قَتَلَ} 1، أو كان المقتول جنينا بأن ضرب بطن حامل فألقت جنينا ميتا أو حيا تم مات لأنه نفس محرمة، ولا كفارة بإلقاء مضغة لم تتصور، غير أسير حربي يمكنه أن يأتي به الإمام فيحرم عليه قتله ولا كفارة فيه، وغير نساء أهل حرب وذراريهم، وغير من لم تبلغه الدعوة فيحرم قتلهم ولا كفارة لمفهوم قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية، لأنه لا أمان لهم ولا إيمان والمنع من قتلهم للافتيات على الإمام وانتفاع المسلمين بهم أو لعدم الدعوة، ولأنهم غير مضمونين بقصاص ولا دية أشبهوا مباح الدم.
ولا كفارة على من قتل نفسا مباحة كباغ ومرتد ومن تحتم قتله للمحاربة وكالقتل قصاصا أو حدا أو دفاعا عن نفسه لأنه مأذون فيه شرعا.
(وهي) أي الكفارة (ككفارة ظهار) عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، (إلا أنها لا إطعام فيها) وتقدم 2، (ويكفر عبد بالصوم)؛ لأنه لا مال له يعتق منه، ويكفر من مال غير مكلف وليه.
فصل في القسامة
(والقسامة) -بفتح القاف- وهي: اسم مصدر، من أقسم إقساما وقسامة 1، قال الأزهري: "هم القوم يقسمون في دعواهم على رجل أنه قتل صاحبهم، سموا قسامة باسم المصدر، كعدل ورضا.
2
وشرعا: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) 3، لا نحو مرتد، قال ابن قتيبة 4: "أول من قضى بالقسامة في الجاهلية الوليد بن المغيرة فأقرها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- 5. ولا تكون القسامة في دعوى قطع طرف ولا في جرح؛ لأنها
ثبتت على خلاف الأصل في النفس لحرمتها فاختصت بها كالكفارة.
وشروط صحتها عشرة: - أحدها: اللوث 1 وهو: العداوة الظاهرة وجد معها أثر قتل كدم أو لا لحصول القتل بما لا أثر له كغم الوجه والخنق؛ ولأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- " [لم] 2 يسأل الأنصار هل بقتيلهم أثر أو لا" 3. ولو كانت العدواة مع سيد مقتول؛ لأن السيد هو المستحق لدمه، وأم الولد والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة في ذلك كالقن.
والعداوة الظاهرة نحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر 1، وما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضا بثأر، وما بين البغاة وأهل العدل، وما بين الشرطة واللصوص.
ولا يشترط مع اللوث أن لا يكون بموضع القتل غير العدو نصا 2؛ لأنه عليه السلام لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أو لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم.
فإن لم يكن عداوة ظاهرة ولكن غلب على الظن صدق المدعي كتفرقة جماعة عن قتيل، أو وجد قتيل عند من معه سيف ملطخ بدم، أو في زحام، أو شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم كالنساء والصبيان والفساق ونحو ذلك فليس بلوث، لقوله عليه السلام: "لو يعطى الناس بدعواهم... " الحديث 3، ومتى فقد اللوث وليست الدعوى بقتل عمد حلف مدعى عليه يمينا واحدة لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "البينة على من ادعى، واليمين على من
أنكر، إلا في القسامة" رواه الدارقطني 1، ولا يمين في دعوى قتل عمد مع فقد لوث لأنه ليس بمال.
الشرط الثاني: تكليف مدعى عليه القتل لتصح الدعوى لأنها لا تصح على صغير ولا مجنون.
الشرط الثالث: إمكان القتل منه، وإلا يمكن منه قتل لنحو زمانة لم تصح عليه دعواه كبقية الدعاوي التي يكذبها الحس.
الشرط الرابع: وصف القتل في الدعوى كأن يقول: جرحه بسيف أو سكين ونحوه في محل كذا من بدنه أو خنقه، فلو استحلفه حاكم قبل وصف مدع القتل لم يعتد به لعدم صحة الدعوى.
الشرط الخامس: طلب جميع الورثة فلا يكفي طلب بعضهم لعدم انفراده بالحق.
الشرط السادس: اتفاقهم على الدعوى فلا يكفي عدم تكذيب بعضهم إذ الساكت لا ينسب إليه حكم.
2
الشرط السابع: اتفاق الورثة على القتل فإن أنكر بعضهم فلا قسامة.
