القتيل" رواه أبو داود 1، وأما سقوطه بشهادة بعضهم ولو مع فسقه فلإقراره بسقوط نصيبه، وإذا أسقط بعضهم حقه سرى إلى الباقي كالعتق.
ولمن لم يعف من الورثة حقه من الدية على جان سواء عفى شريكه مجانا أو إلى الدية؛ لأنها بدل عما فاته من القصاص كما لو ورث القاتل بعض دمه.
ثم [إن] 2 قتله عاف قتل ولو ادعى نسيانه أو جواز القتل بعد العفو، سواء عفى مجانا أو إلى مال لقوله تعالى: ﴿فَمَن اعْتَدَى بَعدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ 3 قال ابن عباس وغيره: "أي بعد أخذه الدية" 4، ولأنه قتل معصوما مكافئا.
وكذا شريك 5 علم بالعفو وبسقوط القود به ثم قتله فيقتل به، سواء حكم بالعفو أو لا، لقتله معصوما عالما أنه لا حق له فيه، والاختلاف لا يسقط القصاص، إذ لو قتل مسلما بكافر قتلناه به مع الاختلاف في قتله، ويستحق كل
وارث للمقتول من القود بقدر إرثه من المال حتى الزوجين وذي الرحم؛ لأن القود حق ثبت للوارث على سبيل الإرث فوجب له بقدر ميراثه من المال.
ومن لا وارث له فالإمام وليه في القود أو الدية؛ لأنه ولي من لا ولي له، له أن يقتص أو يعفو إلى مال فيفعل ما يراه الأصلح؛ لأنه وكيل المسلمين، ولا يعفو مجانا ولا على أقل من الدية؛ لأنها حق ثابت للمسلمين فلا يجوز له تركها ولا شيء منها؛ لأنه لا حظ للمسلمين فيه.
(ويجب استيفاؤه) أي القود (بحضرة سلطان أو نائبه) لافتقاره إلى اجتهاد، ويحرم الحيف فيه ولا يؤمن مع قصد المقتص التشفي بالقصاص، وللإمام أو نائبه تعزير مخالف اقتص بغير حضوره لافتياته بفعل ما منع منه، ويقع فعله الموقع لأنه استوفى حقه.
(و) يجب استيفاؤه (بآلة ماضية) أي غير كالة لحديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" 1 والاستيفاء بالكالة تعذيب للمقتول.
ويخير ولي بين أن يباشر الاستيفاء ولو في طرف وبين أن يوكل من يستوفيه منه
كسائر حقوقه، ومن له وليان فأكثر وأراد كل مباشرة الاستيفاء بنفسه قدم أحدهما بقرعة ووكله من بقي.
(و) يجب استيفاء قود (في النفس بضرب العنق بسيف) لحديث: "لا قود إلا بالسيف" رواه ابن ماجة 1، ولأن القصد من القود إتلاف جملته وقد أمكن بضرب عتقه فلا يجوز تعذيبه بإتلاف أطرافه كقتله بسيف كال، وإن ظن ولي دم أنه اقتص في النفس فلم يكن استوفى وداواه أهله حتى برئ فإن شاء الولي دفع إليه دية فعله الذي فعله به وقتله، وإلا تركه فلا يتعرض له، قال في "الفروع" 2: "وهذا رأي عمر وعلي ويعلى بن أمية ذكره أحمد".
ومن قتل أو قطع عددا في وقت أو أكثر فرضي أولياء كل بقتله، أو رضي المقطوعون بقطعه اكتفى به لجميعهم لتعذر توزيع الجاني على الجنايات، وإن طلب ولي كل قتله على الكمال وجنايته في وقت واحد أقرع بينهم، فيقاد لمن خرجت له القرعة، وإلا تكن جنايته
في وقت واحد أقيد للأول لسبق استحقاقه، ولمن بقي الدية كما لو مات قبل أن يقاد منه، وكما لو بادر غير ولي الأول أو غير المقطوع الأول واقتص فيقع موقعه، ولمن بقي الدية، وإن رضي ولي الأول بالدية أعطيها لأن الخيرة إليه، وقتل الجاني أو قطع لثان وهلم جرا.
(فصل)
(ويجب بعمد) عدوان (القود أو الدية فيخير ولى) جناية بينهما لحديث أبي هريرة مرفوعا: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يودي، وإما أن يقاد" رواه الجماعة إلا الترمذي 1، وعن أبي شريح الخزاعي 2 مرفوعا: "من أصيب بدم أو خبل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه"، رواه أحمد وغيره 3، والخبل -بخاء معجمة وباء موحدة-: الجراح، (والعفو مجانا) أي
من غير أخذ شيء (أفضل) [لقوله تعالى] 1: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ 2 ولحديث أبي هريرة مرفوعا: "ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده اللَّه تعالى بها عزا"، رواه أحمد ومسلم 3، ويصح عفوه بلفظ الصدقة وكل ما أدى معناه لأنه إسقاط.
(ومتى اختار) الودي (الدية) أو الصلح على أكثر منها تعينت، فلو قتله ولي الجناية بعد اختياره الدية قتل به لسقوط حقه من القصاص بعفوه عنه.
(أو عفا مطلقا) فلم يقيد بقصاص ولا دية فله الدية، أو عفا عن القود فله الدية لانصراف العفو إلى القصاص دون الدية؛ لأن العفو عن القصاص هو المطلوب الأعظم في باب القود، إذ المقصود منه التشفي فانصرف العفو المطلق = قتل العمد، كتاب الديات برقم (2351) سنن الدارمي 2/ 247، والدارقطني، كتاب الحدود والديات وغيره، سنن الدارقطني 3/ 96، والبيهقي، باب الخيار في القصاص..، كتاب الجنايات 8/ 52، وضعفه الألباني وضعيف الجامع الصغير وزياداته 5/ 168.
إليه؛ لأنه في مقابلة الانتقام 1، وهو إنما يكون بالقتل لا بالمال، فتبقى الدكة على أصلها؛ لأنها ثبتت في كل موضع امتنع فيه القتل.
