍ) مطلقًا مراهقة أو بالغة (ما بين سُرَّةٍ وركبة) لحديث علي مرفوعًا: "لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت".
رواه أبو داود، وغيره 2. ولحديث أبي أيوب الأنصاري يرفعه: "أسفل السرة وفوق الركبتين من العورة".
رواه الدارقطني 3. ويشرط في الرجل البالغ ستر أحد عاتقيه في الفرض بشيء من = قال الترمذي: هذا حديث حسن.

اللباس، لحديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا: "لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".
رواه البخاري 1. والعاتق 2: موضع الرداء من المنكب.
ولا فرق فيما يجعل على العاتق في كونه مما ستر به عورته أم لا، ولو وصف البشرة، لعموم قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ليس على عاتقه منه شيء" 3. فإنه يعم ما يستر البشرة، وما لا يسترها، وصلاة رجل حر أو عبد في ثوبين كقميص ورداء، أو إزار وسراويل، ذكره بعضهم إجماعا 4. قال بعضهم 5: مع ستر رأسه، والإمام أبلغ، لأنه يقتدى به.
ويكفي ستر عورة الرجل في نفل ولو لم يستر أحد عاتقيه.
وتسن صلاة حرة بالغة في درع، وهو: القميص 6، وخمار هو: ما تضعه على رأسها، وتديره تحت حلقها 7، وملحفة -بكسر الميم- ثوب = "تاريخه" (3/ 471): منكر الحديث.
اهـ ينظر: "الدراية" (1/ 123)، و"إرواء الغليل" (1/ 302).

تلتحف به، ويسمى جلبابًا 1، لما روى سعيد عن عائشة: أنها كانت تقوم إلى الصلاة في الخمار والإزار والدرع، فتسبل الإزار فتجلبب [به] 2 وكانت تقول: ثلاثة أثواب لابد للمرأة منها في الصلاة إذا وجدتها: الخمار، والجلباب، والدرع 3. ولأن المرأة أوفى عورة من الرجل.
وتكره صلاتهما في نقاب 4 وبرقع 5، لأنه يخل بمباشرة المصلى بالجبهة والأنف، ويغطي الفم، وقد نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- الرجل عنه 6. (و) عورة رجل وخنثى (ابن سبع سنين إلى عشر الفرجان) وعلم منه أن من دون سبع سنين لا حكم لعورته، لأن حكم الطفولية منجر عليه إلى التمييز.
قال المجد 7: والاحتياط للخنثى المشكل أن يستتر

كالمرأة 1، انتهى.
(وكل الحرة عورة إلا وجهها في الصلاة) فيبقى العموم فيما عداه، حتى ظفرها نصًّا 2، لحديث: "المرأة عورة".
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح 3. وهو عام في جميعها، ترك في الوجه للإجماع 4. (ومن انكشف بعض عورته) في الصلاة بلا قصد (وفحش) وطال الزمن (أو صلى في نجس أو غصب ثوبًا) كان النجس أو المغصوب (أو بقعة أعاد) الصلاة؛ لعموم صحتها، بخلاف إذا لم يطل الزمن، كمن كشف عورته نحو ريحٍ فسترها في الحال أولًا، وكان المكشوف لا يفحش 5 في النظر، فإنه لا يعيد.
و(لا) يعيد (من حبس في محل نجس أو) محل (غصب، ولا يمكنه الخروج منه) فصلى فيه، لكن يسجد على النجاسة اليابسة، ويومئ بالرطبة = الإمام العلامة الفقيه شيخ الحنابلة.
ولد سنة (590 هـ) تقريبًا.
قال ابن مالك: ألين للمجد الفقه كما ألين لداود الحديد.
اهـ صنف "المحرر" في الفقه، و"شرح الهداية"، و"المنتقى" وله أرجوزة في القراءات.
توفي بحران يوم الفطر سنة (652 هـ). ينظر: "سير أعلام النبلاء" (23/ 291، 293)، و"ذيل طبقات الحنابلة" (2/ 249، 254) و"شذرات الذهب" (7/ 443)، و"النجوم الزاهرة" (7/ 33).

غاية ما يمكنه، ويجلس على قدميه تقليلًا للنجاسة، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم" (1).