الشرط الثامن: اتفاقهم على عين قاتل نصا 1 فلو قال بعض الورثة: قتله زيد، وقال بعضهم: قتله بكر فلا قسامة.
الشرط التاسع: كون فيهم ذكور مكلفون 2 لحديث: "يقسم خمسون رجلا منكم وتستحقون دم صاحبكم" 3، ولأن القسامة يثبت بها قتل العمد فلا تسمع من النساء كالشهادة، والدية إنما تثبت ضمنا لا قصدا، ولا يقدح غيبة بعض الورثة ولا عدم تكليفه ولا نكوله عن اليمين؛ لأن القسامة حق له ولغيره فقيام المانع بصاحبه لا يمنع حلفه واستحقاقه لنصيبه كالمال المشترك.
فلذكر حاضر مكلف أن يحلف بقسطه من الأيمان ويستحق نصيبه من الدية كما لو كان الكل حاضرين مكلفين، ولمن قدم من الغائبين أو كلف من الورثة أن يحلف بقسط نصيبه من الأيمان ويأخذ نصيبه من الدية لبنائه على أيمان صاحبه كما لو كان حاضرا مكلفا ابتداء.
الشرط العاشر: كون الدعوى على واحد معين
لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنصار: "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برُمَّتِهِ" 1، ولأنها بينة ضعيفة خُولف بها الأصل في قتل الواحد فاقتصر عليه.
فلو قال الورثة: قتله هذا مع آخر أو قتله أحدهما فلا قسامة لما تقدم من اشتراط اتحاد المدعى عليه.
ولا يشترط كون القسامة بقتل عمد لأنها حجة شرعية فوجب أن يثبت بها الخطأ كالعمد، ويقاد فيها إذا تمت الشروط العشرة وشروط القود لقوله عليه السلام: "يحلف خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برُمَّتِهِ" وفي لفظ لمسلم: "ويسلم إليكم" 2، والرُّمَّة: الحبل الذي يربط به من عليه القود 3، ولثبوت العمد بالقسامة كالبينة فيثبت أثره، وروى الأثرم بسنده عن عامر الأحول 4: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أقاد بالقسامة في الطائف" 5.
(وإِذَا تَمَّتْ شُرُوطُهَا) المذكورة (بُدِئَ بأَيمانِ ذُكورِ عَصَبَتِهِ) أي القتيل (الوَارِثينَ) بدل من العصبة، أي بذكور الوارثين له فيقدمون بها على أيمان المدعى عليه فلا يمكن مدعى عليه من حلف مع وجود ذكر من ورثة القتيل، ومع وجود شرط القسامة لقيام أيمانهم مقام بينتهم هنا خاصة للخبر، (فيَحْلِفُونَ خَمْسِيْنَ يمينًا كُلّ) واحد (بقَدْرِ إِرْثِهِ) من القتيل لأنه حق ثبت تبعا للميراث أشبه المال، (ويُجْبَرُ كَسْرٌ) كابن وزوج فيحلف الابن ثمانية وثلاثين ويحلف الزوج ثلاثة عشر يمينًا؛ لأن للزوج الربع وهو من الخمسين اثنا عشر ونصف فيكمل فيصير ثلاثة عشر، وللابن الباقي وهو سبعة وثلاثون ونصف فيكمل فيصير كما ذكر، وقس على ذلك.
ويعتبر لأيمان قسامة حضور مدع ومدعى عليه وقت حلف كبينة عليه، ويجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا غائبين عن مكان القتل قاله القاضي 1، ولا ينبغي أن يحلفوا إلا بعد الاستيثاق وغلبة الظن، وينبغي للحاكم أن يعظهم ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة.
ولا يعتبر فيها مولاة الأيمان ولا كونها في مجلس واحد.
وإن جاوز ذكور الورثة خمسين رجلا حلف منهم خمسون كل واحد يمينا
لقوله عليه السلام: "يقسم خمسون منكم.. " الحديث، وسيد في ذلك كوارث، فإن كان رجلا واحدا أو معه نساء حلفها، وإن كان اثنين فأكثر حلف كل منهم بقدر ملكه فيه.
ومتى حلف الذكور من الورثة فالحق الواجب بالقتل حتى في قتل عمد لجميع الورثة ذكورا ونساء؛ لأنه حق ثبت للميت فصار لورثته كالدين.