(أو هلك جان) عمدا (تعينت الدية) في ماله لتعذر استيفاء القود.
ومن قطع طرفا عمدا كإصبع فعفى عمه المجني عليه، ثم سرت الجناية إلى عضو آخر كبقية اليد، أو سرت إلى النفس والعفو على مال أو على غير مال فلا قصاص، وله تمام دية ما سرت إليه ولو مع موت جان فيلقى أرش ما عفي عنه من دية ما سرت إليه ويجب الباقي؛ لأن حق المجني عليه فيما سرت إليه الجناية لا فيما عفا عنه.
(ومن وكل) في استيفاء قود (ثم عفا) موكل عن قود وكل فيه (ولم يعلم وكيل) بعفوه (حتى اقتص فلا شيء عليهما)، أما الوكيل فلأنه لا تفريط منه لحصول العفو على وجه لا ممكن الوكيل استدراكه، أشبه ما لو عفا بعد ما رماه، وأما الموكل فلأنه محسن بالعفو، وقال تعالى ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ 2 فإن علم الوكيل فعليه القصاص.
وإن عفا مجروح عمدا أو خطأ عن قود نفسه أو ديتها صح عفوه لإسقاطه حقه بعد انعقاد سببه، ولأن الجناية عليه فصح عفوه عنها كسائر حقوقه، وكعفو وأرثه عن ذلك، فلو قال: عفوت عن هذا الجرح وعن هذه الضربة فلا شيء في سرايتها
ولو لم يقل وما يحدث منها إذ السراية تبع للجناية، فحيث لم يجب بها شيء لم يجب بسرايتها بالأولى، كما لو قال: عفوت عن الجناية فلا شيء في سرايتها، ولو قال: أردت بالجناية الجراحة دون سرايتها؛ لأن لفظ الجناية يدخل فيه الجراحة وسرايتها لأنها جناية واحدة بخلاف عفوه على مال وعن القود فقط، فلا يبرأ جان من السراية لعدم ما يقتضي براءته منها.
ويصح قول مجروح: أبرأتك من دمي أو قتلي، أو وهبتك ذلك معلقا بموته لأنه وصية، فإن مات من الجراحة برئ منه، ولو عوفي بقي حقه من قصاص أو دية؛ لأن لفظه لم يتضمن الجراح ولم يتعرض له وإنما اقتضى موجب القتل، فبقي موجب الجرح بحاله، بخلاف: عفوت عنك ونحوه لتضمنه الجناية وسرايتها.
ولا يصح عفوت عن قود شجة لا قود فيها كالمنقلة والمأمومة 1 لأنه عفو عما لا يجب ولا انعقد سبب وجويه، أشبه الإبراء من الدين قبل وجويه، فلوليه مع سرايتها القود أو الدية كما لو لم يعف.
(وإن وجب لقن قود أو) وجب له (تعزير قذف) ونحوه (فطلبه) أي القود أو التعزير [وإسقاطه] 2 (له) أي القن لاختصاصه 3 به دون سيده، لأنه لا يستحقه ما دام القن حيا، وليس له إسقاط المال، (وإن مات) القن (فلسيده) طلبه وإسقاطه كالوارث؛ لأنه أحق به ممن ليس له فيه ملك.
فصل في الجراح فيما دون النفس
(والقود فيما دون النفس) من الأطراف والجراح (كالقود فيها)؛ لأن 1 من أقيد به في النفس إنما أقيد به لحصول المساواة المعتبرة للقود فوجب أن يقاد به فيما دونها، فلو قطع مسلم يد مسلم قطعت يده لأنه يقاد به في النفس.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 2، ولحديث أنس بن النضر وفيه: "كتاب اللَّه القصاص" رواه البخاري وغيره 3، ولأن حرمة النفس أقوى من حرمة الطرف [فهو] 4 أولى لكن بالشروط المتقدمة.
ومن لا يؤخذ بغيره في نفس فلا يؤخذ به فيما دونها كالأبوين مع ولدهما والحر مع العبد والمسلم مع الكافر، فلا يقتص له في طرف ولا في جراح لعدم المكافأة، وكذا قاطع حربي أو مرتد أو زان محصن، فلا قطع عليه ولو أنه
مثله، ويقطع حر مسلم أو ذمي أو عبد بمثله وذكر بأنثى وخنثى وعكسه، ويقطع ناقص بكامل كالعبد بالحر والكافر بالمسلم.
(وهو) أي القصاص فيما دون النفس (نوعان: أحدهما في الطرف، فيؤخذ كل من عين وأنف وأذن وسن ونحوها) كيد ورجل وذكر وإصبع وكف ومرفق ويمين ويسار وعليا وسفلى من شفة وسن وجفن (بمثله) متعلق بيؤخذ، وإنما يجب ذلك (بـ) شروط أربعة: -
أحدها: العمد المحض، فلا قصاص في الخطأ إجماعا؛ لأنه لا يوجب القصاص في النفس، وهي الأصل فما دونها أولى، ولا في شبه العمد، والآية مخصوصة بالخطأ، فكذا شبه العمد قياسا على النفس.
الـ (شرط) الثاني: (مماثلة) أي مساواة في الاسم، كالعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن للآية، ولأن القصاص 1 يقتضي المساواة، والاختلاف في الاسم دليل الاختلاف في المعنى، والمساواة في الموضع، فلا تؤخذ يمين بيسار ولا عكسه، ولا جراحة في الوجه بجراحة في الرأس ونحوه اعتبارا بالمماثلة.
(و) الشرط الثالث: (أمن من حيف) بأن يكون القطع من مفصل، كالكوع والمرفق والكعب، أو ينتهى إلى حد كمارن الأنف وهو ما لان منه، فلا قصاص يف جائفة ولا في كسر 2 عظم غير سن ونحوه، ولا إن قطع قصبة أنف أو قطع
بعض ساعد أو ساق أو عضد أو ورك لأنه لا يمكن الاستيفاء منها بلا حيف، بل ربما أخذ أكثر من الفائت أو يسري إلى عضو آخر أو إلى النفس فيمنع منه.