تتمة

: يصلي عاجز عن سترة مباحة عريانًا 2 مع وجود 3 ثوب غصب، ويصلي في حرير مع عدم غيره، ولا يعيد، ويصلي في ثوب نجس لعدم غيره ويعيد، ومن لا يجد إلا ما يستر به الفرجين سترهما، أو أحدهما فالدبر أولى، ويصلي جالسًا ندبًا من لا يجد ما يستر به عورته، ويومئ بركوعه وسجوده، ولا يتربع في جلوسه بل يضم أحد فخذيه إلى الآخر، لما روي عن ابن عمر1

-مرفوعًا- في قوم انكسرت مراكبهم فخرجوا عراة قال: يصلون جلوسًا يؤمئون إيماء برؤوسهم 1. وإن يصلي قائمًا وركع وسجد في الأرض جاز.
(الرابع) من شروط صحة الصلاة (اجتناب نجاسة) والنجاسة لغة: ضد الطهارة 2، وعرفًا 3: عين كالميتة والدم، أو صفة كأثر بول بمحلٍ طاهر منع الشرع من تناولها بلا ضرورة، لا لأذى فيها طبعًا -احترازًا- من نحو السُّمِّيات من النباتات، فإنه ممنوع تناول ما يضر منها في بدن أو عقل لأذاها 4، ولا لحق اللَّه -احترازًا- عن صيد الحرم، وعن صيد البر للمحرم، أو لحق غيره شرعًا -احترازًا- عن مال الغير بغير اذنه، فيحرم تناوله لمنع الشرع منه لحق مالكه (غير معفو عنها) صفة للنجاسة (في بدن وثوب وبقعة) متعلق بـ (اجتناب) (مع القدرة) على ذلك لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ 5(5) وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" 6 وقوله وقد سئل عن دم الحيض يكون في الثوب:

"اقرصيه وصلي فيه".
رواه أبو داود من حديث أسماء بنت أبي بكر 1، وأمره -صلى اللَّه عليه وسلم- بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي إذ بال في طائفة المسجد 2، ولا يجب ذلك في غير الصلاة، فتعين أن يكون شرطًا فيها، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي في العبادات يقتضي الفساد.
فتصح الصلاة من حامل مستجمرًا 3 لأن أثر الاستجمار معفو عنه في محله، ومن حامل حيوان طاهر، كالهر والفأر.
وتصح ممن مس ثوبه ثوبًا نجسًا، أو حائطًا نجسًا لم يستند إليه، أو صلى على طاهر من حصير أو بساط ونحوه طرفه متنجس ولو يتحرك بحركته 4، وكذا لو كان تحت قدمه حبل طاهر مشدود في نجاسة، لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا مصل عليها، أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة، فإن كان المتنجس متعلقًا 5 بالمصلي بحيث ينجر معه = تصحيح ابن خزيمة له.
وفي البخاري، الطهارة، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله (1/ 60)، ومسلم، الطهارة (1/ 240) من حديث ابن عباس في قصة الرجلين اللذين مرَّ عليهما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وهما في قبرهما.
فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير.
أما أحدهما فكان لا يستتر من البول... " وفي لفظ: "لا يستنزه عن البول" ما يشهد لصحة الحديث.

إذا مشى؛ لم تصح صلاته؛ لأنه متتبعٌ للنجاسة أشبه لو كان حاملها، وإن سقطت عليه نجاسة فزالت أو أزالها 1 سريعًا صحت صلاته، لحديث أبي سعيد: بينما النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فخلع الناس نعالهم، فلما قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلاته قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ " قالوا: رأيناك ألقيت نعلك، فألقينا نعالنا.
قال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا".
رواه أبو داود 2، فإن عجز عن إزالتها سريعًا لم تصح صلاته، وكذا إن جهلها أو نسيها لم تصح صلاته أيضًا.
(ومن جبر عظمه) بعظم نجس (أو خاطه) أي جرحه (بـ) خيطٍ (نجس) فصح (وتضرر بقلعه، لم يجب) القلع (ويتيمم) له (إن لم يغطه اللحم) فإن غطاه اللحم، لم يتيمم له، لإمكان الطهارة بالماء في جميع محلها.

فصل في الأماكن التي لا تصح فيها [الصلاة]

1 (ولا تصح) الصلاة (بلا عذر في مقبرة) بتثليث الباء 2، قديمة كانت المقبرة أو جديدة، وهي مدفن الموتى، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".
رواه مسلم 3، ولا يضر قبران 4، ولا ما دفن بداره، ولو زاد على ثلاثة قبور، لأنه لا يسمى مقبرة 5.

(و) لا تصح الصلاة في (خلاء) وهو الحش -بفتح الحاء وضمها- 1 ولو مع طهارته من النجاسة، لأنه لما منع الشرع من الكلام وذكر اللَّه فيه كان منع الصلاة أولى، والحش لغة: البستان، ثم أطلق على محل قضاء الحاجة، لأن العرب كانوا يقضون حوائجهم في البساتين وهي الحشوش، فسميت الأخلية في الحضر حشوش بذلك.
[و] 2 لا تصح الصلاة في (حمام) 3 لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة".
رواه أبو داود 4، ولا تصح فيما يتبعه في بيع تناوله اسمه.
(و) لا تصح الصلاة -أيضًا- في (أعطان إبل) جمع عطن -بفتح الطاء- والمعاطن جمع معطن -بكسرها- 5 لحديث: "صلوا في = مرعي بن يوسف الحنبلي "شفاء الصدور في زيارة المشاهد والقبور" (ص 59).

جارٍ التحميل