(فإن نكلوا) أي ذكور الورثة عن أيمان القسامة (أو كان الكل نساء) أو خناثا (حلفها) أي الخمسين يمينا (مدعى عليه وبرئ) لقوله عليه السلام: "فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم" أي يبرأون منكم وفي لفظ: "فيحلفون خمسين يمينا ويبرأون من دمه" إن رضي الورثة بأيمان مدعى عليه، لأنه عليه السلام لم يحلف اليهود حين قال الأنصار: "كيف نأخذ بأيمان قوم كفار".
ومتى نكل مدعى عليه عن شيء من الخمسين يمينا لزمته الدية، وليس للمدعي إن ردها المدعى عليه أن يحلف لنكوله عنها أو لا.
وإن نكل الورثة عن أيمان القسامة ولم يرضوا بيمين المدعى عليه فدى الإمام القتيل من بيت المال وخلى المدعى عليه؛ لأنه عليه السلام ودى الأنصاري من عنده لما لم ترض الأنصار بيمين اليهود، ولأنه لم يبق سبيل إلى الثبوت ولم يوجد ما يوجب السقوط فوجب الغرم من بيت المال لئلا يضيع المعصوم هدرا، كميت في
زحمة، كجمعة وطواف فيفدى من بيت المال نصا 1، واحتج بما روي عن عمر وعلي 2، ومنه ما روى سعيد في سننه عن إبراهيم 3 قال: "قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله فقال علي: يا أمير المؤمنين لا يعطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله، وإلا فأعط ديته من بيت المال" 4.
(كتاب الحدود)
وهي جمع حد، وهو لغة: المنع 1، وحدود اللَّه محارمه لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ 2 وحدوده أيضًا: ما حده وقدره كالمواريث وتزويج الأربع لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ 3 وما حده الشرع لا يجوز فيه زيادة ولا نقصان.
وعرفا: عقوبة مقدرة شرعا في معصية من زنا وقذف وشرب وقطع طريق وسرفهّ لتمنع تلك العقوية من الوقوع في مثلها.
4
و(لا تجب) الحدود (إلا على مكلف) لحديث: "رفع القلم عن ثلاثة" رواه أبو داود والترمذي وحسنه 5، والحد أولى بالسقوط من العبادة لعدم التكليف لأنه يدرء بالشبهة، ومن يخنق إذا أقر أنه زنا في إفاقته أخذ بإقراره وحد، وإن أقر في إفاقته أنه زنا ولم يضفه إلى حال أو شهدت عليه بينة أنه زنا ولم تضفه إلى حال إفاقته فلا حد للاحتمال، وكذا لا حد على نائم ولا نائمة.
(ملتزم) أحكامنا من هم وذمي، بخلاف حربي ومستأمن (عالم بالتحريم)
لقول عمر وعثمان وعلي: "لا حد إلا على من علمه" 1، فلا حد على من جهله لأن جهل تحريم الزنى أو عين المرأة كأن زفت إليه غير امرأته فوطئها ظانا أنها امرأته ونحوه لحديث: "ادرؤا الحدود بالشبهات ما استطعتم" 2. (وعلى إمام أو نائبه إقامتها) أي الحدود مطلقا سواء كان الحد للَّه تعالى كحد زنا أو لآدمي كحد قذف؛ لأنه يفتقر إلى الاجتهاد ولا يؤمن فيه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب اللَّه تعالى في خلقه، ولأنه عليه الصلاة والسلام كان يقيم الحدود في حياته، وكذا خلفاؤه من بعده، ويقوم
نائب الإمام مقامه لقوله عليه السلام: "واغد يا أنيس 1 إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها" 2، وأمر برجم ماعز 3 ولم يحضره 4، وقال في سارق أتي به: "اذهبوا
به فاقطعوه" 1. وتحرم شفاعة في حد للَّه تعالى بعد أن يبلغ الإمام، ويحرم قبولها بعد أن تبلغه لقوله عليه السلام: "فهلا قبل أن تأتيني به" 2، ولأن الشفاعة فيه طلب فعل محرم على من طلب منه.
ولسيد حر مكلف عالم بالحد وشروطه ولو كان فاسقا أو امرأة إقامة الحد بجلد أو تعزير على رقيق كله [له] 1، لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" 2، ولأن السيد يملك تأديب رقيقه وضربه على الذنب وهذا من جنسه، ولكون سبب ولايته الملك استوى العدل والذكر فيه وضدهما، ولو كان الرقيق مكاتبا أو مرهونا أو مستاجرا فلسيده جلده في الحد بشرطه لعموم الخبر، ولتمام ملكه عليه.