وإن قطع يده من الكوع فتآكلت إلى نصف الذراع فلا قود اعتبارا باستقراره.
ومن أوضح إنسانا أو شجه دون موضحة أو لطمه فذهب ضوء عينيه أو ذهب شمه أو سمعه فعل به كما فعل، فإن ذهب بذلك ما أذهبه الجاني فقد استوفى الحق، وإلا فعل ما يذهبه من غير جناية على حدقة أو أنف أو أذن، فإن لم يمكن إلا بذلك سقط القود إلى الدية.
ومن قطعت يده من مرفق فأراد القطع من كوع يد جان منع لإمكان الاستيفاء من محل الجناية، فلا يقتص من غيره لاعتبار المساواة في المحل حيث لا مانع.
(و) الشرط الرابع: (استواء في صحة وكمال)، فلا تؤخذ يد أو رجل كاملة أصابع أو كاملة أظفار بناقصتها، رضي الجاني بذلك أو لا، لزيادة المأخوذة على المفوتة، فلا يكون مقاصة، بل تؤخذ سليمة الأظفار بنظيرتها مع كونها ذات أظفار معيبة كما يؤخذ الصحيح بالمريض، ولا تؤخذ عين صحيحة بقائمة وهي التي بياضها وسوادها صافيان غير أن صاحبها لا يبصر بها، قاله الأزهري 1 لنقص منفعتها، فلا لوخذ [بها] 2 كاملة المنفعة، ولا يؤخذ لسان ناطق بلسان أخرس، ولا يؤخذ عضو صحيح بأشل من يد ورجل وأصبع وذكر، أو كان العضو ببعضه شلل كأنملة يد، ولا يؤخذ ذكر فحل بذكر خصي
وذكر عنين؛ لأنه لا منفعة فيهما؛ لأن ذكر العنين لا يوجد 1 منه وطء ولا إنزال، والخصي لا يولد له ولا يكاد يقدر على الوطء، فهما كذكر الأشل.
ويؤخذ مارن الأنف الأشم الصحيح بمارن الأخشم الذي لا يجد رائحة شيء؛ لأنه لعلة في الدماغ؛ والأنف صحيح، وتؤخذ أذن صحيح سميع بأذن أصم شلاء؛ لأن القصد الجمال.
ويؤخذ معيب من ذلك كله بمثله إن أمن تلف من قطع بأن قال أهل الخبرة: أنه إذا قطع لم تفسد العروق ولم يدخل الهواء إلى البدن فيفسده، وإلا سقط القصاص؛ لأنه لا يجوز أخذ نفس بطرف، وأما مع الأمن فله القصاص؛ لأن الشم والسمع ليسا بنفس العضو؛ لأن مقطوع الأنف والأذن يشم ويسمع وإنما هي زينة وجمال لئلا يبقى موضع الأذن نقبا مفتوحا، فيقبح منظره ولا يبقى له ما يرد الاء والهوام عن الصماخ 2، ولئلا يبقى موضع الأنف مفتوحا فيدخل الهواء إلى الدماغ فيفسد به، فجعل له غطاء لذلك.
ويصدق ولي الجناية إن اختلف مع جان في شلل العضو بأن قال جان: قطعته أشل، وقال مجني عليه: صحيحا فقول مجني عليه بيمينه في صحة ما جنى عليه لأنه الظاهر.
ومن أذهب بعض لسان أو بعض مارن أو شفة أو حشفة أو أذن أو سن
أقيد منه مع أمن قلع سنه بقدر الذي أذهبه بنسبه الأجزاء من ذلك العضو، كنصف وثلث وربع ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ 1، ولأن جميع ذلك يؤخذ بجميعه فأخذ بعضه ببعضه، ولا يدخل بالمساحة لأنه قد يفضي إلى أخذ لسان الجاني جميعه ببعض لسان المجني عليه.
ولا قود ولا دية لما رجي عوده، فما ذهب بجناية في مدة تقولها أهل الخبرة من عين كسن أو منفعة كعدو ونحوه كمنفعة الوطء لأنه معرض للعود فلا يجب به شيء، وتسقط الطالبة به فوجب تأخيره، فإن عاد فلا شيء للمجني عليه، كما لو قطع شعرا فعاد، وإن لم يعد في المدة وجب ضمانه كغيره مما لا يرجى عوده، فلو مات مجني عليه فيها تعينت دية الذاهب بالجناية لليأس من عوده بالموت، كما لو انقضت المدة ولم يعد.
ومتى عاد ما ذهب بحاله فلا أرش على جان، وإن عاد ناقصا في قدر بأن عاد بفعله السن قصيرا، أو عاد ناقص في صفة بأن عاد السن أخضر ونحوه فعلى جان حكومة 2، لحدوث النقص به بفعله فضمنه.
ثم إن كان المجني عليه أخذ دية ما أذهبه قبل أن يعود ثم عاد ردها إلى من أخذها منه، أو كان المجني عليه اقتص من جان نظير ما أذهبه منه ثم عاد فلجان الدية لتبين أنه استوفى ذلك بلا حق، ولا قصاص للشبهة، ويرد الدية إن عاد لما تقدم في
المجني عليه.
ومن قلع سنه أو ظفره أو قطع طرفه كمارن وأذن ونحوهما مما يمكن عوده فرده فالتحم فله أرش نقصه حكومة؛ لأنها أرش كل نقص يحناية لا مقدر فيها، وإن قلعه قالع بعد ذلك فعليه ديته ولا قصاص فيه؛ لأنه لا يقاد به الصحيح بأصل الخلقة لنقصه بالقلع الأول، ومن جعل مكان سن قلعت بجناية عظما أو سنا أخرى ولو من آدمي فثبتت لم تسقط دية السن المقلوعة كما لو [لم] 1 يجعل مكانها شيء، وعلى مبين ما ثبت من ذلك حكومة؛ لأنه ينقص بإبانتها ولا يجب به ديتها لأنها ليست من أصل الخلقة.
النوع (الثاني): مما يوجب القصاص (في الجروح) أي فيما دون النفس (بشرط) زائد على ما سبق، وهو (انتهاؤها إلى عظم كموضحة) في رأس أو وجه (وجرح عضد وساعد 2 ونحوهما) كفخذ وساق وقدم، لقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، ولإمكان الاستيفاء بلا حيف ولا زيادة لانتهائه إلى عظم، فأشبه الوضحة المتفق على 3 جواز القصاص فيها، ولا قصاص في غير ذلك من الشجاج والجروح، كما دون الموضحة أو أعظم منها.
ولمجروح جرحا أعظم من الموضحة كهاشمة ومنقلة ومأمومة أن يقتص 4
موضحة؛ لأنه يقتص بعض حقه ومن محل جنايته، فإنه إنما يضع السكين في موضع وضع الجاني لوصول سكين الجاني إلى العظم بخلاف قاطع الساعد فإنه لم يضع سكينه في الكوع، ويأخذ إذا اقتص موضحة ما بين ديتها ودية تلك الشجة التي هي أعظم منها لتعذر القصاص فيه، فينتقل إلى البدل كما لو قطع إصبعيه ولم يمكن القصاص إلا في أحدهما، فيأخذ إذا اقتص في الهاشمة من الجاني موضحة خمسا من الإبل، ويأخذ في منقلة إذا اقتص منه موضحة عشرا من الإبل.
ومن خالف ممن جني عليه واقتص مع خوف تلف جان من منكب، أو من نحو يد شلاء، أو من قطع نصف ساعده ونحوه، كمن قطع نصف ساقه، أو اقتص من مأمومة، أو جائفة مثل ذلك، بأن لم يزد على ما فعل به ولم يسر جرحه وقع الموقع ولم يلزمه شيء؛ لأنه لم يأخذ زيادة على حقه.
ويعتبر قدر جرح بمساحة دون كثافة لحم لأن حده العظم، والناس يختلفون في قلة اللحم وكثرته، فلو روعيت الكثافة لتعذر الاستيفاء، وصفة الاعتبار المذكور أن يعمد إلى موضع الشجة من رأس المشجوج، فيعلم طولها وعرضها بخشبة أو خيط، فيضعها على رأس الشاج، ويعلم طرفيه بسواد أو غيره، ويأخذ حديدة عرضها كعرض الشجة، فيضعها في أول الشجة يجرها 1 إلى آخرها، فيأخذ مثل الشجة طولا وعرضا، فمن أوضح بعض رأس والبعض الذي أوضحه كرأس الشاج أو أكبر أوضحه في رأسه كله، ولا أرش لزائد لئلا يجتمع في جرح واحد قصاص ودية، ومن أوضح رأسه كله ورأسه أكبر من رأس المشجوج أوضحه قدر شجته من
[أي] 1 جانب شاء من رأس الشاج، ولو كانت الشجة بقدر بعض الرأس منهما لم يعدل عن جانبها إلى غيره لئلا تفوت المماثلة في الوضع.
وإن اشترك عدد في قطع طرف عمدا، أو في جرح موجب لقود ولو موضحة ولم تتميز 2 أفعالهم، كإن وضعوا حديدة على يد وتحاملوا [عليها] 3 جميعا حتى بانت فعلى كل منهم القود، لما روي عن علي: أنه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة فقطع يده، ثم جاء آخر فقالا: هذا هو السارق، وأخطأنا في الأول، فرد شهادتهما على الثاني، وغرمهما دية الأول، وقال: "لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما"، 4، ولأنه أحد نوعي القصاص فأخذ فيه الجماعة بالواحد 5 كالنفس، ومع تفرق أفعالهم أو قطع كل واحد منهم من جانب لا قود على أحد منهم؛ لأن كلا لم يقطع اليد ولم يشارك في قطع جميعها.
(وتضمن سراية جناية) ولو بعد [أن] 6 اندمل جرح واقتص من جان ثم انتقض الجرح فسرى لحصول التلف بفعل الجاني، أشبه ما لو باشره؛ فتضمن بقود ودية في نفس ودونهما، فلو هشمه في رأسه فسرى إلى ذهاب عينه ثم مات اقتص
منه في النفس وأخذ منه دية بصره، ولو قطع إصبع فتآكلت اليد أو سقطت من مفصل فالقود فيما سقط، وفيما يشل الأرش لعدم إمكان القصاص في الشلل، وإن سرت إلى النفس فالقود والدية كاملة.
و(لا) تضمن سراية (قود) لقول عمر وعلي: "من مات من حد أو قصاص لا دية له، الحق قتله" رواه سعيد بمعناه 1، ولأنه قطع بحق، فكما أنه غير مضمون فكذا سرايته كقطع السارق، لكن لو قطعه بلا إذنه، أو إذن الإمام، أو نائبه مع حر، أو برد، أو حال لا يؤمن فيها الخوف من السراية، أو قطعه بآلة كالة، أو مسمومة فمات لزم المقتص الدية منقوصا منها دية العضو الذي وجب له فيه القصاص، فإن وجب في يد فعليه نصف الدية، أو في جفن فعليه ثلاثة أرباعها وهكذا.
(ولا يقتص عن 2 طرف و) لا من (جرح ولا [يطلب] 3 لهما دية قبل البرء) لحديث جابر: "أن رجلا جرح رجلا، وأراد أن يستقيد، فنهى
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح" رواه الدارقطني 1، فإن اقتص مجروح قبل برء جرحه فسرايتهما بعد هدر، أما الجاني فلما تقدم، وأما المجني عليه فلحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلا طعن بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه فقال: أقدني، فأقاده، ثم جاء إليه فقال: يا رسول اللَّه! عرجت، فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك اللَّه وبطل عرجك، ثم نهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه" رواه أحمد 2، ولأنه باقتصاصه قبل الاندمال
رضي بترك ما يزيد عليه بالسراية فبطل حقه منه.
= الجنايات، السنن الكبرى 8/ 68، قال الألباني: "رجاله ثقات، غير أن ابن اسحاق وابن جريج مدلسان، ولم يصرحا بالتحديث.. لكن للحديث شواهد يتقوى بها".