ولا يقيمه سيد على أمة مزوجة لقول ابن عمر: "إذا كانت الأمة مزوجة رفعت إلى السلطان، فإن لم يكن لها زوج جلدها سيد نصف ما على المحصن" 3، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، ولأن منفعتها مملوكة لغيره ملكا غير مقيد بوقت أشبهت المشتركة، وما ثبت مما يوجب الحد على رقيق بعلم السيد برؤية أو غيرها أو إقرار كالثابت ببينة؛ لأنه يجري مجرى التأديب، بخلاف الحاكم فإنه متهم، وللسيد سماع البينة على رقيقه إذا علم شروطها، وليس له قتل
في ردة، ولا قطع في سرقة؛ لأن الأصل تفويض إقامة الحد إلى الإمام، وإنما فوض الجلد إلى السيد خاصة لأنه تأديب، والحديث جاء في جارية زنت، فالظاهر أنه إنما أراد ذلك الحد وشبهه، ولأن في الجلد سترا على رقيقه لئلا يفتضح بإقامة الإمام الحد عليه فتنقص قيمته وذلك منتف فيهما.
ويجب إقامة الحد ولو كان من يقيمه شريكا أو عونا لمن يقيمه عليه في تلك المعصية لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في هذه الحالة، ولا يجمع بين معصيتين.
وتحرم إقامته بمسجد لحديث حكيم بن حزام 1: "أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نهى أن يستقاد بالمسجد، وأن تنشد فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود" 2؛ ولأنه لا يؤمن من حدوث ما يلوث المسجد، فإن أقيم به لم يعد لحصول المقصود من الزجر.
ويحرم أن يقيمه إمام أو نائبه بعلمه بلا بينة لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ 1 ولقوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 2، ولأنه لا يجوز له التكلم به فالعمل أولى، حتى لو رماه بما علمه منه لكان قاذفا يحد للقذف.
(ويضرب) الـ (رجل) الحد (قائما) ليعطى كل عضو حظه من الضرب (بسوط)، قال في "الرعاية" 3 من عنده: "حجم السوط بين القضيب والعصا".
وهو معنى ما في شرح المهذب للحنفية، وفي المختار لهم: بسوط لا ثمرة له 4. قال في "المبدع" 5: "فيتعين أن لا يكون من الجلد".
(لا خلق) نصا بفتح اللام؛ لأنه لا يؤلم (ولا جديد) لئلا يجرح، وفي "الرعاية" 6: بين اليابس والرطب.
وروى مالك عن زيد بن أسلم 7 مرسلا أن رجلا اعترف عند
النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأتي بسوط مكسور فقال: "فوق هذا"، فأتي بسوط جديد لم تكسر ثمرته فقال: "بين هاذين" 1، وروي عن أبي هريرة مسندا 2، وعن علي: "ضرب بين ضربين وسوط بين سوطين" 3، أي لا شديد فيقتل ولا ضعيف فلا يردع.
بلا مد ولا ربط ولا تجريد لقول ابن مسعود: "ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد" 4، ولم ينقل عن أحد من أصحابه عليه السلام فعل ذلك، (ويكون
عليه قميص وقميصان) وينزع عنه فرو وجبة محشوة؛ لأنه لو ترك عليه ذلك لم يبال بالضرب، ولا يبالغ في ضرب بحيث يشق الجلد؛ لأن القصد أدبه لا إهلاكه، (ولا يبدي ضارب إبطه) في رفع يد للضرب نصا، (ويسن تفريقه) أي الضرب (على الأعضاء) ليأخذ منه كل عضو حظه، وتوالي الضرب على عضو واحد يؤدي إلى قتله، وهو مأمور بعدمه، قال في "الشرح" 1: "ويكثر منه في مواضع اللحم كالآليتين والفخذين".
ويضرب من جالس ظهره وما قاربه، (ويجب) في الجلد (اتقاء وجه و) اتقاء (رأس و) اتقاء (فرج و) اتقاء (مقتل) كفؤاد وخصيتين لئلا يؤدى ضربه في شيء من هذه المواضع إلى قتله أو ذهاب منفعته، والقصد أدبه فقط.
(وامرأة كرجل لكن تضرب جالسة) لقول علي: "تضرب المرأة جالسة، والرجل قائما" 2، (وتشد عليها ثيابها وتمسك يداها) لئلا تنكشف لأن المرأة عورة وفعل ذلك أستر لها.