الإرواء 7/ 298.
(فصل) في الديات
جمع [دية] 1 وهي مصدر وديت القتيل، أي أديت ديته 2. وشرعا: المال المؤدى إلى مجني عليه أو وليه بسبب جناية 3. وأجمعوا على وجوب الدية في الجملة 4 لقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ 5 وحديث مالك في الموطأ والنسائي أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- كتب إلى عمرو بن حزم 6 كتابا إلى أهل اليمن فيه الفرائض والسنن والديات وقال فيه:
"وفي النفس مائة من الإبل" 1 قال ابن عبد البر: "وهو كتاب مشهور عند أهل السير، وهو معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها عن الإسناد".
2 فمن أتلف إنسانا مسلما، أو ذميا، أو معاهدا، بمباشرة أو سبب، أو أتلف جزءا منه فالدية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ 3.
(ودية العمد على الجاني) في ماله؛ لأن العاقلة لا تحمل العمد، (وغيرها) أي
غير دية العمد وهو دية الخطأ وشبه العمد (على عاقلته)، لحديث أبي هريرة: "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بدية المرأة على عاقلتها" متغق عليه 1، ولا خلاف فيه في الخطأ، حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم.
2
ولا تطلب دية طرف ولا جرح قبل برئه كما لا يقتص منه قبل برئه.
فمن ألقى على آدمي حية، أو ألقاه عليها فقتلته، أو طلبه بسيف ونحوه مجردا فتلف في هربه ولو كان غير ضرير فعليه الدية، سواء سقط من شاهق، أو انخسف به سقف، أو خر في بئر، أو غرق في ماء، أو لقيه سبع فافترسه، أو احترق بنار صغيرا كان المطلوب أو كبيرا، وعاقلا أو مجنونا، لتلفه بسبب عدوانه، أو روعه بأن شهر السيف ونحوه في وجهه فمات خوفا، أو دلاه من شاهق فمات، أو ذهب عقله خوفا، أو حفر بئرا محرما حفره، كفي طريق ضيق، أو وضع حجرا، أو قشر بطيخ، أو صب ماء بفنائه، أو بطريق، أو بال بها، أو بالت بها دابته ويده عليها كراكب وقائد وسائق، وتلف به آدمي [ففيه] 3 الدية، وكذا يضمن ما تلف به من ماشية أو تكسر من أعضاء ونحوه، فإن لم تكن يده عليها إذ ذاك فلا ضمان، أو رمى من منزله حجرا أو غيره أو حمل بيده رمحا جعله بين يديه أو خلفه -لا إن جعله قائما في الهواء وهو يمشي لأنه لا عدوان منه إذن- أو وقع على
نائم بفناء جدارفأتلف إنسانًا، أو تلف به فمات مع قصد تعدٍّ، كإلقاء الحية عليه وإلقائه عليها والترويع والتَّدْلِيَةُ من شَاهِقٍ شبه عَمْدٍ وما بدون قصد خطأ، وفي كلٍّ منهما الدية على العاقلة والكفارة في مال جان.
ومن سَلَّمَ على غيره فمات، أو أمسك يده فمات، أو أجلسه أو أقامه فمات، أو تلف واقع على نائم بلا سبب من أحد فَهَدَرٌ لعدم الجناية.
وإن حفر بئرًا ووضع آخر حجرًا ونحوه ككيس دراهم فَعَثَر به إنسانٌ 1 فوقع في البئر فمات ضمن واضع الحجر ونحوه دون الحافر؛ لأن الحجر أو نحوه كدافع إذا [تعديا] 2؛ لأن الحَافِرَ لم يقصد بذلك القتل لعين عادةً، وإلَّا يتعديا جميعًا فالضمان على متعدٍّ منهما، فإن تعدَّى الحافر وحده بأن كان وضع الحجر لمصلحة، كوضعه في محل وحل لتمر عليه الناس فعلى الحافر الضمان، وعكسه بعكسه.
ومن حفر بئرًا قصيرةً فعمقها آخر تعديا فضمان تالف بسقوطه فيها بينهما لحصول السبب منهما، وإن وضع ثالث فيها سكينًا أو نحوها فوقع فيها شخص على السكين فمات فعلى عَوَاقِلِ الثلاثة الدية نصًّا 3؛ لأنهم تسببوا في قتله.
وإن حفرها بملكه وسترها ليقع فيها أحدٌ، فمن دخلها بإذنه وتلف بها فعلى
حافرها القود لتعمده قتله عدوانًا، كما لو قدم له طعاما مسمومًا فأكله، وإن دخل بغير إذنه فلا ضمان، كما لو سقط ببئرٍ مكشوفةٍ بحيث يراها الداخل البصير؛ لأنه هو الذي أهلك نفسه، أشبه ما لو قدم إليه سكينًا فقتل نفسه بها، فإن كان أعمى أو في ظلمة بحيث لا يبصرها ضمنه، ويقبل قول حافر البئر بملكه في عدم إذنه لداخل في الدخول لأنه الأصل، ولا يقبل قوله في كشفها إذا ادعى وَليُّهُ أنها كانت مغطاة؛ لأن الظاهر مع ولي الداخل إذ المتبادر أنها لو كانت مكشوفةً بحيث يراها لم يسقط بها، وإن تلف أجير مكلف بحفرها بها فَهَدَرٌ لأنه لا فعل للمستأجر في قتله بمباشرة ولا سبب، أو دعى من يحفر له بداره حفيرة أو من يحفر له بمعدن ليستخرجه له فمات بهدم ذلك عليه بلا فعل أحد فَهَدَرٌ نَصًّا 1 لما تقدم.
(ومَنْ قَيَّدَ حُرًّا مُكلَّفًا أو غَلَّهُ) 1 فتلف بحية أو صاعقة فالدية لهلاكه في حال تعديه، (أَوْ غَصَبَ) حُرًّا (صَغِيْرًا) أو مجنونًا (فَتَلِفَ بِحَيَّةٍ أو صَاعِقَةٍ) وهي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد قاله الجوهري 2، (فالدِّيةُ) لهلاكه في حال تعديه 3 بحبسه وإن لم يقيده ولم يغله لضعفه عن الهرب من الصاعقة والبطش بالحية أو دفعها عنه.