= ضعيف، فإنه مع انقطاعه بين الضحاك وابن مسعود، فإن جويبرا متروك".
ويعتبر لإقامة حد نية بأن ينويه للَّه ولما وضع اللَّه ذلك [لأجله كالزجر] 1، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" 2، لكن إن نوى الإمام وأمر عبدا أعجميا لا معرفة له بالنية أجزأت نية الإمام والعبد كالآلة ذكره في "الفصول" 3، ولا تعتبر موالاة الضرب في الجلد لزيادة العقوبة ولسقوطه بالشبهة.
وأشد الجلد في الحدود جلد زنا فقذف فشرب فتعزير.
(ولا يحفر لمرجوم) ولو كان أنثى ولو ثبت الزنى عليها ببينة؛ لأنه عليه السلام لم يحفر للجهنية 4،
واليهوديين 1. (ومن مات وعليه حد سقط) بموته.
وإن رأى الإمام أو نائبه الضرب في حد شرب مسكر بجريد أو نعال وأيد فله ذلك، لحديث أبي داود عن أبي هريرة أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أتي برجل قد شرب فقال: "اضربوه، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بنعله، والضارب بثوبه، والضارب بيده" 2.
ولا يؤخر استيفاء حد لمرض ولو رجي زواله؛ لأن عمر أقام الحد على قدامة بن مظعون 3 في مرضه ولم يؤخر 4 وانتشر ذلك ولم ينكر؛ ولأن الأصل في الأمر = الجنائز برقم (1957) المجتبى 4/ 63، وأحمد برقم (19360) المسند 5/ 593، والدرمي، باب الحامل إذا اعترفت بالزناء، كتاب الحدود برقم (2325) سنن الدارمي 2/ 235.
أنه للفور فلا يؤخر المأمور به بلا حجة، ولا يؤخره لحر أو برد أو ضعف لما تقدم.
فإن كان الحد جلدا وخيف على المحدود من السوط لم يتعين، فيقام عليه الحد بطرف ثوب وعثكول 1 نخل وهو: الضغث -بالضاد والغين المعجمتين والثاء المثلثة- فإذا أخذ ضغثا به مائة شمراخ فضربه ضربة واحدة أجزأ، لحديث أبي داود والنسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف 2 عن بعض أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- 3 لكن قال ابن المنذر: في إسناده مقال.
4، ولأن ضربه التام يؤدي إلى
إتلافه، وتركه بالكلية غير جائز فتعين ما ذكر.
ويؤخر الحد لسكر حتى يصحو الشارب نصا 1، فلو خالف وأقام الحد عليه في سكره سقط الحد إن أحس بألم الضرب وإلا فلا.
ويؤخر قطع في سرقة ونحوها خوف تلف محدود بقطعه لما مر أن القصد زجره لا إهلاكه.
ويحرم بعد إقامة حد حبس محدود وإيذاؤه بكلام كالتعبير لنسخه بمشروعية الحد كنسخ حبس المرأة، ومن مات بجلد في تعزير أو في حد بقطع أو جلد ولم يلزم تأخيره فهدر؛ لأنه مات في فعل مأذون فيه شرعا.
فإن لزم تأخير الحد بأن كانت حاملا أو كان مريضا ووجب عليه القطع فاستوفاه إذن فتلف المحدود ضمنه لعدوانه.
ومن زاد في عدد جلد ولو جلدة أو في السوط الذي ضرب به أو اعتمد في ضربه أو ضربه بسوط لا يحتمله فتلف ضمنه بديته كاملة لحصول التلف بعدوانه.
ويجب في إقامة حد زنا حضور إمام أو نائبه وحضور طائفة من المؤمنين ولو واحدا مع من يقيم الحد لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 1، وسن حضور من شهد بزنا وبداءتهم برجم، وإن ثبت بإقرار سن بداءة إمام أو نائبه، لما روى سعيد عن علي: "الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإِمام، وما كان ببينة فأول من يرجم البينة ثم الناس" 2، ولأن فعل ذلك أبعد من التهمة في الكذب عليه، والسنة أن يدور الناس حول المرجوم إن ثبت ببينة لا بإقرار ولاحتمال أن يهرب فيترك.
ومتى رجع مقر بزنا عن إقراره، أو رجع مقر بسرقة، أو بشرب خمر عن إقراره قبل أن يقام عليه الحد ولو بعد الشهادة على إقراره لم يقم عليه، وإن رجع في أثناء الحد أو هرب ترك؛ لأن ماعزا هرب فذكر ذلك للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب اللَّه عليه" 3.
فإن تمم حد على راجع فلا قود للشبهة، ويضمن راجع لا هارب بالدية لزوال إقراره برجوعه عنه، بخلاف الهارب، ومثله من طلب أن يرد للحاكم لأن ذلك ليس صريحا في رجوعه.
وإن ثبت زنا أو سرقة أو شرب ببينة على الفعل فهرب لم يترك؛ لأنه لا أثر لرجوعه ولا هربه إذن.
ومن أتى حدا ستر نفسه استحبابا, ولم يجب ولم يسن أن يقر به عند حاكم لحديث: "إن اللَّه ستير ويحب من عباده الستير" 1، والحد كفارة لذلك الذنب الذي أوجبه للخبر.
= 285، وابن أبي شيبة، باب في الزاني كم مرة يرد، كتاب الحدود برقم (8816) الكتاب المصنف 10/ 71، 72، والبيهقي، باب من أجاز أن لا يحضر الإِمام المرجومين ولا الشهود، كتاب الحدود، السنن الكبرى 8/ 219، والحديث حسن إسناده الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 58، وكذا الألباني في الإرواء 7/ 358.
وإذا اجتمعت حدود للَّه تعالى من جنس واحد بأن زنى أو سرق أو شرب مرارا تداخلت، فلا يحدّ سوى مرة حكاه ابن المنذر إجماع كل من يحفظ عنه من أهل العلم 1؛ لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بحد واحد، وكالكفارة من جنس.
وإن اجتمعت حدود للَّه تعالى من أجناس كإن زنى وسرق وشرب وفيها قتل بأن كان محصنا استوفى القتل وحده، لقول ابن مسعود: "إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط القتل بذلك" رواه سعيد 2، ولا يعرف له مخالف من الصحابة، وكالمحارب إذا قتل وأخذ المال، ولأن الغرض الزجر ومع القتل لا حاجة له.
وإلا يكن فيها قتل وهي من أجناس وجب أن يبدأ بالأخف فالأخف، فيحد أولا لشرب، ثم لزنا، ثم يقطع.
وتستوفى حقوق آدمي كلها فيها قتل أو لا كسائر حقوقه، ولأن ما دون القتل حق لآدمي فلا يسقط بالقتل كالديون، بخلاف حق اللَّه فإنه مبني على المسامحة، ويبدأ بغير قتل بالأخف فالأخف وجوبا، فمن قذف، وقطع
عضوا، وقتل مكافئا، حد أولا لقذف، ثم قطع، ثم قتل.
وكذا لو اجتمعت حقوق آدمي مع حدود اللَّه تعالى فتستوفى كلها ويبدأ بحق آدمي، فلو زنى وشرب مسكرا وقذف وقطع يدا قطعت يده؛ لأنه محض حق آدمي لسقوطه بإسقاطه، ثم حد لقذف للاختلاف في كونه حقا لآدمي، ثم لشرب، ثم لزنا.
ولا يستوفى حد حتى يبرأ ما قبله لئلا يؤدي توالي الحدود عليه إلى تلفه.
فصل
ومن قتل أو أتى حدا خارج حرم مكة ثم لجأ إليه، أو لجا حربي أو مرتد إليه حرم أن يؤاخذ حتى بدون قتل فيه، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ 1، وهو خبر أريد به الأمر، أي: أمنوه 2، ولأنه عليه السلام: "حرم سفك الدم بمكة" 3، وقوله عليه السلام: "فقولوا: إن اللَّه أذن لرسوله، ولم يأذن لكم" 4، وقوله: "إن أعدى الناس على اللَّه من قتل في الحرم" رواه أحمد من حديث عبد اللَّه بن عمر 5، وحديث أبي
شريح 1، وقال ابن عمر: "لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته" رواه أحمد 2.
لكن لا يبايع ولا يشارى ولا يكلم زاد في "الروضة": "ولا يؤاكل ولا يشارب".
3 حتى يخرج منه فيقام عليه، لئلا يتمكن من الإقامة دائما فيضيع الحق عليه.
ومن فعله فيه أخذ به فيه لقول ابن عباس: "من أحدث حدثا في الحرم أقيم = طريق حسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وأرده الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 177 وقال: "رواه الطبراني، ورجاله ثقات".