و(لا) يضمن الحر المكلف من قيده أو غَلَّه أو الصغير إدن حبسه (إِنْ مَاتَ بَمَرضٍ أَوْ) ممات (فَجْأَة) نصًّا 4؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد 5، ولا جناية إذن، وأما القِنُّ فيضمنه غاصبه تَلِفَ أو أتْلَفَ وتقدم.
وإن تجاذب حران مكلفان حبلًا أو نحوه فانقطع فسقطا فماتا فعلى عاقلة كل منهما دية الآخر لتسبب كل منهما في قتل [الآخر] 6.
وإن اصطدما ولو كانا ضريرين، أو كان أحدهما ضريرًا فماتا كمتجاذبين على
عاقلة كل منهما [دية] 1 الآخر، روي عن علي 2، وإن اصطدمت امرأتان حاملان فكالرجلين، فإن أسقطت كل منهما جنينها فعلى كل واحدةٍ منهما نصف ضمان جنينها، ونصف ضمان جنين صاحبتها لاشتراكهما في قتله، وعلى كل منهما عتق ثلاث رقاب واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتهما في الجنين، وإن أسقطت إحداهما دون الأخرى اشتركتا في ضمانه، وعلى كل منهما عتق رقبتين.
وإن اصطدم الحران المكلفان عمدًا -وذلك يقتل غالبًا- فهو عمدٌ يلزم كلًا منهما دية الآخر في ذمته فيتقاصان إن كانا متكافئين، وإلا يكن يقتل غالبا فشبه عمد فيه الكفارة في مالهما والدية على عاقلتهما، وإن كانا راكبين أو أحدهما فما تلف من دابتيهما فقيمته على الآخر، أو نَقَصَ فعلى كل منهما نقص دابة الآخر، وإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر فأدركه فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللَّاحِق؛ لأنه الصادم، وإن غلبت الدابة راكبها لم يضمن.
وإن كان أحدهما واقفًا أو قاعدًا فضمان مالهما على سائر نصًّا 3؛ لأنه الصادم المتلف، وديتهما على عاقلته لحصول التلف بصدمه، وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين.
وإن اصطدم قِنَّانِ ماشيان فهما هَدَرٌ لوجوب قيمة كل منهما في رقبة الآخر، وقد تلف المحل الذي تعلقت به فذهبا هدرًا، وإن مات أحدهما فقيمته في رقبة الآخر كسائر جناياته.
وإن كانا حرًّا وقِنًّا فماتا فقيمة قن في تركة حر، وتجب دية الحر كاملة في تلك القيمة إن اتسعت لها.
ومن أركب صغيرين لا ولاية له على واحدٍ منهما فاصطدما فماتا فديتهما وما تلف لهما من ماله لتعديه بذلك، فإن أركبهما ولي لمصلحة كتمرين على ركوب ما يصلح لركوبهما وكانا يثبتان بأنفسهما، أو ركبا من عند أنفسهما فهما كبالغين مخطئين، على عاقلة كل منهما دية الاخر، وعلى كل منهما ما تلف من مال الآخر.
وإن اصطدم كبير وصغير فمات الصغير فقط ضمنه الكبير، وإن مات الكبير فقص ضمنه مركب الصغير إن تعدى بإركابه، وإن أركبه وليه لمصلحةٍ، أو ركب من عند نفسه فكبالغ مخطئ على ما سبق.
ومن أرسل صغيرًا لحاجة ولا ولاية له عليه فأتلف نفسًا أو مالًا فجنايته خطأ من مرسله فيضمنها، وإن جُني عليه ضمنه مرسله نقله في "الفروع" 1 عن "الإرشاد" 2 وغيره 3، قال ابن حمدان: "إن تعذر تضمين الجاني".
4 على
الصغير، فإن لم يتعذر تضمينه فعليه الضمان؛ لأنه مباشر، والمرسل المتسبب، وإن كان المرسل قنا وأرسله بلا إذن سيده فكغصبه فيضمن جناياته، والجناية عليه على ما تقدم تفصيله في الغصب.
ومن ألقى حجرًا أو عِدْلًا مملؤا بسفينة فغرقت ضمن جميع ما فيها لحصول التلف بسبب فعله كما لو خرقها.
ومن وقع في بئرٍ أو حُفْرَةٍ ثم وقع ثانٍ ثم ثالث ثم رابع بعضهم على بعض فماتوا كلهم أو مات بعضهم بلا تَدَافُعٍ ولا تَجَاذُبٍ فدم الرابع هَدَرٌ لموته بسقوطه، ولم يسقط عليه أحد، ودية 1 الثالث على عاقلة الرابع لموته بسقوطه عليه، ودية الثاني على عاقلة الثالث والرابع لموته بسقوطهما عليه، ودية الأول على عاقلة الثلاثة لموته بسقوطهم عليه.
وإن جَذَبَ الأول الثاني، وجذب الثاني الثالث، وجذب الثالث الرابع، فدية الرابع على عاقلة الثالث لمباشرته جذبه وحده، ودية الثالث على
عاقلة الثاني؛ لأنه أتلفه بجذبه له، ودية الثاني على عاقلة الأول والثالث نصفين لموته بجذب الأول وسقوط الثالث عليه، ودية الأول على عاقلة الثاني والثالث نصفين لموته بسقوطهما عليه، وإن هلك الأول بوقعة الثالث عليه فضمان نصفه على عاقلة الثاني لمشاركته بجذبه للثالث، والباقي من ديته هدر في مقابلة [فعل] 1 نفسه لمشاركته في قتلها، ولو لم يسقط بعضهم على بعض بل ماتوا بسقوطهم لعُمْقِ البئر أو ماء يُغْرِقُ الْوَاقِعَ فَيَقْتُلُهُ لا بسقوط أحد منهم على غيره، وكذا لو جهل الحال ولم يتجاذبوا، أو قتلهم أسد فيما وقعوا فيه فدماؤهم جميعا مُهَدَّرَةٌ؛ لأنه ليس لواحد منهم فعل في تلف الآخر.