ا. هـ. وأخرجه ابن حبان، من حديث عبد اللَّه بن عمر -رضي اللَّه عنهما- باب ذكر نفي القصاص في القتل.. الخ، كتاب الجنايات برقم (5996) الإحسان 13/ 341، وفيه: "إن أعتى الناس على اللَّه ثلاثة: من قتل في حرم اللَّه، أو قتل غير قاتله... "، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط -محقق الإحسان-: "إسناده حسن... والخبر بطوله من حديث ابن عمر لم أجده عند غير المؤلف.. وأخرجه مطولا مع قليل من الاختصار: أحمد من طريقين عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فجعله من مسند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وهذا سند حسن".
عليه ما أحدث من شيء" رواه الأثرم 1، ومن قوتل في الحرم دفع عن نفسه فقط، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ 2، ولأن أهل الحرم محتاجون إلى الزجر عن ارتكاب المعاصي كغيرهم حفظا لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولهتك الجاني ونحوه في الحرم حرمته، فلا ينتهر لتحريم دمه وصيانته كالجاني في دار الملك لا يعصم لحرمة الملك.
ونسخ تحريم القتال في الأشهر الحرم، ولا تعصم الأشهر الحرم شيئًا من الحدود والجنايات، فلو أتى بشيء من ذلك ثم دخل شهر حرام أقيم عليه ما وجب قبله لعموم الأدلة.
فصل في حد الزنى
بالقصر في لغة الحجاز والمد عند تميم.
1
وهو فعل الفاحشة في قبل أو دبر 2. وهو من أكبر الكبائر، وأجمعوا على تحريمه 3 لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)﴾ 4, وحديث: "اجتنبوا السبع المويقات" 5، وكان حد
الزنى في صدر الإِسلام الحبس للنساء، والأذى بالكلام للرجال، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ الآيتين 1 ثم نسخ بحديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" رواه مسلم 2، وأجاز أصحابنا نسخ الكتاب بالسنة 3، ومن منع ذلك قال: ليس هذا نسخا إنما هو تفسير للقرآن وتبيين = 8/ 137، ومسلم، باب كون الشرك أقبح الذنوب، كتاب الإيمان, برقم (86) صحيح مسلم 1/ 90 - 91.
له 1، ويمكن أن يقال: نسخه حصل بالقرآن، فإن الجلد في كتاب اللَّه تعالى، والرجم كان فيه فنسخ رسمه وبقي حكمه، قاله في "المغني" 2 و"الشرح" 3.
(فيرجم زان) مكلف (محصن) وجوبا بحجارة متوسطة كالكف، فلا ينبغي أن يثخن بصخرة كبيرة، ولا أن يطول عليه بحصاة خفيفة، ويتقى الوجه (حتى يموت) لحديث عمر قال: "إن اللَّه تعالى بعث محمدا -صلى اللَّه عليه وسلم- بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأتها وعقلتها ووعيتها، رجم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورجمنا بعده، فاخشى إن طال بالناس زمان يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب اللَّه، فيضل بترك فريضة.
أنزلها اللَّه تعالى، فالرجم حق على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت به البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم" متفق عليه 4، ولا يجلد محصن قبل الرجم قال
الأثرم: سمعت أبا 1 عبد اللَّه يقول في حديث عبادة: أنه أول حد نزل، وأن حديث ماعز بعده، رجمه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولم يجلده، وعمر رجم ولم يجلد 2. (وغيره) أي المحصن بأن زنا حر مكلف غير محصن فإنه (يجلد مائة) بلا خلاف للخبر، (ويغرب) إلى ما يراه الإمام لا هو (عاما) ولو أنثى، مسلما كان أو كافرا، لعموم الخبر؛ ولأنه حد ترتب على الزاني فوجب على الكافر كالقود، وروى الترمذي عن ابن عمر: "أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب" 3. ويكون تغريب أنثى مع محرم باذل نفسه معها وجوبا لعموم نهيها عن السفر بلا محرم، وعليها أجرته لصرف نفعه في أداء ما وجب عليها، فإن تعذرت أجرته = 6/ 158، ومن حديث زيد بن ثابت برقم (21086) المسند 6/ 234، والدارمي، باب في حد المحصنين بالزناء، كتاب الحدود برقم 2323، سنن الدارمي 2/ 234، والحاكم، باب من كفر بالقرآن، كتاب الحدود، المستدرك 4/ 360 وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
منها لعدم أو امتناع فمن بيت المال؛ لأنه من المصالح، فإن أبى السفر معها، أو تعذر بأن لم يكن لها محرم فتغرب وحدها إلى مسافة قصر للحاجة كسفر الهجرة وكالحج إذا مات المحرم في الطريق، ويغرب غريب زنى إلى غير وطنه لأن عوده إلى وطنه ليس تغريبا.
(و) يجلد (رقيق) زنى (خمسين) جلدة لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ 1، والعذاب المذكور في القرآن مائة جلدة فينصرف التنصيف إليه دون غيره والرجم لا يتأتى تنصيفه، (ولا يغرب) رقيق زنى؛ لأنه عقوبة لسيده دونه، إذ العبد لا ضرر عليه في تغريبه؛ لأنه غريب في موضعه، ويترفه فيه بترك الخدمة، ويتضرر سيده بذلك، ولا يعير زان بعد الحد، لقوله عليه السلام: "فليجلدها ولا يثرب" 2 يقال: ثربه أي: لامه وعيره بذنبه 3.
(و) يجلد ويغرب (مبعض) زنى (بحسابه) [فيهما] 4، فالمنصف يجلد خمس
وسبعون جلدة ويغرب نصف عام نصا 1، ويحسب زمن التغريب عليه من نصيبه الحر، والمدبر والمكاتب وأم الولد والعلق عتقه بصفة كالرقيق في الحد لأنه رقيق كله.
وإن زنى محصن ببكر وعكسه فلكل حده، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد: "في رجلين اختصما إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وكان ابن أحدهما عسيفا 2 عند الآخر فزنا بامرأته، فجلد ابنه مائة وغربه عاما، وأمر أنيسا الأسلمي يأتي امرأة الآخر، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها" متفق عليه 3، وزان بذات محرم كزان بغيرها على ما سبق تفصيله لعموم الأخبار.
ولوطي فاعل ومفعول به كزان، فمن كان منهما محصنا رجم وغير المحصن يجلد مائة ويغرب عاما، والرقيق يجلد خمسين والمبعض بحسابه لحديث: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" 4، ومن أتى البهيمة ولو سمكة عزر، روي عن
ابن عباس 1, لأنه لا نص فيه يصح، ولا يصح قياسه على فرج الآدمي؛ لأنه لا حرمة له، والنفوس تعافه، وقتلت البهيمة المأتية مأكولة كانت أو لا، لئلا يغتر بها, لحديث ابن عباس مرفوعًا: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي 2، وضعفه الطحاوي 3، وصح عن ابن
عباس: "من أتى البهيمة فلا حد عليه" 1 لكن لا تقتل إلا بالشهادة على فعله بها إن لم تكن ملكه؛ لأنه لا يقبل إقراره على ملك غيره، ويحرم أكلها؛ لأنها حيوان وجب قتله لحق اللَّه تعالى، أشبه سائر المقتولات، فيضمنها الآتي لها بقيمتها لإتلافها بسببه كما لو جرحها فماتت.
(والمحصن: من وطئ زوجته) لا سريته (بنكاح صحيح) لا باطل ولا فاسد ولو كتابية (في قبلها ولو مرة)، أو في حيض، أو صوم، أو إحرام ونحوه وهما حران مكلفان ولو مستأمنين أو ذميين، فلا إحصان مع صغر أحدهما أو جنونه أو رقه، فلا إحصان لواحد منهما مع فقد شيء مما ذكر من القيود السابقة، ويثبت إحصانه بقوله: وطئتها أو جامعتها أو دخلت بها, ولا يثبت إحصان بولده منها مع إنكاره وطئها؛ لأن الولد يلحق بإمكان الوطء، والإحصان لا يثبت إلا بحقيقة الوطء، وكذا لو كان لامرأة ولد من زوجها فأنكرت أن يكون وطئها لم يثبت إحصانها لذلك.
وإذا جلد زان على أنه بكر فبان محصنا رجم، لحديث جابر: "أن رجلا زنى بامرأة فأمر به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فجلد به الحد، ثم أخبر أنه محصن
فرجم" رواه أبو داود 1، ولتبين أنه لم يحد الحد الواجب.
ويكفن المحدود بالرجم ويغسل ويصلى عليه إن كان مسلما، قال أحمد 2: سئل علي عن شراحة 3 وكان رجماها فقال: "اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم، وصلى علي عليها" 4 وللترمذي عن عمران بن حصين في الجهنية: "فأمر بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فرجمت، وصلى عليها" وقال: "حسن صحيح".
5