ومن نام على سَقْفٍ فسقط به على قوم لزمه المكث لئلا يهلك بانتقاله أحدا ويضمن ما تلف من نفسٍ ومَالٍ بدوام مكثه أو بانتقاله لتلفه بسببه، ولا يضمن ما تلف بسقوطه لأنه ليس من فعله بخلاف مكثه وانتقاله.
ومن اضْطُرَّ إلى طعام غَير مُضْطَرِّ أو شرابه فطلبه فمنعه حتى مات ضمنه ربُّ 2 الطعام أو الشراب نصًّا 3، لقضاء عمر به 4، ولأنه إذا اضطر إليه صار أحق به ممن هو في يده، فإن لم يطلبه المضطر منه لم يضمنه؛ لأنه لم يمنعه ولم
يوجد منه فعل يكون سببا لهلاكه، وكذا إن منعه ربُّ الطعام والشراب وهو مضطر أو خائف ذلك لأنه لا يلزمه بذله إذن.
أو أخذ طعام غيره أو شرابه وهو عاجز عن دفعه فتلف أو تلفت دابته بسبب الآخذ ضمن الأخذُ التالفَ لتسببه في هلاكه، أو أخذ منه ما يدفع به صائلًا عليه من سَبُعٍ ونحوه فأهلكه الصائل ضمنه الآخذ لصيرورته سببا لهلاكه.
قال في "المغني" 1: "وظاهر كلام أحمد أن الدية في ماله لأنه تعمد هذا الفعل الذي يقتل مثله غالبا".
وقال القاضي: "تكون على عاقلته لأنه لا يوجب القصاص فهو شبه العمد".
2
ولا يضمن من أمكنه إنجاءُ نفسٍ من هلكةٍ فلم يفعل؛ لأنه لم يهلكه ولم يفعل شيئا يكون سببا في هلاكه، كما لو [لم] 3 يعلم به.
ومن أفزع أو ضَرَبَ شخصًا ولو صغيرًا فأحدث بغائط أو بول أو ريح ولم يُدْم فعليه ثلث ديته، لما روي: "أن عثمان قضى به فيمن ضرب إنسانًا حتى أحدث" 4 قال أحمد: "لا أعرف شيئًا يدفعه".
5 والقياس لا ضمان وهو قول
الأكثر، وروي أيضًا عن أحمد لكن المذهب الأول؛ لأن قول الصَّحابي بما يخالف القياس توقيف نصًّا 1، خصوصًا وهذا القضاء في مَظِنَّةِ الشُّهرَةِ ولم ينقل خلافه فهو إجماع.
ويضمن أيضًا من أفزع إنسانًا أو ضَرَبَه جنَايَتَه على نَفْسِهِ أو غيرِه بسبب إفْزَاعِهِ أو ضربه وتحمله العاقلة بشرطه.
(و [إِن] 2 أدَّبَ) زوجٌ (امرأَتَه بنُشُوزٍ)، أو أدب ولده، (أَوْ) أدب (مُعَلِّمٌ صَبِيَّهُ، أَوْ) أدب (سُلطَانٌ رَعِيَّتَهُ بلا إِسْرَاف) أي زيادة على الضرب المعتاد فيه لا في عدد ولا شدة فتلف المؤدَب بذلك (فَلا ضَمَانَ) على المؤدِب (بِتَلفٍ مِنْ ذَلك) نصًّا 3، لفعله ما له فعله شرعا بلا تعدٍّ، أشبه سراية القود والحد.
وإن أسرف أو زاد على ما يجصل [به] 4 المقصود، أو ضرب من لا عقل له من صبي لم يُمَيِّز، أو مجنونٍ أو معتوهٍ فتلف ضمن؛ لأن الشرع لم يأذن في تأديب من لا عقل له لأنه لا فائدة في تاديبه.
(ومَنْ أَمَرَ مُكلَّفًا) سواء كان الآمِرُ مُكلَّفًا أو غير مكلف (أَنْ يَنْزِلَ بِئْرًا) أي في بئر (أَوْ) أن (يَصْعَدَ شَجَرَةً) أي على شجرة (فَهَلَكَ بِهِ) أي بنزول في البئر أو بصعود
على الشجرة (لَمْ يَضْمَن) الآمر؛ لأنه لم يجن عليه ولم يتعد، أشبه ما لو أذن له ولم يأمره كاستئجاره لذلك أقبضه أجرة أولا.
(ولو مَاتَتْ حَاملٌ 1 أَوْ) مات (حَمْلُهَا مِنْ رِيْحِ طَعَامٍ ونحوه) ككبريت وعظم (ضَمِنَ رَبُّهُ) أي الطعام ونحوه ديتها مع حملها (إِنْ عَلِمَ ذَلك) أي أنها تموت أو يموت حملها من ريح ذلك (عَادةً) أي بحسب المعتاد وأنَّ الحاملَ هُناك لتسببه فيه، وإلا فلا إثم ولا ضمان.
وإن سَلَّمَ بالغ عاقل نفسه أو سلم ولده إلى سَابحٍ حَاذِقٍ ليعلمه السباحة فغرق لم يضمنه حيث لم يفرط لفعله ما أذن فيه.
ومن وضع على سطحه جَرَّةً أو نحوها ولو متطرفة فسقطت بريح أو طير أو هرة على آدمي أو غيره فتلف لم يضمنه واضع لسقوطه بغير فعله وزمن وضعه كان في ملكه.
(فَصْلٌ) في مَقَادِيْرِ دِيَاتِ النَّفْسِ
(ودِيَةُ الحُرِّ المُسْلِمِ مَائةُ بَعِيْرٍ، أَوْ ألفُ مِثقالٍ ذَهبًا، أو اثنَا عَشَرَ ألفَ دِرهَمٍ) إسلامي (فِضَّة، أَوْ مائتَا 1 بَقَرةٍ، أَوْ ألفًا شاةٍ)، قال القاضي: "لا يختلفُ المذهبُ أنَّ أصول الدِّيَة الإبلُ والذَّهبُ والوَرقُ والبَقَرُ والغَنَمُ".
2 لما روى عطاء 3 عن جابر قال: "فرض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الدية على أهل الإبل مائةً، وعلى [أهل] 4 البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة" رواه أبو داود 5،
وعن عكرمة 1 عن ابن عباس: "أن رجلا قُتل فجعل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ديته اثني عشر ألف درهم" 2، وفي كتاب عمرو بن حزم: "وعلى أهل الذهب ألف دينار" 3 وهذه الخمسة المذكورة أصول الدية لما سبق، لأن غيرها من الحلل لا تنضبط (فيُخَيَّرُ مَن عَليهِ دِيةٌ بينها) أي أحد هذه الخمسة، ويلزم ولي الجناية قبوله، سواء كان من أهل
ذلك النوع أو لا؛ لإجزاء كل منهما، فالخِيَرَةُ إلى من وجبت عليه كخصال الكفارة.
(ويَجِبُ في عَمْدٍ وشِبههِ من إبلٍ رُبْعٌ) أي خمس وعشرون (بِنْتُ مَخَاضٍ، وربعٌ بنتُ لَبُوْنٍ، وربعٌ حِقّةٌ ورُبعٌ جَذَعَةٌ) رواه سعيد عن ابن مسعود 1 ورواه الزهري عن السائب بن يزيد 2 مرفوعًا 3، ولأن الدية حق يتعلق بجنس الحيوان فلا يعتبر فيه الحمل كالزكاة والأضحية.
وتغلظ دية عمد وشبهه في طرف كما تغلظ في نفس لاتفاقهما في السبب الموجب، ولا تغلظ دية في غير إبل لعدم وروده.
(و) تجب الدية (في خَطإٍ أَخْمَاسًا ثَمَانُونَ مِنَ المَذْكُورَةِ) من كلٍّ عشرون (وعِشْرُونَ ابنُ مَخَاضٍ) قال في "الشرح" 1: "لا يختلف فيه المذهب".
وهو قول ابن مسعود 2.
(و) تؤخذ دية (مِنْ بَقَرٍ) أنصافًا، (نِصْفٌ مُسِنَّات، ونِصْفٌ أَتْبِعَةٌ، و) تؤخذ دية (مِنْ غَنَمٍ) أنصافًا أيضًا، (نِصْفٌ ثَنَايَا، ونِصْفٌ أَجْذعةٌ)؛ لأن دية الإبل من الأسنان المقدرة في الزكاة فكذا البقر والغنم.
(وتُعْتَبَرُ السَّلَامَةُ) من عيب في الأنواع؛ لأن الإطلاق يقتضي السلامة، و (لا) تعتبر (القِيْمَةُ)، فلا يعتبر أن تبلغ قيمة الإبل والبقر والغنم دية نقد لعموم حديث: "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" 3 وهو مطلق فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولأنها كانت تؤخذ على عهده -صلى اللَّه عليه وسلم- وقيمتها ثمانية آلاف، وقول عمر: "أن الإبل قد غلت فقَوِّموها على أهل الورق باثني عشر
ألف"، 1 دليل على أنها في حال رخصها أقل قيمة من ذلك.
(ودِيَةُ أُنْثَى) حُرَّة (نِصْفُ دِيَةِ) الـ (رجُل مِنْ أَهْلِ دِيَتِها) 2 حكاه ابن المنذر وابن عبد البر إجماعًا 3، وفي كتاب عمرو بن حزم: "دية المرأة على النصف من دية الرجل"، 4، وهو مخصّص للخبر السابق، (وجِرَاحُهَا) أي الأنثى وقطعها (تُسَاوي جِرَاحَهُ) أي الرجل وقطعه (فِيمَا دُونَ ثُلُثِ دِيَتِهِ) لحديث عمرو بن شعصب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها" رواه النسائي 5، وقال ربيعة 6: "قلت لسعيد بن المسيب: كم في إصبع
المرأة؟ قال: عشر، قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون، قلت: ففي ثلاث أصابع؟ قال: ثلاثون، قلت: ففي أربع أصابع؟ قال: عشرون، قلت: لما عظمت مصيبتها قل عقلها، قال: هكذا السنة يا بن أخي" رواه سعيد في سننه 1، ولأنهما يستويان في الجنين فكذا باقي ما دون الثلث، وأما ما يوجب الثلث فما فوق فهي فيه على النصف من الذكر لقوله في الحديث: "حتى يبلغ الثلث" وحتى للغاية، فيجب أن يكون ما بعدها مخالفا لما قبلها.
ودية خُنثى مُشكل نصف دية كل [من] 2 الذكر والأنثى، أي ثلاثة أرباع دية ذكر لاحتماله الذكورة والأنوثة احتمالًا واحدًا، وقد أيس من انكشاف حاله فوجب التوسط بينهما، والعمل بكل من الاحتمالين، وكذا جراحه إذا بلغ ثلث الدية فأكثر.
(ودِيَةُ كِتَابِيٍّ) أي يهودي أو نصراني ومن تدين بالتوراة والإنجيل (حُرٍّ) ذمي أو
معاهد أو مستامن (نِصْفُ دِيَةِ مُسْلِمٍ) حرٍّ، لحديث عمِرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "دية المعاهد نصفُ دية المسلم" 1 وفي لفظ: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين" رواه أحمد 2، قال الخطّابي 3: "ليس في دية أهل الكتاب شيء أبين من هذا، ولا بأس بإسناده".
4، وكذا جراحه نصف جراح المسلمين.
(و) دية (مَجُوْسِيٍّ) حر ذمي أو معاهد أو مستأمن (و) دية حر (وثَنِيٍّ) أي عابد وثن، ودية غيرهما من المشركين مستأمن أو معاهد بدارنا أو غيرها (ثمَانمائةِ دِرهمٍ) وهو قول عمر، وعثمان، وابن مسعود في